علي جعفر العلاق: بين السرد والغناء الشعري
هل يمكن للقصيدة أن
تحكي سيرة حياة؟
علي جعفر العلاق يثبت أن الشعر لا يقتصر على
الغناء، بل يمكن أن يكون سردًا عميقًا عن الوطن والذات والإنسان.
من بغداد إلى المنافي، ومن الذكريات إلى
الأطلال، تنبض كلماته بالحياة والفقد والأمل.
#AliJafarAlAllaq
#IraqiPoetry #TheFivePoems #ABirdStumblingInTheLight #PoetryAndNarrative
#ModernArabicLiterature
كان علي جعفر العلاق يدخل
الأمسية الشعرية كما يدخل النهر فضاءه الطبيعي: بلا ضجيج، بلا ادعاء، لكن بفيضٍ
يكفي ليعيد ترتيب الحواس.
كانت الأمسيات التي يحييها تتحول إلى موعد ينتظره الشعراء
الشبان كما ينتظر العطاشى المطر؛ لأن القصيدة عنده لم تكن مجرد نص، بل طقساً
جمالياً، وحالة وجدانية، ومغامرة في اللغة والرؤية.
لم يكن يلقي قصيدته بوصفه خطيباً، بل بوصفه موسيقياً خفياً
يلتقط الإيقاع من عمق الكلمات، ويتركها تتدفق كما لو أنها تعرف طريقها وحدها إلى
القلب.
في تجربته الشعرية، تبدو
القصيدة كائنًا حيًا ينتمي إلى الذات التي أنتجته، بكل ما فيها من ثقافة وإنسانية
وانفعالات تتأرجح بين البهجة والعذاب، بين العزلة والانفتاح على العالم.
ولهذا لم تكن الإهداءات في ديوانه القصائد الخمس
مجرد إشارات عاطفية إلى أصدقاء كبار، بل كانت امتداداً عميقاً للقصيدة نفسها؛ إذ
تحوّل هؤلاء المبدعون إلى جزء من حطبها الداخلي، وإلى حضور حي في لغتها
ودلالاتها.
جبرا إبراهيم جبرا، وسعدي يوسف، وعبد الواحد لؤلؤة، ويوسف
الصائغ، وعبد العزيز المقالح، لم يكونوا مجرد أسماء في ذاكرة الشاعر، بل كانوا
أساتذة وملهمين وأصدقاء، فتحوا له أبواب الجمال والفكر، وعلّموه مواجهة العالم في
لحظات قسوته وطيشه ولا مبالاته.
في مسيرة امتدت لأكثر من نصف
قرن، لم تكن تجربة العلاق سلسلة قفزات متقطعة، بل مجاهدة متواصلة، ينمو فيها النص
مع كل تجربة جديدة، وتتبلور ملامح أسلوبه عبر صهر التفاصيل والشذرات في بناء جمالي
شديد الوعي.
لقد سعى منذ بداياته إلى صياغة قصيدة تخصه وحده، قصيدة لا
تشير إلى أحد سواه، لكنها في الوقت نفسه تنفتح على العالم، وتستوعب القلق الإنساني
وأسئلة الوجود، وتحوّل التجربة الشخصية إلى أفق رمزي قابل للتأويل.
في شعره، تحتل الصورة والمجاز
مكانة مركزية، لا بوصفهما زينة لغوية، بل باعتبارهما جوهر الرؤية الشعرية.
السؤال الشعري ينبع من القلق والحيرة وتدفق الذاكرة، بعيداً
عن ضجيج الإيقاع السطحي، بينما يتشكل الإيقاع بوصفه قوة دلالية لا مجرد زخرفة
صوتية.
إنه إيقاع يولد من أعماق اللغة نفسها، من فجواتها
وتوتراتها، من الجناس والتكرار والتوزيع الصوتي، ومن التوتر الخفي بين المعنى
والحس، بين الطراوة واليباس، بين الحسي والذهني.
ولم تكن علاقة العلاق باللغة
علاقة أداة، بل علاقة وجود.
هو شاعر يعيش في اللغة، يحلم ويتعذب ويسافر فيها، ويجعل
منها موسيقى داخلية تتجاوز حدود المفردات إلى طاقة الإدهاش واللذة.
