...رامة والتنين : قراءة في روايات إدوار الخراط
السرد بوصفه قلقاً
إنسانياً: قراءة في تجربة إدوار الخراط
في زمن كانت الرواية
العربية تنشغل بوصف الواقع، اختار إدوار الخراط أن ينقّب في أثره النفسي، وأن يجعل
اللغة بديلاً عن الحبكة.
لم يكن إدوار الخراط يكتب ليحكي، بل ليكشف؛ فكانت الرواية
عنده رحلة داخل الوعي، لا عبوراً في الأحداث. كتب
إدوار الخراط من تلك المنطقة التي يتجاور فيها الحلم والذاكرة، حيث تصبح الجملة
حدثاً، ويغدو الصمت معنى.
في كتابة إدوار الخراط لا
ندخل نصاً بقدر ما نعبر عتبة وعي. لا نستقبل حكاية جاهزة، ولا نطمئن إلى جنس أدبيّ محدد، بل نجد أنفسنا
في منطقة ملتبسة، حيث تتجاور الرواية مع الشعر، والنقد مع الاعتراف، والسرد مع ما
يشبه الهذيان المعرفي الهادئ. كان الخراط كاتباً لا يطمئن إلى الحدود، ولا يؤمن
بأن اللغة خُلقت لتصف ما هو ظاهر، بل ليُكشف بها ما يختبئ في الطبقات العميقة من
الروح والذاكرة.
أنجز مشروعه الإبداعي بصمتٍ
يشبه العمل في الأعماق: شاعرٌ متخفٍ في ثوب روائي، وناقدٌ يتسلل عبر الحكاية،
ومترجمٌ يعبر اللغات لا ليبدّل الكلمات، بل ليعيد اختبار العالم في لغته الأم.
لذلك، حين نقرأ أعماله، لا نواجه سرداً بالمعنى التقليدي، بل كتابةً رحبة تمتصّ
التجربة الإنسانية بكل تناقضاتها: الحب بوصفه معرفة، والرغبة بوصفها سؤالاً،
والذاكرة بوصفها زمناً لا يمضي. وكأن ما قاله بطله ميخائيل في رامة والتنين يصلح
بياناً جمالياً لمشروعه كله: " الحق عندي هو انهدام الأسوار… الحب عندي هو
المعرفة".
لم يكن الخراط معنياً بحكاية
تُروى من الخارج، بل بتجربة تُعاش من الداخل. الإنسان عنده ليس شخصية تتحرك في
فضاء اجتماعي فحسب، بل كائن متشظٍ، يعيش في أكثر من زمن، ويتكلم بأكثر من صوت،
ويحمل داخله تاريخاً من الرغبات والخيبات والهواجس. من هنا جاءت كتابته مقاومة
للتصنيف، وعصيّة على الاختزال، ومفتوحة دائماً على التأويل.
في عالمه السردي، تصبح الجملة
حدثاً، ويغدو الصمت معنى، ويتحوّل المكان إلى ذاكرة، والذاكرة إلى سؤال وجوديّ.
هكذا كتب إدوار الخراط: لا ليطمئن القارئ، بل ليقوده إلى منطقة القلق الخلاق، حيث
الأدب ليس مرآة للواقع، بل أداة لاختراقه، والبحث فيه عمّا يجعل الإنسان إنساناً.
الإسكندرية...كمان وكمان
لم تكن الإسكندرية عند إدوار
الخراط مكاناً يُسكن، بل وعياً يُعاش. لم تظهر في كتابته بوصفها خلفية للأحداث أو
مسرحاً للشخصيات، بل بوصفها كياناً داخلياً، ذاكرة مركّبة، وحالة روحية تتداخل
فيها الأزمنة، وتتشابك فيها الطبقات الثقافية والنفسية. المدينة التي وُلد فيها
عام 1926 لم تخرج من نصوصه حتى حين غاب عنها جغرافياً؛ بقيت تتنفس في اللغة، وتطلّ
من الشقوق الخفية للسرد، مثل أثر لا يزول.
الإسكندرية عند الخراط مدينة
التعدد والقلق معاً: بحرٌ مفتوح على الاحتمالات، وميناء يعجّ بالعابرين، وتاريخ
متراكم من الروماني إلى القبطي إلى العربي. لكنها، قبل كل شيء، مدينة الوعي الأول،
حيث تشكّلت نظرته إلى الإنسان بوصفه طبقات متراكبة لا وحدة صلبة. هذا التكوين
المتشظي انعكس في كتابته التي لا تطمئن إلى صوت واحد ولا زمن واحد، تماماً كما لا
تطمئن الإسكندرية نفسها إلى هوية نهائية.
