ما الذي كان سيزان يراه ولا نراه؟ قراءة فلسفية في الرسم

 

بول سيزان


 

لم يكن سيزان يرسم ما يراه، بل كان يرسم كيف يولد الشيء أمام العين.ماذا لو لم تكن اللوحة صورة للعالم، بل لحظة ظهوره الأولى؟ في لوحات سيزان، لا تستقر الأشياء… لأنها لم تكتمل بعد.هل كان سيزان فيلسوفاً بلا كلمات ؟حين يتقدّم اللون على الخط، يبدأ العالم في الكلام.

 

على الرغم من رحيله المبكر عام 1961، ظلّ موريس ميرلو-بونتي واحدًا من أولئك الفلاسفة الذين لا يغيبون، لأنهم لم يكتبوا عن العالم من خارجه، بل من قلب التجربة نفسها. فقد انفتح فكره، منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، على أسئلة الإدراك والمعنى والجسد، واضعًا الفلسفة في تماس مباشر مع الفن، لا بوصفه موضوعًا جماليًا، بل كطريقة أصلية لفهم الوجود. ومن هنا جاء اهتمامه العميق بالرسام الفرنسي بول سيزان، الذي رآه لا مجرد فنان حداثوي، بل مفكرًا بصريًا أعاد تأسيس علاقتنا بالعالم المرئي.

لم يكن سيزان، في نظر ميرلو-بونتي، رسامًا يسعى إلى تقليد الطبيعة أو تحسين صورتها، بل كان يسعى إلى القبض على لحظة ظهورها الأولى، قبل أن تتصلّب في مفاهيم أو قوالب جاهزة. لقد أراد أن يرسم العالم كما يُدرَك، لا كما يُعرَف؛ كما يُعاش، لا كما يُسمّى. ولهذا شكّلت تجربة سيزان المفتاح الأوضح لفهم المشروع الظاهراتي في الفن: العودة إلى الأشياء ذاتها، لا باعتبارها موضوعات هندسية أو صورًا فوتوغرافية، بل ككائنات تظهر لنا في تذبذبها، وعدم اكتمالها، وحضورها الحي.

في دراسته الشهيرة شكوك سيزان، يكشف ميرلو-بونتي أن قلق سيزان لم يكن تقنيًا، بل وجوديًا. كان يعيش توترًا دائمًا بين الإحساس والفكرة، بين النظام والفوضى، من دون أن يختار أحدهما على حساب الآخر. لم يكن يريد أن يفصل بين استقرار الأشياء في العالم والطريقة التي تظهر بها أمام العين. لذلك جاءت لوحاته بلا خطوط كفاف صارمة، وبلا منظور هندسي تقليدي، وكأن الأشكال فيها لم تكتمل بعد، أو لا تزال في طور التكوّن.

بول سيزان




هذا ما جعل لوحات سيزان تبدو غريبة ومقلقة: التفاحة ليست مجرد تفاحة، بل كتلة لونية تتكوّن أمامنا؛ الطاولة لا تستقر، والمناظر الطبيعية تبدو وكأن الزمن قد توقّف عند لحظة ولادة الأشياء. هنا لا تحاكي اللوحة العالم، بل تعيد خلق شرط ظهوره. فالمنظور، كما يكتشف سيزان ، ليس هندسة صافية، بل منظور حيّ، يتبدّل بحسب موقع الجسد، وحركته، ومسافته من الأشياء. ما نراه ليس ما تلتقطه الكاميرا، بل ما يفرضه العيش داخل العالم.

ومن هنا تأتي عبقرية سيزان: التحريف المنظوري لا يُرى بوصفه تشويهًا، بل يُحسّ كضرورة داخلية للرؤية. فاللون لا يملأ الشكل، بل يولّده؛ والخط لا يحدّ الشيء، بل يتراجع داخل اللون كأثر خفيّ. العالم، في هذه اللوحات، ليس مجموع أشياء منفصلة، بل كتلة واحدة كثيفة، شبكة من الألوان والقوى، حيث يظهر العمق لا كخدعة بصرية، بل كخبرة معيشة.

يذهب ميرلو-بونتي أبعد من ذلك حين يربط تجربة سيزان بالجسد. فالإدراك، في أصله، ليس تقسيمًا بين حواس منفصلة، بل تجربة كلية. نحن لا نرى فقط نعومة الأشياء أو صلابتها، بل نحسّ حضورها الكامل. ولهذا كان سيزان يقول إننا نرى حتى رائحة الأشياء. كل ضربة فرشاة، إذًا، يجب أن "تحوي الهواء والضوء والشيء والأسلوب معًا". مهمة لا متناهية، لأن التعبير عن الوجود نفسه لا نهاية له.

في تعليق ميرلو-بونتي الأخير، يبدو سيزان كأنه يعلّق العالم الإنساني بكل عاداته واستخداماته، ليكشف الطبيعة قبل أن يفرض الإنسان معناه عليها. عالم بلا عاطفة جاهزة، بلا حركة مألوفة، عالم في بداية تكوّنه. ولهذا تبدو لوحاته صعبة، لكنها ضرورية: فهي لا تمنح الراحة، بل تعيدنا إلى جذر الرؤية. وهنا يتحقق التعريف الكلاسيكي للفن كما يراه ميرلو-بونتي: الإنسان مضافًا إلى الطبيعةلا مقلدًا لها، بل كاشفًا عن سرّ ظهورها المستمر.

#موريس_ميرلو_بونتي
#
بول_سيزان
#
الظاهراتية
#
فلسفة_الفن
#
الإدراك
#
الجسد
#
الفن_الحديث
#
التكعيبية
#
اللون
#
المنظور
#
الفلسفة_والفن
#
الحداثة
#
التجربة_الجمالية

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسرار الجازي وماثيو: رواية التاريخ والحكاية في قلب السعودية

حين يتكلّم الصمت: رحلة ابراهيم فرغلي بين الذاكرة والخيال

أصوات مصر: كيف كتب الكاسيت تاريخ الجماهير