من الكوفة إلى مدريد: رحلة أبو زيدون حنوش بين الذاكرة والخيال

 


 

أبو زيدون حنوش

أبو زيدون حنوش: الفن وطن، واللوحة لغة الاغتراب

بين الشرق والغرب، بين الذاكرة والمنفى، ترسم لوحات أبو زيدون حنوش رحلته الداخلية. هنا، في كل خطّ ولون، يولد وطن جديد، وتمرّ امرأة، مدينة، وحكاية لتصبح جزءاً من الحرية البصرية.

Entre Oriente y Occidente, entre la memoria y el exilio, las pinturas de Abu Zaidon Hanoush narran su viaje interior. Cada línea y color cuenta la historia de un hogar y un instante de libertad.

 

#AbuZaidonHanoush #IraqiArt #WomenInArt #AbstractArt #GlobalArt #MadridArt 

#Scheherazade


المدخل: المرسم كجغرافيا رمزية

في مرسمه الإسباني القابع في شارع روندا دي أوتوتشا، غير بعيد عن متحف الملكة صوفيا حيث تصرخ غرنيكا بيكاسو إلى الأبد، لا يرسم أبو زيدون حنوش لوحاتٍ معلّقة على الجدران، بل يرسم طبقات من الذاكرة. هنا، في قلب مدريد، يتسرّب العراق وحروبه وزلازله إلى القماش بلا استئذان، كما لو أنّ المكان لا يعترف بالجغرافيا، بل بما تحمله اليد من أثر.

لكل خطٍّ يرسمه، وريدٌ ممتدٌّ في الكوفة؛ ولكل لونٍ يفيض، ذاكرة لا تهدأ. اللوحة عند حنوش ليست استعادةً للماضي ولا توثيقاً للفقد، بل تحويلاً للمنفى إلى جسد بصريّ، وإعادة صياغة للمسافة بين الوطن والذات. هكذا يصبح المرسم نقطة عبور بين زمنين ومكانين، بين الشرق والغرب، حيث لا منتصر في الحروب سوى الشكل واللون، وحيث يبدأ الفن بوصفه وطناً لا يُغادر.

 


من الكوفة إلى مدريد: سيرة اغتراب لا جغرافي

غادر أبو زيدون حنوش العراق قبل خمسةٍ وأربعين عاماً، لكنه لم يغادر الكوفة بوصفها جغرافيا داخلية. خرج للدراسة، لا للقطيعة، واستقرّ في مدريد، غير أنّ المشهد الأول ظلّ يسكنه: طفل يتيم الأب تقريباً، محاط بالأمّ والعمّة، وبحربٍ تتلوها حروب، وبوطنٍ يشتعل بأبنائه أكثر مما يحتضنهم. لم تكن الهجرة خلاصاً كاملاً، بل انتقالاً من اغترابٍ ظاهر إلى اغترابٍ أعمق، اغتراب كينوني لا يرتبط بالمكان بل بالهوية.

درس الفنون الجميلة في بغداد، ثم واصل دراسته في إسبانيا، حيث حصل على الدكتوراه من جامعة كومبلوتنسي في مدريد، واندمج كلياً في الثقافة الإسبانية لغةً وحياةً وفناً. ومع ذلك، لم يتحوّل إلى فنانٍ منسلخ، بل إلى فنان مزدوج الانتماء، يقيم في المسافة نفسها التي تفصل الذاكرة عن الحاضر. الفن، بالنسبة إليه، لم يكن بديلاً عن الوطن فحسب، بل وسيلة لإعادة تشكيله، وطريقة للعيش فيه من دون عودة جسدية، وكأن اللوحة وحدها قادرة على حمل هذا العبء الثقيل: أن تكون وطناً بلا حدود.

 

 


الذاكرة العراقية كمصدر بصري لا موضوع حكائي

لا يحضر العراق في لوحات أبو زيدون حنوش بوصفه حكاية تُروى أو صورة تُستعاد، بل كطبقة عميقة من الإدراك البصري. الحروب، الزلازل، المدن المنهكة، لا تظهر كوقائع مباشرة، وإنما كتوترات لونية، كعواصف شكلية، كاختلال مقصود في توازن الخط والفراغ. بابل، بأحمرها وبنفسجها، ليست مدينة تاريخية في أعماله، بل طاقة كامنة، أثر حضاري يطفو من تحت السطح.

