العام الجديد في الأدب: بين الخيبة، والحب، والكتابة كبداية متجددة
هل العام الجديد بداية
حقيقية أم مجرد وهم؟ من خيبة الحروب إلى دفء الحب والشعر، دعنا نستكشف كيف يرى
الأدب مطلع السنة: بين الرعب، الخسارة، والتجدد الإبداعي.
عتبة الزمن — حين يقف العام
على باب اللغة
ليس العام الجديد رقماً يُضاف
إلى التقويم، ولا صفحة تُقلب بيدٍ مستعجلة، بل هو عتبة؛ مكان هشّ نقف عليه
كما يقف المسافر بين رصيفين، يلتفت إلى الخلف دون أن يعود، وينظر إلى الأمام دون
أن يرى بوضوح. في الأدب، لا يدخل العام الجديد ضاحكاً، ولا يطرق الباب بجرسٍ
احتفالي؛ بل يتسلل همساً، كفجرٍ متردّد، كضوءٍ خفيف يخشى أن يوقظ الخسارات النائمة
في القلب.
يعرف الأدب أن البدايات ليست
بريئة. كل بداية تحمل في طيّاتها أثراً لما انتهى، مثل رائحة المطر التي لا تنفصل
عن الغيم الذي عبر. لذلك كان العام الجديد، في النصوص الكبرى، لحظة تأمّل لا
احتفال، وسؤال لا إجابة، وصمت أثقل من الكلام. إنه زمن معلّق، تُعلّق فيه
الذاكرة ساعتها، وتخلع الأيام أسماءها القديمة دون أن تجد أسماء جديدة بعد.
في هذه العتبة، تتباطأ اللغة.
تصبح الجملة أقصر، وأكثر حذراً، كأن الكاتب يخشى أن يوقّع عقداً مع المستقبل لا
يعرف شروطه. هنا، يتقدّم الزمن الداخلي على الزمن الخارجي؛ الساعة تمضي، نعم، لكن
الروح تتلكأ، تتفحّص ما حملته في عامها المنقضي: وجوه غابت، كلمات لم تُقل، أحلام
تأخّرت حتى شاخت وهي تنتظر.
العام الجديد، كما تصوّره
الأدبيات، ليس وعداً بالخلاص بل إذن بالمحاولة. إذنٌ
بالوقوف مرة أخرى أمام المرآة، ليس لنرى ما نريد أن نكونه، بل ما نحن عليه حقاً:
كائنات ناقصة، مكسورة قليلاً، لكنها ما تزال قادرة على الرغبة في الاستمرار. لذلك،
تشبه هذه اللحظة الصفحة البيضاء قبل الكتابة: لا تُغري بالبراءة، بل تُخيف
بالاحتمال.
وهكذا، يصبح مطلع العام في
الأدب مساحة أخلاقية بقدر ما هو زمنية؛ اختباراً للصدق، ولقدرتنا على الاعتراف بأن
البدء من جديد لا يعني النسيان، بل حمل الماضي برفق، والمضيّ بهدوء نحو ما لم
يُكتب بعد.
الزمن والدوران — وهم التقدّم
وهشاشة الإنسان
في الأدب، لا يسير الزمن في
خطّ مستقيم كما توحي به التقاويم والجداول، بل يدور، يلتفّ حول نفسه، ويعود
متنكّراً في أشكال جديدة. لذلك يبدو العام الجديد، في كثير من النصوص، أقلّ شبهاً
بالانطلاق وأكثر شبهاً بالعودة: عودة الأسئلة نفسها، والآلام نفسها، وإن ارتدت
أقنعة أخرى. الأدب، بخبرته الطويلة مع الخيبة الإنسانية، يشكّ في فكرة التقدّم،
ويعاملها بحذرٍ يشبه حذر من لمس جرحٍ قديم.
لدى ت. س. إليوت، يصبح
الزمن دائرةً روحية لا تُكسر إلا بالوعي. في الرباعيات الأربع، لا يعني
الجديد خلاصاً، بل فرصة نادرة للإصغاء: " في بدايتي نهايتي". هنا، يتقاطع مطلع
العام مع الإدراك المؤلم بأن الإنسان لا يخرج من الزمن، بل يتعلّم العيش داخله.
