دُنى طالب غالي من البصرة الى كوبنهاغن : الأدب بين المنفى والوطن

 

 

دُنى طالب

 

هل يمكن للكتابة أن تعيد الإنسان إلى وطنه حتى وهو بعيد عنه؟

دُنى طالب غالي: بين ذكريات بغداد والبصرة، والكتابة في المنفى تتشكل روحها الأدبية.

روايات وشعر دُنى غالي: تأملات في الحرب، والاغتراب، والهوية الإنسانية.

بين الجنوب والشمال، بين الوطن والمنفى، الأدب يصبح مأوى للذاكرة.


#DunaGhali #IraqiLiterature #ExileFiction #IraqiPoetry #MigrationAndIdentity #DiasporaWriting


ليست دنى طالب غالي مجرد امرأة غادرت البصرة إلى الشمال البعيد؛ إنها كاتبة حملت جغرافيتها في اللغة، وحوّلت المنفى من مسافةٍ مكانية إلى سؤالٍ وجودي. في كتاباتها لا يكون الوطن خريطةً، بل رائحةً تستيقظ فجأة، وصوتًا داخليًا لا يكفّ عن طرق الذاكرة. هي ابنة البصرة التي تعلّمت في مدارسها وتخرّجت في كلية الزراعة بجامعتها، لكنها زرعت لاحقًا حدائق أخرى: حدائق من كلمات، تنمو بين العربية والدنماركية، بين الجنوب والثلج.

منذ أن غادرت العراق بعد حرب الخليج الثانية واستقرّت في كوبنهاغن عام 1992، لم تنقطع عن السؤال عن المعنى: معنى الفقد، ومعنى البقاء، ومعنى أن تكون امرأةً عراقية تكتب ضدّ النسيان. في رواياتها، من النقطة الأبعد (2000) إلى عندما تستيقظ الرائحة (2006)، مرورًا بـ منازل الوحشة  (2013)  وبطنها المأوى (2017) و جنوب (2022)، تتجسّد الشخصيات بوصفها مرايا لخراب الحروب وأسئلتها الثقيلة، خصوصًا أثر حربي الخليج في الجسد الاجتماعي والأنثوي العراقي.

أما في القصة والشعر والترجمة، فقد وسّعت أفق التجربة: من حرب نامة (1998) إلى حديقة بعطر رجل (2008)، و السأم يتلون (2009)، ولا تقصصي القصص يوم الأربعاء (2016)، وصولًا إلى شراع واقف في عين الهواء (2022). وفي عملها الترجمي، فتحت نوافذ متبادلة بين الثقافتين العربية والدنماركية، مؤكدة أن الأدب ليس وطنًا بديلًا، بل مساحة عبور.

دنى غالي تكتب كما لو أنها تستنقذ الذاكرة من الغرق؛ تمنح المنفى لغةً، وتمنح الحنين شكلًا سرديًا. في نصوصها، لا يكون السؤال: أين الوطن؟ بل: كيف نحمله فينا دون أن نحترق به؟

في حوارات دنى طالب غالي لا نسمع صوت كاتبة تروي سيرة، بل عقلًا يفكك العالم بحذر، وقلبًا يخشى المبالغة في البوح. ليست رؤيتها عاطفية بالمعنى السهل، ولا أيديولوجية بالمعنى الصاخب؛ إنها رؤية تقوم على المسافة: مسافة بين الذات وذكرياتها، بين الوطن وصورته، بين الحنين وضرورته، بين الكتابة ووهم دورها الخلاصي.

لا تتحدث عن العراق بوصفه شوقًا فقط، بل بوصفه دولة غائبة. تقول إن الإنسان تمثله دولته، وإن غياب الكيان القوي ينعكس على الكاتب بوصفه إحساسًا بالمطاردة. هنا لا تنظر إلى المنفى كحالة رومانسية، بل كفراغ مؤسسي: الكاتب يحتاج إلى مؤسسة تحميه ليستمر. الوطن عندها ليس استعارة شعرية، بل شرط أمان. لذلك يرتبط الشعور بالغربة لديها بفقدان السند السياسي، لا فقط بالحنين المكاني.