يربط الفنان كل ما يرسمه بذاكرته العراقية، لا من باب الحنين، بل من باب التكوين. الخطّ الذي يهيمن على لوحاته، واللون الذي يتقدّم بلا تردّد، هما ما حمله معه من أساتذته في العراق، قبل أن يغادره جسداً ويبقى فيه بصرياً. الذاكرة هنا ليست مادة خاماً، بل نظام رؤية، لا تقول عن الشيء، بل تعيد خلقه. هكذا يتحوّل العراق في تجربة حنوش من مكان مفقود إلى منبعٍ مستمر، ومن وطنٍ جغرافي إلى بنية داخلية تنظّم الفعل الفني وتمنحه عمقه الإنساني.

 


المرأة في لوحات حنوش: الجسد بوصفه معرفة

تحضر المرأة في لوحات أبو زيدون حنوش بوصفها مركزاً دلالياً لا زينة تشكيلية. ليست جسداً معروضاً ولا رمزاً جاهزاً، بل ذاكرة حيّة وعلاقة شخصية. حين يرسم النساء، فهو لا يرسم "الأنثى" كمفهوم عام، بل يرسم وجوهاً عرفها، وأصواتاً لامسها، وحيوات عبرت مساره بين العراق وإسبانيا. من هنا تتكاثر الوجوه الأنثوية في أعماله كما لو أنّها تنويعات على حضور واحد ممتد: الأم، شهرزاد، المرأة العراقية، المرأة المتوسطية.

المرأة عند حنوش قريبة من شهرزاد، لا لأنها تحكي، بل لأنها تنجو بالذكاء والحساسية. وهي أيضاً قريبة من الأم، تلك اللوحة الوحيدة التي رسمها لها، كأن الأمومة لا تُستعاد إلا مرة واحدة. في هذا السياق، تبدو صداقته مع المعمارية العراقية الراحلة زها حديد امتداداً لهذه الرؤية؛ أنثوية طاغية، شفافية، وصدق فني بلا مواربة. هكذا يصبح الجسد الأنثوي في لوحاته معرفة بصرية، لا موضوعاً للرغبة، ومكاناً تتقاطع فيه الذاكرة، والحرية، والهشاشة الخلّاقة.

 

الشكل قبل المعنى: الفلسفة البصرية لحنوش

ينطلق أبو زيدون حنوش في تجربته الفنية من قناعة حاسمة: الشكل هو الأصل، والصورة الأولى هي الأكثر تأثيراً. لا تأتي اللوحة عنده بوصفها شرحاً لفكرة أو ترجمةً لمعنى سابق، بل باعتبارها لحظة ظهور، حدثاً بصرياً يسبق اللغة ويتفوّق عليها. هكذا لا تحاكي أعماله الواقع، ولا تسعى إلى نسخه أو تمثيله، بل تتجاوزه لتقول الشيء نفسه، لا ما يُقال عنه.

هذا المنحى يضع حنوش في مسافة نقدية من الحدس العربي الإسلامي القائم على الكلمة والنص، مقابل حدسه البصري الذي يرى في الصورة مدخلاً إلى الوجود. اللوحة، وفق هذا التصوّر، ليست أداة تعبير فحسب، بل ممارسة كيانية، شكل من أشكال الحضور الإنساني في العالم. بها يتأسّس المعنى لا العكس، وبها يظهر الإنسان بما هو عليه، لا بما يُفترض أن يكونه. من هنا، لا يبحث الفنان عن رسالة جاهزة، ولا يراهن على خطاب مباشر، بل يترك للشكل واللون والعلاقات البصرية أن تنتج دلالاتها الخاصة، في فضاء مفتوح على الاحتمال، حيث يكون الإدراك تجربة، لا نتيجة.

التجريد كتحرير: من المرئي إلى اللامرئي

لا تنسخ لوحات أبو زيدون حنوش الواقع ولا تحاكي الطبيعة وأشكالها، بل تتجاوزهما نحو منطقة أكثر هشاشة وعمقاً. التجريد عنده ليس هروباً من العالم، بل محاولة لرؤيته على نحوٍ آخر، عبر تفكيك المرئي وإعادة تركيبه في علاقات شكلية خالصة. الأجساد الأنثوية، الوجوه الذكورية، الأحصنة التي تعبر فضاء اللوحة ، لا تُقدَّم بوصفها كائنات مكتملة، بل كآثار، كزوبعة رمادٍ يتناثر، ومن هذا الرماد تُلتقط إشارة واحدة فقط: إشارة النار.

