الفلسطينيون والصراع الطويل: صوت التاريخ الممنوع

 

رشيد الخالدي


حرب المئة عام على فلسطين: قصة الاستعمار الاستيطاني والمقاومة : استعادة للرواية الفلسطينية التي أُريد لها أن تُمحى 

 

بعد الضمير يأتي التاريخ… هذا كتاب يكشف أن الصراع الفلسطيني ليس نزاعاً عادياً، بل مشروعاً استعمارياً متواصلاً.

فلسطين ليست مجرد خبر يومي، بل قرن كامل من المقاومة والإقصاء المنهجي.   ماذا يحدث عندما يرفض التاريخ سماع الفلسطينيين؟ هذا الكتاب يجيب.

 

 

وفي كتابه "حرب المئة عام على فلسطين: قصة الاستعمار الاستيطاني والمقاومة"  The Hundred Years’ War on  Palestine  يقدّم المؤرخ الفلسطيني رشيد الخالدي عملاً فكرياً بالغ الأهمية، يضع القضية الفلسطينية في إطارها الحقيقي: ليس كنزاع متكافئ بين طرفين، بل كمشروع استعماري متواصل، بدأ قبل أكثر من قرن، ولا يزال مستمراً بأشكال مختلفة. وفي هذا الكتاب الصادر بنسخته العربية عن الدار العربية للعلوم ناشرون؛ ركّز المؤرخ الفلسطيني الأميركي رشيد الخالدي على 6 أحداث اعتبر أنها تمثل تحول في الصراع على فلسطين. تبدأ هذه الأحداث الستة -بحسب المؤلف- بوعد بلفور سنة 1917 الذي حدد مصير فلسطين، ثم حرب النكبة سنة 1948، يليها قرار مجلس الأمن رقم 242 لعام 1967، ثم الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، ثم اتفاقية أوسلو للسلام 1993، مرورا بزيارة أرييل شارون إلى القدس عام 2000، وصولا إلى حصار إسرائيل لغزة وحروبها المتكررة على أهل القطاع في العقد الأول من القرن الـ21. يقول المؤلف إن هذه المراحل تسلط الضوء على الطبيعة الاستعمارية لحرب الـ100 عام على فلسطين، وعلى دور القوى الخارجية الذي لا يمكن الاستغناء عنه -حسب الكاتب- في شن هذه الحروب. ويؤكد الخالدي أن هذا الأنموذج الاستيطاني الاستعماري تم توطيده في حرب 1948، بتسميتها الفلسطينية "النكبة"، أو بتسميتها الإسرائيلية "حرب الاستقلال" من خلال السيطرة على ما يقرب من 80% من الأراضي الفلسطينية.

ينطلق الخالدي من عام 1917، عام وعد بلفور، بوصفه لحظة تأسيسية لما يسميه الحرب على فلسطين. أن "صك بلفور سنة 1917 تحول إلى صيغة أممية تبنتها عصبة الأمم سنة 1922 وبناء عليها صارت الوظيفة الدولية للاستعمار البريطاني في فلسطين إقامة وطن قومي لليهود بفلسطين، وكل الدول الكبرى كانت مؤيدة لهذا الانتداب ووظيفته." وبعد ذلك توالت الهجرات اليهودية من مناطق مختلفة من العالم باتجاه فلسطين. ويرصد الخالدي مخاطر الهجرة اليهودية إلى فلسطين قائلا "بدأ خلع المجتمع الفلسطيني المحلي بهجرة كبيرة للمستوطنين الأوروبيين تدعمها سلطات الانتداب البريطاني الجديدة التي ساعدتهم على تأسيس هيكل دولة موازية صهيونية". يقول الخالدي "هكذا زينت حركة استعمارية قومية من أواخر القرن التاسع عشر نفسها بمعطف توراتي كان جذابا جدا للبروتستانت الذين يتلون الكتاب المقدس في بريطانيا العظمى والولايات المتحدة الأميركية"، ويضيف "أعماهم ذلك عن رؤية الحداثة الصهيونية وطبيعتها الاستعمارية، وإلا كيف يمكن أن يستعمر اليهود الأرض التي انطلق منها دينهم؟"

في قلب الحركة البروتستانتية البريطانية والأميركية نشأ تيار المسيحية الصهيونية الذي نشط في الشرق وفي فلسطين منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر ونادى بعودة اليهود إلى فلسطين. وقد تبلور هذا التيار على شكل منظمات كنسية ومبشرين ورحالة ودبلوماسيين في بدايات النصف الثاني من نفس القرن، أي تقريبا قبل نصف قرن من نشوء الصهيونية على يد تيودور هرتزل.

