محمود درويش: شاعر الهوية والمقاومة والجمال

 

 

محمود درويش


الشعر، في جوهره، هو محاولة الإنسان لتلمّس ما وراء الكلمات، لاحتضان الفراغ الذي يسكن بين الحروف، ولإطلاق صدى الروح في الفضاء. وفي قلب هذه الرحلة، يقف محمود درويش، شاعر الأرض والذاكرة، حاملاً وطنه في صدره مثل نبض مستمر، ومرايا الوجود في عينيه مثل ضوء يرفض الانكسار. قصيدته ليست مجرد كلمات تُكتب على الورق، بل هي تنفس الأرض، وغناء للغربة، ورثاء للحلم الذي لم يكتمل بعد. هنا نجد الإنسان في صراعه الأزلي مع الوقت والمكان، ناظراً إلى ذاته وإلى وطنه، يبحث عن الحقيقة في لحظة صافية بين الصمت والصرخة، بين الغياب والحضور.


# #MahmoudDarwish #PalestinianPoetry #ResistancePoetry #IdentityAndArt #ModernArabicLiterature #PoeticLegacy


احتلّ محمود درويش (1941 – 2008) مكانة استثنائية في الشعر العربي الحديث، حتى بات يُعدُّ صوت فلسطين وهويتها، والناطق باسم وجدان شعبه وقضيته. وُلِد في قرية البروة في الجليل، حيث كانت الأرض والذاكرة والمكان هي أول معلماته الشعرية، ثم عُرِف منذ سن مبكرة بشغفه بالكلمة والقصيدة. منذ صباه، كتب درويش عن معاناة الفلسطينيين بعد النكبة وعن اللجوء والشتات وعن الحنين العميق إلى الوطن، وأصبح صوته يشقّ طريقه في المهرجانات الشعرية قبل أن يتجاوز حدود فلسطين إلى العالم العربي بأسره.

في سن السابعة عشرة، كانت كلماته عن النكبة وعودة اللاجئين تتردد في الأرجاء، أما قصيدته الشهيرة "بطاقة هوية" (1964) فقد مثلت نقطة تحول في الشعر الفلسطيني والعربي، حيث كرّر فيها الصرخة الخالدة: "سجّل أنا عربي". خلال حياته، نشر درويش أكثر من ثلاثين ديوانًا شعريًا وثمانية كتب نثرية، وكان له حضور بارز في الصحافة الأدبية كمحرر لمجلات مثل "الجديد" و"الفجر" و"شؤون فلسطينية" و"الكامل"، إضافة إلى مساهماته في مجلة "لوتس" الأدبية التي دعمتها مصر والاتحاد السوفيتي.

تأثّر درويش في بداياته بالشعر الكلاسيكي العربي، لكنه سرعان ما انطلق نحو الشعر الحر، مزيجًا بين الرومانسية والبعد الوطني، متجاوزًا الأطر التقليدية، معتمداً لغة شخصية مرنة تحمل في طياتها السياسة والإنسانية والجمال. كما تأثر بعدد من الشعراء العرب والعالميين مثل عبد الوهاب البياتي وبدر شاكر السياب، وأيضًا بالشعراء الغربيين مثل آرثر رامبو وألن غينسبرغ.  

وقد جسّد درويش، طوال مسيرته، صورة الفلسطيني المقاتل والمبدع في آنٍ واحد، شاعرًا يكتب عن الهوية والاغتراب والحب والوطن، متحديًا الاحتلال ومتجذرًا في حنينه إلى الأرض. لم يكن شاعرًا مجردًا من التاريخ أو الواقع، بل كان المؤرخ والراوي والناقد والإنسان، يجمع في نصوصه بين الحلم والإدانة، وبين الجمال والمعاناة، حتى أصبح رمزًا خالدًا للفلسطينيين والعرب جميعًا، وصوتًا عالميًا للحقيقة والإنسانية.

المحطات الشعرية الأولى: الطفولة والبدايات الشعرية

بدأت رحلة محمود درويش الشعرية في قرية البروة، حيث كانت الأرض والمكان هما أول مدرسة له، والذاكرة الفلسطينية مصدر إلهامه الأول. في مرحلة الطفولة، كتب مجموعته الأولى عصافير بلا أجنحة (1960)، التي كانت محاولة مبكرة لتشكيل صوته الشعري، لكنها لا تعكس بعد شخصيته الفريدة. كانت القصائد متأثرة بالشعر العربي الكلاسيكي والرومانسية الحديثة، تعكس شغفه بالكلمة ورغبته في التعبير عن ذاته الصغيرة في عالم كبير.