وعلى خلاف كثير من أدب المنفى، تعلن خوفها من كلمات مثل الذكريات والنوستالجيا. تعتبر الحنين طاقة مزدوجة:

  • قد يشعل قصيدة.
  • وقد يضعف العزيمة إن تُرك بلا ضابط.

هي لا تنكر الحنين، لكنها تقاوم سطوته. حتى حين تتحدث عن رائحة في أبوظبي أيقظت الحواس، تعود لتؤكد ضرورة التخلص من المشاعر الخاصة أثناء الكتابة. الحنين عندها ليس فضيلة مطلقة، بل خطر يجب ترويضه.

لا تؤمن دنى طالب غالي بدور بطولي للكتابة. تسخر أحيانًا من فكرة أن الأدب قادر على إنقاذ العالم. تصفه بأنه نوع من علاج مقترح. ترى الهوة واسعة بين المثقف والعامة في مجتمعاتنا، وترفض تحميل الكتابة أكثر مما تحتمل. لكنها في الوقت نفسه تؤمن بحاجة المجتمعات إلى من يثير الأسئلة ويزعزع المسلمات.

إذن موقفها مركب:

  • لا خلاص سحري.
  • لكن لا جدوى من الصمت.

حين تتحدث دنى طالب غالى عن المشهد النسوي العراقي، تضع يدها على نقطة حساسة: الرواية تحتاج جرأة، وأحيانًا قلة أدب. ترى أن الضغوط الاجتماعية والسياسية والدينية تدفع المرأة إلى التراجع. الحرية العددية (ازدياد الكاتبات) لا تعني حرية فعلية في القول. هي تنظر إلى الكتابة بوصفها فعل مقاومة صامتة، لا شعارًا.

لا تحب دنى طالب غالي تصنيف رواية منفى، لكنها تعترف بأن المسافة تمنحها قدرة على التأمل. وفي منازل الوحشة كتبت عن امرأة داخل العراق، وكأنها تتحدى فكرة أن المنفى هو قدرها السردي الوحيد.
المنفى عندها ليس موضوعًا، بل زاوية رؤية.

حين تناقش فكرة أن الرواية جغرافيا، تؤكد دنى غالي أنها لا تستقر في مكان أثناء الكتابة. تبدأ في مكان وتنتهي في آخر.الرواية عندها:
جغرافيا + تاريخ + اجتماع + نفس + سياسة + خيال.
إنها ترى الكتابة كعملية اكتشاف لما تجهله، قوة تجرفها أحيانًا إلى مناطق لم تخطط لها.

تجربتها في الترجمة، خاصة أعمال هانس كريستيان أندرسون  Hans Christian Andersen، جعلتها تميل إلى الحذف. الجملة يجب أن تكون في مكانها، وإلا تُحذف.هذا يفسر توترها الدائم تجاه الدقة. الكتابة عندها ليست اندفاعًا فقط، بل مسؤولية أخلاقية تجاه النص.

خلاصة رؤيتها

  • لا تؤمن بالوطن كصورة مثالية، بل كشرط عدالة.
  • لا تؤمن بالحنين كقيمة مطلقة، بل كقوة يجب ضبطها.
  • لا تؤمن بالكتابة كخلاص، بل كمحاولة مقاومة للانهيار الداخلي.
  • لا تؤمن بالتصنيفات الجاهزة (منفى/نسوي/عراقي)، بل بالمسافة والتأمل.

إنها تنظر إلى العالم بعينٍ متشككة، لكنها لا تكف عن الكتابة.
تكتب لا لأنها واثقة من جدوى الأدب، بل لأنها لا تملك خيارًا آخر.

القصص القصيرة : طوابق في عمارة الذاكرة

في عالم دنى طالب غالي لا تبدو القصة القصيرة حكاية تُروى بقدر ما هي مسافة تُعاش. هي لا تكتب نصوصًا قصصية بالمعنى التقليدي الذي يركّز على الحدث وتطوره، بل تكتب حالات اجتماعية ونفسية تتجسّد في هيئة حكايات معاصرة، تنبثق من مؤسسات المدينة الحديثة وتتشابك مع قلق الفرد داخلها. شخصياتها لا تتحرك لتنجز فعلاً محددًا، بل تتحرك لأنها تبحث عن معنى وجودها في فضاء مضطرب، وكأنها تمشي على أرض رخوة بين ذاكرة لم تهدأ ومدينة لا تمنح يقينًا.

