حين يطرق الزمن الباب: قصائد عن وداع عام واستقبال آخر

 


كريستينا روسيتي

 

ليس العام الجديد وعدًا بالسعادة، بل اختبارًا جديدًا للأمل.

ماذا يقول الشعر عندما يتبدّل الرقم ويبقى الإنسان هو نفسه؟

بين دقّات الساعة الأخيرة والأولى، وُلدت بعض أعظم القصائد.

 

مع كلّ انعطافة في التقويم، لا يتبدّل الرقم فحسب، بل يتبدّل الإيقاع الداخلي للإنسان. إنّ لحظة الانتقال من عام إلى آخر ليست مجرد عبور زمني، بل وقفة وجودية قصيرة، يتكثّف فيها الوداع والأمل، الفقد والوعد، الذاكرة والتوق. نقف عند حافة العام كما يقف المسافر على رصيف أخير، نلتفت إلى ما مضى محاولين جمع شتاته في كلمات، ونحدّق في القادم وكأنّه صفحة بيضاء تنتظر أول ارتعاشة حبر.

لهذا لم يكن رأس السنة حدثًا عابرًا في تاريخ الأدب، بل مناسبة شعرية بامتياز. وجد فيها الشعراء مجالًا للتأمل في الزمن، في الشيخوخة والموت، في التجدد والخلاص، وفي تلك المفارقة المؤلمة: أن يكون “الجديد” استمرارًا لما هو قديم، وأن يولد الأمل من رحم الخسارة والضياع . من روبرت بيرنز وأغنيته الخالدة Auld Lang Syne، إلى إيلا ويلر ويلكوكس، وهيلين هنت جاكسون، وألفرد تنيسون، تحوّل العام الجديد إلى شخصية شعرية، تُخاطَب، وتُستقبل، وتُودَّع، وكأنها كائن حيّ يطرق باب الإنسان كل اثني عشر شهرًا.

كان انقلاب التقويم من عامٍ إلى عامٍ آخر، منذ أقدم الأزمنة، لحظةً مفعمة بالتأمل والرجاء. في مثل هذه الأيام، يجلس البعض مع الذكريات ليسترجعوا ما مضى من تجارب، يودعون من غابوا عن حياتهم ، يعيدون وصل الصداقات القديمة، يرسمون خططًا وقرارات، ويبثون آمالهم في وجه المستقبل. وكل هذه الانفعالات الإنسانية العميقة تجد في الشعر ملاذها الطبيعي، كما تشهد على ذلك قصائد خالدة كُتبت خصيصًا لروح السنة الجديدة.

 

روبرت بيرنز

روبرت بيرنز: “أغنية – Auld Lang Syne” 1788

هي أغنية يختار الملايين حول العالم أن يرددوها كل عام مع دقات منتصف الليل، وقد أصبحت مع الزمن نشيدًا إنسانيًا خالدًا. هذه  ليست مجرد أغنية، بل قصيدة في الأصل، فالأغاني ـ في جوهرها ـ شعرٌ وُضع على إيقاع.

غير أن اللحن الذي نعرفه اليوم ليس مطابقًا تمامًا لما تخيّله روبرت بيرنز قبل أكثر من قرنين؛ فقد تغيّر اللحن، وتبدّلت بعض الكلمات لتتلاءم مع ألسنة العصر، بينما بقيت أخرى على حالها.

ففي المقطع الأخير، كتب برنز:

وهذه يدي، يا رفيقي الوفيّ،
فمد يدكّ،
ولنحتسِ نخبًا دافئًا من حسن النيّة

بينما تفضّل النسخة الحديثة قول:

وهذه يدي، يا صديقي الوفيّ،
فمد يدكّ ،
ولنحتسِ بعدُ كأسَ المودّة

وقد أدهش تعبير “gude-willie waught” كثيرين، فاستعاضوا عنه بعبارة “كأس من اللطف”، رغم أن المعنى واحد؛ إذ تشير gude-willie إلى حسن النيّة، وwaught إلى شرابٍ دافئ يُحتسى عن طيب خاطر.

ملاحظة لغوية: يخطئ كثيرون في نطق كلمة Syne على أنها “زاين”، بينما تُنطق أقرب إلى “ساين”، وهي تعني “منذ زمن بعيد”، فيكون معنى Auld Lang Syne قريبًا من: «الأيام الخوالي».