ومن هنا جاءت قصيدته بوصفها فضاءً يجمع بين الحس الوجداني
والوعي الفلسفي، بين الإيجاز والعمق، بين الصورة والانزياح، وبين التعبير عن
المألوف بطريقة غير مألوفة.
أما العلاقة بين الذات
الفردية والذاكرة الجماعية، بين العراق والمنفى والزمن، فقد تشكلت في شعره كخيط
فجيعة خفي يسري في عروق النص.
قصيدته ليست هجاءً ولا مدحاً ولا غزلاً بالمعنى التقليدي،
بل رؤيا جمالية تنتظم النص كله، وتحوله إلى صلاة كونية للجمال المهدد، وإلى دفاع
عن أحلام المقهورين وكرامتهم المجروحة.
والزمن، في شعره، ليس مجرد خلفية، بل جرح واستعارة كبرى،
تتقاطع فيها طفولة العراق مع نضج التجربة، وتتداخل فيها الطبيعة والذاكرة واللغة
في تشكيل الصوت الشعري.
في النهاية، تبدو تجربة علي
جعفر العلاق رحلة طويلة في البحث عن قصيدة لا تكتفي بأن تقول العالم، بل تعيد خلقه
داخل اللغة.
قصيدة تتشكل من الصمت كما تتشكل من الصوت، من القلق كما من
الفرح، من الذاكرة كما من الحلم.
وهكذا، لا يظهر العلاق شاعراً فحسب، بل بوصفه أحد أولئك
الذين جعلوا الشعر مساحة للمعرفة والجمال والمقاومة، ومختبراً دائماً للغة وهي
تحاول أن تقول ما لا يمكن قوله.
علي جعفر العلاق: شاعر النهر
الذي اختار العزلة طريقاً إلى الضوء
منذ الثمانينيات، بدأت تجربة
علي جعفر العلاق تشقّ مساراتها الخاصة في المشهد الشعري العربي، لا بوصفها
امتداداً آلياً لما سبقها، بل بوصفها مغامرة جمالية واعية، تمزج بين التمرد الفني
والانتماء العميق إلى جوهر الشعر.
في زمن كانت الأيديولوجيات تتصارع، وكانت القصيدة تُستدرج
إلى ساحات الشعارات والسياسة، اختار العلاق أن يجعل الشعر خياراً جمالياً وذاتياً،
وأن يكتب من موقع العزلة الخضراء، لا من ضجيج المنابر.
لم يكن الشعر عنده صدى للمرحلة، بل محاولة دائمة لتجاوزها،
وتحرير اللغة من أسر الخطابات الجاهزة، وإعادة اكتشاف المعنى بوصفه تجربة وجودية
لا مجرد موقف.
في هذا السياق، تبدو تجربة
العلاق كأنها نهر طويل، يتبدل مجراه ولا يفقد صفاءه، يتشعب ولا يتلاشى، يغامر ولا
ينكسر.
لم تسع قصيدته إلى السباق أو الاستعراض، ولم تتباهَ بالضوء،
بل اختارت الزهد في الأضواء، والتوحد بالشعر حدّ اليتم، والانحياز إلى المخيلة
بوصفها طاقة تأسيسية للمعنى.
وهكذا ظلّت قصيدته طرية الامتداد، متجددة الرؤية، قادرة على
أن تجمع بين الرهافة والعمق، بين الشجن والصفاء، وبين الفردي والجماعي في آن واحد.
من ديوانه الأول لا شيء
يحدث.. لا أحد يجيء (1973) إلى كتابه السيري إلى أين أيتها القصيدة؟
الحائز جائزة الشيخ زايد للكتاب (2023)، تبدو رحلة العلاق كأنها سؤال مفتوح لا
يبحث عن جواب نهائي.
الشعر عنده ليس يقيناً، بل إبحار في متاهة الأسئلة؛ وهو لا
يعرف مسبقاً إلى أين تمضي القصيدة، ولا كيف ستولد، ولا بأي صورة ستظهر.
إنها مغامرة ذهنية وروحية، تتجدد في كل نص، وتبقى معلقة بين
الشك والدهشة، بين المعرفة والحدس، بين ما يُقال وما يتعذر قوله.