مع النكبة وتجربة اللجوء، بدأ وعيه السياسي والاجتماعي يتشكل، فانتقل من الهم الذاتي إلى القضايا الجمعية، فأصبحت فلسطين موضوعه الأكبر، ومصيره مرتبطًا بقضية شعبه. في سن السابعة عشرة، بدأ يكتب قصائد عن اللاجئين ومعاناتهم، مقدمًا صوته للشعب الفلسطيني، قبل أن يكتشفه العالم العربي لاحقًا. كانت بداياته بمثابة جسر بين التجربة الشخصية والتجربة الوطنية، وتمثل هذا الانتقال في قصيدته بطاقة هوية (1964) التي أطلقت صرخة التاريخ: "سجّل أنا عربي"، وأصبحت رمزًا للهوية الفلسطينية والمقاومة الثقافية.

خلال هذه الفترة، كان درويش يتلمس أسلوبه الشعري بين التقليدي والحديث، يجرب القوافي والوزن، ويبحث عن اللغة التي تناسب همومه ورسالة وطنه. كما بدأ حضورُه في المهرجانات الشعرية، حيث كانت قراءاته القصصية والشعرية تصل إلى الجماهير، فتثير الانتباه وتحرك المشاعر. كانت بداياته ليست مجرد كتابة، بل ممارسة متواصلة للحرية في التعبير، وتجربة للتأمل في الذات والوطن.

هكذا، شكّلت مرحلة الطفولة والبدايات الشعرية الأساس الذي انطلق منه درويش نحو المرحلة الثورية، حيث تتحول القصيدة إلى قوة مقاومة، واللغة إلى أداة لاستعادة الهوية وحفظ الذاكرة، قبل أن تتوسع رؤيته لتشمل البُعد الجمالي والإنساني في مراحل لاحقة من حياته الشعرية.

المرحلة الثورية: من الذات إلى الوطن

مع صدور مجموعة أوراق الزيتون (1964)، دخل محمود درويش مرحلة الثورية الشعرية، حيث تحوّل من الكتابة عن همومه الذاتية إلى التعبير عن الهواجس الجماعية للشعب الفلسطيني. في هذه المرحلة، أصبح الشعر أداة للتعبير عن الحلم الوطني والمقاومة، ووسيلة لتثبيت الهوية الفلسطينية في وجه الاحتلال والتهجير. قصيدته الشهيرة بطاقة هوية تجسّد هذا التحول بشكل كامل، إذ كرّست صرخة الانتماء: "سجّل أنا عربي"، لتصبح رمزًا للكرامة والهوية الوطنية.

في هذه المرحلة، ظهرت ملامح أسلوبه الخاص، حيث مزج بين الرومانسية الغنائية والالتزام الثوري، بين الحب للوطن والوجدان الإنساني. كما تبلورت قدرته على استخدام الأسطورة والرموز الحضارية الشرقية والغربية ليصوغ منها قصائد تجمع بين التاريخ والواقع المعاصر، بين الواقع اليومي والمستوى الملحمي، فتنهض الأحداث البسيطة إلى مستوى عالمي، فتجعل من الشعر قوة معنوية وثقافية.

صدرت خلال هذه المرحلة مجموعات مثل عاشق من فلسطين (1966)، آخر الليل (1967)، العصافير تموت في الجليل (1969)، وحبيبتي تنهض من نومها (1970)، والتي عكست تزاوجًا فريدًا بين الإحساس الشخصي والهمّ الوطني، وبين الحلم بالتحرر والمواجهة الواقعية للاحتلال. وقد تميزت هذه الأعمال بغزارة الإنتاج، وبالأفق الإنساني الواسع لموضوعات القصائد، وبالرهافة في تصوير المرأة والأرض، وبسلاسة الإيقاع واللغة التي جمعت بين الحسية والرمزية.

