ملحمة جلجامش: رحلة الإنسان بين الصداقة، الفقد، والموت......2/2
إنها رحلة الإنسان في ذاته، في خوفه وأمله، في
قوته وضعفه.
جلجامش يصرخ في أعماقنا: ما معنى أن نعيش إذا
لم نفهم حدود وجودنا؟
#EpicOfGilgamesh
#PhilosophyAndPsychology #FriendshipAndLoss #HumanConsciousness #Existentialism
#Mortality #PsychologicalAnalysis #JourneyOfMan
6. الرحلة – قلق المعنى
(الوجودية قبل الوجودية)
بعد موت أنكيدو، يجد جلجامش
نفسه على مفترق طرق لم يعرفه من قبل: الطريق مفتوح أمامه، لكن قلبه مثقل بالحزن،
وعقله يرفض قبول النهاية. من منظور نفسي، رحلة البحث عن الخلود ليست مجرد مغامرة
جسدية عبر الصحارى والأنهار، بل إنكار للحداد، محاولة للهروب من مواجهة الفراغ
الذي تركه الفقد. أن كل خطوة يخطوها وكل
عائق يتجاوزه وكل تهديد يواجهه ليس إلا
محاولة لتأجيل مواجهة الحقيقة الأزلية: نحن فانون، والفقد لا
يمكن تعويضه بالقوة أو المجد. يركض جلجامش وراء الخلود كما يركض المرء خلف
سراب في الصحراء، محاولة يائسة للسيطرة على ما لا يمكن السيطرة عليه، للتمسك بما
انتهى، ولإعادة بناء ما فقد.
من منظور فلسفي، وفق رؤية كامو
وكيركغارد، الإنسان لا يسعى إلى الخلود بالضرورة، بل يسعى إلى معنى يحتمل الفناء. تكشف
رحلة جلجامش ما سيكون لاحقًا محور الفلسفة الوجودية: الحياة محدودة، الفناء حتمي،
والبحث عن معنى هو ما يمنح الإنسان طاقته ووجوده. إن محاولة الحصول على الخلود
المادي أو النجاة من الموت هي عبث. يظهر هذا العبث حين نطالب الحياة بما لا تستطيع
منحه. أن كل الوحوش وكل الأمواج وكل التحديات، ليست مجرد اختبارات للقوة، بل
محاولات لإيجاد معنى للوجود، لترك أثر، لتأكيد الذات أمام الفراغ الذي يهدد
بالابتلاع.
هنا تتقاطع النفس والفلسفة:
الألم النفسي ليس عائقًا، بل مرشدًا، والفقد ليس نهاية، بل بداية تأمل وجودي.
الإنسان الذي يبحث عن الخلود بلا فهم، بلا معنى، يعيش في وهم، كما لو أن الحياة
ملكٌ له. أما الذي يبدأ بفهم أن المعنى يُصنع من التجربة، من الفقد، من الحب، ومن
مواجهة الحقيقة، فقد بدأ يخطو على الطريق الحقيقي للوعي الإنساني.
رحلة جلجامش ليست عن امتلاك
الخلود، بل عن التصالح مع النهاية، وخلق معنى وسط الفناء. كل
تحدٍّ يواجهه، كل مواجهة مع الوحش أو البحار، تكشف له أن الحياة بلا معنى، مهما
طال أمدها، هي عبث، وأن قيمة الإنسان في إدراكه، في أفعاله، وفي أثره الذي يتركه
بعد رحيله. هنا يبدأ إدراك قلق المعنى، والفهم المبكر للوجودية: الوعي الحقيقي لا يولد من القوة، بل من
مواجهة الفراغ، ومن السؤال عن المعنى وسط الفناء.
7. أوتنابشتم والطوفان
(الاستثناء الذي يفضح القاعدة)
بعد رحلة طويلة من الألم
والفقد، يصل جلجامش إلى أوتنابشتم، الرجل الذي نجا من الطوفان، حاملاً سر الخلود.
في البداية، يبدو الخلود كجواب أخير، كحلٍّ لمأساته، كطوق نجاة أمام الموت المحتوم
الذي لاحقه منذ البداية. لكن من منظور نفسي، ما يكتشفه جلجامش هو أن الخلود ليس
حلًا، بل عبء. أن تكون خالدًا يعني أن تحمل وحدك التجارب والمشاعر والفقد والموت الذي
يهرب منه كل الآخرين، أن تُحرم من مشاركة البشر في دورة الحياة الطبيعية، أن
تتحوّل التجربة الخالدة إلى عذاب داخلي لا ينتهي. الاستثناء، هنا، لا يصلح نموذجًا
للبشرية؛ لا يمكن أن يكون الهروب الفردي من الفناء قاعدة، ولا أن يكون المثال
الاستثنائي مرشدًا لكل البشر.