في هذا العالم، لا يكون اللون توصيفاً، بل طاقة، ولا يكون الخط حدّاً فاصلاً، بل مساراً للحركة. تتكوّن اللوحة من علاقات داخلية بين الضوء والظل، الكتلة والفراغ، المادة والعين، في بناء لا يراد منه إلا الجوهر. هكذا يحلّ العالم غير المرئي محلّ العالم المألوف، لا عبر محاكاة الأشياء، بل من خلال شبكة العلاقات التي تنسجها الألوان والأشكال فيما بينها. التجريد، بهذا المعنى، فعل تحرّر مزدوج: تحرّر اللوحة من ثقل الواقع، وتحرّر المتلقي من يقين الرؤية الأولى.

 


الزمن في اللوحة: انفجار  لا تسلسل

لا يخضع الزمن في لوحات أبو زيدون حنوش لمنطق التتابع أو الامتداد التاريخي. ليست اللوحة سرداً زمنياً ولا مشهداً قابلاً للقراءة من بداية إلى نهاية، بل لحظة انبثاق ، انفجار داخلي تتدفّق فيه العناصر دفعة واحدة. الزمن هنا عموديّ، لا أفقيّ، يتشكّل من توتّر الإيقاع بين اللون والخط، بين الكتلة والفراغ، لا من تعاقب الأحداث.

في هذا الفضاء، لا شيء يكتمل ولا شيء يستقرّ. العين مدفوعة دائماً إلى الحركة، إلى إعادة النظر، إلى الدوران داخل اللوحة كما لو أنّها تدخل زمناً بلا قرار. هذا الإحساس بعدم الارتواء ليس نقصاً، بل مقصودٌ جماليّ، إذ تتحوّل التجربة البصرية إلى رحلة مفتوحة، تتعرّف فيها العين على علاقات تُنسج للمرة الأولى. هكذا يصبح الزمن في أعمال حنوش تجربة شعورية، لا قياساً، وحالة توتّر دائم، لا لحظة عابرة، ما يُباعد بين اللوحة والمألوف، ويمنحها قدرتها على الاستمرار والتجدّد.

 


العالمية لا المحلية

يرفض أبو زيدون حنوش أي تصنيف يقيده بالمحلية، ويؤمن بأن الفن لغة عالمية تتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية. بالنسبة له، النجاح الفني لا يتحقق من خلال الانغماس في خصوصية ثقافية ضيقة، بل عبر تحقيق توازن بين روح الشرق وشكل الغرب، بين جوهر تجربته العراقية وانفتاحه على الثقافة الأوروبية.

يشبّه موقفه بالأدب العالمي لمثلاً نجيب محفوظ، الذي صاغ موضوعاته المحلية بأسلوب مشدود نحو العالمية، أو الفلاسفة الذين تأثروا ببعضهم البعض دون أن يفقدوا خصوصيتهم. في أعماله، لا توجد فجوة بين ما هو عربي وما هو أوروبي، بل اندماج بصريّ متساوٍ يحاكي لغة مشتركة، لغة الحرية والإبداع. بهذا النهج، يصبح الفن ليس مجرد مرآة للهوية، بل جسراً بين حضارات وثقافات، وممارسة متواصلة للتواصل الإنساني، تتجاوز الإيديولوجيات والمعتقدات، حيث يفهم المتلقي اللوحة قبل أن يعرف تفاصيل المكان أو الأصل.

 

ألف ليلة وليلة: شهرزاد كمشروع رمزي

يتكرر شغف أبو زيدون حنوش بشهرزاد في أعماله، ليس بوصفها شخصية حكاية خيالية، بل كمشروع إنقاذ رمزي للذاكرة والمرأة والثقافة. بالنسبة له، شهرزاد لا تنجو وحدها؛ هي منقذة لكل نساء مدينتها، مكتبة كاملة تسكن عقلها، وذكاء حاد يواجه الموت يومياً. من هذا الانبهار، تتشكل أعمال حنوش حول ألف ليلة وليلة، حيث يدمج بين السرد العربي التقليدي والخيال البصري الحديث، ويخلط بين الشرق والغرب، بين الخيال والواقع، كما في مشروعه الأخير الذي يوازي بين شهرزاد ودون كيشوت.

