الفن في زمن الانكسار: فيلم وثائقي يكشف روح السبعينيات

 

Breakdown: 1975


عندما تنكسر المجتمعات… يولد الفن.

فيلم  وثائقي يكشف كيف صنعت الفوضى أعظم لحظات الشاشة الكبيرة.

سنة  1975  كما لم تراها من قبل — عبر عيون السينما والأيقونات الفنية.

 

 

في نهاية عام 2025، أطلقت نتفليكس فيلمًا وثائقيًا يحمل عنوان Breakdown: 1975، من إخراج مورغان نافيل، وبصوت السرد المميز للممثلة جودي فوستر.  يدعو الفيلم المشاهد إلى الغوص في عام مفصلي في تاريخ السينما الأميركية والعالم: عام 1975، ذاك العام الذي شهد تحوّلات اجتماعية وسياسية هائلة وانعكاسات ثقافية عميقة.

الفيلم يُقدَّم “أطروحة سينمائية”ترى أن عام 1975، في أعقاب فضيحة واترغيت، وتراجع الثقة بالمؤسسات والأزمات الاقتصادية، كان لحظة انكسار الجماهير وتحوّلها إلى البحث عن الحقيقة عبر الفن.  هنا، لا تُعرض السينما فقط كترفيه، بل كمرآة تعكس الهموم الجمعية، كأدوات يعالج بها المبدعون العلاقات بين الإنسان والسلطة، وبين الحكمة والجنون.

من اللحظات الأولى، يطغى على السرد إحساسٌ بصوت التاريخ، إذ تمزج الموسيقى واللقطات الأرشيفية بسلاسة مع تعليقات شخصيات بارزة مثل المخرج مارتن سكورسيزي، والممثلة إلين بيرستين، والممثل أوليفر ستون، والممثل سيث روجن وغيرهم، الذين يقدمون رؤاهم عن تلك الحقبة وتجاربهم الفنية وأثرها في تشكيل رؤية السينما للعالم

لكن خلف هذا السرد الجذاب تكمن أيضًا مخاوف حول دقة التقديم التاريخي؛ فالفيلم يتجاوز أحيانًا حدّ عام 1975 ليشمل أعمالًا صدرت بعد ذلك، مما يثير تساؤلات حول مدى ارتباط الأحداث بأفلام معيّنة، وما إذا كان هذا الربط أحيانًا استعارة موضوعية أكثر مما هو تحليل دقيق.

بكل ما فيه من غنى بصري ونقدي، Breakdown: 1975  يُشبه دعوة للتأمل في لحظة ارتجاج ثقافي لا تقل حدّة عن حاضرنا، حين تبدو الأسئلة حول الهوية والمجتمع والسلطة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. الفيلم ليس مجرد رحلة إلى الماضي، بل مرآة تعيد طرح الأسئلة نفسها في زماننا.

 الأسلوب، الموضوع، والقيمة التاريخية للفيلم

في جوهره،  لا يكتفي Breakdown: 1975  بسرد الأفلام بل يربط بينها وبين روح العصر. خلال ساعة ونصف من السرد الوثائقي، تُعرض لقطات من أعمال مثل Network  و  One Flew Over the Cuckoo’s Nest  وTaxi   Driver  وغيرها، كأنها نبضات حياةٍ وشعورٍ جماعي يختلط فيها الإرهاق الذهني بالإبداع الفني   

لكن هنا تكمن نقطة قوة ونقطة ضعف في آنٍ واحد: بينما ينجح الفيلم في إعادة بناء إحساس عامّ بالعصر، وتبيان كيف تصدّرت السينما صداه الفني والثقافي، إلا أن طريقة الربط بين الأحداث التاريخية والأفلام في بعض الأحيان تبدو تقريبية أكثر منها استدلالية صارمة . فالفيلم يخرج في بعض لحظاته من حدود عام 1975 نفسه، ويُدرج أعمالًا صدرت بعدها لتقوية خطّه السردي، مما أثار انتقادات حول عدم الدقة التاريخية وتقديم رأيٍ على أنه حقائق ثابتة.