في نصوصه، تتحول المدينة إلى
كائن حيّ: الشوارع ليست مسارات، بل ذاكرة تمشي؛ البيوت ليست جدراناً، بل مخازن
للعاطفة والخذلان؛ والبحر ليس منظراً، بل سؤالاً ميتافيزيقياً مفتوحاً على الغياب
والمصير. لذلك كتب عن "إسكندريتي"، لا عن الإسكندرية، مؤكداً أن المكان
ليس جغرافيا جميلة فحسب، بل "حالة من حالات الروح"، ومغامرة لاكتشاف
حقيقة داخلية، ومواجهة لغموض المطلق والموت.
في روايات مثل ترابها زعفران ويا
بنات إسكندرية، لا يسرد الخراط تاريخ المدينة، بل يستدعي أثرها في الوعي الفردي:
طفولة قبطية، مراهقة ثورية، وحياة تتقاطع فيها الرغبة بالخسارة، والانتماء بالقلق.
هكذا تصبح الإسكندرية عنده مختبراً للذات، ومكاناً يُعاد اكتشافه كل مرة عبر اللغة.
بهذا المعنى، لم يكتب الخراط
عن مدينة، بل كتب من داخلها. كانت الإسكندرية وعيه الأول، وجرحه المفتوح، وعدسته
التي رأى عبرها العالم والإنسان.
السياسة : لعن الله السياسة
والسياسيين
لم تدخل السياسة عالم إدوار
الخراط بوصفها خطاباً أو شعاراً، بل جاءت إليه كخبرة وجودية تركت أثرها العميق في
الوعي واللغة معاً. في شبابه، انخرط في الحركة الوطنية، وذاق تجربة السجن، وعاش
سنوات من الالتصاق المباشر بالتحولات الاجتماعية والسياسية في مصر ما بعد الاستعمار.
غير أنّ هذه التجربة، على قسوتها، لم تتحول في كتابته إلى مادة تقريرية أو إلى
سردٍ مباشر للحدث، بل انصهرت في نسيجٍ أعمق، حيث يصبح السياسي أثراً نفسياً، لا
واقعة تُروى.
لم يكن الخراط معنياً بتسجيل
الوقائع أو فضح الأنظمة عبر الأدب، بل بفهم ما تفعله السلطة والخوف والعنف
بالإنسان من الداخل. السجن، في نصوصه، ليس جدراناً ولا زنازين، بل حالة اختناق
روحي، وشعور دائم بالحصار، يتسرّب إلى الجسد والذاكرة والرغبة. من هنا، تحوّل القمع
السياسي إلى صورة وجودية أوسع: الإنسان المحاصر داخل ذاته، العالق بين الرغبة في
الحرية والعجز عن تحقيقها.
انعكس هذا الوعي السياسي في
كتابته عبر الرموز والإيحاءات، لا عبر المباشرة. فالصراع في نصوصه غالباً ما يبدو
داخلياً، نفسياً، لكنه يحمل في طياته صدى العالم الخارجي. الخوف الفردي هو امتداد
لخوف جماعي، والتمزق النفسي يعكس تمزقاً اجتماعياً، من دون أن يتنازل النص عن
شعريته أو عمقه التأملي. هكذا حافظ الخراط على مسافة واعية بين التجربة السياسية
والتمثيل الفني، رافضاً أن يتحول الأدب إلى منشور أو بيان.
عمله الطويل في المؤسسات
الثقافية ذات البعد الأفريقي–الآسيوي أضاف إلى تجربته بُعداً إنسانياً أوسع، جعله
يرى القضايا السياسية ضمن أفق كوني، لا محلي فقط. لذلك ظل حضوره السياسي في أعماله
هادئاً، متخفياً، لكنه ثابت الأثر.
بهذا المعنى، لم تكن السياسة
عند إدوار الخراط موضوعاً للكتابة، بل شرطاً من شروط الوعي، وتجربة صامتة شكّلت
حساسيته الجمالية، ودفعت أدبه إلى الغوص في سؤال الحرية بوصفه سؤالاً داخلياً قبل
أن يكون مطلباً عاماً.
بيان الخراط الجمالي
شكّل مفهوم الكتابة عبر
النوعية البيان الجمالي الأوضح في مشروع إدوار الخراط، لا بوصفه تنظيراً نقدياً
منفصلاً عن الإبداع، بل باعتباره ممارسة كتابية عاشها وحقّقها في نصوصه قبل أن
يصوغها مفهوماً. لم يؤمن الخراط بحدود فاصلة بين الأجناس الأدبية، ولا بفكرة
النقاء النوعي، لأن تجربته في الحياة واللغة معاً كانت تقوم على التداخل والتراكب.
