غوغان الكاتب الذي لم يثق بالكلمات : لماذا ألف غوغان "نوا...نوا"؟

 




كتاب بلا قواعد: غوغان حين خان الأدب لصالح اللون


 

لم يكتب بول غوغان نوا نوا ليشرح لوحاته، بل ليحميها من سوء الفهم. كان يعرف أن لوحاته القادمة من تاهيتي ستبدو غريبة، فاختار أن يسبقها بعطر لا بمقدّمة، بنص لا يريد أن يُقرأ بقدر ما يريد أن يُحسّ، كتاب لا يقدّم تفسيرًا بل يفتح بابًا إلى حلم استوائي يرفض أن يُختصر في كلمات.


 

كثيرة هي الكتب التي كتبها الفنانون، لكن القليل منها كُتب بدافع الضرورة الوجودية لا الرغبة في الشرح أو التبرير. وكتاب نوا… نوا: رحلة إلى تاهيتي لبول غوغان ينتمي إلى هذا القليل النادر. إنه ليس كتاب فنان عن فنه، بل كتاب فنان عن نفسه وهو يعبر من الرسم إلى اللغة كما يعبر من أوروبا إلى الفردوس البعيد، من الحضارة إلى الحلم.

غوغان لم يكن كاتبًا بالمعنى التقليدي، ولم يكن يريد أن يكون كذلك. لقد آمن بأن الرسم هو لغته الطبيعية، وأن الكلمات ــ إن وُجدت ــ يجب أن تُرى لا أن تُقرأ. لذلك جاءت رسائله مرسومة، وجاء هذا الكتاب نفسه مزيجًا غير مطمئن بين النص والصورة، بين ما يُقال وما يُشمّ، بين ما يُكتب وما يتسرّب كعطر. وليس صدفة أن يحمل الكتاب اسم نوا نوا، أي العطر بلغة تاهيتي: فالعطر لا يُمسك، ولا يُحدّد، بل يمرّ ويترك أثره.

وُلد الكتاب عام 1893، حين عاد غوغان مؤقتًا إلى باريس محمّلًا بلوحات بدت غريبة، صادمة، غير قابلة للفهم السريع. خشي أن تُرى لوحاته بلا سياق، بلا هواء استوائي يحيط بها، فقرّر أن يكتب. لا ليشرح، بل ليهيّئ العين. أراد نصًا يكون همسًا مرافقًا للصورة، لا خطابًا فوقها. كتب مسودة أولى قصيرة، ثم سلّمها إلى صديقه الشاعر شارل موريس، راغبًا في حوار بين صوتين: صوت الرسام «المتوحش» وصوت الشاعر المتمدّن

لكن هذا الحوار لم يكتمل. الشاعر تأخّر، تردّد، كتب نصًا أدبيًا كثيفًا، بدا لغوغان إنشائيًا، مفرطًا في البلاغة، بعيدًا عن الصدق البصري الذي كان يريده. وهنا بدأ الكتاب يتحوّل إلى ساحة توتّر: بين الأدب والرسم، بين اللغة والصورة، بين الرغبة في التشارُك والإصرار على السيادة البصرية. ومع عودة غوغان إلى تاهيتي، حُسم الأمر من دون إعلان: الرسم سيتقدّم، والنص سيتراجع.

في النسخة التي أنجزها غوغان بنفسه، يصبح الكتاب دفتر رؤى لا سيرة ذاتية. لا نقرأ تاهيتي بوصفها مكانًا جغرافيًا، بل كحالة حسّية: نساء يتحرّكن ببطء، طبيعة صامتة، طقوس بلا تفسير، زمن لا يقاس. النصوص قصيرة، متقطّعة، أحيانًا خام، وأحيانًا ساذج لغويًا، لكنها صادقة في ارتباكها. كأن غوغان يكتب كما يرسم: بضربات غير متساوية، واثقًا بأن الكثافة لا تأتي من الإتقان بل من الجرأة.

نوا نوا هو كتاب التجريب المطلق. لا يحترم القواعد الأدبية، ولا يسعى إلى انسجام تقليدي بين النص والصورة. إنه كتاب يرى أن المعنى يولد من التجاور، من الصدع، من النقص. الرسوم لا تشرح النص، والنص لا يفسّر الرسوم. كلاهما يتحرّك في فضاء واحد، كما تتحرّك الألوان في لوحات غوغان: مسطّحة، جريئة، رمزية، لا تبحث عن العمق المنظوري بل عن عمق الإحساس.

بعد موت غوغان، تفرّق الكتاب، وأعيد جمعه، وفُقدت بعض رسوماته، وأعيدت صياغة نصوصه. لكن جوهره بقي كما هو: شهادة فنان آمن بأن أعظم ما يمكن أن ينجزه هو أن يغامر، أن يكتب ويرسم وهو يعلم أنه قد لا يُفهم فورًا. نوا نوا ليس كتابًا عن تاهيتي، بل كتاب عن الحلم حين يصبح بديلاً عن الواقع، وعن الفن حين يرفض أن يكون تفسيرًا، ويصرّ على أن يكون أثرًا.

إنه كتاب لا يُقرأ فقط، بل يُشمّ. ولا يُفهم دفعة واحدة، بل يُترك في الذاكرة كما تُترك رائحة زهرة استوائية: غامضة، قويّة، لا تُنسى.

 

#بول_غوغان
#
نوا_نوا
#
كتب_الفنانين
#
فن_وكتابة
#
الفن_الحديث
#
تاهيتي
#
الرمزية
#
ما_بعد_الانطباعية
#
تاريخ_الفن
#
الكتاب_كعمل_فني
#
الفن_والحلم
#
التجريب

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسرار الجازي وماثيو: رواية التاريخ والحكاية في قلب السعودية

حين يتكلّم الصمت: رحلة ابراهيم فرغلي بين الذاكرة والخيال

أصوات مصر: كيف كتب الكاسيت تاريخ الجماهير