يوسف غيشان وملحمة الهوامش: سيرة البطولات اليومية والذاكرة الجمعية



يوسف غيشان


في "ملحمة علهامش"، يصنع يوسف غيشان ملحمة الناس العاديين، حيث يصبح الهامش مركزًا للحياة، والضحك سلاحًا ضد النسيان والفقد.

اكتشف في "ملحمة علهامش" للكاتب الأردني يوسف غيشان، كيف تتحول ذكريات الطفولة والحياة اليومية في بلدة على أطراف الصحراء إلى ملحمة ساخرة وملهمة، تحتفل بالبطولة الحقيقية للمهمشين والناس العاديين


#YoussefGheishan #MalhamatAlHamash #JordanianLiterature #ChildhoodMemoir #SatiricalLiterature #MarginalizedVoices #CollectiveMemory #DailyLifeEpic #LiterarySatire #JordanianWriting

يوسف غيشان

 

يوسف غيشان في "ملحمة علهامش" ليس مجرد كاتب يروي طفولته، بل هو مؤرخ للهوامش، وشاعر للحياة اليومية، ومراقب لما يبدو تافهًا لكنه يحمل جوهر الوجود. في كتابه الجديد، يستحضر غيشان عالمًا صغيرًا على أطراف الصحراء الأردنية، حيث الحارة والشارع والمدرسة ليست مجرد أماكن، بل مسارح لمآثر الحياة العادية، ومسرحًا للضحك والبكاء والفقد، ومخازن لذاكرة الناس التي تتحول مع الزمن إلى ذاكرة مشتركة. إن "ملحمة علهامش"، الصادرة عن دار الأهلية في عمان، تقدم رؤية سردية تمزج بين روح السيرة والملحمة الساخرة، وتستعيد بوعي ناضج نصًا كتبه الكاتب وهو مراهق قبل أكثر من نصف قرن، لتتحول الذاكرة الفردية إلى سجلات جماعية تتحدث باسم الجميع، من الأطفال إلى النساء إلى المهمشين.

العنوان وحده يحوي مفارقة دلالية كثيفة؛ "ملحمة" تذكّر بالقيم العليا، بالأبطال، بالمركز والعظمة، بينما "الهامش" يرمز للهش واليومي والعابر، وهو موقع الرصد الأكثر صدقًا في الحياة. هذه المفارقة تمهد القارئ لقراءة نص يكتب الحياة من حوافها، ويعيد ترتيب الأولويات: التاريخ الكبير ليس وحده المهم، بل التاريخ الصغير، اليومي، الهامشي، الذي يصنع الناس العاديون من خلاله ملحمة حقيقية. وفي المقدمة، يعترف غيشان بأنه عثر على مخطوط قديم كتبه وهو مراهق، بلغة طفولية تقريبًا، ونشره بعد إلحاح الأصدقاء، فتصبح القراءة شهادة مزدوجة: على نضج الكاتب الآن، وعلى براءة نفسه الأولى، لقاء بين زمنين يحوّل النص إلى وثيقة عن الذاكرة والكتابة، وعن الحنين والنضج.

يستخدم غيشان بنية "الألواح" كما في ملحمة جلجامش، لكن بنية ألواحه تمزج بين محاكاة ساخرة للملاحم القديمة، وبين سرد حكايات صغيرة متجاورة تشكل بانوراما لبلدة أردنية على أطراف الصحراء، بوجوهها ولهجتها وطقوسها اليومية. القصص متنوعة بين المأساوي والسخرية، بين الطفولة والسياسة، بين خرافات الحارة ومهازل السلطة، لتخلق بنية فسيفسائية قوامها التعدد والتناص، وتشبه في ذلك أعمالًا مثل "أرض البرتقال الحزين" لغسان كنفاني، و"الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل" لإميل حبيبي، لكنها هنا مشبعة بروح الأردن المحلي ونبضه الشعبي.

العالم الذي يبنيه غيشان يقوم على الواقعية الساخرة: تفاصيل دقيقة يومية، تبدو عادية، لكنها تُنشر بلمسة تهكمية تفكك السلطة الأبوية والدينية والسياسية. الصوت الأساسي للراوي هو صوت المراهق القديم، لكنه يترك أيضًا للشخصيات أن تتحدث بلهجاتها وموروثها الشعبي، ليصبح النص متنوعًا في نبراته، غنيًا في أصواته. تبدأ الملحمة بمشهد استقبال ضيف رسمي في بلدة نائية، يتحول إلى مهرجان عبثي يضم النساء والأطفال والعسكر والكهنة. تفاصيل مثل "ضحك أم خليل حتى الثمالة"، "الدجاجة المجمدة"، "الدخان المتصاعد من السراج"، و"البارودة القديمة التي تطلق النار في توقيت خاطئ"، ليست مجرد لقطات كوميدية، بل شهادات على ملحمة الناس العاديين الذين يصنعون التاريخ الهامشي، ويثبتون أن البطولة ليست حكرًا على الملوك أو الأبطال الأسطوريين.

الشخصيات، من كاترينا الخطاطة إلى أبو عرب، عاطف قرش الدمدم، أبو الوليد والأخضراني، تشكل مقاطع من الوعي الجمعي، فتتقاطع القصص الفردية لتكوّن ذاكرة جماعية، بلسان متشظٍ يعكس تعدد التجارب ومفارقات الحياة. هذه التقنية تذكرنا بأسلوب ويليام فوكنر في "الصخب والعنف"، لكن هنا، بلغة عامية مشحونة بالروح الأردنية، تتحول الحارة إلى استعارة للبلد كله، ويمتد الهامش إلى فضاء ثقافي وفلسفي يعيد تعريف البطولة، ويكشف عن جمالية الحياة اليومية.

