من ترومان إلى ترامب: قصة التدخل الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط

 

 


 

 

ركل أعشاش الزنابير


كيف فشلت واشنطن في فهم الشرق الأوسط؟

  السياسة الأمريكية، الشرق الأوسط، دانيال زغبي، التدخلات الخارجية، الاستقرار الإقليمي، العلاقات الدولية، التاريخ السياسي، الحروب، الدبلوماسية، التنمية، أعشاش الزنابير.

 

 

في بداية كتابه، يقدّم دانيال زغبي صورة بديعة ومشحونة في آن واحد: الزنابير، تلك الكائنات التي يحيطها الاشتباه وتغشاها السمعة السيئة، لكنها في حقيقتها معجزة من الدقة والتنظيم والجمال. وما يحدث حين تُمسّ أعشاشها، حين يُستفز نظامها الداخلي، يصلح—في نظره—كي يكون استعارة سياسية واسعة، مرآة لثمانين عاماً من التدخلات الأمريكية في الشرق الأوسط. هذه الفكرة وحدها تكفي لفتح باب الأسئلة: ماذا لو أن الخراب الذي نعيشه ليس قدراً، بل نتيجة لضرباتٍ غير محسوبة ولقوةٍ أساءت فهم بنية المنطقة كما يسيء طفل فهم خلية حشرات؟

 

في كتابه ركل أعشاش الزنابير: سياسة الولايات المتحدة الخارجية في الشرق الأوسط من ترومان إلى ترمب، يتابع زغبي تاريخاً ممتداً من القرارات الرئاسية التي صنعت عالماً هشّاً، قرارات اتخذها رؤساء يبدون، في سرد الكاتب، كأنهم كانوا يسيرون في منطقة ملغومة دون بوصلة، يتأرجحون بين الغطرسة والتردد، بين الإيمان بالقوة المطلقة والخوف من عواقبها. يكتب زغبي بحدة وحنو في آن، حدة الباحث الذي يرى العطب واضحاً كالشمس، وحنو الإنسان الذي رأى الخراب بعينيه طفلاً، قبل أن يراه مؤرخاً ناضجاً.

 

ولعل هذا ما يعطي الكتاب روحه الخاصة: تلك التجربة الإنسانية المبكرة التي تشكّل خيطه السري. فزغبي لم يقترب من الشرق الأوسط عبر الوثائق فقط، ولا عبر غرف السياسة المغلقة، بل عبر الطرق الترابية لغزة، وأزقة الضفة الغربية، وندوب الحرب في سوريا ولبنان. رأى الناس لا الخرائط، وعرف أن المساعدات الصغيرة التي تقدّمها جماعات مثل حماس والجهاد الإسلامي—بصرف النظر عن مواقف السياسة منها—تخلق شكلاً من التضامن لا يمكن للسلاح الأمريكي أن يفهمه ولا للنظريات الدبلوماسية أن تحتضنه. من هنا وُلد سؤال الكتاب الأكبر: لماذا عجزت الولايات المتحدة، بكل ما تملكه من ثروة وقوة ونفوذ، عن أن تقدم شيئاً يشبه الحياة، بينما تفوقت جماعات محاصرة على مستوى الخدمات والتنمية؟

 

تتبّع زغبي اثني عشر رئيساً، من ترومان إلى ترامب، وكل واحد منهم يترك وراءه خطأ، شرخاً، حرباً كان يمكن تجنبها، أو سلاماً كان يمكن إنقاذه. يرى في ترومان قصور نظرٍ تاريخياً حين اعترف بإسرائيل دون خطة حقيقية للتقسيم، ويرى في كينيدي عجزاً عن كبح التطور النووي الإسرائيلي، ويرى في ريغان خليطاً من الارتجال والصفقات المريبة. وحتى الرؤساء الذين تُرفع لهم الأعلام عادةً—مثل كارتر في كامب ديفيد أو بوش الأب في حرب الخليج—لا يخرجون سالمين من نقده. الجميع، في نظره، شارك بطريقة ما في تراكم الفوضى.

 

ويرى كليفورد كراوس، المراسل المخضرم الذي خبر المنطقة بقدميه، أن نقد زغبي أحياناً يبلغ حد القسوة. فالعالم العربي نفسه لم يكن بريئاً من أزماته، من صعود القومية بعد الاستعمار، إلى الانقسام الطائفي، إلى انتكاسات الزعماء العرب الذين رفضوا فرصاً تاريخية كان يمكن أن تغير المسار. لكن قوة الكتاب لا تكمن في لوم طرف على حساب آخر، بل في محاولته رسم خريطة كاملة، منظر بانورامي يربط بين الخطوط المتوازية: قرارات واشنطن، ردود فعل المنطقة، العوامل التاريخية التي سبقت الجميع. وكأن الكتاب يسأل: هل كان الشرق الأوسط ليختلف اختلافاً جذرياً لو لم تُضرب أعشاشه مراراً؟ أم أن الأعشاش كانت، منذ البداية، مثخنة بالتوتر؟