في رؤيته للغة، لا تظهر
الكلمات بوصفها أدوات، بل بوصفها معابد للمعنى.
اللغة هي المولد الأول والأخير للفتنة الشعرية، وهي الباب
الذي نعبر منه إلى ما في الحياة من شعرية كامنة.
ومن هنا جاءت قصيدته قائمة على الاقتصاد اللغوي، والنفور من
التزويق البلاغي،
والاعتماد على الصورة والانزياح والإيقاع المركب، بوصفها عناصر تأسيسية لا زخارف
سطحية.
أما لحظة الكتابة، فهي عنده
لحظة القبض على عناصر هاربة، تشبه السراب في مفازة بيضاء.
على الشاعر أن يقود هذا الخليط من الرؤى والصور والحدس، من
الفوضى الأولى إلى بهاء التشكّل، ومن العتمة إلى الضوء.
وهكذا تصبح القصيدة مساحة اختبار للقدرة التخيلية، ومختبراً
للغة وهي تحاول أن تقول ما لا يقوله الكلام العادي.
في المشهد العراقي، حيث
تتقاطع التقاليد الشعرية العريقة مع التحولات العنيفة للتاريخ، نشأت تجربة العلاق
في بيئة مشحونة بالتحديات.
أن تكون شاعراً في العراق، يعني أن تكون في قلب العاصفة:
عاصفة الشعر، وعاصفة السياسة، وعاصفة الذاكرة.
لكن العلاق، منذ بداياته، رفض أن يكون صدى لأصوات الآخرين،
أو امتداداً لمدارس كبرى، رغم تأثير السياب والبياتي وسعدي يوسف وأدونيس ودرويش.
سعى إلى نبرة خاصة، وإلى لغة لا تشبه سواه، وإلى قصيدة قلبية
دون زعيق، فردية لكنها مشتبكة مع آلام الآخرين وأحلامهم.
وفي شعر التفعيلة، ترك العلاق
بصمته الخاصة، حيث امتزجت العذوبة بالحرارة، والرهافة بالفجيعة، والإيقاع بالوعي
الجمالي.
قصيدته لا تحتفي باللغة وحدها، بل بذلك الخيط الخفي من
الشجن الذي يمتد من الروح إلى اللغة، ومنهما إلى وعي الذات الكاتبة بمتطلبات الشعر.
إنها قصيدة تربط الخاص بالعام، وتحوّل الأسى الفردي إلى
تجربة جمعية، وتمنح الألم صوتاً جمالياً قادراً على المقاومة.
ولأن الشاعر ابن بيئته، فإن
ذاكرة العلاق تشكلت من أمشاج متعددة: الطبيعة العراقية، إيقاعات الزمن، طفولة
القرية، ذاكرة الحروب، وشجن المدن.
كل ذلك امتزج في مخيلته ليصنع نبرة شعرية فريدة، تستمد
قوتها من التفاعل بين الحسي والذهني، بين الشعبي والثقافي، بين الذاكرة الفردية
والذاكرة الجماعية.
في كتابه إلى أين أيتها
القصيدة؟، يكتب العلاق سيرته كما لو أنها رواية شعرية، تتداخل فيها الأزمنة
والأمكنة، وتتماهى فيها الذات مع التاريخ، والذاكرة مع المخيلة.
ليست هذه سيرة تقليدية، بل سيرة تجربة شعرية، وسيرة ذات
فردية وعامة في آن واحد، تتقاطع فيها مرارة الشخصي مع عذاب الجماعي، وتتحول اللغة
إلى أداة كشف وإضاءة.
ولهذا عدّها النقاد إضافة نوعية إلى جنس السيرة الذاتية
العربية، لما فيها من مستويات أسلوبية تتراوح بين اليومي والشعري، ومن رؤية فكرية
منفتحة على الآخر.
وفي حياته الأكاديمية
والثقافية، لم يكن العلاق شاعراً منعزلاً عن المشهد، بل فاعلاً في صناعته.
شارك في التحكيم النقدي للجوائز العربية، وأسهم في تشكيل
الذائقة الثقافية عبر النشر والتحرير، وكان حضوره في مجلة الأقلام العراقية
علامة فارقة في تاريخ الثقافة العربية.