المدينة في قصصها ليست مكانًا جغرافيًا فحسب، بل طاقة كامنة تفرض لغتها على الشخصيات. حتى حين تدور الأحداث في فضاء ريفي أو في هامش بعيد، تبقى المدينة حاضرة بوصفها مرجعًا ضاغطًا، لغةً مؤسساتية خفية، ونظامًا من القوانين غير المرئية التي تشكّل وعي الأبطال. إنهم يعيشون في مدينة الشك والمطاردة، حيث العبور ليس انتقالًا مكانيًا فحسب، بل تجربة وجودية تُعيد تعريف الذات في كل مرة. لذلك تبدو الشخصيات وكأنها تحمل أعينًا بشرية وأقدامًا شبحية؛ ترى بوضوح لكنها تسير بحذر، وتتعلم كيف تنجو دون أن تفقد قدرتها على التساؤل.

يبدأ عالم دنى طالب غالي غالبًا من حياة نصف مفتّتة. هناك دائمًا ورقة بيضاء، أو ملف لجوء، أو ذاكرة محفوظة في درج قديم. الأنا مركزية، لكن مركزيتها ليست نرجسية، بل دفاعية؛ كأن الذات تحتمي بصوتها كي لا تذوب في صخب المدن. الشخصيات لا تنظر كثيرًا إلى الخلف، ليس لأنها بلا ماضٍ، بل لأن الماضي يتسلل إليها دون حاجة إلى التفات. حياتها محطات قطار، انتقال من مدينة شاحبة إلى أخرى أكثر إضاءة، لكن الضوء لا يلغي العتمة، بل يكشف ظلها. كل مدينة جديدة تحمل في داخلها شبح المدينة الأولى، كأن العتمة والضوء متجاوران في الوعي.

البصرة، حتى حين لا تُذكر صراحة، تبقى المدينة الرحمية التي تتوالد منها بقية الأمكنة. هي الجملة الأولى التي تتفرع عنها الجمل اللاحقة، والماء الذي يتسرّب في الصور مهما تبدلت المشاهد. ماء المدّ والجزر، ماء اللغة الذاتية، ماء الذاكرة. لذلك تتكرر مفردات العبور: الجسر، والمركب، والعربة، والقطار، والطائرة، والحقيبة. ليست هذه رموزًا جاهزة، بل أدوات لقياس المسافة بين “هنا” و“هناك”. غير أن المسافة في نصوصها ليست هندسية، لا تُقاس بالأمتار، بل بالتوتر الداخلي. قد تكون الشخصية في كوبنهاغن، لكنها تستدعي البصرة، أو العكس. الزمن دائري، والعبور لا ينتهي عند نقطة وصول، بل يعيد فتح سؤال البداية.

حين نقرأ مقطعًا مثل: "عربة تجرها أحصنة جامحة تنطلق بي في طريق داخل المنظر الطبيعي في اللوحة الضخمة حائلة اللون فوق رأسي…" ندرك أن اللغة نفسها تتحول إلى حركة. أن الأحصنة والطريق الملتوي والحوافر التي تنهب الأرض، كلها مفردات حكاية لا مفردات حدث. السرد هنا ليس نقلًا لواقعة، بل انغماس في تيار وعي شعري، حيث الصورة تسبق الفعل، واللغة تخلق واقعها الخاص. هذا ما يجعل قصصها أقرب إلى نثر محمّل بطاقة الشعر، لا يفصل بين السرد والغنائية، بل يجعلهما نسيجًا واحدًا.

لا تؤلف دنى طالب غالي رواية على أفعال الشخصيات، بل تؤلف شخصيات على نسق السرد. إنها تعتمد ما يمكن تسميته الكلام المسرود لا الكلام الحدث. الحدث عندها ليس غاية، بل ذريعة لفتح فضاء أوسع من التأمل. كل قصة تحتوي، ضمنًا، على بنية تحقيق: ثمة سؤال، وثمة بحث عن إجابة، حتى لو لم تُعلن الجريمة أو المحقق صراحة. التحقيق هنا هو سعة الكلام، تنوع الخطاب، وتعدد الزوايا التي يُرى منها العالم. لذلك لا تنتهي الحكاية بحسم قاطع، بل تبقى مفتوحة على احتمالات، كأنها تترك للقارئ مهمة استكمال المعنى.