ومنذ البداية، يصرّ على أن هذه الحرب لم تكن عسكرية فقط، بل سياسية، ودبلوماسية، ورمزية، وإعلامية. إنها حرب على الأرض، وعلى الذاكرة، وعلى الحق في السرد. وبهذا المعنى، فإن الكتاب لا يروي فقط ما حدث للفلسطينيين، بل يشرح كيف جرى إقصاؤهم منهجياً من التاريخ الرسمي الذي كُتب عنهم.

ما يميّز هذا العمل هو موقع صاحبه. رشيد الخالدي ليس مراقباً بعيداً، بل هو مؤرخ ينتمي إلى عائلة فلسطينية عريقة لعبت أدواراً سياسية وثقافية في القدس. هذا البعد الشخصي لا يحوّل الكتاب إلى سيرة ذاتية، لكنه يمنحه حساسية خاصة، ووعياً عميقاً بكيفية تداخل التجربة الفردية مع البنى الكبرى للاستعمار والسياسة الدولية. ومع ذلك، يحرص الخالدي على الحفاظ على صرامة أكاديمية واضحة، مدعومة بالوثائق، والمراسلات، والسجلات الرسمية.

يقسّم الخالدي تاريخ الصراع إلى مراحل متعاقبة، يبيّن في كل واحدة منها كيف واجه الفلسطينيون قوة أكبر منهم عسكرياً وسياسياً، بدءاً من الانتداب البريطاني، مروراً بقيام دولة إسرائيل، وصولاً إلى الدور الأميركي الحاسم في العقود الأخيرة. ويكشف بوضوح كيف تحوّلت الولايات المتحدة من وسيط مزعوم إلى طرف منحاز، يوفّر الغطاء السياسي والعسكري والدبلوماسي لإسرائيل، على حساب أي إمكانية حقيقية للعدالة أو السلام.

أحد أهم إسهامات الكتاب هو تفكيكه لمفهوم النزاع المعقّد. فبالنسبة للخالدي، هذا الوصف ليس بريئاً، بل يُستخدم غالباً لإخفاء حقيقة أساسية: وجود علاقة قوة غير متكافئة، حيث يواجه شعبٌ أعزل منظومة استعمارية مدعومة من قوى عالمية كبرى. بهذا التفكيك، يعيد الكتاب الاعتبار إلى اللغة الأخلاقية من دون الوقوع في الخطاب العاطفي أو الدعائي.

كما يولي الخالدي اهتماماً خاصاً لفشل القيادات الفلسطينية والعربية، من دون أن يساوي بينها وبين المشروع الاستعماري نفسه. هذا النقد الداخلي يمنح الكتاب مصداقية إضافية، ويؤكد أن الدفاع عن القضية الفلسطينية لا يعني تبرئة الذات من الأخطاء، بل فهمها ضمن سياق أوسع من الهيمنة والاختلال البنيوي في ميزان القوى.

أسلوب الكتاب واضح ومباشر، يخلو من التهويل، لكنه لا يخلو من نبرة حزن وغضب مكتومين. إنه كتاب يكتب ضد النسيان، وضد اختزال فلسطين في عناوين الأخبار أو في لحظات العنف فقط. فلسطين هنا تُقدَّم كقضية تاريخية ممتدة، وكشعب حُرم طويلاً من حقه في أن يُروى تاريخه بلسانه.

في زمنٍ تتكاثر فيه السرديات المضلِّلة، يقدّم حرب المئة عام على فلسطين: قصة الاستعمار الاستيطاني والمقاومة ما هو أكثر من كتاب تاريخ: إنه عمل مقاومة معرفية، يذكّرنا بأن معركة فلسطين ليست فقط على الأرض، بل على المعنى، وعلى من يملك الحق في تعريف العدالة. ولهذا، فإن قراءة هذا الكتاب ليست خياراً ثقافياً فحسب، بل ضرورة فكرية لكل من يريد أن يفهم فلسطين خارج الأساطير السياسية السائدة.

 


#فلسطين #رشيد_الخالدي #TheHundredYearsWarOnPalestine #التاريخ_الفلسطيني #الصراع_الفلسطيني
#
العدالة #الذاكرة #كتب_تستحق_القراءة #الرواية_الفلسطينية #الاستعمار

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسرار الجازي وماثيو: رواية التاريخ والحكاية في قلب السعودية

حين يتكلّم الصمت: رحلة ابراهيم فرغلي بين الذاكرة والخيال

أصوات مصر: كيف كتب الكاسيت تاريخ الجماهير