إدوارد سعيد: القضية الفلسطينية… بين الهوية والضمير

 


ادوارد سعيد


القضية الفلسطينية: همس الهوية في زمن الظلم

فلسطين ليست مجرد أرض، بل صوت يصرخ عبر التاريخ، صرخة شعب يحاول البقاء، أن يحلم، أن يكتب ويحيى رغم كل الصمت.


يعتبر كتاب 'القضية الفلسطينية' لمؤلفه إدوارد سعيد كتاباً جيداً ومفيداً لا يقل في أهميته عن كتاب 'الاستشراق'. وهو الكتاب الذي حقق الشهرة لهذا المفكر الأمريكي ذي الأصول الفلسطينية، والذي كان يدرّس الأدب المقارن في جامعة كولومبيا. كما يضع هذا الكتاب إحدى 'وجهات النظر الفلسطينية' القليلة حول تاريخ فلسطين بين يدي الثقافة الغربية.

ولا يزال هذا الكتاب، الذي نُشر قبل اكثر من ثلاثين عاماً، يعرض جوانب وموضوعات متميزة تستحق الدراسة والتمحيص. كما يتيح هذا الكتاب لنا أن ننظر بعمق إلى الجذور التاريخية التي تقف وراء ما يحصل على أرض فلسطين في هذه الأيام. وأظن أن ما يجعل كتاب 'القضية الفلسطينية' لإدوارد سعيد ذا قيمة لا يستهان بها هو محاولته إعادة وضع 'قضية فلسطين' في سياق المنظور الفلسطيني - وليس إلى المنظور العربي أو الإسلامي العام - والانطلاق من نقطة بداية الأحداث: والتي تتمثل بولادة الحركة الصهيونية، وبثّ أيديولوجيتها في سياق الثقافة الاستعمارية الأوروبية في نهاية القرن التاسع عشر من القرن الماضي وتشجيع اليهود على الهجرة إلى فلسطين. وفي نفس الوقت، يعرض سعيد في كتابه نبذة موجزة حول تاريخ الشعب الفلسطيني، حيث يقدم عرضاً شاملاً حول الخصائص الديموغرافية والاجتماعية التي يتميز بها هذا الشعب.

وكما يقول المؤلف، يتعين علينا أن ننطلق من هذه العناصر إن كنا نريد 'أن نفهم' القضية الفلسطينية. وبالتوازي مع الاقتراح المنهجي، تعني عبارة 'أن نفهم' أن نُلقي الضوء على التواصل التاريخي والأيديولوجي الذي يربط عدداً ضخماً من الأحداث مع بعضها البعض ضمن سلسلة طويلة تشمل الموجات الأولى من الهجرة الصهيونية إلى فلسطين، وتأسيس دولة إسرائيل، وتوسعها الإقليمي المتزايد، وتشريد الشعب الفلسطيني عام 1948، وإنكار الهوية الجماعية للفلسطينيين (من قِبل الإسرائيليين والعرب على حد سواء)، والاحتلال العسكري لجميع الأراضي الفلسطينية وما تلاها من أحداث.

في  كتاب القضية الفلسطينية، لا يقدم إدوارد سعيد مجرد تحليل سياسي، بل ينسج بين العقل والضمير، بين التاريخ والإنسانية. الكتاب ليس سردًا للأحداث فقط، بل مرآة لصوت الفلسطينيين، لصدى الشتات، ولخيبات الأمل والتضحيات التي عايشوها على مدار عقود.

كتاب القضية الفلسطينية


يبدأ إدوارد سعيد بتفكيك الروايات الرسمية التي حاولت أن تختزل فلسطين في خريطة أو نزاع إقليمي. بالنسبة له، القضية أعمق من حدود أو خرائط، وأوسع من تصريحات دبلوماسية: هي قضية مستمرة عن العدالة، عن الحق في الوجود، عن القدرة على الحفاظ على الهوية في مواجهة التشريد والاحتلال. ومن خلال جمع عدد كبير من الوثائق وتفسيرها بلغة قوية، يتضح لنا أن سعيد يصرّ على مسألة مهمة. فبين القرنين التاسع عشر والعشرين حينما كانت القوى الأوروبية - وعلى رأسها إنجلترا - تعمل على تحديد مصير فلسطين وتشجع الحركة الصهيونية على احتلالها، لم تكن فلسطين صحراء لا سكان فيها. بل على العكس من ذلك، كانت فلسطين بلداً عامراً بمجتمع مدني ذي كيان سياسي يناهز عدد أفراده 600,000 نسمة، كانوا يعيشون في هذه الأرض بصورة شرعية لقرون خلت. وقد كان الفلسطينيون الذين يتحدثون العربية في معظمهم من السُّنة ويعيشون جنباً مع الأقليات المسيحية والدرزية والشيعة، الذين ينطقون العربية كذلك. وبفضل مستواهم التعليمي العالي، كان يُنظر إلى أبناء الطبقة المتوسطة في فلسطين من بين النخبة في الشرق الأوسط؛ حيث كان المفكرون والمقاولون وموظفو البنوك الفلسطينيون يتبوأون مناصب بارزة في الدول العربية والإدارات الحكومية والمنشآت الصناعية في العالم العربي. ولم يزل هذا الوضع الاجتماعي والديموغرافي يَسِم فلسطين في العقود الأولى من القرن العشرين، كما بقي هذا الوضع قائماً حتى أسابيع قليلة قبل إقامة دولة إسرائيل في ربيع عام 1948. وفي ذلك الوقت، كان السكان الأصليون الذين قارب عددهم 1,500,000 نسمة يعيشون في فلسطين (في حين كان عدد اليهود - وعلى الرغم من الأعداد الضخمة التي تدفقت إلى فلسطين خلال حقبة ما بعد الحرب - يزيد عن 500,000 بقليل).

