دليل الأهل لمساعدة الأطفال على التركيز والحفظ
غالباً ما تتحوّل
ساعات الدراسة، وخصوصاً في مواسم الامتحانات، إلى مساحة توتّر مشترك بين الأهل
وأطفالهم. أسئلة متكررة، قلق، ومشاعر إحباط تتصاعد مع كل محاولة للحفظ أو التركيز.
لكن ماذا لو لم تكن المشكلة في قدرات الطفل، بل في الطريقة التي نطلب منه أن
يتعلّم بها؟ هذا المقال يقدّم سبع خطوات عملية، مدعومة بالفهم العلمي لعمل الدماغ،
تساعد الأهل على تحويل التعلّم من عبء ثقيل إلى تجربة أكثر إنسانية وفاعلية.
غالبًا ما تتحوّل ساعات
الدراسة، ولا سيما في مواسم الامتحانات، إلى ساحة اختبار حقيقي لصبر الأهل،
ولعلاقتهم اليومية بأطفالهم. يتكرّر المشهد ذاته في بيوت كثيرة: طفل شارد الذهن،
واجبات غير منجزة، ومعلومات تتبخّر سريعًا من الذاكرة، في مقابل قلقٍ متصاعد لدى
الكبار وتساؤلات لا تنتهي: لماذا لا يركّز؟ لماذا لا يحفظ؟
الحقيقة أن دماغ الطفل لا
ينمو في فراغ. هناك عوامل كثيرة تتداخل بصمت في تشكيل قدرته على الانتباه
والتعلّم، من بينها التشتيت الرقمي المستمر، وقلة النوم، والتوتر والقلق، والضجيج
المحيط، إضافة إلى سوء التغذية الناتج عن انتشار الوجبات السريعة والسكريات والأطعمة
المصنعة. كما تشير دراسات عديدة إلى أن قلة النشاط البدني، والانفصال عن الطبيعة،
وتراكم المعلومات والواجبات غير الممتعة، كلّها تضعف التركيز وتشوّش عملية التعلّم.
وسط هذا القلق اليومي، يصبح
البحث عن خطوات عملية وواقعية ضرورة لا ترفًا. فمع أن لكل طفل أسلوبه الخاص في
التعلّم، إلا أن فهم آلية عمل الدماغ، واتباع خطوات مثبتة علميًا، يمكن أن يُحدث
فرقًا حقيقيًا، ويساعد الأطفال—على اختلاف طباعهم—في تحسين قدرتهم على تلقي المعلومات
وحفظها.
1. التكرار
التعلّم لا يحدث دفعة واحدة.
فكل مرة تُعاد فيها المعلومة، تترسّخ أكثر في الذاكرة. من الأخطاء الشائعة توقّع
حفظ كمّ كبير من المعلومات قبل يوم واحد فقط من الامتحان، وهو عبء يفوق قدرة الطفل
الذهنية والنفسية.التعلّم الناجح يقوم
على التكرار الموزّع، لا على الحشو المفاجئ. من الأفضل البدء بحفظ المعلومات
قبل أربعة أو خمسة أيام، مع مراجعتها يوميًا بهدوء، حتى تصبح مألوفة وسهلة
الاستدعاء في يوم الامتحان.
2. إستخدام الحواس في عملية
التعلم
كلما شاركت حواس أكثر في
عملية التعلّم، كان الفهم أسرع والحفظ أعمق. القراءة وحدها لا تكفي دائمًا. عندما
يقرأ الطفل، ويستمع، ويكتب، ويرسم، فإنه يمنح دماغه أكثر من مسار لتثبيت المعلومة.
يمكن تحويل الدرس إلى جدول، أو مخطط، أو رسم ملوّن. بعض
الأطفال يتعلّمون أفضل عبر الصور، وآخرون عبر الصوت أو الحركة أو الفيديو. ومع
توفّر أدوات التكنولوجيا الحديثة، بات من السهل ابتكار وسائل بصرية أو ألعاب
تعليمية تجعل التعلّم تجربة ممتعة لا عبئًا ثقيلاً.
3. تغيير الأدوار
من أنجح طرق التعلّم أن يتحوّل
الطفل من متلقٍ إلى شارح. عندما يُطلب منه أن يشرح ما تعلّمه لشخص آخر،
يضطر إلى فهم التفاصيل، وترتيب الأفكار، وطرح الأسئلة على نفسه قبل أن يجيب عنها.في اللحظة التي يتمكن فيها الطفل من شرح
المعلومة بثقة، يكون قد أتقنها فعليًا. فالشرح ليس تكرارًا فقط، بل اختبار حقيقي
للفهم.