في قصة فن طي الروح تتكثف هذه الرؤية. اليد تطوي الورقة قطريًا وطوليًا، تشكّل منها مركبًا أو طيرًا، ثم تعود الورقة بيضاء تنتظر تشكيلًا جديدًا. المسافة بين اليد والعين، بين العين والمرآة، هي نفسها المسافة بين الذات والعالم. الورقة تتحول إلى استعارة للحياة؛ كل تشكيل مؤقت، وكل صورة قابلة للزوال. ومع ذلك يستمر الطيّ، يستمر اللعب الجادّ، لأن السرد فعل مقاومة ضد الفراغ.

قصصها غالبًا ما تدور بين شخصيتين، ما يمنحها طابعًا حميميًا. الحوار ليس مجرد تبادل كلام، بل صراع بين ذاتين منشطرتين، مبتدأ وخبر في جملة واحدة. المسافة الشخصية هي المجال الحيوي الذي تتحرك فيه الرغبة والقلق. نادرًا ما نجد مسافة واسعة؛ الاهتمام منصبّ على الفرد في مواجهته المباشرة مع الآخر، سواء كان هذا الآخر حبيبًا أو محققًا أو مدينة كاملة. الضمائر تتداخل، والصوت السارد يتلبس أصوات شخصياته، حتى يصعب الفصل بين الذات الكاتبة والذات المتخيلة.

في زيت منتهى الصلاحية تتجسد ثيمة العبور بوضوح. سيرة تمتد مئات الكيلومترات تختزل في ورقة تُقلب على طاولة محقق. الحياة تتحول إلى ملف، والذاكرة إلى وثيقة قابلة للمحو وإعادة الكتابة. هنا يصبح الرمز أداة انتقال من مسرود إلى آخر؛ تمثال في متحف قد يضيء طريق الرحلة، وذكرى قديمة قد توازي تحقيقًا معاصرًا. البصرة وكوبنهاغن تتشابهان في آليات الاستجواب، وكأن القمع لغة عالمية، لكن اللغة السردية تبقى مساحة للنجاة.

ثيمة العبور ليست مجرد انتقال جغرافي، بل تحوّل في الكائن الحاكي. العبور من الصمت إلى الكلام، من الذات المغلقة إلى الذات المنفتحة، من الخوف إلى الرغبة. لذلك تبدو قصصها كأنها تبحث عن يوتوبيا واقعية، لا جنة متخيلة، بل مكان يمنح الكائن حقه في الحركة والتعبير. ومع كل عبور، تتبدل اللغة قليلًا، تقتصد أكثر، تركز شعوريًا، كأنها تخشى الانهيار تحت وطأة الماضي.

في النهاية، لا يمكن قراءة منجز دنى غالي بوصفه مجرد سرد لرحلات منفى أو حكايات نسوية. إنه مشروع في تمثيل العالم عبر مسافة قلقة، حيث المدينة ظلٌّ ومرآة، والعبور قدرٌ لا ينتهي، واللغة ملجأ أخير. قصصها عمارة شعبية من طبقات الذاكرة، تزيّنها بألوان الطفولة ومنغصات الحياة، وتضع القارئ في موقع من يستعير مفرداتها ليعيد كتابة حكايته الخاصة. وربما لهذا تبقى رؤيتها مفتوحة؛ لا تدّعي اكتمالًا، بل تكتفي بأن تواصل الحكي، لأن من يتكلم يعيش، ومن يتوقف عن الكلام يترك المدينة لظلها.