فكما يتكوّن الوعي الإنساني من طبقات متشابكة، تتجاور فيها الذاكرة والحلم والرغبة
والفكر، رأى أن النص الأدبي لا يمكن أن يُحبس داخل قالب واحد.
في الكتابة عبر النوعية،
تمتزج اللغة الشعرية بالسرد النثري، ويتسلل الحوار إلى الوصف، ويطلّ التأمل
الفلسفي من بين شقوق الحكاية. ليست الرواية عند الخراط حكاية تُروى بقدر ما هي
فضاء تُختبر فيه اللغة، وتُعاد صياغة العلاقة بين الصوت والزمن والوعي. من هنا،
تبدو أعماله وكأنها تعيد التفكير في ماهية السرد ذاته، وتحرّره من الخطّية ومن
مركزية الحدث، لتجعل الجملة نفسها موقعاً للفعل والدلالة.
هذا الامتزاج لم يكن تجريباً
شكلياً أو رغبة في الاختلاف من أجل الاختلاف، بل كان تعبيراً عن رؤية معرفية ترى
الإنسان كائناً مركّباً، يعيش في أكثر من زمن، ويتكلم بأكثر من صوت داخلي. لذلك،
جاءت شخصياته محمولة باللغة، متشكّلة عبرها، لا منفصلة عنها. فالصوت السردي عنده
يتشظى، ينتقل بين الضمائر، ويتبدل موقعه بين الداخل والخارج، بما يعكس تفتت الوعي
الإنساني نفسه.
في رواية مثل رامة والتنين،
تتجاور القصة القصيرة مع بنية الرواية، ويصبح النص مفتوحاً على الأسطورة والاعتراف
والتأمل، بحيث يمكن قراءة كل مقطع بوصفه وحدة مستقلة، أو بوصفه جزءاً من نسيج
أكبر. بهذا المعنى، أسهم الخراط في توسيع أفق الرواية العربية، وفتحها على
احتمالات جديدة، جعلت من الكتابة عبر النوعية ليس فقط مفهوماً نقدياً، بل أفقاً
إبداعياً ما زال حياً ومؤثراً حتى اليوم.
أسلوب إدوار الخراط
يتأسس أسلوب إدوار الخراط على
إزاحة مركز السرد من الحدث إلى الإحساس، ومن الفعل الخارجي إلى الحركة الداخلية
للوعي. لا يتقدّم نصّه عبر ما يحدث بقدر ما يتشكّل عبر ما يُحسّ، وما يُكبت، وما
يظلّ معلقاً بين الرغبة والفعل. لذلك تبدو لغته كثيفة، مشدودة، محمّلة بتوتر صامت،
وكأن كل جملة تُكتب وهي تعي ثقل ما لا يُقال بقدر ما تنطق بما يُقال.
يعتمد الخراط جملة طويلة
متدفقة، تتوالد فيها الصور داخل النفس الواحدة، من دون انقطاع حاد أو فاصلة بين
الفكرة والانفعال. هذه الجملة لا تسعى إلى الوصف الخارجي، بل إلى ملامسة اللحظة
النفسية في أدقّ اهتزازاتها. الحركة في نصوصه غالباً ما تكون حركة باطنية:
ارتعاشة، تردّد، رغبة مؤجلة، أو انسحاب صامت. وهنا، يتحوّل الصمت نفسه إلى عنصر
بنائي، يوازي الكلام في أهميته.
يتجلى هذا الأسلوب بوضوح في
مشهد من قصة حيطان عالية، حيث يصف لحظة رغبة مكبوتة لا تتحقق. فالشخصية
تجلس على كرسيها، تعصف بها شهوة حنونة، تتخيل لمس الرأس، ومحو المرارة عن الوجه،
وطلب الغفران عبر الجسد، لكنها لا تفعل شيئاً. المشهد، ظاهرياً، ساكن، بلا فعل
يُذكر، لكن اللغة تصنع داخله عالماً متوتراً، مكتظاً بالحركة النفسية. الرغبة تبلغ
ذروتها في الخيال، بينما يبقى الجسد مشلولاً، أسير العجز.
في هذا المثال، تتضح براعة
الخراط في تحويل اللاحدث إلى حدث سردي. لا حاجة إلى حبكة معقّدة أو مفاجأة درامية؛
يكفي أن تُمسك اللغة بتلك اللحظة الهاربة بين الرغبة والفعل، وأن تمنحها زمناً
خاصاً داخل الجملة. هكذا تصبح الكتابة نفسها فعلاً تعويضياً، ومساحة لقول ما لا
يُطاق قوله في الواقع.