فكل سنة جديدة ليست سوى طبقة أخرى من التجربة، تُضاف إلى الكائن الذي لم يتغيّر
جوهرياً كما كان يأمل.
أما عند فرجينيا وولف،
فينقسم الزمن إلى زمنين: زمن الساعة وزمن الشعور. في السيدة دالاواي، تدقّ
ساعة بيغ بن بانتظام صارم، بينما تتشظّى حياة الشخصيات في الداخل، حيث الماضي
يقتحم الحاضر دون استئذان. العام الجديد هنا لا يبدأ عند منتصف الليل، بل في لحظة
ذكرى عابرة، أو نظرة، أو صوت بعيد. إنّه زمن داخلي، لا يعترف بالاحتفالات، ولا
يخضع للقرارات الرسمية.
وفي القصص القصيرة لـ تشيخوف،
يظهر هذا الدوران في أكثر أشكاله تواضعاً وقسوة. شخصياته تستقبل الأعوام الجديدة
كما تستقبل الشتاء: بمعاطف قديمة، وبأملٍ خافت لا تجرؤ على تسميته. لا ثورات
داخلية، ولا تحوّلات كبرى؛ فقط استمرار صامت، يفضح هشاشة الإنسان أمام مرور الوقت.
هنا، يصبح العام الجديد مرآةً تُظهر أن التغيير، إن حدث، فهو بطيء، مؤلم، وغالباً
غير مكتمل.
حتى في الرواية الواقعية عند فلوبير،
يبدو الزمن وكأنه يسخر من تطلعات البشر. إيما بوفاري تحلم دائماً ببداية أخرى،
بحياة جديدة، لكن الأعوام تمضي وهي تكرّر الخيبة نفسها. الجديد لا يحرّر، بل يعيد
إنتاج الوهم ذاته. وهكذا، يتحوّل مطلع العام في الأدب إلى اختبار قاسٍ: هل نغيّر
حياتنا فعلاً، أم نغيّر فقط طريقة سردها لأنفسنا؟
بهذه الأمثلة، يفضح الأدب
أسطورة البداية المطلقة، ويقترح بديلاً أكثر صدقاً: أن نفهم الزمن لا كطريقٍ نحو
الأمام، بل كدائرة نتعلّم فيها، ببطءٍ مؤلم، معنى أن نكون بشراً.
الوعد المؤجَّل — حين يكذب
العام الجديد
في الأدب، لا يظهر العام
الجديد بوصفه خلاصاً، بل بوصفه وعداً مؤجَّلاً، جملة جميلة لا تكتمل، وإشارة
طريق لا تؤدي إلى مكان. هنا تحديداً يقف أنطون تشيخوف وغوستاف فلوبير
ككاتبين كشفا، بهدوء قاتل وبسخرية دقيقة، هشاشة الإيمان بالبدايات. فالعالم عندهما
لا ينقلب مع تبدّل السنة، بل يواصل دورانه البطيء، كآلةٍ تعرف سلفاً أن الإنسان
سيصدّق الوهم مرة أخرى.
عند تشيخوف، لا تبدأ
الحياة من جديد، بل تستمرّ كما هي، وهذا هو الألم الحقيقي. في قصصه، يستقبل
الأبطال الأعوام الجديدة بأمنيات صغيرة، متواضعة إلى حدّ الحزن: وظيفة أفضل، حبّ
أكثر وضوحاً، حياة أقلّ ضيقاً. لكن شيئاً لا يحدث. الزمن يمضي، والآمال تبقى في
حالة انتظار دائم، كحقائب لم تُفتح أبداً. الجديد هنا ليس حدثاً، بل شعور مؤقّت
بالاحتمال سرعان ما يتبدّد. تشيخوف لا يسخر من شخصياته؛ هو يتركها تواجه الحقيقة
بصمت: أن الحياة لا تغيّر مسارها احتراماً للتقاويم.