فلسفيًا، يعلمنا الطوفان
درسًا عميقًا: الخلود ليس مكافأة عادلة من الكون، بل حدث نادر وصدفة أقدار منحتها
الحياة لمن وقع عليهم الاختيار. النجاة من الموت وحدها لا تمنح الإنسان حكمة، ولا
تخلق معنى حقيقيًا لحياته. أن الخلود في ملحمة جلجامش (كما حصل مع أوتنابشتم بعد
الطوفان) ليس حقًا مكتسبًا أو مكافأة عادلة. لم يُمنح لأنه
"صالح" أو "أفضل إنسان"، بل حدثت الأمور بالصدفة أو اختيار
الأقدار . أي
أنه ليس قاعدة عامة يمكن للإنسان الاعتماد عليها، بل استثناء نادر جدًا.
الحكمة تأتي من إدراك الحدود،
وقبول الفناء، وصنع المعنى بأنفسنا خلال زمننا المحدود. أن الإنسان
الذي يسعى وراء الخلود يكتشف أن الفهم لا يأتي من تجاوز الموت، بل من القبول به،
من إدراك الحدود، ومن التوافق مع الواقع كما هو. الحكمة
لا تولد من النجاة الفردية، بل من التواضع أمام قوانين الطبيعة، من مواجهة الفقد
والفناء، ومن إدراك أن الحياة، مهما طال أمدها، محدودة وأن معنى وجودنا ليس في
البقاء الجسدي، بل في ما نصنعه خلال هذه الفترة المحدودة.
اللقاء مع أوتنابشتم هو مرآة
أخرى لجلجامش: القوة والإصرار والبحث عن الخلود لم تحمِه من مواجهة الحقيقة
الكبرى، لكنه يدرك أخيرًا أن الوعي الحقيقي لا يكتمل إلا حين يقبل الإنسان مصيره،
حين يتصالح مع النهاية، ويحتضن ما يمكن تغييره وما لا يمكن تغييره. كل مجد، كل مغامرة، كل نصر، تصبح بلا معنى
أمام الحقيقة النهائية للفناء، إلا إذا كانت مصحوبة بفهم عميق للحدود والوعي
الوجودي.
هكذا، الطوفان لا يمنح الحياة
الأبدية، لكنه يمنح الدرس الأعظم: أن الخلود ليس مكافأة،
وأن الحكمة الحقيقية تأتي من القبول، وليس من الهروب أو النجاة الفردية. ومن خلال هذا الاستثناء، يتعلم جلجامش أن القوة وحدها، والخلود المادي،
لا يصنعان الإنسان الكامل، بل الإدراك، الصداقة، والفقد، والقدرة على فهم الحياة
كما هي: محدودة، معقدة، ومع ذلك مليئة بالمعنى.
8. العودة إلى أوروك (المعنى
بدل الخلود) والخلاصة الوجودية
بعد كل الرحلات، والمغامرات،
والفقد، يعود جلجامش إلى أوروك، إلى أسوار المدينة التي تشهد على قوته القديمة،
لكنه يعود هذه المرة بعيون مختلفة، وبوعي جديد. أن النفوس التي تكبر في
السلطة وتظن أنها قادرة على امتلاك العالم، تصطدم بالحدود، بالموت، وبالفقد، لتدرك
أن القوة ليست غاية، وأن المجد ليس خلاصًا. من منظور نفسي، أن التصالح مع الفناء
هو المرحلة النهائية: تتخلى الأنا عن وهم التفوّق، وتتقبل أن الحياة
ليست ملكًا له، وأن الموت جزء من الوجود. أن الألم والحزن والفقد
والتجارب التي مر بها لم تمحُهِ بل شكلته وجعلته واعيًا ومتواضعًا وقادرًا على فهم
معنى وجوده.
فلسفيًا، الإنسان يدرك أخيرًا
أن المعنى لا يُمنح من الخارج، بل يُبنى، خطوة بعد خطوة، تجربة بعد تجربة. ليس في الخلود أو القوة أو الانتصارات ما يصنع المعنى، بل في الفعل
الواعي، في أثر الإنسان على الآخرين، وفي العدالة التي يخلقها في مجتمعه. أن العودة
إلى أوروك ليست استعادة لمكانة ماضية، بل إدراك أن الحياة تصبح ذات قيمة حين
نصنعها بأنفسنا، حين نتقبل نهايتنا، ونترك أثرًا مستدامًا من عملنا وعدالتنا
وأفعالنا.
هنا، تولد الخلاصة الوجودية: أن الإنسان
خالد فقط بقدر ما يصالح نهايته. لا توجد حياة بلا
فناء، ولا وعي بلا فقد، ولا معنى بلا إدراك حدود وجودنا. أن القوة بلا حكمة والخلود
بلا فهم والسيطرة بلا إدراك الفناء هي مجرد أوهام. لكن حين يقبل الإنسان نهاية
حياته ويخلق المعنى من أفعاله ومن أثره في العالم عندها يصبح خالدًا، ليس جسديًا،
بل روحًا وفكرًا، في تأثيره على الآخرين وفي العدالة التي يتركها وراءه.