أسلوب الخراط، بهذا المعنى،
ليس زخرفة لغوية، بل أداة كشف. إنه أسلوب يحفر في الوعي، ويجعل من التفاصيل
الصغيرة علامات على صراع أكبر، حيث الإنسان محاصر بذاته، وتبقى اللغة الملاذ
الأخير لفهم هذا الحصار.
رواية رامة والتنين
تُعدّ رواية رامة والتنين العمل المفصلي في تجربة إدوار الخراط، ليس
لأنها روايته الأولى فحسب، بل لأنها شكّلت البيان التطبيقي الأوضح لرؤيته الجمالية
والفكرية في الكتابة. عند صدورها عام 1980، بدت الرواية خارج السياق السردي
السائد، نصاً لا يشبه ما سبقه، ولا يسعى إلى مجاراة الواقعية الاجتماعية أو
استكمال مسارها، بل إلى اقتراح أفق مختلف للرواية العربية، يقوم على تفكيك
الحكاية، وتكثيف اللغة، ونقل مركز السرد إلى الداخل الإنساني.
في رامة والتنين، لا تُروى
قصة الحب بين رامة وميخائيل بوصفها تسلسلاً للأحداث، بل بوصفها تجربة وعي، تتداخل
فيها الأزمنة، وتتشابك الأصوات، وتتماسّ فيها الرغبة بالذاكرة، والحاضر بالماضي.
الحب هنا ليس موضوعاً رومانسياً، بل سؤالاً معرفياً، ومجالاً لاختبار الهوية
والاختلاف، خاصة في تقاطع المسلم بالقبطي، واليومي بالأسطوري. بهذا المعنى، تتحوّل
العلاقة العاطفية إلى بنية رمزية واسعة، تحتمل قراءة وجودية وثقافية في آن.
تعتمد الرواية زمناً غير خيطي،
يتقدّم ويتراجع، ويعود إلى ذاته، بحيث يبدو الماضي طبقة فاعلة في الحاضر، لا ذكرى
منتهية. كما يتشظى الصوت السردي، فلا يهيمن صوت مركزي واحد، بل تتجاور الأصوات
كأصداء، تعكس تفتت الوعي الإنساني نفسه. ميخائيل لا يروي بوصفه شاهداً مطمئناً، بل
كذات مهتزة، تتأمل وتشكّ وتعيد صياغة تجربتها عبر اللغة. الجملة هنا ليست وسيلة
لنقل الحدث، بل هي الحدث ذاته، محمّلة بالإيقاع، والانفعال، والتردد.
تلعب الأسطورة دوراً محورياً
في توسيع أفق الرواية، لا بوصفها إحالة ثقافية جاهزة، بل كطاقة رمزية تتداخل مع
الواقع. التنين، مثلاً، لا يُقرأ ككائن خرافي، بل كعلامة على الخوف، والرغبة،
والمواجهة الداخلية. بهذا الامتزاج بين الواقعي والمتخيل، يخلق الخراط عالماً
سردياً كثيفاً، يعكس تعقيد التجربة الإنسانية.
ما يجعل رامة والتنين رواية
حداثوية حتى اليوم، هو أنها لا تقدّم إجابات، ولا تسعى إلى إغلاق المعنى. إنها نص
مفتوح، يراهن على القارئ بوصفه شريكاً في إنتاج الدلالة. لقد نقل الخراط عبر هذه
الرواية العربية من سؤال "ماذا نروي؟" إلى سؤال "كيف نعي ما نرويه؟"،
وهو انتقال حاسم جعل من رواية رامة والتنين علامة فارقة في تاريخ السرد العربي
الحديث.
إدوار الخراط في السياق العربي
يحتلّ إدوار الخراط موقعاً
إشكالياً وخلاقاً في السياق العربي، لأنه جاء في لحظة انتقالية كان فيها السرد
العربي يعيد تعريف نفسه بين الواقعية الاجتماعية من جهة، ومحاولات التجديد الشكلي
من جهة أخرى. ففي ستينيات القرن الماضي، انشغل معظم الكتّاب بتصوير التحولات
الاجتماعية والسياسية، متأثرين بخطاب التحرر الوطني وبمشاريع الدولة الحديثة، فغلب
على السرد آنذاك الاهتمام بالحدث الخارجي، وبالطبقات الشعبية، وبتمثيل الواقع
بوصفه مادة قابلة للوصف والتحليل. داخل هذا المناخ، بدا مشروع الخراط مختلفاً، لا
معادياً للواقع، بل معارضاً لاختزاله.