أما فلوبير، فيتعامل
مع الوعد الجديد بسخرية أشدّ حدّة، أقرب إلى التشريح. في مدام بوفاري، تبدو
كل بداية وكأنها فرصة أخيرة، وكل عام قادم بوابةً لحياة أكثر امتلاءً، لكن إيما
تدخل الباب ذاته في كل مرة، متوهّمة أنه مختلف. الجديد هنا ليس إلا إعادة تسمية
للرغبة القديمة. فلوبير يكشف كيف تتحوّل فكرة “البدء من جديد” إلى آلية خداع
ذاتي، تُغذّي الوهم بدل أن تحرّر الإنسان منه.
اللافت في قراءة تشيخوف
وفلوبير معاً هو أن كليهما يرفضان الدراما الكبرى. لا انهيارات مفاجئة، ولا
تحوّلات مخلصّة . فقط تراكم بطيء للخيبة، يجعل العام الجديد مناسبةً لمراجعة الفشل
أكثر مما هو احتفال بالأمل. الوعد موجود، نعم، لكنه لا يتحقّق، لأنه مبنيّ على سوء
فهم عميق لطبيعة الزمن والإنسان.
وهكذا، يتحوّل مطلع العام في
أدبهما إلى مرآة أخلاقية قاسية: ليس السؤال ماذا سيأتي في السنة الجديدة، بل لماذا
نصرّ على الاعتقاد بأنها ستكون مختلفة، بينما نحن لم نتغيّر بعد. في هذا المعنى،
لا يكذب العام الجديد وحده؛ نحن من نعلّق عليه كذبتنا الأكثر أناقة..jpg)
المنافي والبدايات الناقصة —
حين يبدأ العام بعيداً عن البيت
في أدب المنفى، لا يحمل العام
الجديد طابع الاحتفال، بل طابع الجرح المتجدّد. فحين
يتبدّل الرقم على التقويم، لا يتبدّل المكان في القلب. يبدأ العام بعيداً عن
البيت، وتصبح البداية نفسها ناقصة، كجملة حُذفت منها الكلمة الأخيرة. هنا، لا
يُستقبل الزمن بالتهاني، بل بالذاكرة، ولا يُقاس بما سيأتي، بل بما تعذّر الرجوع
إليه.
عند محمود درويش، لا
يأتي العام الجديد بوصفه وعداً، بل بوصفه اختباراً للذاكرة. الزمن يتحرّك، لكن
الوطن ثابت في الغياب. في قصائده، تتجاور السنوات دون أن تُنهي المنفى، ويصبح مطلع
العام لحظة وعي حاد بأن التقدّم الزمني لا يعني الاقتراب من العودة. الجديد ليس
سوى صيغة أخرى للانتظار، انتظارٍ يتآكل ببطء لكنه لا يختفي. تبدأ السنة، لكن الجرح
لا يعترف بالبدايات.
أما
جوزيف برودسكي، فيكتب العام الجديد من موقع القطيعة. المنفى عنده ليس فقدان المكان فقط، بل فقدان الإيقاع الطبيعي للحياة. الاحتفالات تبدو اصطناعية، والتقاويم أجنبية، واللغة نفسها تحمل ثقل الغربة. في قصائده ورسائله، يتحوّل رأس السنة إلى طقس شخصي، يُقام في العزلة، حيث لا شيء يتغيّر سوى ازدياد المسافة بين الشاعر وما كان عليه. البداية هنا ليست ولادة، بل استمراراً للانفصال.
وفي تجارب روائية وشعرية أخرى
لأدباء المنفى، يصبح العام الجديد مناسبة لمساءلة فكرة التجذّر نفسها. كيف يبدأ
عام جديد لمن لا يملك أرضاً ثابتة يبدأ منها؟ كيف يُصدَّق الوعد، حين يكون الماضي
غير قابل للإغلاق؟ الأدب المنفي لا يرفض الأمل، لكنه يُنزله من عليائه، ويجعله
أكثر تواضعاً: أمل بالبقاء، لا بالتحقّق الكامل.
المشترك في هذه النصوص أن
العام الجديد لا يُلغِي ما سبقه، بل يضيف إليه طبقة أخرى من الغياب. الزمن يتقدّم،
نعم، لكن الذات تبقى معلّقة بين ما كان وما لا يمكن أن يكون. وهكذا، تتحوّل
البداية إلى فعل مقاومة صامت: أن تستمرّ في الكتابة، في التذكّر، في تسمية الأشياء
بأسمائها، حتى لو بدأ العام دائماً من مكانٍ ليس بيتك.
