كيف تعلم الرسام البلجيكي المشهور كورناي من بول غوغان ؟

 




بول غوغان وجماعة الكوبرا : كيف ألهم اللون البدائي ثورة الفن العفوي



غوغان لم يكن مجرد مرشد معلماً ، بل كان روحاً تهمس في كل لوحة لكورناي، تفتح له أبواب التجريب والحرية، حيث كل ضرب فرشاة هو حوار بين التراث البدائي والخيال المعاصر.




كورناي[1]: في حضرة اللون والمخيّلة

في عالم الفن حيث تتحرّر الخطوط والألوان من قيود الواقع، يقف كورناي كرحّالة بين الظل والنور، بين الوميض الصامت والمشهد العفوي. لا يبحث عن التقليد، ولا يستكين أمام الأكاديميات، بل يسبح في تيارات اللون، يختبر المخيّلة كما يختبر الحياة نفسها، حيث كل ضرب فرشاة هو سؤال، وكل لون يُجيب بطريقة لا يمكن للعقل السيطرة عليها.

كورناي لم يرَ في اللوحة مجرد سطح لتكرار العالم، بل اعتبرها فضاءً حيًّا، ينمو ويتنفس. الألوان عنده ليست وسيلة، بل لغة ذات صدى داخلي، تصرخ بهدوء، تمزج بين الطفولة والبدائية، بين التجريب والحنين، بين اللعب والتمرد. هو ذلك الفنان الذي يرى في كل تفصيل بسيط كائنًا حيًا، وفي كل تداخل للون فرصة لإعادة اكتشاف الذات والعالم معًا.

رحلة كورناي مع اللون ليست رحلة خارجية، بل رحلة داخلية، صمتٌ وشغفٌ، يلتقي فيها الخيال بالذاكرة، والرغبة بالحقيقة. كأنه يقول لنا: " الفن لا يُرى بعين واحدة، بل يُحس بكل الجسد، ويُسمع بصدى الروح". وهكذا تصبح اللوحة عنده عالمًا مكتملًا، ليس مجرد تصوير للواقع، بل كشفٌ لما هو خفيّ في أعماق الأشياء، لُغزٌ مفتوح لا ينتهي.

في أعماله، نجد الطفولة تتمازج مع البدائية، والانضباط يرقص مع الفوضى، لتتكوّن لوحات تنبض بالحياة. خطّه حر، ألوانه جريئة، وروحه مرحة، كأن الكون كله يميل إلى حضوره، يشارك في صدى الضحكات، في وهم الحركة، وفي إشراق الضوء الذي ينساب من قلب اللوحة إلى القلب البشري.

كورناي، في كل لحظة إبداعية، يذكّرنا بأن الحرية الحقيقية للفن تكمن في التجريب، في الجرأة على أن نرى الأشياء بعين الطفولة وعقل الفنان في آن واحد. ليس هناك قواعد صارمة، ولا خطوط نهائية؛ هناك فقط اللون، الحركة، والحياة التي تُستعاد في كل ضربة فرشاة، لتصبح اللوحة مرآة لروح الفنان، ولروح كل من ينظر إليها.

في نهاية القرن التاسع عشر، أعلن بول غوغان: "واجب التجرّؤ على كل شيء… أنا طفل وإنسان متوحّش". التزم غوغان بهذه الوصية في حياته، محررًا اللون ومستمدًا الإلهام من البدائية والفنون غير الغربية والتقاليد الشعبية التي اكتشفها في تاهيتي وبريتاني، مسهماً في تشكيل رؤية فنية جديدة أثّرت على كورناي لاحقًا، الذي وجد في غوغان ومع فان كوخ  علامات فنية أساسية فتحت أمامه آفاقًا جديدة لرؤيته.