كما تأثرت هذه المرحلة بالخبرة المبكرة لدرويش في الشعر العربي الكلاسيكي والحديث، وبتجاربه مع الشعراء الفلسطينيين المعاصرين مثل توفيق زياد وسميح القاسم، وبقراءة الشعر العالمي من أمثال ريلكه ونيرودا وييتس وطاغور. هذه التعددية في مصادره الأدبية أكسبت شعره عمقًا وجاذبية، وجعلت من قصائده مرآة لتجربة الإنسان الفلسطيني في مواجهة النكبات التاريخية، وفي البحث الدائم عن الحرية والكرامة.

هكذا، صارت المرحلة الثورية علامة فارقة في مسيرة درويش، حيث بدأ الشاعر الفلسطيني يتحول من صوت فردي إلى ناطق باسم أمة، من شاعر شاب يكتب عن الهوية إلى شاعر مقاومة يعبّر عن وجدان شعب كامل، ممهّدًا الطريق لاحقًا نحو المرحلة الثورية-الوطنية التي ستتسع فيها رؤيته لتشمل البُعد الجمالي والملحمي للشعر الفلسطيني.

المرحلة الثورية–الوطنية: المقاومة الجماعية والبُعد الملحمي (1966–1972)

مع تصاعد الأحداث الفلسطينية بعد النكسة عام 1967، دخل محمود درويش مرحلة الثورية–الوطنية، حيث امتزج شعوره الثوري الشخصي بالتيار الوطني الواسع، فتحوّل شعره إلى مرآة للمقاومة الجماعية والهمّ الفلسطيني الشامل. في هذه المرحلة، أصبح الشاعر جزءًا من حركة وطنية أوسع، تركز على البقاء والمقاومة، إنسانيًا وأدبيًا على حدّ سواء.

صدرت مجموعات مثل عاشق من فلسطين (1966)، آخر الليل (1967)، العصافير تموت في الجليل (1969)، وحبيبتي تنهض من نومها (1970)، والتي عبّرت عن اندماج الحب للوطن مع الحلم بالتحرر، وركزت على تثبيت الهوية الفلسطينية بعد النكبات التاريخية. هذه القصائد امتازت بالعمق الإنساني، وبسلاسة اللغة الموسيقية، وبقدرة شاعر المقاومة على تحويل الحدث اليومي إلى ملحمة شعرية.

في هذه المرحلة، عزّز درويش أسلوبه الرمزي والأسطوري، مستخدمًا الرموز الحضارية الشرق-أوسطية والهيللينية، وجعل من المرأة رمزًا للأرض، ومن الحياة اليومية مادة لإيصال رسالة وطنية متينة، تجمع بين الغنائية والرؤية الثورية. كذلك، برزت قدرته على صوغ الحدث الفلسطيني بأسلوب يجمع بين الواقعية والتأمل الملحمي، فتصبح القضايا الوطنية والإنسانية في آن واحد.

وقد شكلت هذه المرحلة جسراً بين المرحلة الثورية المبكرة، التي ركّزت على تثبيت الهوية الفردية والوطنية، وبين المرحلة التالية، مرحلة البحث الجمالي، التي سيبدأ فيها درويش تطوير لغته وأساليبه بشكل مستقل عن الإطار التقليدي لشعر المقاومة، ليؤكد أنه شاعر ملتزم بالجمال والشعر قبل أي تصنيف آخر.

هكذا، شكّلت مرحلة الثورية–الوطنية مرحلة نضج مبكر في مسيرة درويش، حيث بدأ الشاعر يتبوأ موقعه كرمز للوجدان الفلسطيني، متقنًا فن التعبير عن المقاومة، ومُحققًا التوازن بين الالتزام الوطني والبحث الفني العميق، مما أعده للانطلاق لاحقًا نحو مرحلة البحث الجمالي التي ستُظهر شاعريته في أوج نضجها وثرائها.

مرحلة البحث الجمالي: صقل المشروع الشعري خارج فلسطين (1972–1982)

مع مغادرة محمود درويش فلسطين وانتقاله إلى القاهرة ثم بيروت، بدأ مرحلة البحث الجمالي التي شكّلت تحولًا نوعيًا في مسيرته الشعرية. أراد درويش أن يثبت أنه شاعر صاحب مشروع جمالي متكامل، لا يُقيد فقط بوصفه شاعر المقاومة، بل يسعى إلى تطوير موضوعاته وأدواته ولغته الشعرية بما يتفاعل مع حركة الحداثة الشعرية العربية.