الأسلوب البصري للسرد يمزج بين الأرشيف والمقابلات والتعليق الصوتي، ما يمنح الفيلم طابعًا شاعريًا وتأمليًا. قوة السرد تكمن في توظيف الفواصل الموسيقية واللقطات المتداخلة، التي تبدو كما لو كانت تحاكي روح الفوضى والعنف النفسي الذي عاشته تلك الحقبة من تاريخ أمريكا. لكن هذا الأسلوب نفسه يجعل الفيلم في بعض اللحظات يبدو أقرب إلى سلسلة من التأملات العاطفية منه إلى تحليل تاريخي منهجي.

من بين رغبات المشاهد التي ظهرت في التقييمات أيضًا، كان هناك الكثير من الدعوات إلى توسيع المشروع ليصبح سلسلة وثائقية أطول، بدل أن يقتصر على 90 دقيقة، وذلك لما يحمله الموضوع من عمق وإمكانات بحثية لم تُستغل بالكامل.

لكن، رغم هذه الملاحظات، يظل  Breakdown: 1975 بمثابة دعوة للاستماع إلى أصوات الماضي، ومحاولة لاستخلاص ما يمكن أن يضيء حاضر اليوم. إنه يحثّنا على التأمل في اللحظات التي تبدو فيها البشرية على شفا انكسار، وكيف تُحوّل هذه اللحظات إلى فن قابل للمشاركة عبر الزمن.

 لماذا يهمنا  Breakdown: 1975  اليوم؟

ما يجعل  Breakdown: 1975  ذا قيمة في الواقع المعاصر ليس فقط ما يقدّمه عن الماضي، بل الأسئلة التي يعيد طرحها على حاضرنا أيضًا. في عالم مليء بالاضطرابات السياسية والاجتماعية، يشدّد الفيلم على أن الفن غالبًا ما يولد في لحظات الانكسار ذاته. إنه يذكّرنا بأن الظروف الصعبة يمكن أن تفضي إلى أبعد ما يكون من الإبداع، وأن السينما ليست مجرد مرآة تتكئ على الواقع، بل قوة تخلّق اللغة التي نُفكّر بها في الواقع ذاته.

بعض النقّاد رأوا أن الفيلم قدم صورة رائعة ودرامية لسينما السبعينيات، لكنه لم يرتقِ في بعض الأحيان إلى مستوى التحليل الأكاديمي التاريخي الصارم، أو إلى عمق نقدي يجعل منه وثيقة لا غنى عنها.  الجمهور أيضًا كان منقسمًا: فبينما وجده البعض احتفالاً ساحرًا وممتعًا بذاكرة أفلام عظيمة، رأى آخرون أنه يفتقد إلى التفاصيل الدقيقة، وأنه يعتمد كثيرًا على الاستعارات والربط الانفعالي أكثر من التحليل الموضوعي.

لكن بالرغم من اختلاط الآراء، لا يمكن إنكار أن  Breakdown: 1975   يضع بصمة ثقافية قوية في سجلات الأفلام الوثائقية الحديثة، لأنه لا يتناول الأحداث بمعزل عن تأثيرها في المشاعر الجمعية. إنه لا يسأل فقط “ما حدث؟”، بل يمتد ليطرح السؤال الأكثر عمقًا: كيف جعلتنا تلك اللحظات نرى العالم بطريقة مختلفة؟

 

 

# Breakdown1975#وثائقي#سينما_السبعينيات#Netflix #مورغان_نافيل #عصر_الفوضى #تاريخ_السينما
#
جودي_فوستر #نقد_فني

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسرار الجازي وماثيو: رواية التاريخ والحكاية في قلب السعودية

حين يتكلّم الصمت: رحلة ابراهيم فرغلي بين الذاكرة والخيال

أصوات مصر: كيف كتب الكاسيت تاريخ الجماهير