الرواية بوصفها سردًا للمنفى والجنوب والذاكرة

تكتب دُنى طالب غالي روايتها كما لو أنها تعيد ترتيب شظايا حياة لا تقبل الترتيب. ليست الحكاية عندها خطاً مستقيماً يبدأ بحدث وينتهي بخاتمة، بل هي ارتباك وجودي يتجلّى في اللغة والبناء والشخصيات. ومن يقرأ منجزها الروائي، ولا سيما في بطنها المأوى وجنوب، يدرك أن ثمة مشروعاً سردياً واضح المعالم، وإن بدا في ظاهره متشظياً: مشروع يبحث عن معنى الإنسان حين يُقتلع من أرضه، وحين تصبح الذاكرة عبئاً لا يمكن التخلص منه ولا يمكن احتماله كاملاً.

الموضوع المركزي في رواياتها هو المنفى، لكن المنفى عندها ليس حدثاً جغرافياً فحسب، بل حالة أنطولوجية. هو انقطاع عن المعنى، عن الامتداد الطبيعي للحياة، عن السياق الذي يمنح الأشياء تفسيرها. في بطنها المأوى يظهر المنفى بوصفه متاهة سردية تعكس متاهة الوجود. عامر ومريم لا يعيشان زمناً متصلاً؛ الزمن عندهما مقطّع، يتداخل فيه الماضي بالحاضر، وتقتحم الذاكرة المشهد دون إنذار. البناء نفسه يعكس هذا التمزق، إذ ينقسم العمل إلى متن وهامش، وكأن الكاتبة تقول إن الحياة في المنفى لا يمكن أن تُفهم من دون العودة إلى ما هو مُقصى أو مُهمّش، أي إلى التاريخ الذي صنع هذه الهجرة القسرية.

أما في جنوب فإن المنفى يتخذ بعداً أكثر اتساعاً، إذ لا يقتصر على شخصيتين بل يتسع ليشمل جماعة من الأصدقاء الذين خرجوا من العراق إلى الشمال الأوروبي. الجنوب هنا ليس مجرد اتجاه جغرافي، بل رمز لعالم مثقل بالعنف والحروب والغياب. الشمال، في المقابل، ليس فردوساً. هو مكان إقامة لا مكان انتماء. الشخصيات تتحرك بين السويد والدنمارك والإمارات والكويت والبصرة، لكنها لا تستقر في أي منها. البلدان في هذا العالم ليست أوطاناً، بل محطات مؤقتة، بينما الوطن الحقيقي يتحول إلى ذاكرة مؤلمة لا يمكن محوها.

الشخصيات في روايات دُنى طالب غالي ليست بطولية، ولا تقدم نفسها بوصفها نماذج أخلاقية صلبة. هي شخصيات قلقة، ومترددة، ومأزومة، تبحث عن معنى أكثر مما تبحث عن انتصار. في بطنها المأوى نرى عامر شخصية منكسرة، يشعر بأنه قشة تتقاذفها المياه. لا يمتلك يقيناً سياسياً ولا عاطفياً، بل يعيش حالة تذبذب دائم بين الرغبة في النسيان والعجز عن تحقيقه. مريم بدورها شخصية معقدة، تمارس نوعاً من القسوة الدفاعية، وتخفي ضعفها خلف خطاب متعالٍ تجاه اللاجئين الآخرين. كلاهما يحمل إرث آباء عاشوا السجون والقمع والنضال اليساري، لكنهما لم يعيشا تلك التجارب مباشرة. ومع ذلك، يبدوان مثقلين بها كما لو كانت ذاكرتهما الخاصة. هنا تكمن إحدى أهم أفكار الكاتبة: التاريخ لا ينتهي بانتهاء الحدث، بل يستمر كأثر نفسي ينتقل بين الأجيال.

في جنوب تتكاثر الشخصيات، لكن القلق ذاته يظل حاضراً. حسام وفاضل ووائل ليسوا أبطالاً ملحميين، بل أفراداً عاديين حاولوا النجاة. اللقاء الذي يخططون له في المنفى يتحول إلى لحظة مأساوية حين يموت فاضل في الغيبوبة، ويعود إلى البصرة جثة. هذه النهاية ليست مجرد حدث درامي، بل تكثيف لرؤية الرواية كلها: الهروب من الموت لا يعني الإفلات منه، والمنفى لا يمنح حصانة من المصير. الموت، كما الجنوب، يظل نقطة العودة الأخيرة.