ليست العودة إلى أوروك، بهذا
المعنى، مجرد رحلة مكانية، بل رحلة داخلية، رحلة وعي، رحلة تقبل للفناء، وتكوين
للمعنى. أن
كل تجربة وكل فقد وكل صداقة وكل مواجهة مع الموت كانت جزءًا من بناء هذا الوعي. لم
يحقق جلجامش، في نهايته، الخلود الذي بحث عنه طوال رحلته، لكنه اكتسب شيئًا أعظم : لقد فهم
أن الحياة، بما فيها من ألم وفقد، تستحق أن تُعاش بوعي، وأن الإنسان يخلد في أثره
وعمله وعدالته، لا في جسده أو قوته.
وهكذا، تنتهي ملحمة جلجامش،
ليست بحكاية عن الخلود المادي، بل عن ولادة الوعي الإنساني، عن الصداقة والفقد
والمعنى الذي يصنعه الإنسان حين يقبل نهايته.
9. لماذا علينا أن نقرأ ملحمة
جلجامش اليوم؟
على الرغم من مرور أكثر من
أربعة آلاف عام على كتابتها، تبقى ملحمة جلجامش نصًا حيًا يتحدث إلينا كما
لو كان مكتوبًا بالأمس. نحن نقرأها اليوم لأنها تتجاوز حدود الزمن، لأنها تضعنا
أمام أسئلة الإنسان الكلاسيكية: من نحن؟ ماذا يعني أن نعيش؟ كيف نواجه الفقد والموت
والخوف من الفناء؟ هذه الملحمة ليست مجرد حكاية ملك ومغامرته، بل رحلة
وجودية داخل النفس الإنسانية، رحلة تتقاطع فيها الصداقة والفقد والقوة
والهشاشة والحياة والموت.
نقرأ جلجامش اليوم لنكتشف أن الوعي
الإنساني لم يُولد إلا من مواجهة الصدمات الأولى. من الأنا المتضخمة للملك، إلى
اللقاء بالآخر في شخصية أنكيدو، ومن مواجهة الوحوش إلى فقد الصديق، تتكشف لنا
الطبقات الخفية للذات. كل تجربة في النص هي مرآة لأعماقنا: كل خوف وكل طموح وكل رغبة في الخلود، نراه
منعكسًا في رحلات جلجامش. وهنا تكمن قوة الملحمة النفسية؛ فهي تعلّمنا أن الإنسان
لا يصبح واعيًا إلا حين يواجه حدوده، وهشاشته، وفناءه.
فلسفيًا، نقرأ الملحمة اليوم
لأنها تطرح أسئلة صعبة عن معنى الحياة والخلود. لم يكن الخلود الذي يطارده جلجامش هدفًا نهائيًا،
بل رحلة لاستكشاف المعنى الحقيقي للوجود. الحكمة التي يتعلمها من أوتنابشتم
والطوفان ليست في النجاة، بل في القبول؛ القبول بالحدود، بالزمن، وبأن كل ما نملكه
في النهاية هو أثرنا، أعمالنا، وعدالتنا. نقرأ الملحمة اليوم لنفهم أن القوة
والمجد بلا فهم، والسيطرة بلا إدراك الفناء، مجرد وهم، وأن المعنى الحقيقي
للحياة يُصنع، لا يُمنح.
نقرأها أيضًا اليوم لأنها تجمع
بين التاريخ والأسطورة والفلسفة والنفس الإنسانية. إنها أول نص مكتوب يجمع بين
الصراع الداخلي والخارجي، وبين الأخلاق والأسئلة الكبرى عن السلطة والعدالة، وبين
الصداقة والفقد. تجعلنا قراءة جلجامش اليوم نرى أنفسنا في البطل: في قوته، وفي ضعفه،
وفي ألمه، وفي أمله، وتجعلنا نتساءل عن حياتنا وعلاقاتنا وموتنا المحتوم.
باختصار، نقرأ ملحمة جلجامش
اليوم لتتحدث إلينا عن الإنسانية نفسها: عن
هشاشتنا، وعن قدرنا في مواجهة الموت، وعن الصداقة التي تكمل النفس، وعن معنى
الوجود الذي نصنعه بأنفسنا. إنها تذكير بأن القصص القديمة ما زالت تحمل حكمة
للأحياء، وأن تجربة الإنسان لا تتغير، حتى بعد آلاف السنين.
#ملحمة_جلجامش #الفلسفة_والنفس #الصداقة_والفقد
#الوعي_الإنساني #الوجودية #الخلود #التحليل_النفسي #بلاد_الرافدين# العراق#
الحضارة_السومرية# حضارات_العراق#
.jpg)
.jpg)
.jpg)

تعليقات
إرسال تعليق