في هذه المرحلة، تميزت مجموعاته بالمغامرة الأسلوبية والتجريب الفني، حيث بدأ يمزج بين الغنائية والتأمل الملحمي، وبين التاريخي والأسطوري للمكان الفلسطيني، كما في مجموعات مثل:

  • أحبك أو لا أحبك (1972): بداية التحول نحو القصيدة الطويلة والمزيج بين الغنائية والنثرية.
  • محاولة رقم 7 (1973): مزج بين الاستعادة التاريخية–الأسطورية للمكان الفلسطيني والموضوع الغنائي، مع التركيز على رمزية المكان والارتباط بالهوية.
  • تلك صورتها وهذا انتحار العاشق (1975): نقلة واضحة نحو القصيدة الطويلة التي تجمع بين السرد الملحمي والتأمل الغنائي.
  • أعراس (1977): العودة للموضوع الوطني ضمن صياغات إنسانية–ملحمية، مع توظيف الأسطورة والرموز الحضارية.

خلال هذه المرحلة، بدأ درويش الاقتراب من قصيدة النثر العربية، كما في بعض قصائد مجموعة «أحبك أو لا أحبك» التي احتوت على نصوص نثرية داخل إطار شعري، محاولًا جسر الهوة بين التفعيلة والنثر. كما استمر في تطوير الموسيقى الداخلية للقصيدة، وتجربة الإيقاعات المختلفة، ما جعله شاعرًا واعيًا بكل أبعاد الجمال الشعري، من الوزن إلى الصورة والرمز.

لقد كانت مرحلة البحث الجمالي مرحلة صراع بين شاعر المقاومة وقارئه العربي، الذي أراد تقييده في صورة "شاعر سياسي فقط"، بينما أراد درويش إثبات أن شاعر المقاومة يجب أن يكون شاعرًا حقيقيًا أولاً، وجميلًا فنيًا ثانيًا. وبذلك، أصبحت هذه المرحلة قاعدة انطلاقه للمرحلة الملحمية التالية بعد اجتياح بيروت، حيث سيواجه درويش تجربة الخروج الفلسطيني إلى أوديسة جديدة.

المرحلة الملحمية بعد اجتياح بيروت (1982–1986)

مع اجتياح الجيش الإسرائيلي لبيروت عام 1982 وخروج الفلسطينيين من لبنان، دخل محمود درويش مرحلة ملحمية–توثيقية في شعره، تعكس الصدمة الوطنية وتجربة النزوح والخسارة الجمعية. هذه المرحلة تمثل رد فعل شعري مباشر على أحداث الحرب والمجازر، حيث يصبح الشعر وسيلة لتوثيق التاريخ ومقاومة النسيان.

من أبرز الأعمال في هذه المرحلة:

  • قصيدة مديح الظل العالي (1983): تعتبر نموذجًا للقصيدة التسجيلية، إذ تصف أجواء مقاومة الاجتياح، ومعنى مدينة بيروت، ومجزرة صبرا وشاتيلا، وتطرح تساؤلات وجودية عن الفلسطيني بعد النزوح إلى أرض جديدة.
  • مجموعة حصار لمدائح البحر (1984): تتابع الملحمة الفلسطينية، وتحتوي على قصيدة بيروت، التي تكمل ملحمة الخروج الفلسطيني من لبنان، كما تتضمن اثنين من أصفى المراثي التي كتبها درويش لشهداء الحركة الوطنية الفلسطينية:
    • الحوار الأخير في باريس: في ذكرى عز الدين قلق، ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في باريس.
    • اللقاء الأخير في روما: يخص ماجد أبو شرار، المفوّض السياسي العام الأسبق في حركة فتح.

كما كتب درويش في هذه المرحلة مراثٍ شخصية وتاريخية تجمع بين الفرد والجماعة، فتتحول القصيدة إلى وسيلة لتخليد المكان والزمان وليس فقط الأفراد، مما يخلق بعدًا ملحميًا–تراجيديًا. وقد سبق له أن كتب مرثية طويلة بعنوان كان ما سوف يكون لتخليد ذكرى صديقه الشاعر راشد حسين، لتؤكد هذه المرحلة أهمية الشعر كأداة لتوثيق الأحداث واحتضان التاريخ الفلسطيني بالبعد الإنساني والجمالي معًا.

