فلسطين على الطريق: ماذا حدث في الطريق 60 السريع عام 2012؟
هذا ليس مجرد كتاب عن
حادث مأساوي… إنه مرآة لنظام يُقسّم الطرق والمدن والمدارس، ويهمل حياة الأطفال
الفلسطينيين. من خلال يوم واحد،
يفتح المؤلف نافذة على واقع الاحتلال، على الصمود، وعلى محاولات إنسانية تتحدى
القسوة.
في كتابه "يوم في حياة عبد
سلامة: تشريح مأساة القدس" يوثق ناثان ثرال حادثة مأساوية وقعت
عام 2012 على الطريق السريع 60 في الضفة الغربية. حيث اصطدمت حافلة مدرسية تقل أطفالًا
فلسطينيين في مرحلة الروضة ومعلميهم بشاحنة ، مما أدى إلى انقلابها. اشتعلت النيران
في الحافلة، وأصيب العديد من ركابها بحروق بالغة. لقي ستة طلاب ومعلم واحد مصرعهم في
الحادث. كان ذلك الجزء من الطريق السريع مهملاً،
ويسلكه الفلسطينيون في الغالب (بينما كان الإسرائيليون يستخدمون طريقًا سريعًا تم إنشاؤه
حديثًا بالقرب منه). على الرغم من وجود مستوطنة إسرائيلية على بعد دقائق قليلة، تأخرت
فرق الإنقاذ بشدة في الوصول إلى مكان الحادث، فدخل مواطنون عاديون الحافلة المحترقة
لإنقاذ الضحايا ونقلوا المصابين إلى المستشفيات المحلية بسياراتهم الخاصة. كما قدم
العاملون الصحيون التابعون للأمم المتحدة، ضمن وكالة الأونروا، الإسعافات الأولية للضحايا،
ثم وصل لاحقًا عمال الإنقاذ الإسرائيليون. كان من بين الأطفال الذين كانوا على متن
الحافلة ميلاد سلامة، البالغ من العمر خمس سنوات، والذي نُقل إلى مستشفى محلي، لكنه
توفي لاحقًا متأثرًا بجراحه. يروي الكتاب محاولات والده المضنية للعثور على ابنه في
أعقاب المأساة. لم يكن لدى عابد سلامة بطاقة الهوية الزرقاء المخصصة للفلسطينيين في
الضفة الغربية، مما جعل عبور نقاط التفتيش العسكرية صعبًا للغاية.
يتناول الكتاب حياة عابد سلامة
في مراحلها المبكرة، بما في ذلك علاقاته السابقة وحياته الأسرية. كما يُفصّل كيف أثّر
الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية على حياته، وكيف حطمت الحكومة الإسرائيلية العديد
من طموحاته. خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى (1987-1993)، أغلقت الحكومة الإسرائيلية
الجامعات الفلسطينية في الضفة الغربية، مما منع سلامة من الالتحاق بالجامعة. حاول الحصول
على تأشيرة للدراسة في الخارج، لكن طلبه قوبل بالرفض. انضم سلامة لاحقًا إلى الجبهة
الديمقراطية لتحرير فلسطين، واعتُقل وعُذّب عام 1989. مثّلته أمام المحكمة العسكرية
المحامية الإسرائيلية ليا تسيميل. أُدين سلامة بناءً على إفادة طرف ثالث توثّق لم يتمكن
من الإدلاء بشهادته فيها أثناء المحاكمة. قضى سلامة ستة أشهر في سجن كتسيئوت. يوثق
ثرال كيف يُدمر الاعتقال الجمعي للفلسطينيين في الضفة الغربية المجتمع، حيث يُسجن أطفال
لا تتجاوز أعمارهم 12 عامًا بتهم بسيطة مثل رشق الجنود بالحجارة. وفيما يتعلق بالاعتقال
الجمعي، أشار ثرال إلى أن نسبة إدانة الفلسطينيين الذين يمثلون أمام المحاكم العسكرية
في الضفة الغربية تصل إلى 99.7%، وأن 700 ألف فلسطيني اعتُقلوا خلال فترة الاحتلال،
أي ما يُمثل 40% من إجمالي الرجال والفتيان في الضفة الغربية.