جمع الفنان  أكثر من سبعمئة صورة حول ألف ليلة وليلة، وقرأ عن شهرزاد وشاهد أفلاماً عالمية تناولتها، ليعيد تركيبها في فضاءات لوحاته. شهرزاد عنده ليست مجرد موضوع، بل طاقة فكرية وبصرية، نموذج للبقاء بالإبداع والحساسية، وقدرة الفن على حماية الحياة من الفقد. بهذا التكرار، يصبح الحكاية واللوحة جسراً بين الماضي والحاضر، بين الذاكرة الفردية والجماعية، وبين الخيال والواقع المعاصر.

 


الفن والعمل لا الحظ

يؤمن أبو زيدون حنوش بأن النجاح لا يجلبه الحظ، بل العمل المتواصل والمثابرة، مستشهداً بمقولة بيكاسو الشهيرة: "الحظ يأتيك وأنت تعمل". أربعة آلاف لوحة أنتجها، باعها جميعها، وزينت أبرز متاحف مدريد وبيلباو، دون انتظار صدفة لتسند مساره الفني. العمل نفسه، في نظره، أداة لبناء الثقة والهوية، ولتجاوز أي عائق جغرافي أو نفسي. الفن عند حنوش هو تراكم يومي من الممارسة الدقيقة، محاولة دائمة لمواءمة الشكل العربي مع الحس الأوروبي، دون التفريط بالجوهر. بهذا المنطق، يصبح الإنجاز نتاج الاجتهاد، لا الحظ، والفن طريقاً مستمراً لا نهاية له.

 

الخاتمة: اللوحة التي تتجاوز الحياة

في أعمال أبو زيدون حنوش، لا يكتفي الفن بمحاكاة الحياة، بل يحتضنها ويتجاوزها في الوقت نفسه. تصبح اللوحة وطناً بلا حدود، مساراً مفتوحاً للذاكرة، رحلة استكشاف لا تنتهي، ونقطة عبور بين الشرق والغرب، بين المرئي واللامرئي، بين الحلم والواقع. كل خطٍّ ولونٍ فيها يحمل طاقة الإنسان الداخلية، وينسج علاقات جديدة بين الشكل والفراغ، بين الضوء والظل، بين المادة والعاطفة.

هكذا، تتحوّل اللوحة إلى ممارسة حرّية شاملة، تعكس الطاقة الكامنة في الإنسان والمجتمع، وتسمح للمتلقي بأن يعيش تجربة التجريد والتأمل في آن واحد. الفن عند حنوش ليس جواباً جاهزاً، بل أفق مفتوح على التساؤل، على البحث عن الجوهر، وعلى إدراك أن الحياة نفسها، مهما كانت غنية بالتفاصيل، لا تصل أحياناً إلى مستوى العمق الذي يحققه الفن الحقيقي.

 

#أبو_زيدون_حنوش #فن_عراقي #الفن_التجريدي #المرأة_في_الفن #مدريد_والفنون #شهرزاد #الفن_العالمي

 


 

Abu Zaidon Hanoush, artista iraquí establecido en Madrid, transforma la memoria y el exilio en un lenguaje visual único. Sus pinturas no representan la realidad ni narran historias lineales; son manifestaciones del recuerdo, la imaginación y la identidad cultural, donde Oriente y Occidente se encuentran en un diálogo constante.

Desde su infancia en Al-Kufa hasta su formación en Bagdad y su consolidación académica en Madrid, Hanoush mantiene viva la memoria iraquí en cada línea y color. La mujer ocupa un lugar central en su obra, desde su madre hasta Scheherazade y todas las mujeres que ha conocido, convirtiendo el cuerpo femenino en conocimiento visual y sensibilidad poética.

Sus lienzos no se limitan al tiempo ni al espacio; el color, la luz y la línea crean un flujo vertical donde el tiempo es experiencia y no secuencia. El artista cree en la universalidad del arte, en la labor constante sobre el azar, y en la pintura como práctica de libertad y de transformación de la vida misma.




 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسرار الجازي وماثيو: رواية التاريخ والحكاية في قلب السعودية

حين يتكلّم الصمت: رحلة ابراهيم فرغلي بين الذاكرة والخيال

أصوات مصر: كيف كتب الكاسيت تاريخ الجماهير