كما تركت تجربته اليمنية أثراً عميقاً في روحه وشعره، حيث
وجد في صنعاء فضاءً إنسانياً وثقافياً خصباً، وذاكرة لا تزال تستدعي الحنين.
وهكذا، تتجلى تجربة علي جعفر
العلاق بوصفها رحلة طويلة في البحث عن قصيدة لا تشبه غيرها، قصيدة تكتب العالم من
الداخل، وتعيد صياغة العلاقة بين اللغة والوجود، بين الذات والتاريخ، بين الشعر
والحياة.
إنه شاعر النهر الذي لا يتوقف عن الجريان، حتى وهو يمضي في
صمت العزلة، وشاعر السؤال الذي لا يطمئن إلى الإجابات، وشاعر اللغة التي تتحول في
يده إلى موسيقى داخلية، وإلى رؤية، وإلى مصير.
تقنية الكتابة الشعرية عند
علي جعفر العلاق
تقوم تجربة علي جعفر العلاق
الشعرية على بنية أسلوبية دقيقة تجمع بين الغنائية والسرد، بين التأمل الفلسفي
والحميمية الشخصية، بحيث تتحول القصيدة عنده إلى فضاء مركب يستوعب تعدد الأصوات
والزمان والمكان. فالقصيدة ليست مجرد خطاب شعري ينطلق من ذات الشاعر إلى العالم،
بل هي تجربة معرفية وفنية تمزج بين الرؤية الذاتية والانفتاح على التاريخ والتراث
والأسطورة.
أحد العناصر الجوهرية في
تقنية العلاق هو توظيف السرد داخل الشعر. فالقصيدة
عنده لا تقتصر على الجمالية الصوتية أو التصويرية، بل تتحرك مثل نص روائي مصغر،
حيث يمكن للقارئ أن يتتبع أحداثًا، شخصيات، أو مشاهد تاريخية وثقافية، دون أن تفقد
اللغة غنائها الشعري. في قصيدته عن سعدي يوسف، على سبيل المثال، لا يكتفي بإعادة
رسم صورة الشاعر المنفي، بل يجعل القارئ يعيش هذه التجربة عبر إيقاع سردي متداخل
مع الغنائية:
لا طريق إلى الضوء
لا قشرة الأرض ريّانة
لا نخيل السماوة يشبه نخل السماوات.
كما يعتمد العلاق على التناص
الثقافي والأدبي كجزء من التقنية نفسها. فهو يستحضر أسماء شعراء وكتابًا
وشخصيات تاريخية، ويحوّلها إلى رموز دلالية تعبّر عن التجربة الإنسانية المشتركة،
لا بوصفها شخصيات حقيقية فقط. وهذا يجعل النص الشعري مشحونًا بالذاكرة، بحيث يصبح
كل اقتباس أو إشارة حاضنة لطبقات من الدلالة التاريخية والثقافية.
عنصر آخر مهم هو بناء
الصورة الشعرية، حيث يجمع العلاق بين المفارقات والانزياحات البصرية
والمعنوية. فالصورة عنده لا تأتي لمجرد الزينة الشعرية، بل لتكون وسيطًا لإحداث
صدمة فكرية أو وجدانية، لإجبار القارئ على إعادة النظر في النص والعالم معًا. في
«طائر يتعثر بالضوء»، على سبيل المثال، تتجلى هذه التقنية في الجمع بين الطائر
كرمز للحرية والضوء كرمز للخطر أو للعالم المادي، فتتداخل المعاني في لحظة واحدة:
وها أنذا
بعد عشرين كارثة
أتعثر بالضوء في حيرة
ثم أرمي بعكازتي في الظلام.
كما يولي العلاق اهتمامًا
بالغًا لـ الإيقاع الداخلي للقصيدة، وليس مجرد الوزن أو القافية التقليدية.
الإيقاع عنده نابع من العلاقة العضوية بين الصور والكلمات والجمل القصصية، بحيث
يصبح التنقل بين الغناء والسرد سلسًا، ولا يشعر القارئ بانقطاع أو فجوة. هذا
الإيقاع الداخلي يسمح للقصيدة بأن تتحرك بحرية بين الواقع والرمز، بين الحنين
والفقد، بين التجربة الشخصية والتاريخية.
