ثلاثية غرناطة : تحفة فنية بين التاريخ والإنسانية لرضوى عاشور
في ثلاثية غرناطة ، تبني رضوى عاشور جسرًا بين
الماضي والحاضر، بين التاريخ والخيال، لتكشف عن حياة شخصيات تنبض بالإنسانية وسط
أحداث تاريخية ضخمة، وتجعل القارئ يشعر بنبض الزمن وتناقضاته.
#GranadaNovel #Raghda #EgyptianLiterature #NovelReview #HistoricalFiction
#CharacterStudy #LiteraryArt #IdeologyInArt
منذ صدورها، احتلّت ثلاثية
غرناطة للروائية المصرية رضوى
عاشور (1946–2014) مكانة
خاصّة في الوعي القرائي العربي، لا بوصفها عملًا روائيًا فحسب، بل باعتبارها نصّ
ذاكرة يستعيد لحظة مفصلية من التاريخ العربي-الإسلامي في الأندلس. وقد كُتبت
عن هذه الرواية مئات المقالات والدراسات، وتلقّاها القرّاء بحفاوة كبيرة جعلتها
تُصنّف سريعًا ضمن كلاسيكيات الرواية العربية الحديثة. غير أنّ هذا الاحتفاء
الواسع، على أهميته، كثيرًا ما حجب الحاجة إلى قراءة نقدية متأنية، تنظر إلى العمل
بوصفه مشروعًا سرديًا مركّبًا يتألّف من ثلاثة أجزاء غير متكافئة فنيًا.
تتناول الثلاثية السنوات
الأخيرة من الوجود العربي-الإسلامي في غرناطة، لا من خلال سرد الوقائع السياسية
الكبرى، بل عبر تتبّع مصائر عائلات عادية تعيش تحوّلات التاريخ في تفاصيل حياتها
اليومية. منح هذا الاختيار الرواية في جزئها الأول قوة فنية لافتة، وجعل التاريخ
يبدو حيًّا ومجسّدًا في أشخاص من لحم ودم، لا في شخوص رمزية أو خطابية. غير أنّ
الانتقال إلى الجزأين الثاني والثالث يطرح أسئلة مشروعة حول تطوّر هذا المشروع
السردي، وحدود قدرته على الحفاظ على التوازن نفسه بين الفن والتاريخ، وبين الإنسان
والفكرة.
تهدف هذه المراجعة إلى قراءة غرناطة
بوصفها ثلاثية كاملة، لا الاكتفاء بالإشادة بجزئها الأول أو اختزالها في
قيمتها الوجدانية. وهي تسعى إلى مناقشة نقاط قوتها الجمالية، كما تتوقف عند مواطن
الضعف التي ظهرت لاحقًا، ولا سيما ما يتعلّق بتقلّص الحيوية السردية وهيمنة الرؤية
الإيديولوجية على البناء الروائي. فبين رواية بدأت بثراء إنساني لافت، وانتهت
بسردٍ تحكمه حتمية المصير، تتشكّل غرناطة عملًا مهمًا، لكنه يظل مفتوحًا على أسئلة
نقدية لا يمكن تجاهلها.
غرناطة — اكتمال فني ونضج
سردي
يمثّل الجزء الأول من ثلاثية
رضوى عاشور، المعنون غرناطة، الذروة الفنية للمشروع الروائي كلّه، والنقطة
التي تتجلّى فيها قدرات الكاتبة السردية بأوضح صورها. فهنا لا يُقدَّم التاريخ
بوصفه مادةً سردية جاهزة، ولا تتحوّل الرواية إلى إعادة تمثيل لأحداث معروفة
سلفًا، بل يصبح التاريخ خلفية صامتة تتحرّك أمامها حياة يومية نابضة، تتشكّل من
التفاصيل الصغيرة التي تصنع معنى الوجود الإنساني في لحظات التحوّل الكبرى.
تنجح رضوى عاشور في هذا الجزء
في بناء عالم روائي متماسك يقوم على الحياة اليومية بوصفها مركز الثقل
السردي. الأسواق، البيوت، الحمّامات، الورش، والعلاقات الاجتماعية ليست عناصر تجميلية ، بل فضاءات حيوية تتفاعل
فيها الشخصيات مع التحوّلات السياسية من دون خطاب مباشر أو افتعال. يدخل القارئ
هذا العالم من الداخل، لا بوصفه شاهدًا على مأساة تاريخية، بل مشاركًا في حياة
تُستنزف تدريجيًا تحت وطأة القهر والتغيّر القسري.
أما على مستوى الشخصيات
الإنسانية، فتتميّز غرناطة بقدرتها على تقديم شخوص لا تُختزل في أدوار رمزية
أو مواقف أيديولوجية. شخصيات مثل أبي جعفر الورّاق، وأفراد أسرته، وجيرانه،
تُقدَّم بوصفها كائنات تعيش التناقض، وتخطئ، وتتردّد، وتتشبّث بما تبقّى لها من
معنى. لا تسعى الرواية إلى تبرير أفعالهم أو إدانتهم، بل تتركهم يتحرّكون ضمن
منطقهم الإنساني الخاص، وهو ما يمنح السرد عمقه وصدقيته.
