صداقة لم تكتمل: سيزان، غوغان، وسوء الفهم الذي صنع التاريخ
ليست كل العداوات
صاخبة؛ بعضها يعيش صامتًا داخل اللوحة...ما
الذي يجعل فنانًا يرى في نجاح زميله سرقة لا تحية؟
لم يختلف سيزان وغوغان
على الرسم، بل على معنى أن تكون فنانًا... أحيانًا
لا نكره إلا من يشبهنا أكثر مما نحتمل.
بين صداقة البدايات
ودموع النهاية، وُلد أحد ألغاز تاريخ الفن.
ما الذي يجعل فنانين عظيمين،
يتقاسمان الزمن نفسه، والحساسية نفسها، والانتماء ذاته إلى مغامرة الحداثة،
يتحوّلان من صداقة محتملة إلى خصومة صامتة وطويلة؟ سؤال كهذا يطلّ علينا كلما ذُكر
اسما بول سيزان وبول غوغان معًا، وكأن بينهما رباطًا خفيًا لا ينفصم، حتى حين
يتحوّل إلى جرح.
في البدء، لم تكن هناك عداوة.
كان الاثنان يلتقيان تحت راية الانطباعية، في مناخ باريسي مضطرب، تحرّكه أسماء مثل
إميل زولا، وتهزّه معارك الفن الجديد ضد الذوق الأكاديمي. سيزان، القادم من
الجنوب، الثقيل المزاج، المتردّد، شديد الشك بنفسه وبالعالم، وغوغان، البحّار
السابق، الواثق، المغامر، الباحث عن خلاص بعيد عن أوروبا. بدا الاختلاف بينهما، في
البداية، مصدر إثراء لا صدام.
لكن ما لا يُقال في تاريخ
الفن غالبًا أكثر مما يُقال. فسيزان لم يكن يغفر بسهولة. كان يرى الفن قدرًا
أخلاقيًا، عبئًا داخليًا، معاناة لا تُحتمل، بينما كان غوغان، في نظره، يتعامل مع
الرسم كاختيار، كمغامرة، كقناع يمكن تغييره. هنا، ربما، بدأ الشرخ الحقيقي: اختلاف
في فهم معنى أن تكون فنانًا.
حين غادر غوغان أوروبا إلى
جزر المحيط الهادئ، لم يهرب فقط من الحضارة، بل عاد بأسلوب جديد، بلغة لونية
جريئة، وبجرأة أسطورية في التعامل مع الشكل والرمز. وما بدا للبعض تحرّرًا، رآه
سيزان استيلاءً. فقد شعر، أو هكذا تخيّل، أن غوغان استعار طريقته في بناء اللون،
ثم حملها بعيدًا، ووقّعها باسمه، كأنما انتزع من سيزان ما ظل هذا الأخير يشقّ
طريقه إليه بصبر وعذاب.
لم تكن الغيرة وحدها كافية
لتفسير العداوة، لكنها كانت وقودها الخفي. سيزان، الذي ظلّ سنوات طويلة موضع سخرية
النقاد، لم يصل إلى الاعتراف إلا متأخرًا، بينما كان غوغان، الأصغر سنًا، يلمع
بوصفه فنانًا متمرّدًا، صاحب أسطورة شخصية جذابة. وحين بدأ المجد أخيرًا يطرق باب
سيزان، أعاد معه كل جراح الماضي، وكل الحسابات المؤجّلة.
حاول غوغان، في سنواته
الأخيرة، أن يردم الهوّة. تفاخر بأنه يحتفظ بلوحات لسيزان، وبأنه تأثّر به، وبأنه
لم يبع أعماله حتى في ضيق الحاجة. كلمات كهذه، كان يمكن أن تذيب العناد، لكنها
وصلت متأخرة، أو ربما وصلت إلى قلب لا يريد أن يسمع. فسيزان لم يرَ فيها اعترافًا،
بل تأكيدًا لشكوكه القديمة: أن غوغان لم يكن سوى وريث متعجّل، قفز فوق الطريق
الطويل.
ومع ذلك، لم تكن هذه العداوة
صاخبة. لم تتحوّل إلى قطيعة معلنة أو سجال علني. كانت أشبه بصمت ثقيل، بحكم داخلي
لا رجعة فيه. حتى جاء الحدث الوحيد الذي كسر هذا الصمت: موت غوغان عام 1903.
عندها، فقط، انهار سيزان. بكى كما يُبكى على أخ لم يُصافَح، وردّد أسئلة متأخرة عن
رسالة لم تصل، أو وداع لم يحدث.
في تلك اللحظة، بدا أن
العداوة لم تكن إلا وجهًا آخر لقربٍ لم يُحتمل. فسيزان لم يكن يكره غوغان بقدر ما
كان يخشاه: يخشى خفّته، حريته، قدرته على الرحيل، بينما هو ظلّ مشدودًا إلى الأرض،
إلى التفاحة، إلى الطاولة، إلى العالم الذي يولد ببطء تحت ضربات الفرشاة.
وهكذا رحل الاثنان، وبقي
السرّ. سرّ خصومة لم تُحسم، وصداقة لم تكتمل، وتاريخ فنّي يذكرهما معًا، رغم أن
أحدهما حاول، طويلًا، أن ينطق اسمه وحده.
#بول_سيزان
#بول_غوغان
#تاريخ_الفن
#الفن_الحديث
#الحداثة
#الغيرة_الفنية
#فلسفة_الفن
#الفن_والسيرة
#الانطباعية
#ما_بعد_الانطباعية
#العبقرية
#الخصومة_الإبداعية

.jpg)
تعليقات
إرسال تعليق