من حيث اللغة، تميل دُنى طالب غالي إلى كتابة مكثفة، متوترة، تتراوح بين السرد التأملي والبوح الداخلي. ليست لغتها زخرفية، لكنها مشبعة بحمولة نفسية واضحة. في بطنها المأوى تتكثف الجمل لتعبّر عن شعور بالاختناق، كما لو أن اللغة نفسها تبحث عن مأوى. التقطيع الزمني يوازي تقطيع الجملة أحياناً، فيخلق إيقاعاً متكسراً يعكس تمزق الشخصيات. أما في جنوب فتتسع اللغة قليلاً لتستوعب حكايات متعددة، ومفكرة والد وائل تضيف بعداً توثيقياً هادئاً، يكاد يقترب من اليوميات، لكنه يظل مشحوناً بشعور الفقد.

تتعامل الكاتبة مع السياسة بوصفها خلفية حاضرة لا شعاراً مباشراً. لا نجد خطاباً أيديولوجياً صريحاً، بل نرى آثار السياسة في مصائر الأفراد. أن السجون والحروب والانتفاضات والحصار، كلها تظهر من خلال انعكاسها على الحياة اليومية. في بطنها المأوى يصبح تاريخ اليسار العراقي جزءاً من تفسير هشاشة الأبناء، وفي جنوب يتحول العنف التاريخي إلى ذاكرة جمعية تطارد الشخصيات في المنفى.

العلاقة بالمكان في رواياتها علاقة عاطفية معقدة. البصرة ليست مجرد مدينة، بل أصل الحكاية. حتى حين تنتقل الأحداث إلى أوروبا، يظل الجنوب حاضراً كظل ثقيل. المكان الأوروبي يوصف غالباً ببرودة محايدة، كأنه فضاء إداري منظم لكنه خالٍ من الدفء. هذا التباين لا يُقدَّم في صيغة تبسيطية، بل بوصفه مأزقاً: الجنوب مؤلم لكنه حيّ، والشمال آمن لكنه بارد.

ثمة أيضاً حضور واضح لفكرة الانتظار. انتظار الإقامة في بطنها المأوى، وانتظار اللقاء في جنوب، وانتظار العودة أو الموت. الزمن ليس حركة تقدم بقدر ما هو حالة ترقّب دائم. هذا الانتظار يرسّخ الإحساس بأن الشخصيات معلّقة بين ماضٍ لا ينتهي ومستقبل لا يبدأ.

في المجمل، يمكن القول إن روايات دُنى طالب غالي تكتب سيرة جيل عاش التحولات الكبرى في العراق ثم وجد نفسه موزعاً على خرائط متعددة. لكنها لا تكتفي بسرد الوقائع، بل تحاول أن تلتقط الأثر النفسي العميق لهذه التحولات. عالمها الروائي ليس صاخباً بالأحداث الكبرى، بل مشغول بما تفعله تلك الأحداث في الداخل الإنساني. في بطنها المأوى تتجسد التراجيديا في تشظي الذات بين متن وهامش، بين حاضر أوروبي مضطرب وماضٍ عراقي دامٍ. وفي جنوب تتجسد في الحركة الدائرية بين الشمال والجنوب، حيث لا يتحقق الخلاص الكامل في أي منهما. وبين العملين تتضح ملامح رؤية سردية ثابتة: الإنسان المنفي يظل يبحث عن معنى، حتى لو كان هذا المعنى مجرد قدرة على تذكّر ما فقده.

بهذا المعنى، لا تكتب دُنى طالب غالي عن المنفى فقط، بل عن السؤال الأكبر: ماذا يبقى من الإنسان حين يتغير المكان ويبقى الجرح؟

الشعر عند دُنى غالي: سيولة المعنى وقلق الكائن في زمنٍ بلا مراسٍ

إذا كانت دُنى غالي في الرواية تكتب عن المنفى بوصفه قدراً تاريخياً، فإنها في الشعر تكتبه بوصفه حالة داخلية مستمرة. القصيدة عندها ليست مساحة اعتراف مباشر، ولا منبراً خطابياً، بل حقل توتر تتجاور فيه الصور والمشاهد والذكريات والأصوات دون أن تخضع دائماً لمنطق سببي واضح. إنها كتابة تنبع من قلق عميق، قلق يطالب بالمزيد، كما تقول:

حين يتمادى يودُّ الذّهاب إلى أبعد
أضيّع البوصلة عن عمد، أهمِل التدقيق والرّصد
لستُ في مكاني، لا أسمع كلَّ ما يُقال من حولي
وعيني مطموسة في الأفق عبر النافذة
لنصعدَ إلى أعلى قليلاً، القلق يطالبُ بالمزيد
ربّما لم تَعُدِ الأشياء تثير فينا شيئاً.