يغوص الكتاب في التاريخ الشخصي والجمعي للشعب الفلسطيني؛ يروي قصص الشتات، نفي العائلات، وحرمانهم من الأرض، لكنه في الوقت نفسه يسلط الضوء على الإبداع الثقافي الذي حافظ على الهوية الفلسطينية رغم الصعاب. من خلاله، نرى كيف أصبح الأدب والموسيقى والفن الفلسطيني أدوات للمقاومة الروحية والثقافية، كما هو الأدب الفلسطيني الذي وصفه سعيد في أعماله الأخرى.

يجمع أسلوب سعيد بين الرؤية الأكاديمية والتحليل النقدي واللغة الشعرية أحيانًا؛ فهو قادر على جعل القارئ يشعر بالمعاناة اليومية للفلسطينيين، كأن كل فقرة نغم من نغمات الصمود والحرمان والأمل في آن واحد.  يشرح الكتاب كيف ساهمت السياسة الدولية في تهميش الفلسطينيين، ويعرض التناقضات الأخلاقية للعالم الذي غالبًا ما يتجاهل حقوقهم بينما يروج لحقوق الإنسان بشكل عام.

لا تكمن القيمة الكبرى للكتاب في الوقائع فقط، بل في الأسئلة التي يتركها للقارئ: ما معنى العدالة إذا تجاهلت القوى العالمية حقوق شعب بأكمله؟ كيف يمكن للعالم أن يستمع لصوت المهمشين؟ كيف يمكن للفلسطينيين الحفاظ على كرامتهم وهويتهم وسط قسوة التهميش والاحتلال؟

سعيد يجعل من فلسطين فضاءً للوعي الإنساني العام، حيث تتقاطع السياسة بالضمير، والتاريخ بالهوية، والصبر بالأمل. الكتاب يذكّرنا بأن قضية فلسطين ليست بعيدة أو مجرد خبر، بل تجربة إنسانية عميقة، صرخة مستمرة تطالب بالاعتراف، بالعدالة، وبالحق في الحياة.

في النهاية،   كتاب القضية الفلسطينية ليس دعوة للسياسة فقط، بل دعوة للتأمل، للمساءلة، ولرؤية فلسطين من منظور إنساني متكامل، حيث العدالة والكرامة هما العنوان الرئيس لأي حل محتمل. قراءة هذا الكتاب تشبه السير عبر قلب فلسطين الصامت، الاستماع إلى همسات الضحايا، والبحث عن أمل يرفض الانطفاء.

ما يميز الكتاب هو قدرته على المزج بين العقل والضمير: فهو يثير التساؤلات الأخلاقية حول التدخل الدولي، عنف الدولة، وسياسات الهجرة واللجوء، ويبرز كيف أن التغاضي عن الحقوق الفلسطينية أصبح جزءًا من الظلم الهيكلي العالمي. بهذا المعنى، الكتاب ليس وثيقة تاريخية فحسب، بل دعوة للتفكير، للمساءلة، وللتضامن الإنساني.

إدوارد سعيد من خلال هذا العمل يجعل القارئ يرى فلسطين كما يراها الفلسطينيون أنفسهم، لا كما تُروى الروايات الدولية المبسطة، ويعيد طرح القضية المركزي: كيف يمكن تحقيق العدالة والاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني في عالم غالبًا ما يغض الطرف عن معاناته؟

 

#إدوارد_سعيد #سؤال_فلسطين#الفلسطينيون#الهوية_الفلسطينية#الأدب_السياسي#الصمود_الفلسطيني#العدالة_العالمية
#
الضمير_العالمي#كتب_تستحق_القراءة#الثقافة_والاحتلال

 

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسرار الجازي وماثيو: رواية التاريخ والحكاية في قلب السعودية

حين يتكلّم الصمت: رحلة ابراهيم فرغلي بين الذاكرة والخيال

أصوات مصر: كيف كتب الكاسيت تاريخ الجماهير