يبدأ النص باقتباس من اللوح العاشر لملحمة جلجامش: "إلى أين تمضي يا جلجامش؟ الحياة التي تبحث عنها لن تجدها…"، ليضع النص في حوار مع الموروث الإنساني الأكبر حول البحث عن الخلود. لكن غيشان يقلب المعادلة: الخلود لا يكمن في البطولات الأسطورية، بل في الذاكرة الساخرة، في القصص اليومية عن الحمام والملوخية وبارودة الأخضراني. فالملحمة هنا هي "ملحمة الهوامش"، حيث يصبح الضحك سلاحًا ضد الموت والهامشية والنسيان، والهامش ليس ضعفًا بل موقع كشف، يرى العالم أكثر صدقًا وأقل تزويرًا.

في العمق، يتضح الهامش كفضاء سردي ملموس، مليء بالتفاصيل، حيث تتشابك الطقوس الفولكلورية مع القصص الشخصية التي تصل أحيانًا إلى التراجيديا الساخرة. تتجلى "اقتصاديات الكرامة"، مثل إصرار زوج "زريفة" على حلاوة الفستق قبل رحيله، ليصبح الطعام وسيلة للاحتفاء بالحياة رغم الفقر، والموت نفسه يستعيد به شيئًا من الكرامة. وفي حادثة الشقيقتين اللتين اقتسمتا الغرفة، يتحول النزاع على "دجاجة مجمدة" إلى تجسيد لفكرة أن الحدود المصطنعة، حتى في أبسط صورها، لا تمحى إلا بالألم والدم. كما تلعب "سلطة اللغة الموازية" دورها، حيث يولد الفقر ألقابًا ساخرة بينما يحصن الثراء أصحابه بألقاب التفخيم، وتصبح الرموز اليومية – مثل "قرش الدمدم" – محاور صراع تكاد تعادل حروب الكبار.

لغة غيشان مزيج بين الفصحى المرنة واللهجة المحلية، متدفقة بانسياب دون فقدان التماسك الجمالي، والجمل الطويلة تصنع إيقاعًا سرديًا، تجمع بين الحس الكاريكاتيري والوجدان الريفي، فتتضح عبقرية الكاتب في كتابة ملحمة شعورية، حيث يضحك الناس على مصائرهم ليحتملوها، ويعيد التذكير بأن الملحمة الحقيقية تنبع من الحياة اليومية، لا من البطولات الكبرى. النص يندرج ضمن تقليد عالمي لأدب الهامش، لكنه يذهب إلى مسار فريد، يدمج بين التوثيق والخيال، ويعيد الاعتبار للخربشات القديمة كمصدر معرفي وجمالي، مؤكدًا قيمة المخطوط العتيق الذي ظل مهملًا خمسين عامًا، وكيف يمكن للذاكرة الفردية أن تتحول إلى ذاكرة جماعية.

مسار غيشان الطويل في الشعر والكتابة الساخرة، من دواوينه المبكرة مثل "يوميات زنبقة البدايات" و"مرثية الفارس المتناثر"، إلى أعماله الساخرة مثل "شغب"، "برج التيس"، و"مواسم التزلج على الجميد"، يظهر كيف كانت السخرية أداة تفكيك للخطاب الاجتماعي والسياسي، لكنها في "ملحمة علهامش" تعود إلى ذاتها الأولى، إلى جذورها في الطفولة والحارة، لتصبح البطولة في القدرة على العيش، في صمود المهمشين، وفي القدرة على الضحك وسط القسوة والفقد، لتؤكد أن البطولة ليست فقط في الأفعال العظيمة، بل في الحياة اليومية نفسها.

 

#يوسف_غيشان #ملحمة_علهامش #الرواية_الأردنية #أدب_الطفولة #الواقع_الساخر #أدب_المهمشين #ذاكرة_الشعب #الهوامش_ملحمة #سخرية_أدبية #الكتابة_الأردن

In Al-Hamish Epic, Youssef Ghaishan does not merely narrate his childhood; he becomes a chronicler of the margin and a witness to marginal lives. By revisiting a manuscript he wrote as a teenager more than fifty years ago, Ghaishan transforms private memory into a collective archive that speaks for ordinary people—children, women, and the socially marginal—whose stories are usually excluded from official history.

Drawing playfully on the structure of the Epic of Gilgamesh, the book replaces heroic conquest with the quiet drama of daily life in a small Jordanian town on the edge of the desert. Streets, schools, food, laughter, and loss become the true epic material. Through satire and affectionate irony, Ghaishan shows that history is not shaped only at the center, but is continuously written on the margins, where endurance, humor, and memory form a different kind of heroism. Ultimately, Al-Hamish Epic argues that permanence and meaning reside not in grand legends, but in the lived experiences of marginal people and their stories, preserved through storytelling as an act of resistance against forgetting.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسرار الجازي وماثيو: رواية التاريخ والحكاية في قلب السعودية

حين يتكلّم الصمت: رحلة ابراهيم فرغلي بين الذاكرة والخيال

أصوات مصر: كيف كتب الكاسيت تاريخ الجماهير