ويبلغ هذا الجزء ذروة تميّزه
في اندماج التاريخ بالسرد الروائي من دون أن يطغى أحدهما على الآخر.
فالقرارات السياسية، والقيود الدينية، ومظاهر الاضطهاد لا تُعرض بوصفها بيانات
تاريخية، بل تظهر عبر تأثيرها المباشر في حياة الأفراد: في اللغة التي يُمنع
تداولها، في الكتب التي تُحرق، في العادات التي تُجبر على الاختفاء. وبهذا
الأسلوب، يتحوّل التاريخ من سرد خارجي إلى تجربة معيشة، تُدرك عبر الألم الصامت
والتغيّرات البطيئة، لا عبر الشعارات أو المواقف المعلنة.
لهذا، يمكن القول إن الثلاثية
في جزئها الأول رواية مكتملة فنيًا، استطاعت أن توازن بدقة بين الإنساني
والتاريخي، وأن تقدّم نموذجًا نادرًا في الرواية العربية التاريخية، حيث يُروى
الماضي لا بوصفه أطلالًا، بل حياةً كانت ممكنة ثم سُحقت تدريجيًا.
مريمة والرحيل — تحوّل السرد
وتراجع المفاجأة
بعد البداية المبهرة في غرناطة،
يظهر في الجزأين الثاني والثالث، مريمة
والرحيل، تراجع نسبي في مساحة الإبداع السردي، وإن
بدا ذلك مرتبطًا باختيارات الكاتبة الفنية والموضوعية. أول ما يلفت الانتباه هو تقلص
الحجم السردي، حيث تتحوّل الرواية من عالم غني بالتفاصيل اليومية إلى نصّ
يركّز أكثر على الأحداث الكبرى والتحوّلات التاريخية. هذا التقلص يجعل بعض مشاهد
السرد أقل تأثيرًا من حيث التفاعل مع حياة الشخصيات، وتصبح مساحة الحركة محدودة
نسبيًا مقارنة بالجزء الأول، ما يمنح القارئ شعورًا بالانضغاط السردي.
ومع هذا التقلص، تظهر مشكلة
أخرى واضحة: تحوّل
الشخصيات إلى أدوات تاريخية. فبدل أن تكون الشخصيات
محركًا رئيسيًا للسرد، ككائنات إنسانية كاملة كما في غرناطة، فإنها في مريمة
والرحيل تتخذ أدوارًا تمثيلية تخدم الأحداث التاريخية أو تعكس المآسي الجماعية.
الشخصيات لم تعد كيانات متكاملة، بل رموزًا لما يحدث من تغيّرات سياسية واجتماعية.
هذا التحوّل يقلل من العمق النفسي ويضعف الصلة العاطفية بين القارئ والشخصيات، إذ
تصبح القراءات أكثر تحليلية من كونها تجربة شعورية.
كما يمكن ملاحظة ضعف
المفاجأة السردية، الذي يبرز بشكل واضح في الجزأين الأخيرين. فالأحداث
التاريخية باتت متوقعة، والتحوّلات الكبرى تتكرر بنمطية، ما يفقد النص عنصر
التشويق الذي ميز البداية. الرهانات الدرامية أو اللحظات المفاجئة تقلّ أهميتها،
ويغلب على السرد الطابع التوثيقي أكثر من كونه تجربة روائية مفاجئة أو متجددة.
رغم هذه الملاحظات، يظل الجزءان
يحافظان على قيمة تاريخية ورؤيوية عالية، إذ يستمر تداخل الواقع التاريخي مع
التجربة الإنسانية، وإن بطريقة أكثر رسمية. المشاهد المأساوية، الهجرات، وانكسار
الأمل، تُعرض بدقة سردية واهتمام بالتفاصيل، لكنها تفقد جزءًا من حميميتها
الإنسانية التي كانت قوة محورية في الجزء الأول.
في المجمل، يمكن القول إن
مريمة والرحيل يشكّلان ختامًا موضوعيًا وضروريًا للرواية، لكنهما يقدمان تجربة أقل
إثارة من حيث العمق النفسي والمفاجأة الروائية، مع التحوّل الواضح للشخصيات إلى
أدوات في خدمة التاريخ، ما يبرز التحدي الدائم بين الالتزام بالتاريخ وإشباع الحسّ
الإنساني في السرد الأدبي.