بدأ كورناي مسيرته في أكاديمية أمستردام للفنون الجميلة عام 1940، حيث رفض تعليم الأساتذة الذين انتقدوا أساليب ماتيس وفان كوخ. رحلاته إلى هنغاريا عام 1947 فتحت له أبواب الشعر والسوريالية عبر لقاءه الرسام جاك دوسيه والشاعر إيمري بان، لتتحول أعماله إلى تعبير حر وشعري، بعيد عن الطبيعة، مع خطوط وألوان نيّرة تولّد عوالم خيالية يسكنها المخلوقات الغريبة.

في العام نفسه، أسّس كورناي مع صديقيه كاريل أبيل وكونستان المجموعة الهولندية التجريبية ومجلة Reflex، داعين إلى فن تجريبي وعفوي يرفض الواقعية الأكاديمية وتجريد موندريان الهندسي، ليمهّد الطريق لاحقًا لانطلاق حركة كوبرا (1948–1951)، التي جمعت فنانين وشعراء من كوبنهاغن وبروكسيل وأمستردام. خلال هذه المرحلة، استلهم كورناي من رسوم الأطفال والفنون الشعبية مطوّرًا أسلوبًا حرًا وصافي الألوان.

شارك كورناي في ابتكار أعمال جماعية ضمن كوبرا، مزج فيها بين الرسم والشعر، واهتم برسوم المرضى العقليين، مؤسسًا لغة بصرية تجمع بين البراءة والتمرد. كان دفتر أعماله للندوة الدولية الأولى حول رسوم المرضى عقليًا، مزينًا برسومه بالحبر الأسود، شهادة فريدة على أبحاثه التجريبية.

سافرت عين كورناي عبر العالم: أفريقيا الشمالية والجزيرة الهولندية، أمريكا اللاتينية، البرازيل، المكسيك، آسيا، حيث انصهرت تأثيرات الثقافات الشعبية مع فضوله الشخصي، ليخلق ما وصفه النقاد بـالمشهدية التجريدية، لوحة تحفل بالطاقة الحيوية للأرض، بتشابكات آسرة وخطوط مشعة وشموس منيرة، انعكاسًا مباشرًا لروح غوغان الاستوائية وحبه للطبيعة والبدائية.

في السبعينات، تأثر كورناي بلوحات النساء الاستوائيات لغوغان، فابتكر أعمالًا تمزج بين العري والطبيعة الغضّة، بينما في المرحلة الأخيرة من حياته، استحضر فنون الكنائس القبطية والمكسيك الشعبية والمنحوتات الأفريقية، ليخلق لغة تشكيلية جديدة، تجمع بين أربعة عقود من التجريب الفني وروح اللعب والبدائية التي بدأت مع كوبرا.

يظل كورناي اليوم جسدًا حيًا لتراث غوغان، حيث اللون أسبق من الشكل، والمخيّلة أكثر صدقًا من الطبيعة، والفن حرٌّ قبل أن يكون أسلوبًا. في جل أعماله  يمكننا تتبع كل هذه الروابط، من  كوبرا ، إلى رحلاته العالمية، وصولاً إلى اللوحات التي تجمع بين اللون، الحرية والبدائية، لتظل شهادة على أن الفن هو مغامرة مستمرة، لا يعرف الحدود، ولا يحدّه الزمن.

#كورناي #غوغان #فن_حديث #كوبرا #تجريبية #لوحات_عفوية #

 

 



[1] الرسام الهولندي "كورناي" (Corneille) هو الفنان التشكيلى والنحات والنقاش الهولندي الشهير جيوم كورنيليس بيفيرلو، أحد مؤسسي حركة "كوبرا" (CoBrA) الفنية، والمعروف بأسلوبه التعبيري الملون والحيوية، ويُعد من أبرز فناني هولندا في القرن العشرين، واسمه الفني يختصر بـ "كورناي" نسبةً لمدينة لييج البلجيكية التي ولد فيها

 


 



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسرار الجازي وماثيو: رواية التاريخ والحكاية في قلب السعودية

حين يتكلّم الصمت: رحلة ابراهيم فرغلي بين الذاكرة والخيال

أصوات مصر: كيف كتب الكاسيت تاريخ الجماهير