الأعوام بعد الكارثة — حين
يبدأ التاريخ من جرح
بعد الحروب، والثورات،
والانهيارات الكبرى، لا يأتي العام الجديد خفيفاً كما في المخيّلة الشعبية. إنّه
يصل مثقلاً، محاطاً بأسئلة لم تجد بعد لغةً كافية. في الأدب الذي يُكتب بعد
الكارثة، لا يكون مطلع السنة إعلاناً عن صفحة جديدة، بل استمراراً للتاريخ
بوسائل أخرى. التقويم يتبدّل، لكن
الندبة تبقى، وتفرض إيقاعها على كل بداية.
في أدب ما بعد الحرب العالمية
الأولى، بدا العام الجديد وكأنه فضاء مكسور. لدى كتّاب مثل إرنست همنغواي أو
إريش ماريا ريمارك، لا تحمل السنوات اللاحقة وعد الشفاء، بل تعرّي هشاشة
الإنسان أمام العنف المنظّم. الجنود العائدون يستقبلون الأعوام الجديدة بأجساد
نجت، لكن بأرواح لم تعد تثق في فكرة المستقبل. الجديد هنا ليس أملاً، بل اختباراً
لقدرة الذاكرة على الاحتمال.
وفي سياقات ما بعد الثورات أو
الهزائم السياسية، يظهر العام الجديد بوصفه سؤالاً أخلاقياً . أن الأدب
العربي، في محطّات كثيرة، كتب الزمن القادم بمداد الشكّ: ماذا يعني أن يبدأ عام
جديد فيما العدالة مؤجَّلة، والضحايا بلا أسماء؟ في هذه النصوص، لا يُحتفى بالرقم
الجديد، بل يُساءل: هل التغيير زمني أم بنيوي؟ هل تكفي بداية سنة كي تُغلق فصلاً
من القمع أو الفقد؟
في أدب أمريكا اللاتينية
أيضاً، حيث الانقلابات والديكتاتوريات شكّلت خلفية طويلة، يتحوّل مطلع العام إلى
لحظة توتّر. الروايات والقصائد لا تثق بالبدايات المعلنة، لأن التاريخ علّمها أن
الأنظمة تتغيّر أسرع من البشر، وأن التقويم قد يتقدّم بينما البنية العميقة للعنف
تبقى. الجديد هنا لفظٌ رسمي، لا حقيقة معيشة.
ما يجمع هذه التجارب هو إدراك
عميق بأن العام الجديد لا يُلغي ما سبقه. الأدب،
بوصفه ذاكرة مضادّة للنسيان، يرفض فكرة المسح الكامل، ويصرّ على التذكير بأن العدّ
الزمني لا يعادل العدالة. بعد الكارثة، تصبح البداية الحقيقية عملاً شاقّاً،
يتطلّب إعادة بناء اللغة قبل إعادة بناء العالم.
وهكذا، يعلّمنا الأدب أن
الأعوام التي تلي الجراح الكبرى لا تبدأ فعلاً عند منتصف الليل، بل عندما يصبح
الألم قابلاً للسرد، وعندما تتحوّل الذاكرة من عبءٍ صامت إلى معنى يُقاوِم التكرار.
الكتابة كبداية دائمة —
الصفحة البيضاء بوصفها رأس السنة
إذا كان العام الجديد، في
الأدب، موضع شكّ دائم، فإن الكتابة وحدها تمنحه شرعيته. فالكاتب لا ينتظر تبدّل
الأرقام ليبدأ؛ هو يبدأ حين يضع الكلمة الأولى، كمن يفتح نافذة في جدار الزمن.
الصفحة البيضاء هي رأس السنة الحقيقي، لا تحمل وعداً بالفرح، بل تحدّي الاحتمال: أن تقول شيئاً رغم معرفتك المسبقة بعدم
اكتماله.