كما يوثق الكتاب حياة آباء فلسطينيين
آخرين بحثوا عن أبنائهم في ذلك اليوم المشؤوم، بالإضافة إلى قصص إسرائيليين وفلسطينيين
آخرين جمعتهم هذه المأساة. ويروي ثرال كيف سارعت طبيبة الغدد الصماء هدى دحبور، التي
كانت تعمل في عيادة متنقلة تابعة للأونروا، إلى تقديم المساعدة لضحايا المأساة. وأوضح
ثرال أن ابنها نفسه سُجن من قبل الحكومة الإسرائيلية بتهمة رشق جنود الجيش الإسرائيلي
بالحجارة. كما يوثق ثرال جهود بعض الإسرائيليين لتحسين العلاقات مع جيرانهم الفلسطينيين.
يصف ثرال كيف يعمل آدي شبيتر (من مستوطنة عناتوت اليهودية) على تحسين العلاقات مع السلطة
الفلسطينية بالتعاون مع الممثل المحلي إبراهيم سلامة (ابن عم عابد)، وكيف انكشفت صدمات
نفسية سابقة للمسعف الإسرائيلي إدلاد بنشتاين بعد أن قدم الإسعافات الأولية لضحايا
الحادث، وكيف جمع دولي ياريف تبرعات مالية لمساعدة ضحايا المأساة. وخلص ثرال إلى أن
المأساة كانت نتيجة نظام الفصل القسري (طرق ومدن ومدارس منفصلة)، والإهمال المتعمد
للبنية التحتية الفلسطينية، وإنكار الحقوق الفلسطينية بما في ذلك الحرمان العسكري من
حرية التنقل. وخلص ثرال إلى أن المأساة كان من الممكن تجنبها وأنها نتيجة للنظام القمعي
الذي يعيش فيه الفلسطينيون.
ما يبرز في هذه القصة هو الظروف
الهيكلية التي سبّبت الكارثة: الطريق الذي يسلكه
الفلسطينيون كان سيئ الصيانة، بينما استخدم الإسرائيليون طريقًا حديثًا قريبًا.
رغم قرب مستوطنة إسرائيلية من مكان الحادث، تأخرت خدمات الطوارئ في الوصول، واضطر
المواطنون الفلسطينيون إلى إنقاذ الأطفال ونقل الجرحى بسياراتهم الخاصة، بمساعدة
فرق الأمم المتحدة (UNRWA) فيما بعد.
حظي الكتاب بإشادة النقاد،
فقد اعتبرت صحيفة نيويورك تايمز أن ثرال يوثق الواقع الفلسطيني بدقة دون
الانحياز السياسي، بينما أشادت الجارديان بعمق التعاطف والإنسانية في
الكتاب، مقارنه إياه برواية Apeirogon
لكولوم ماكان، باعتباره نموذجًا لفهم الصراع
الإسرائيلي–الفلسطيني بطريقة متوازنة وناضجة.
باختصار ليس "يوم في حياة
عبد سلامة: تشريح مأساة القدس مجرد سرد لحادث مأساوي، بل نافذة على واقع
الاحتلال الفلسطيني، على القسوة البنيوية، وعلى صمود الناس في وجه المعاناة
اليومية. إنه كتاب يجمع بين التاريخ
الشخصي، والتحليل السياسي، والإنسانية العميقة، ويدعونا جميعًا إلى التأمل في
العدالة، والإنصاف، والحياة اليومية في فلسطين.
#فلسطين #عبد_سلامة # A_Day_in_the_Life_of_Abed_Salama # #حادث_2012
#الاحتلال_الإسرائيلي #حقوق_الطفل #العدالة
#UNRWA #كتب_تستحق_القراءة #الضمير_الإنساني
.jpg)

.jpg)
تعليقات
إرسال تعليق