غاريف باسيروف، مراقب العبث الإنساني

 

غاريف باسيروف


 

ليس الفراغ غيابًا في أعمال غاريف باسيروف،
بل مساحة ثقيلة بالأسئلة،
حيث يقف الإنسان وحيدًا أمام أفق لا ينتهي،
يتأمل وجوده كما لو أنه يرى نفسه للمرة الأولى.

 

#GarifBasyrov#ArtOfAlienation#SovietArt#ContemporaryArt#HumanCondition
#AbsurdArt#Isolation#VisualPhilosophy

 

 

طريق سريع يمتد بلا نهاية، يتوسطه عمود إنارة وحيد، يختفي في صحراء من الكثبان. حارسان بقبعات فرو ومعاطف ثقيلة يقفان وسط سهوب شاسعة، يدخنان بصمت. رجل قابع أمام بركة ماء، يحدّق في سطحها، فيما لا يحيط به سوى السماء وخط أفق بعيد ومسطّح.
في عالم غاريف باسيروف، لا تكون المساحات الفارغة مجرد خلفية، بل لغة كاملة، ومصدرًا للمعنى، وأداة فنية لتحويل مشاهد الحياة اليومية البسيطة إلى تأملات عميقة في الوجود الإنساني.



الفراغ عند باسيروف ليس غيابًا، بل حضورًا كثيفًا. هو فضاء يسمح للعين والعقل بالتوقف، بالتأمل، وبإدراك الهشاشة التي يعيشها الإنسان داخل عالم يبدو واسعًا لكنه في الحقيقة مغلق على وحدته. شخصياته غالبًا ما تكون صغيرة وهامشية ومحاطة بآفاق شاسعة، وكأنها تقف في مواجهة لا متكافئة مع العالم، أو مع التاريخ ذاته.

قد يكون لتجربة الطفولة أثر خفي في تشكّل هذا الوعي البصري. فقد وُلد الفنان في مستعمرة خُصصت لـزوجات خونة الوطن، في منطقة تتسم بسهوبها المفتوحة وسمائها اللامحدودة. تلك الجغرافيا القاسية، الممتدة بلا ملامح، تتردد أصداؤها في أعماله: آفاق مسطّحة، مساحات خاوية، وسماء تهيمن على المشهد، كأن الإنسان فيها مجرد عابر.

تقنيًا، تبدو أعمال باسيروف بسيطة للوهلة الأولى، لكنها تخفي مهارة عالية ودقة متناهية. باستخدام تظليل متقاطع وضربات لونية حادة ومتنوعة، يبني نسيجًا بصريًا نابضًا بالحركة، يخلق من القرب خشونة، ومن البعد نعومة مدهشة. هذه القدرة على إخفاء الجهد خلف صفاء الصورة تمنح أعماله قوة صامتة، حيث يبدو كل شيء طبيعيًا، كأنه وُجد هكذا دون عناء.

أما من حيث التصنيف، فيصعب حصر أعماله ضمن قالب واحد. هل هي تجريدية؟ سريالية؟ عبثية؟ ربما هي كل ذلك في آن، وربما تتجاوز هذه التسميات كلها. باسيروف لا يهتم بالتصنيفات بقدر اهتمامه بالتجربة الإنسانية نفسها.



كثير من أعماله تبدو كأنها مقالات بصرية عن العزلة. متزلج يسير برأس منخفض في ممر لا نهائي من الجدران العمياء، رجال يدحرجون كرات ثلج عملاقة وسط عاصفة، لعبة تبدو أقرب إلى عبث سيزيف منها إلى متعة شتوية. في مشهد آخر، تتكدس جذوع الأشجار المقطوعة أمام كتل سكنية بيضاء بلا ملامح، في صورة توحي بمحاولة قسرية لإعادة تشكيل العالم وفق إرادة صلبة وعمياء.

أحيانًا، يتسلل الغموض الداكن إلى هذه المشاهد. أشكال بشرية غير واضحة في غابة من أشجار البتولا: هل هم متنزهون؟ أم شهود على عنف صامت؟ هل ما يحدث بريء أم ينذر بشيء أكثر قتامة؟ هذا الالتباس جزء أساسي من قوة أعماله، حيث لا يُفرض المعنى، بل يُترك مفتوحًا.

في أعمال أخرى، يقترب باسيروف من السريالية الصافية: رجل يرتدي بدلة رسمية يستلقي على جانبه، بينما يرتفع منسوب الماء حوله ببطء؛ جسد نائم يطفو في سماء ليلية شاحبة فوق مدينة صامتة. هنا، تتحول العزلة إلى حالة وجودية، لا اجتماعية فقط.



وفي منحوتاته الصغيرة المصنوعة من بقايا الخشب ومخلّفات الحياة اليومية، تتجسد كائنات تشبه الأصنام أكثر مما تشبه شياطين الأساطير. أجساد ناقصة، مكسوّة بقطع معدنية وأدوات منزلية مهملة، كأنها رموز لمجتمع جديد، متشظٍ، وُلد من أنقاض عالم اندثر. هذه الكائنات لا تفترس، بل تشهد؛ لا تهدد، بل تذكّر.

ما يميز تجربة باسيروف أن أعماله، وقد تحررت من سياقها الاجتماعي المباشر، اكتسبت طابعًا كونيًا نادرًا. لم تعد هذه الصور حكرًا على زمن أو مكان، بل أصبحت نماذج لحالات إنسانية عامة: العزلة، التأمل، السكينة، الرضا الزائف، والرغبة الدائمة في الحرية. يستطيع إنسان لم يعرف المدينة الحديثة أن يتفاعل معها، كما يستطيع ابن الحاضر المرهق أن يرى نفسه فيها.

ورغم أن الفراغات التي تملأ لوحاته قد توحي بالوحدة، إلا أنها في الوقت نفسه تفتح مجالًا للتأويل، للتفكير، وربما للأمل. ففي أحد أعماله، يقف رجال ببدلات رسمية، أقدامهم مغروسة في الأرض، ورؤوسهم مرفوعة نحو السماء. فوقهم فراغ هائل، وفي أعلى المشهد فقط، شريط ضيق من النجوم. كأن اللوحة تهمس بأن الإنسان، مهما كان مثقلًا بالثقل الأرضي، لا يزال قادرًا على رفع نظره… إلى ما هو أبعد.

 


#غاريف_باسيروف#فن_الاغتراب#الفن_السوفييتي#العزلة#الفراغ#الفن_المعاصر#العبث#الإنسان_والعدم#قراءات_

فنيةGarif Basyrov’s art turns emptiness into meaning. Through sparse landscapes, flat horizons, and solitary figures, he captures the quiet alienation of modern life without spectacle or drama. His images feel suspended between the absurd and the contemplative, where human presence appears fragile against vast, indifferent space. In this silence, Basyrov does not illustrate despair, but invites reflection—leaving room for thought, ambiguity, and a restrained, human hope.



 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسرار الجازي وماثيو: رواية التاريخ والحكاية في قلب السعودية

حين يتكلّم الصمت: رحلة ابراهيم فرغلي بين الذاكرة والخيال

أصوات مصر: كيف كتب الكاسيت تاريخ الجماهير