تميزت هذه المرحلة أيضًا ب التركيز على الطابع الوطني–الإنساني، حيث يعكس درويش في شعره التوازن بين المأساة الفردية والجمعية، ويطور أدواته لتقديم النص الشعري ليس فقط كعمل فني بل كوثيقة حضارية تحمل رسالة التاريخ والمقاومة الفلسطينية.

المرحلة الغنائية بعد الخروج إلى باريس (1986–1992)

بعد اجتياح بيروت ونزوح الفلسطينيين، انتقل محمود درويش إلى باريس، لتبدأ مرحلة غنائية–تأملية في شعره، تركز على الذات، والتأمل الميتافيزيقي، والحوار الشعري بين الشاعر والعالم. هذه المرحلة تمثل عودة إلى الجمال الشعري بعد الصدمة الوطنية، مع استمرار البحث عن الانسجام بين الموسيقى الداخلية للقصيدة والمعنى العميق للوجود.

من أبرز أعمال هذه المرحلة:

  • هي أغنية، هي أغنية (1986): مجموعة قصائد قصيرة ومرنة الشكل، تعكس الانغماس في التجربة الشخصية والبحث عن الجمال في تفاصيل الحياة اليومية.
  • ورد أقل (1986): تركز على الطابع الغنائي للقصيدة، مع محاولات تجريبية موسيقية جديدة في بنية النص، ومحاكاة إيقاع العزف المنفرد، بالإضافة إلى استكشاف تقنيات الرباعيات والقصيدة القصيرة القائمة على الفقرة الشعورية المتصلة بدل السطور.

في هذه المرحلة، أصبح الشعر عند درويش مساحة للغنائية والذات، أكثر من كونه ساحة سياسية مباشرة، لكنه لم يتخل عن التأكيد على الهوية الفلسطينية، بل حولها إلى تجربة إنسانية–وجودية أوسع، حيث تمتزج الرومانسية بالرمزية والتأمل الفلسفي.

تميزت المرحلة أيضًا بـ:

  • تجريب موسيقي وإيقاعي داخل النص الشعري، يحاكي الموسيقى التصويرية الداخلية للقصيدة.
  • توسيع آفاق اللغة الشعرية لتشمل الرموز الأسطورية والحضارية، مع الحفاظ على ارتباطها بالمكان الفلسطيني وتاريخ الشعب.
  • التقارب بين الوزن التقليدي والنثر الشعري، تمهيدًا للمراحل الأخيرة التي ستجمع بينهما بأسلوب متفرد.

هذه المرحلة وضعت أساسًا لتكامل الغنائية مع الملحمة في المراحل التالية، وجعلت شعر درويش مساحة للتأمل الذاتي والكوني، مع الاحتفاظ بالبعد الوطني والإنساني في الوقت نفسه.

المرحلة الملحمية–الغنائية (1990–1995)

مع بداية التسعينيات، دخل محمود درويش مرحلة الملحمة الغنائية التي تمثل الذروة الناضجة لمزج الملحمة باللحن الشعري. في هذه المرحلة، عاد إلى القصائد الطويلة التي توثق التجربة الفلسطينية على المستويين التاريخي والوجودي، مع الحفاظ على النبرة الغنائية التي تجمع بين الرقة العاطفية وعمق المعنى.

من أبرز أعمال هذه المرحلة:

  • أرى ما أريد (1990): قصائد طويلة، تعكس التأمل في الحياة، والبحث عن الحرية، والعودة إلى الذات الإنسانية في مواجهة الصراعات السياسية والتاريخية.
  • أحد عشر كوكباً (1992): تمثل توسعًا في استخدام الرمزية والأسطورة، حيث ينفتح الشعر على تجارب إنسانية وتراجيدية كبرى (المغول، الهنود الحمر، الأندلس، طروادة)، مع بحث الفلسطيني عن موقعه في التاريخ والإنسانية.