لم ينفصل الخراط عن هموم
عصره، لكنه رأى أن الواقعية، حين تتحول إلى قالب، تفقد قدرتها على الكشف. لذلك
اتجه إلى تعميق السؤال الإنساني، وجعل مركز السرد هو الوعي الفردي، لا المجتمع
بوصفه كتلة متجانسة. في نصوصه، لا يظهر الواقع من خلال الوقائع وحدها، بل من خلال
أثرها النفسي والوجودي على الفرد. بهذا المعنى، كان مشروعه موازياً لتحولات عالمية
في السرد، لكنه متجذّر في السياق العربي بتوتراته الثقافية والدينية والسياسية.
ارتبط اسم الخراط بمفهوم الحساسية
الجديدة، الذي قدّم من خلاله قراءة لتحولات الكتابة العربية بعد الستينيات، مشيراً
إلى انتقال مركز السرد من الخارج إلى الداخل، ومن الحدث إلى الإحساس. ولم يكن هذا
المفهوم تنظيراً معزولاً، بل توصيفاً لتجربته وتجارب عدد من مجايليه، ممن سعوا إلى
كتابة تُنصت إلى الصوت الداخلي للشخصية، وتكسر البنية الخطية التقليدية.
ضمن هذا السياق، أسهم الخراط
في توسيع أفق الرواية العربية، وفتحها على تجريب لغوي وبنيوي أعمق، من دون القطيعة
مع القارئ أو مع الأسئلة الإنسانية الكبرى. فقد ظل الإنسان، بجروحه ورغباته
وهواجسه، مركز اهتمامه الدائم. هكذا يمكن النظر إلى إدوار الخراط بوصفه حلقة وصل
بين جيل الستينيات وموجات الكتابة اللاحقة، كاتباً لم يقدّم نموذجاً يُحتذى شكلياً
بقدر ما فتح مساراً معرفياً، ما زالت الرواية العربية تتحاور معه حتى اليوم.
في ختام النظر إلى تجربة
إدوار الخراط، يتبدّى لنا أنه لم يكن كاتب روايات أو قصص بقدر ما كان صاحب مشروع
معرفي وجمالي طويل النفس، اشتغل فيه على إعادة تعريف الكتابة نفسها. لم يسعَ إلى
تثبيت معنى نهائي، ولا إلى بناء عالم سردي مغلق، بل ترك نصوصه مفتوحة على السؤال،
وعلى القلق الخلّاق الذي يجعل الأدب فعلاً مستمراً لا يكتمل. كان يكتب من الداخل،
من منطقة التماس بين الوعي والحلم، بين الرغبة والخسارة، حيث اللغة لا تصف الواقع
بل تكشف طبقاته الخفية.
ما يميّز الخراط أنه ظل
وفيّاً لفكرته عن الكتابة بوصفها محاولة معرفة، لا خطاباً تبشيرياً ولا مرآة
اجتماعية جاهزة. لذلك جاءت أعماله عصيّة على الاختزال، ومقاومة للتصنيف، لكنها في
الوقت نفسه شديدة الالتصاق بالإنسان الحقيقي، بضعفه وتردده وشوقه الدائم إلى معنى.
في رواياته وقصصه، لا نجد بطلاً منتصراً، بل ذاتاً تبحث، وتتعثّر، وتعيد طرح
الأسئلة نفسها بصيغ مختلفة، كما لو أن الحياة لا تمنح إجابات، بل مساحات أوسع
للتأمل.
لم يكن إدوار الخراط معزولاً
عن سياقه العربي، لكنه اختار أن يخترقه من زاوية مختلفة، فجعل من التجربة الفردية
مدخلاً لفهم الجماعي، ومن اللغة أداة لاختبار الحرية. وهنا تكمن راهنيته المستمرة:
في قدرته على مخاطبة القارئ المعاصر، الذي لا يزال يعيش التمزق ذاته بين الداخل
والخارج، وبين ما يُقال وما يُكبت.
بهذا المعنى، يبقى الخراط
حاضراً لا بوصفه اسماً في تاريخ الأدب العربي، بل بوصفه تجربة حيّة، تذكّرنا بأن
الكتابة الحقيقية ليست إجابة، بل سؤالٌ يُعاد طرحه في كل قراءة.
#إدوار_الخراط#الرواية_العربية#رامة_والتنين#الكتابة_عبر_النوعية#الحساسية_الجديدة#نقد_أدبي
#السرد_الحديث#الأدب_العربي#الحداثة_الأدبية#تحليل_نصي#ثقافة#فكر
.jpg)
.jpg)
تعليقات
إرسال تعليق