وأخيرًا، تتميز تقنية العلاق
بـ المرونة في اللغة، فهو يجمع بين الفصحى الكلاسيكية واللغة اليومية، وبين
الجمل الطويلة المتأملة والقصيرة القافزة، ليخلق نصًا متعدد الطبقات، غنيًا
بالمعنى، يسمح للقارئ بأن يتجول داخل فضاء القصيدة بحرية، ويستكشف كل طبقة من
طبقاتها. يمكن القول إن هذه التقنية تجعل من الشعر عند علي جعفر العلاق تجربة
معرفية متكاملة، حيث الغناء والسرد والرمزية والتأمل الفلسفي يشكلون شبكة متشابكة
من الدلالات.
بهذا، يصبح شعر العلاق ليس
مجرد نصوص جميلة، بل فضاء مركب للتفكير والشعور والوجود، يجمع بين الذات
والعالم، بين الذاكرة والتجربة، وبين التقليد والحداثة.
القصائد الخمس ونصوص شعرية
أخرى (2024) — الشعر بوصفه سيرة الآخر
في مجموعته القصائد الخمس
ونصوص شعرية أخرى الصادرة عام 2024، يذهب علي جعفر العلاق إلى منطقة وسطى بين
الشعر والسيرة، حيث تتحول القصيدة إلى فضاء يستعيد فيه الشاعر وجوهًا ثقافية
وإنسانية شكّلت جزءًا من ذاكرته وتجربته. فالشاعر لا يكتب عن الآخرين بوصفهم
موضوعًا خارجيًا، بل يجعلهم مرآة للذات، ويحوّل حضورهم إلى سرد شعري ينهل من
الذاكرة والحنين والتأمل.
في قصيدة جبرا إبراهيم جبرا،
تتداخل المرثية مع السيرة، ويتحوّل النداء إلى محاولة لإنقاذ الذاكرة من العتمة.
يخاطب الشاعر حارس المقبرة لا ليكشف الضريح وحده، بل ليكشف بغداد في لحظة حدادها
التاريخي:
يا
حارس المقبرة النائية
أزح قليلًا عتمة النهار كي نرى
ضريحه الوسيم
وكي نرى بغداد في حدادها.
لا يظهر جبرا هنا مجرد أديب،
بل رمزًا لمرحلة ثقافية كاملة، ولعلاقة تأسيسية بين الشاعر والمدينة، بين القصيدة
والتجربة الأولى.
أما عبد الواحد لؤلؤة، فيتجلى
بوصفه صوتًا معرفيًا وشعريًا يتقاطع مع تجربة العلاق، حيث تتحول العلاقة بينهما
إلى حوار داخلي بين صوتين شعريين، يتقاسمان القلق والأسئلة والرغبة في المعنى:
يصغر
الوقت ما بيننا
وتضيق المسافات
في كل ثانية نتوهم
ما زال في الوقت متسع.
وفي قصيدة سعدي يوسف، يتجاوز
العلاق الاختلافات الفكرية ليعيد رسم صورة شاعر قلق، منفي، متوتر، يعيش بين الوطن
والمنفى، وبين القصيدة والأيديولوجيا:
لا
طريق إلى الضوء
لا قشرة الأرض ريّانة
لا نخيل السماوة يشبه نخل السماوات.
أما يوسف الصائغ، فيظهر في
قصيدة ما الذي ظل في يده من غبار البلاد بوصفه شاعرًا مأساويًا، تتقاطع في
حياته الأسطورة والواقع، والحلم والانكسار:
أكان
يرى حلمًا حافيًا
أم يرى البئر والإخوة الحسدة.
ويختتم العلاق هذه السلسلة
بقصيدة عبد العزيز المقالح، حيث تتحول العلاقة بين الشاعرين إلى أخوّة شعرية، وإلى
حوار بين مدينتين وذاكرتين:
كان
يمسح حزن القصيدة
ويجلس بيني وبيني
يذود التجاعيد عن لغتي.
في هذه القصائد الخمس، لا
يتخلى العلاق عن الغنائية، لكنه يفتح القصيدة على السرد، فتتحول إلى كتابة هجينة
تجمع بين الشعر والسيرة، بين الذاكرة والحكاية، بحيث يصبح السرد غنائيًا، والغناء
سردًا.