 

ليس العام الجديد وعدًا بالسعادة، بل اختبارًا جديدًا للأمل.  ماذا يقول الشعر عندما يتبدّل الرقم ويبقى الإنسان هو نفسه؟  بين دقّات الساعة الأخيرة والأولى، وُلدت بعض أعظم القصائد.     مع كلّ انعطافة في التقويم، لا يتبدّل الرقم فحسب، بل يتبدّل الإيقاع الداخلي للإنسان. إنّ لحظة الانتقال من عام إلى آخر ليست مجرد عبور زمني، بل وقفة وجودية قصيرة، يتكثّف فيها الوداع والأمل، الفقد والوعد، الذاكرة والتوق. نقف عند حافة العام كما يقف المسافر على رصيف أخير، نلتفت إلى ما مضى محاولين جمع شتاته في كلمات، ونحدّق في القادم وكأنّه صفحة بيضاء تنتظر أول ارتعاشة حبر.  لهذا لم يكن رأس السنة حدثًا عابرًا في تاريخ الأدب، بل مناسبة شعرية بامتياز. وجد فيها الشعراء مجالًا للتأمل في الزمن، في الشيخوخة والموت، في التجدد والخلاص، وفي تلك المفارقة المؤلمة: أن يكون “الجديد” استمرارًا لما هو قديم، وأن يولد الأمل من رحم الخسارة والضياع . من روبرت بيرنز وأغنيته الخالدة Auld Lang Syne، إلى إيلا ويلر ويلكوكس، وهيلين هنت جاكسون، وألفرد تنيسون، تحوّل العام الجديد إلى شخصية شعرية، تُخاطَب، وتُستقبل، وتُودَّع، وكأنها كائن حيّ يطرق باب الإنسان كل اثني عشر شهرًا.  كان انقلاب التقويم من عامٍ إلى عامٍ آخر، منذ أقدم الأزمنة، لحظةً مفعمة بالتأمل والرجاء. في مثل هذه الأيام، يجلس البعض مع الذكريات ليسترجعوا ما مضى من تجارب، يودعون من غابوا عن حياتهم ، يعيدون وصل الصداقات القديمة، يرسمون خططًا وقرارات، ويبثون آمالهم في وجه المستقبل. وكل هذه الانفعالات الإنسانية العميقة تجد في الشعر ملاذها الطبيعي، كما تشهد على ذلك قصائد خالدة كُتبت خصيصًا لروح السنة الجديدة.    روبرت بيرنز   روبرت بيرنز: “أغنية – Auld Lang Syne” 1788  هي أغنية يختار الملايين حول العالم أن يرددوها كل عام مع دقات منتصف الليل، وقد أصبحت مع الزمن نشيدًا إنسانيًا خالدًا. هذه  ليست مجرد أغنية، بل قصيدة في الأصل، فالأغاني ـ في جوهرها ـ شعرٌ وُضع على إيقاع.  غير أن اللحن الذي نعرفه اليوم ليس مطابقًا تمامًا لما تخيّله روبرت بيرنز قبل أكثر من قرنين؛ فقد تغيّر اللحن، وتبدّلت بعض الكلمات لتتلاءم مع ألسنة العصر، بينما بقيت أخرى على حالها.  ففي المقطع الأخير، كتب برنز:  وهذه يدي، يا رفيقي الوفيّ، فمد يدكّ، ولنحتسِ نخبًا دافئًا من حسن النيّة…  بينما تفضّل النسخة الحديثة قول:  وهذه يدي، يا صديقي الوفيّ، فمد يدكّ ، ولنحتسِ بعدُ كأسَ المودّة…  وقد أدهش تعبير “gude-willie waught” كثيرين، فاستعاضوا عنه بعبارة “كأس من اللطف”، رغم أن المعنى واحد؛ إذ تشير gude-willie إلى حسن النيّة، وwaught إلى شرابٍ دافئ يُحتسى عن طيب خاطر.  ملاحظة لغوية: يخطئ كثيرون في نطق كلمة Syne على أنها “زاين”، بينما تُنطق أقرب إلى “ساين”، وهي تعني “منذ زمن بعيد”، فيكون معنى Auld Lang Syne قريبًا من: «الأيام الخوالي».       إيلا ويلر ويلكوكس

إيلا ويلر ويلكوكس: “العام” (1910)

إن كانت هناك قصيدة تستحق أن تُحفَظ عن ليلة رأس السنة، فهي قصيدة العام لإيلا ويلر ويلكوكس. قصيرة، إيقاعية، لكنها تختصر ببلاغة مذهلة كل ما نمرّ به مع انقضاء كل عام، وتنثال بسلاسة على اللسان حين تُلقى:

ماذا يمكن أن يُقال في قصائد العام الجديد
ممّا لم يُقال ألف مرة؟

أعوامٌ تأتي، وأخرى تمضي،
نعلم أننا نحلم، ونحلم نعلم.

ننهض مستبشرين عند الفجر ،
ونأوي باكين عند الليل.

نفرح بالحياة  حتى أن آلمتنا ،

ثم نلعنها ونتمنى لو عندنا أجنحة لنطير منها .

نعيش، ونُحب، ونُغازل، ونتزوج،

نُزيّن عرائسنا، ونُودّع موتانا.

نضحك، ونبكي، ونأمل، ونخاف،

وهذا هو عبء العام.

 

كما يُستحسن قراءة قصيدتها الأخرى السنة الجديدة: حوار (1909)، حيث تقيم حوارًا رمزيًا بين الإنسان الفاني والسنة الجديدة، التي تقرع الباب حاملةً معها البِشرى بالأمل، والنجاح، والصحة، والحب. يتردّد الإنسان المتعب أولًا، لكنه لا يلبث أن يُستدرج إلى الداخل، في صورة بديعة عن قدرة العام الجديد على إيقاظنا، رغم كونه ـ في الظاهر ـ مجرد يوم آخر في التقويم.