4. ربط المادة بالحياة اليومية
المعلومة المجرّدة تُنسى
سريعًا، أما تلك المرتبطة بتجربة أو موقف أو مثال حياتي، فتبقى أطول. كلما استطاع
الأهل تقريب مفاهيم المواد الدراسية—كالعلوم أو الأدب أو الرياضيات—من حياة الطفل
اليومية، أصبح استيعابها أسهل وأعمق.
حين يشعر الطفل أن ما يتعلّمه له معنى، يتوقّف عن مقاومة
الدرس، ويبدأ في التفاعل معه.
5. تهيأة البيئة المناسبة
لا يمكن للتعلّم أن يزدهر في
بيئة مرهقة. يحتاج الطفل إلى غذاء جيد، ونوم كافٍ، وصحة عامة مستقرة. كما
يحتاج إلى مكان هادئ للدراسة، خالٍ من المشتّتات والضجيج.الدراسة وسط الفوضى، أو بوجود أشخاص آخرين
في الغرفة، تجعل التركيز مهمة شبه مستحيلة. البيئة ليست تفصيلًا ثانويًا، بل ركنًا
أساسيًا في نجاح عملية التعلّم.
6. تشجيع الطالب على اختراع أسلوبه الخاص
في التعلّم
لا يوجد أسلوب واحد يناسب
جميع الأطفال. بعضهم يتعلّم بالرؤية، وآخرون بالسمع، وغيرهم بالحركة أو الكتابة.
دور الأهل هنا هو مساعدة الطفل على اكتشاف الطريقة الأقرب إليه، حتى لو
اختلفت عن أسلوب المعلم أو المدرّس الخاص.أحيانًا
لا تتحسّن العلامات، لا بسبب ضعف الطفل، بل لأن طريقة الشرح لا تناسب طريقته في
التعلّم. احترام هذا الاختلاف هو مفتاح التقدّم.
7.
تغيير شعور الطفل تجاه التعلّم
شعور الطفل تجاه المدرسة
والدروس عامل حاسم في نجاحه. عندما ينظر إلى التعلّم بوصفه عقابًا أو عبئًا
ثقيلًا، يغلق عقله قبل أن يبدأ. أما حين يشعر بالإيجابية، وبالثقة في
قدراته، تتغيّر علاقته بالمدرسة وبنفسه.التشجيع، والكلمات
البسيطة مثل “أحسنت” و“أنت قادر”، تصنع فرقًا حقيقيًا. كما يساعد تنظيم الجدول
الدراسي—من السهل إلى الأصعب، مع فواصل مريحة—على تقليل التوتر وزيادة الدافعية.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أثر
البيئة النفسية العامة. فالطفل الذي يعيش في مناخ يسوده القلق أو الخوف،
يتأثر تعلّمه حتمًا. في مثل هذه الحالات، يمنح الدماغ الأولوية لغريزة البقاء، لا
لاكتساب المعرفة. وقد أكدت دراسات عديدة أن التوتر المزمن يترك آثارًا تراكمية على
الصحة النفسية والجسدية، قد تمتد لسنوات طويلة.
غير أن الدعم العاطفي المبكر، والشعور بالأمان، قادران على
التخفيف من هذه الآثار، بل وعلى عكسها أحيانًا.
وإذا توفّرت كل هذه الشروط،
وبقيت صعوبات التركيز أو النسيان، فقد يكون من الضروري النظر في احتمال وجود
صعوبات تعلّم، مثل عسر القراءة أو الكتابة أو الحساب،
أو اضطرابات الانتباه. هذه الحالات لا علاقة لها بالذكاء، والتشخيص المبكر لها
يفتح باب الدعم المناسب، ويمنح الطفل فرصة عادلة للتعلّم وفق قدراته الحقيقية.
في النهاية، التعلّم ليس
سباقًا، بل رحلة. رحلة تحتاج إلى صبر، وفهم، وبيئة آمنة، وإيمان عميق بأن كل طفل
قادر—حين نمنحه الطريق الذي يشبهه.
#التعلم_عند_الأطفال
#صعوبات_التعلم
#تربية
#علم_النفس_الطفلي
#التركيز_والحفظ
#دعم_الأهل
#المدرسة
#التعلم_الإيجابي
#الطفل
#التعليم
.jpg)

تعليقات
إرسال تعليق