طائر يتعثر بالضوء — القصيدة
بوصفها تجربة وجودية
في ديوان طائر يتعثر بالضوء»
تتخذ تجربة علي جعفر العلاق بعدًا وجوديًا أكثر عمقًا، حيث تتحول القصيدة إلى مرآة
للذات القلقة، وإلى محاولة لفهم العالم عبر اللغة. فالطائر الذي يتعثر بالضوء ليس
مجرد صورة رمزية، بل معادل موضوعي للشاعر وهو يواجه عالمًا مشبعًا بالكوارث:
وها
أنذا
بعد عشرين كارثة
أتعثر بالضوء في حيرة
ثم أرمي بعكازتي في الظلام.
يتحول الوطن في هذا الديوان
إلى جرح مفتوح، وإلى فكرة معلّقة بين الذاكرة والخيبة، حيث لا يعود العراق مكانًا
جغرافيًا، بل تجربة وجودية مركبة:
مرّ
بنا مجرّحًا وطنٌ أعمى
يجرجره أبناؤه في المنافي.
وتتخذ القصيدة طابعًا رعويًا،
تستعير لغتها من الترحال والقطيع والسهول، لتعبّر عن شعور عميق بالفقد والحنين:
صعدا
ناصعين إلى آخر التل
لم يجدا في انتظارهما
غير ذكرى القطيع الذي رعياه.
وفي هذا العالم الشعري،
تتكاثر صور الفراغ والعدم، وتتحول اللغة إلى مساحة مقاومة للخراب، حيث يظل الشاعر
معلقًا بين الحلم والكابوس، بين التحليق والتعثر:
لا
يشاركني قصيدتي غير نسر
كم هتفت به لكي يطير فلا يقوى.
هكذا تصبح القصيدة عند العلاق
محاولة للنجاة، ومحاولة لإعادة بناء المعنى في عالم يتآكل باستمرار.
في شعر علي جعفر العلاق، يصبح
الكلام جناحًا، والذاكرة سماءً، والضوء حلمًا يتعثر في أجنحة الطيور. بين الألم
والحنين، بين الوطن والغربة، تتجسد الحياة في الصور والرموز، لتبقى الكلمات مرايا
للذات، وملاذًا للحلم الذي لا ينكسر. الشعر عنده ليس مجرد لغة، بل رحلة، رحلة
تستوعب كلّ ما يشرق في الروح من ضوء وظلال، من صمت ونشيد، من فقد ولقاء.
#علي_جعفر_العلاق
#شعر_عراقي #القصائد_الخمس #طائر_يتعثر_بالضوء #الشعر_والسرد #الأدب_العراقي#
Ali Jafar Al-Allaq, one of
Iraq’s prominent contemporary poets, has long blurred the boundaries between
lyrical poetry and narrative storytelling. His latest collection, The Five
Poems and Other Texts (2024), continues this trajectory, exploring the
intricate relationship between poetry and biography. In these works, Al-Allaq
narrates the lives of literary figures such as Jabra Ibrahim Jabra, Abd
al-Wahid Lulu’a, Saadi Youssef, Yusuf al-Saigh, and Abdulaziz Al-Maqaleh,
blending poetic expression with anecdotal storytelling. The poems merge
personal memories, literary history, and socio-political reflection, creating a
hybrid form that is both lyrical and narrative.
In A Bird Stumbling in
the Light (2018–2021), Al-Allaq reflects on displacement, exile, and the
fractured reality of modern Iraq. His poetry conjures surreal and nightmarish
imagery—birds, light, storms, and deserts—evoking a world of loss, longing, and
elusive hope.
Technically, Al-Allaq’s
writing is distinguished by his use of narrative structures within poetry,
intertextual references, visual and surreal imagery, and flexible language that
blends classical Arabic with colloquial tones. He draws inspiration from other
arts, especially painting, to shape his poetic imagery. His approach creates
multilayered texts that allow readers to navigate time, space, and memory,
forging an immersive poetic experience. Ultimately, Al-Allaq’s poetry is a
complex, reflective space where voice, vision, history, and imagination
converge, offering a profound meditation on life, loss, and the human
condition.



تعليقات
إرسال تعليق