في دفاتر الكتّاب، وفي
يوميّاتهم ورسائلهم، تتكرّر فكرة البدء لا بوصفه حدثاً زمنياً، بل فعلاً أخلاقياً.
أن تكتب يعني أن تعترف بأن ما سبق لم يكن كافياً، وبأن الصمت لم يعد صالحاً. لهذا،
تبدو كل جملة جديدة امتداداً لبداية قديمة، لا قطيعة معها. الكتابة لا تمحو
السنوات الماضية؛ هي تعيد ترتيبها، تمنحها شكلاً قابلاً للعيش.
كثير من الأدباء شبّهوا فعل
الكتابة بإعادة الولادة، لكن هذه الولادة ليست بريئة ولا كاملة. هي ولادة واعية
بالخسارة. الكاتب يبدأ وهو يعرف أن النص لن ينقذه تماماً، وأن العام الجديد لن
يغيّر العالم، ومع ذلك يكتب. في هذا الإصرار، يكمن المعنى الأعمق للبداية: ليست
وعداً بالخلاص، بل مقاومة للاستسلام.
الكتابة أيضاً تعيد تعريف
الزمن. داخل النص، يمكن للعام أن يبدأ في منتصف جملة، أو في ذكرى بعيدة، أو في
مشهد يبدو عابراً. لا سلطة للتقويم هنا؛ السلطة للمعنى. ولهذا، يشعر القارئ
أحياناً أن الرواية أو القصيدة تمنحه بداية لم يعرف أنه يحتاجها، حتى لو قرأها في
منتصف العام.
وهكذا، يصبح الأدب مساحة حرّة
لإعادة اختراع البدايات. كل نصّ هو محاولة، وكل محاولة رأس سنة صغيرة، خاصة، لا
تُحتفل بها بالضجيج، بل بالصبر. في هذا المعنى، لا ينتهي العام في الأدب، ولا يبدأ
مرة واحدة؛ إنه يُكتب، سطراً بعد سطر، بيدٍ تعرف أن الفشل ممكن، وأن
الاستمرار ضرورة.
أخلاقيّة البدء — أن نمنح
الزمن معنى
في الأدب، لا يُختَتم العام
الجديد بتهنئة، بل بسؤال. فكل ما تعلّمناه من هذه الرحلة عبر الزمن واللغة هو أن
البداية ليست لحظة نقيّة، ولا وعداً مضموناً، بل مسؤوليّة. الأدب لا يعلّمنا كيف نحتفل بالعام
الجديد، بل كيف نحتمله: كيف نحمله معنا دون أن نسقط تحت ثقله، وكيف نسمح له أن
يمرّ بنا دون أن يمرّ فوقنا.
لقد كشف لنا الكتّاب، من
تشيخوف إلى درويش، ومن فلوبير إلى برودسكي، أن الزمن لا يتغيّر لأننا سمّيناه
جديداً، بل لأننا غيّرنا علاقتنا به. الأعوام تتشابه، نعم، لكن المعنى ليس رقماً
متسلسلاً؛ هو أثر، وتحوّل بطيء، ووعي يتشكّل على مهل. الجديد الحقيقي لا يحدث في
التقويم، بل في النظرة التي نلقيها على ما تبقّى.
وهكذا، تصبح أخلاقيّة البدء
هي أن نبدأ دون أوهام، دون صخب، ودون ادّعاء القطيعة الكاملة مع الماضي. أن نبدأ
ونحن نعرف أن الخسارة جزء من الطريق، وأن الأمل، إن كان صادقاً، سيكون هادئاً،
متواضعاً، وقابلاً للكسر. الأدب لا يمنحنا خلاصاً جاهزاً، لكنه يمنحنا ما هو أثمن: لغةً نعيش بها داخل الزمن، لا خارجه.
وفي هذا المعنى، لا يأتي
العام الجديد ليعدنا بحياة أخرى، بل ليذكّرنا بأن الحياة نفسها قابلة لإعادة
السرد. وكلما أعدنا سردها بصدق، صار البدء ممكناً — لا مرة واحدة في السنة، بل
كلما امتلكنا الشجاعة لنكتب الجملة الأولى من جديد.
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
تعليقات
إرسال تعليق