الإيديولوجيا والبعد الفني في
الرواية
رغم أن الثلاثية تتخللها إيحاءات إيديولوجية، إلا أن
أثرها يتجلى بشكل أكثر فنيًا من كونه سياسيًا. فالإيديولوجيا
هنا لا تُفرض على النص كمنصة احتجاج أو دعوة مباشرة، بل تتسلل بهدوء لتؤثر في تشكيل
الشخصيات وبنية السرد. يظهر ذلك جليًا في ثنائية الخير والشر التي باتت ملموسة في بعض
المواقف والاختيارات، حيث تصطف الشخصيات وفق خطوط أخلاقية واضحة نسبيًا، دون أن
تتحول الرواية إلى كتيب أخلاقي أو دعائي.
هذه الثنائية تمنح النص قدرة
على إبراز التوتر النفسي الداخلي للشخصيات، وتجعل القراءات الأدبية أكثر
ثراءً، إذ يمكن للقارئ أن يلحظ الصراعات بين القيم الفردية والمصائر الجمعية، بين
الرغبة في المقاومة والخضوع للواقع. وبالرغم من وضوح هذه الخطوط، فإن الرواية لا
تفقد مرونتها الفنية؛ فالتركيز يظل على تطوير الشخصيات والأحداث، وعلى النسيج
السردي، وليس على الترويج لفكرة سياسية معينة.
باختصار، يمكن القول إن
الإيديولوجيا في هذه الرواية تعمل كـ أداة جمالية مساندة، تُثري السرد
وتبرز عناصر الصراع الدرامي دون أن تُسيطر على النص. فهي تضيف بعدًا من العمق،
لكنها تبقى تحت السيطرة الفنية للكاتبة، فتظهر كعامل بنائي يعزز التوتر الروائي
ويحفز التفاعل الذهني مع النص، أكثر من كونها رسائل مباشرة. وبهذه الطريقة، يتحول
البعد الإيديولوجي إلى عنصر تكميلي في لغة الرواية وصورتها الفنية، بما
يحافظ على استقلالية النص كعمل أدبي متكامل، قادر على التأثير في القارئ من خلال الجماليات
والتجربة الإنسانية، لا من خلال التوجيه السياسي.
تظل ثلاثية غرناطة عملاً
أدبيًا متفردًا، يجمع بين الدقة التاريخية والغنى الإنساني، وبين الفن
السردي والتأمل في مسارات الفرد والجماعة. فهي رواية تبني عالمها بحساسية عالية،
حيث تتداخل الحياة اليومية للشخصيات مع الأحداث الكبرى، فتنبعث منها الإنسانية
في أبهى صورها، وتظل الشخصيات أكثر من مجرد أدوات تاريخية أو حاملات
لأيديولوجيا معينة.
ومع تقدّم الأجزاء الثانية
والثالثة، يظهر تحدٍ واضح في توازن الحبكة وإيقاع السرد، حيث تقل المفاجآت
ويصبح بعض الشخصيات أدوات في التاريخ أكثر من كونها فاعلين مستقلين، لكن هذا لا
يقلل من القدرة الفنية للرواية على نقل تجربة عميقة ومؤثرة. الإيديولوجيا،
وإن أضفت بعض الثنائية الأخلاقية، تظل مسيطرة بشكل خفيف، محافظًا على استقلالية
النص وعمقه الفني.
في النهاية، تقدم غرناطة تجربة روائية متكاملة، تمزج بين التاريخ
والخيال، بين الحدث والتحليل النفسي للشخصيات، وبين الواقع والرمز. إنها رواية تدعو القارئ إلى التأمل، لا
لتلقينه فكرة، بل ليشعر بـ نبض الزمن وتناقضاته الإنسانية، وتظل شاهدة على
قدرة الأدب على أن يكون مرآة للحياة، وجسرًا بين الماضي والحاضر، وبين القيم
الفردية والجماعية.
#رواية #غرناطة #رغدة
#أدب_مصري #تحليل_رواية #تاريخ_وسرد #الشخصية_الإنسانية #الإبداع_الأدبي
Radwa Ashour’s Granada Trilogy stands as a landmark
in modern Arabic literature, blending historical depth with a profound human
perspective. Rather than recounting major political events directly, the
trilogy traces the final years of Arab-Islamic presence in Andalusia through
the everyday lives of ordinary families, transforming history into lived
experience.
The first volume, Granada, represents the
artistic peak of the trilogy. It achieves a delicate balance between history
and humanity, portraying characters as complex individuals shaped by loss,
fear, and resilience. History functions as a silent backdrop, while daily life
becomes the true center of the narrative.
In the second and third volumes, Mareema and The
Departure, the narrative scope narrows and the focus shifts toward
larger historical processes. While these sections retain strong thematic and
historical value, the characters gradually lose psychological depth and become
more representative of collective fate, reducing narrative surprise and
emotional intimacy.
Ideology is present throughout the trilogy, yet it operates
subtly as an aesthetic framework rather than overt political discourse.
Ultimately, Granada remains a powerful literary project that bridges
history and fiction, memory and identity, offering a reflective meditation on
loss, endurance, and the human cost of historical transformation.
.jpg)

.jpg)
تعليقات
إرسال تعليق