في هذه المرحلة، اتسم شعر درويش بـ:

  • التكامل بين الملحمة والغنائية: دمج الأحداث التاريخية الكبرى مع الرؤية الشخصية للشاعر، وجعل القارئ يتعايش مع النص على مستويين، التاريخي والوجداني.
  • توسيع الأفق الإنساني: لم يعد الشعر يقتصر على الهوية الفلسطينية فقط، بل أصبح إعادة تأكيد للإنسانية المشتركة، مع الانفتاح على التجارب العالمية.
  • المرونة الأسلوبية: استمرار التجريب في الشكل، الجمع بين الفقرة الشعرية الطويلة والنبرة الموسيقية الداخلية، مع الحفاظ على الرمزية العميقة.

بهذه المرحلة، أصبح درويش الشاعر الفلسطيني الكامل الذي يجمع بين البعد الوطني، الإنساني، والجمالي، ويعطي شعره قدرة على التفاعل مع القضايا الكبرى للوجود، مع الاحتفاظ بصوته المميز بين الشعراء العرب.

المرحلة الثامنة: مرحلة الموضوعات المستقلة (1995–2000)

مع منتصف التسعينيات، دخل محمود درويش مرحلة الموضوعات المستقلة، التي شهدت تحولًا واضحًا نحو التأمل الشخصي والبحث الجمالي الفردي بعيدًا عن النزعة الوطنية المباشرة، مع الحفاظ على الوعي بالقضية الفلسطينية.

من أبرز أعمال هذه المرحلة:

  • لماذا تركتَ الحصان وحيدًا (1995): قصائد تمزج السيرة الذاتية للشاعر مع وصف المكان الفلسطيني، بحيث تصبح الجغرافيا جزءًا من التاريخ، والتاريخ جزءًا من الوجدان، مع تحول دلائل المكان إلى رموز للجسد والروح.
  • سرير الغريبة (1999): تعالج قصيدة الحب بصورة عميقة، مع الحفاظ على الحس الوطني كخلفية ضمنية.

في هذه المرحلة، نجد أن درويش:

  • يجمع بين الخاص والعام: النصوص الشخصية تتقاطع مع القضايا الوطنية، فتصبح تجربة الفرد الفلسطيني مرآة للتجربة الجماعية.
  • يمارس التجريب الفني: استخدام القصيدة الطويلة والرمزية العميقة، مع توسيع المفردات الشعرية والخيال البصري.
  • يستمر في المزاوجة بين الشعر والنثر تمهيدًا للمرحلة التالية من القصيدة النثرية والفنية المبتكرة.

كما صدرت خلال هذه الفترة مجموعات خاصة، تجمع بين:

  • الموضوع الشخصيمثل تجربة الشاعر بعد العملية الجراحية في القلب، في قصيدته الطويلة جدارية (2000)، التي سجلت تأملاته في الموت والوجود والصراع مع العدم.
  • الوضع الوطني العام: مثل حالة حصار (2000)، التي وثقت يوميات الفلسطينيين في ظل الاحتلال العسكري، لكنها لم تكن مجرد سرد لعذاب، بل إعلان البقاء والمقاومة الإنسانية.

بهذه المرحلة، يظهر درويش كشاعر قادر على مزج التجربة الفردية مع التاريخ، والوعي الشخصي مع الهم الوطني، والرمزية الفنية مع الواقعية الإنسانية، مع استمرار بحثه الدائم عن الموسيقى الداخلية للقصيدة والتجديد الشعري.

المرحلة التاسعة: المرحلة الأخيرة – التجريب النهائي في الشعر والنثر (2000–2008)

في السنوات الأخيرة من حياته، واصَل محمود درويش برنامج البحث الجمالي والفني الذي بدأه في بيروت، لكن هذه المرة تركيزه الأساسي كان على تطوير شكل القصيدة العربية المعاصرة، مع الحفاظ على ثراء البنية الإيقاعية للشعر العربي وخصوبتها للتجريب.

أهم خصائص هذه المرحلة:

1.    التجريب في الوزن والنثر:

o       في مجموعتيه لا تعتذر عمّا فعلت (2004) وكزهر اللوز أو أبعد (2005)، بدأ درويش مزج التفعيلة بالنصوص النثرية، مما قرب المسافة بين الوزن والنثر، وخلق موسيقى شعرية جديدة.

o       في عمله الأخير في حضرة الغياب (2006)، أسماها درويش نصًّا لأنها تمثل امتزاجًا فريدًا بين الشعر والنثر، واستكشاف أرحب آفاق القصيدة العربية الحديثة.

o       في أثر الفراشة (2008)، استمر في المزج بين التفعيلة والنصوص النثرية، مع إبداع إيقاعات شعرية تذكّر بتقنيات قصيدته في السبعينيات، مع منح النثر جماليته الشعرية الخاصة.