 

يقدم زغبي أطروحة ثقيلة: أن السياسة الأمريكية لم تكتفِ بالفشل في إدارة المنطقة، بل ساهمت بقوة في إذكاء الصراعات. من انقلاب 1953 في إيران إلى تجاهل مقدمات حرب 1967، من دعم الديكتاتوريات بدعوى الاستقرار إلى التحالفات قصيرة النظر، من حرب العراق الأولى التي “مهّدت” للثانية، إلى الغزو الكارثي عام 2003 الذي ولّد فراغاً استغلته كل القوى المتطرفة. يرى أن واشنطن حاولت أن تدير التاريخ بالقوة العسكرية لا بالعقل السياسي، وأنها اختارت مراراً الطريق الأقصر، الأكثر صوتاً والأقل حكمة.

 

لكن ما يمنح الكتاب نبضه الحقيقي هو هذا الإيمان بأن التنمية، لا الحروب، هي القوة التي تغيّر الناس. تجربة زغبي الشخصية في محاربة السكري من النوع الثاني في المنطقة تكشف جانباً لا يُرى عادة في الكتب السياسية: أن حياة الإنسان القريبة، اليومية، تلك التفاصيل الصغيرة التي يتغير بها مصير عائلات كاملة، يمكن أن تكون أكثر تأثيراً من الدبابات والطائرات. ولذلك يدعو الكاتب إلى سياسة أمريكية مختلفة، أكثر إنسانية، أقل اندفاعاً، تعتمد على بناء الثقة لا على تهديد السماء بالنار.

 

وفي قراءة كراوس، تتضح قيمة الكتاب رغم ميله الواضح إلى لوم واشنطن: إنه يفتح الجرح كي يراه القارئ كما هو. قد نختلف مع بعض استنتاجاته، وقد نراه يسرف في تحميل الرؤساء الأمريكيين مسؤولية عقود من الفوضى، لكننا لا نستطيع تجاهل قوة السؤال المركزي الذي يطرحه: ماذا لو أن التاريخ كان يمكن كتابته بصورة مختلفة؟

 

ركل أعشاش الزنابير ليس مجرد مراجعة لسياسات الماضي، بل تأملٌ في معنى القوة حين تفشل، وفي معنى السياسة حين تُبنى على الخوف لا على المعرفة، وفي معنى الشرق الأوسط كمنطقة تتقاطع فيها الطموحات الإمبراطورية مع أحلام الناس البسطاء الذين يريدون فقط حياة يمكن التمسك بها. إنه كتاب يذكرنا بأن العنف ليس مجرد حدث، بل نتيجة، وأن كل خطوة تُتخذ دون فهم حقيقي للناس والأرض، هي خطوة نحو فوضى جديدة.

 

وبين الزنابير التي يراها زغبي استعارة، وبين السياسة التي تبدو كمن يحاول إصلاح ساعة رملية بيد مرتجفة، يكمن الدرس الأكبر: أن العالم لا يُدار بالقوة وحدها، وأن الأعشاش حين تُركل، لا يعود هديرها سهلاً على أحد.

 

الكتاب عمل بحثي نادر يجمع بين المعاينة الميدانية والدراسة الأكاديمية، يكشف فيه دانيال زغبي أخطاء الرؤساء الأمريكيين بجرأة وعمق، ويعيد طرح السؤال الذي يطارد كل قارئ مهتم بالمنطقة: هل كان يمكن للتاريخ أن يسلك طريقاً أقل دموية لو كانت الدبلوماسية أهم من السلاح؟ الكتاب يضيء جذور الأزمات من منظور واسع، ويمنح القارئ بوصلة لفهم عالم مشوش بقرارات القوة.

 

 

#السياسة_الأمريكية #الشرق_الأوسط #دانيال_زغبي #أعشاش_الزنابير #العلاقات_الدولية #الدبلوماسية #تحليل_الكتب #قراءات_سياسية #التاريخ_الحديث #جيوسياسة

 

An analytical essay exploring Daniel Zoughbie’s “Kick the Hornet’s Nest,” a sweeping critique of eighty years of U.S. foreign policy in the Middle East. The article reflects on power, miscalculation, and the fragile human realities behind political decisions.

 

 

 

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسرار الجازي وماثيو: رواية التاريخ والحكاية في قلب السعودية

حين يتكلّم الصمت: رحلة ابراهيم فرغلي بين الذاكرة والخيال

أصوات مصر: كيف كتب الكاسيت تاريخ الجماهير