 

هيلين هنت جاكسون

هيلين هنت جاكسون: “صباح السنة الجديدة” (1892)

تمضي هيلين هنت جاكسون في الاتجاه ذاته، فتؤكد في قصيدتها أن السنة الجديدة ليست إلا ليلة واحدة، وأن كل صباح قادر على أن يكون بداية جديدة:

ليلة واحدة فقط بين القديم والجديد،
وغفوة واحدة بين الليل والصباح.
الجديد ليس سوى القديم وقد تحقّق،
ومع كل شروق، يولد عام جديد.

إنها قطعة ملهمة تذكّرنا بأن التجدد ليس حكرًا على التواريخ، بل فعل يومي.

 

لورد ألفريد تنيسون

لورد ألفريد تنيسون: “موت العام القديم” (1842)

كثيرًا ما ربط الشعراء العام المنصرم بالكآبة والعناء، والعام المقبل بالأمل وانشراح الروح. ولم يتهرّب تنيسون من هذه الثنائية، بل صاغها بوضوح في عنوان قصيدته موت العام القديم.

في المقاطع الأولى، يرثي العام كأنه صديق عزيز يحتضر، قائلاً:

أيها العام القديم، لا يجب أن تموت،
جئتنا سريعًا،
وعشتَ معنا بثبات،
أيها العام القديم، لا يجب أن تموت.

ثم يبدأ العدّ التنازلي للساعات: " لقد قاربت الساعة الثانية عشرة… صافحني قبل أن تموت". وفي النهاية، يظهر "وجه جديد" على العتبة، فيُجبر الراوي على أن "يبتعد عن الجثمان ويدعه يدخل".

ويعود تنيسون إلى مخاطبة العام الجديد في قصيدته الشهيرة دقّي، أيتها الأجراس الجامحة (1849)، حيث يناشد الأجراس أن تطرد الحزن، والموت، والغرور، والحقد، وأن تُدخل الخير، والسلام، والنبل، والحق.

 

أصوات أخرى في شعر السنة الجديدة

إميلي ديكنسون


الموت، الحياة، الحزن، والرجاء… هذه الثيمات بلغت ذروتها في شعر القرنَين التاسع عشر والعشرين. بعض الشعراء رأوا في السنة الجديدة نافذة أمل، فيما لم يرَ فيها آخرون سوى استمرار لليأس.

من القصائد اللافتة في هذا السياق:

  • ويليام كولن براينت – “أغنية لليلة رأس السنة” (1859): تذكير بأن العام لم يرحل بعد، وأن علينا أن نعيشه حتى آخر ثانية.
  • إميلي ديكنسون – “منذ عام مضى — ماذا دوّنت؟” (#296): قصيدة تأملية كُتبت في ذكرى وفاة والدها، تمتلئ بالارتباك والحزن، وتعكس ما يشعر به كل من يقف عند عتبة ذكرى مؤلمة.

·        كريستينا روسيتي – “أناشيد العام القديم والجديد” (1862): قصيدة ذات نبرة توراتية، تجمع بين الكآبة الفيكتورية ونبرة رجاء صافية، وتُعد من أكثر أعمالها إشراقًا.

في النهاية، يبدو رأس السنة في الشعر أقلّ احتفالية وأكثر صدقًا. إنّه ليس انفجار ألعاب نارية بقدر ما هو شمعة صغيرة في غرفة مظلمة، لا تطرد العتمة كلها، لكنها تكفي لنرى وجوهنا بوضوح. ما يميّز هذه القصائد ليس وعدها بالسعادة، بل اعترافها بالثقل: ثقل الذكريات، ثقل الخسارات، وثقل الاستمرار.

يذكّرنا الشعراء بأن العام الجديد لا يمحو ما سبقه، بل يحمله معه—كندبة، كدرس، كحلم مؤجَّل. ومع ذلك، فإن مجرّد الإصرار على الترحيب به، على مصافحة الزمن مرة أخرى، هو فعل إنساني عميق، لا يخلو من الشجاعة. فبين موت عام وولادة آخر، يقف الإنسان عاريًا إلا من لغته، ويقول: سأحاول مرة أخرى.

وهنا، ربما، تكمن قيمة شعر رأس السنة الحقيقية: ليس في ما يعدنا به، بل في قدرته على مرافقتنا، بهدوء، ونحن نخطو إلى المجهول.

 

ويليام كولن براينت

#رأس_السنة
#
الشعر_الغربي
#
الأدب_والزمن
#
قصائد_رأس_السنة
#
تينيسون
#
روبرت_بيرنز
#
إيلا_ويلر_ويلكوكس
#
إميلي_ديكنسون
#
التأمل_الأدبي
#
نقد_أدبي

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسرار الجازي وماثيو: رواية التاريخ والحكاية في قلب السعودية

حين يتكلّم الصمت: رحلة ابراهيم فرغلي بين الذاكرة والخيال

أصوات مصر: كيف كتب الكاسيت تاريخ الجماهير