2.    الاستمرار في المواضيع الإنسانية والوطنية:

o       رغم التركيز على التجريب الفني، لم ينسَ درويش الهم الوطني الفلسطيني، مع توسيع نطاقه ليشمل التأمل في الوجود الإنساني والموت والغربة والفقدان.

o       نصوصه أصبحت شديدة الرهافة وفلسفية ووجدانية ومتعددة الأصوات، تعكس تجربة حياة الشاعر نفسها وتجربة الفلسطينيين عامة.

3.    بلوغ الذروة في المزج بين الملحمي والغنائي:

o       تمكن درويش في هذه المرحلة من الموازنة بين الشعر الملحمي الذي يوثق التاريخ الوطني، والغناء الداخلي للشاعر، مما منح نصوصه بعدًا إنسانيًا شاملًا.

o       كانت هذه المرحلة تتوج مسيرته الشعرية الطويلة، حيث تظهر خبرته اللغوية، وقدرته على الإيحاء، وعمق الرمزية، مع موسيقى داخلية متجددة باستمرار.

بهذا الشكل، يكون محمود درويش قد رسم رحلة شعرية استثنائية، تبدأ من الشعر التقليدي، مرورًا بشاعر المقاومة الوطنية، وصولًا إلى شاعر عالمي يمزج بين التجريب الفني والهم الإنساني والوطنية العميقة، تاركًا إرثًا شعريًا خالدًا.

 

إن رحلة محمود درويش ليست مجرد تاريخ شعر، بل هي رحلة وجود. كل قصيدة له كأنها نافذة تُطل على ما يتجاوزنا، على ما نسميه وطنًا، على ما نسميه حياة. في حضوره، يصبح الحزن والمقاومة والجمال واحدًا، كما لو أن اللغة نفسها تتحرر من قيودها لتحتضن الإنسان بكل تناقضاته وأحلامه. وبين دفتي كتبه، وبين صمته وحديثه، نكتشف أننا جميعًا نعيش في ظل الغياب، لكننا نحلم بالوجود. هكذا، يترك محمود درويش إرثًا خالدًا: اللغة كجسر بين القلب والفكر، والشعر كمرآة للحقيقة الإنسانية، التي لا تنتهي، والتي تستمر في أن تهمس لنا، حتى بعد أن يغادر صانعها هذا العالم.

 

محمود_درويش #شعر_فلسطيني #هوية_وفن #شعر_المقاومة #الأدب_العربي #رمزية_وشعر

Mahmoud Darwish (1941–2008) was not just a Palestinian poet; he was the voice of a people, a mirror reflecting the collective memory, pain, and resilience of the Palestinian experience. Over six decades, he wrote more than thirty volumes of poetry and eight books of prose, evolving from classical Arabic forms to a unique fusion of free verse, lyrical, and epic styles. His early works, rooted in the struggle for identity and the Nakba, gave voice to a generation yearning for homeland and justice, while his later poetry transcended politics to explore existential, metaphysical, and humanistic themes.

Darwish’s poetry captures the tension between presence and absence, exile and belonging, personal reflection and national destiny. He balanced the intimate with the epic, the lyrical with the historical, turning personal loss and displacement into universal symbols of human longing and resilience. Despite controversies and political tensions, Darwish sought to affirm humanity in every encounter, even addressing his “enemy” with empathy and moral reflection.

Ultimately, Darwish’s legacy is not confined to his homeland; it resides in the universality of his language, the depth of his imagination, and the courage of his voice. His work reminds us that poetry is both a vessel for memory and a bridge between the self and the world—a testament that even in absence, beauty, truth, and the human spirit endure.

 

 


 

 

 

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسرار الجازي وماثيو: رواية التاريخ والحكاية في قلب السعودية

حين يتكلّم الصمت: رحلة ابراهيم فرغلي بين الذاكرة والخيال

أصوات مصر: كيف كتب الكاسيت تاريخ الجماهير