هذا القلق ليس انفعالاً صارخاً، بل توتر منخفض النبرة، يتسلل بين السطور. الشعر عندها يتجنب الصراخ، ويضبط العاطفة، كأن المشاعر موضوعة تحت رقابة داخلية صارمة. حتى حين تمرّ لحظة حزن أو انكسار، فإنها تُقال بهدوء شفيف، كما في هذا التكثيف المدهش:

العُمر
يمرّ تحت الّلحاف
مكمّم الفمّ مثل وردة.

اللغة هنا لا تنفجر، بل تنكمش. الزمن لا يُعلن حضوره عبر المأساة، بل عبر صورة منزلية حميمة، ومع ذلك تختزن الصورة هشاشة عميقة.

من السمات اللافتة في شعر دُنى طالب غالي ما يمكن تسميته بسيولة السرد الشعري. القصيدة لا تسير دائماً في خط مستقيم، بل تتنقل بين مشاهد وأزمنة وأمكنة بسرعة خاطفة. في مقطع مثل:

اللحظةُ التي سرَقَتْني عَينا الطِّفلِ، مَرَّت الحافلةُ المُرتقبة.
في اللحظة التي كنتُ أتتبّعُ فيها آثارَ الغُراب على الثلجِ، صَعَد جِدارٌ،
وحالَ دونَ رؤيةِ الغابة.
كَبِرَ الطفلُ، والطريقُ صارَ مَمرّاً ضيقاً كاختيار.
بين التعالي والانسحاق يموجُ تحت السّطحِ الهادئ ذلك الصخَب
من جديد.
فرَحٌ يشوبه الحزن الذي أعرف مبعثَه، يندسُّ أليفاً بين ثقل ملابسي
والروح التي هفّت لذلك الوَهج البعيد خلف العمارات أقصى المدى
حزمة من ضوء خاطف يشطرني مثل فأس حادّ...

نجد أنفسنا أمام انتقالات سريعة: طفل، حافلة، غراب، جدار، غابة، طريق، ضوء. لا توجد عتبات واضحة بين هذه الصور، لكنها تتماسك بفعل إحساس داخلي خفيّ. المشهد يتشكل كلوحات متجاورة، لا كحكاية تقليدية. إننا أمام شعر يكتب العالم كما يُعاش في لحظته المعاصرة: متداخلاً، متشظياً، سريع الإيقاع.

في نصوص أخرى يتعزز هذا الإحساس بالانتقال المفاجئ بين المرجعيات التاريخية واليومية، بين الأسطورة والواقع المعاش. تقول في أحد المقاطع:

إنانا ترمي الكأس بنَزَق
هيئة تذوّق البيرة السومريّة
ترفض أن تقرّ بجودتها
الجوقة تُرتّل حصاد الشعير: هذا العام جافّ
العطش! حنانكِ أيّتها الربّة
قداسة جلالة الملك، البنك المعظّم لا يمنحني حقّ الخطأ لأكثر من
ثلاث مرّات مُتتالية
نسيتُ رقم سحب الفيزا حين الدفع في السوبر ماركت
يُغلِق الحساب، وتختزل الأمكنة واللّغة
المراوحة، من خلف الشاشات
لكنّ كلَّ شيء ما زال فاخراً
حتّى أنت
رائحة الحطب عالقة بي. أجل.

إنانا، البنك، بطاقة الفيزا، السوبر ماركت، الشاشات. التاريخ السومري يلتقي بالاقتصاد المعاصر، والأسطورة تتجاور مع التفاصيل الاستهلاكية اليومية. هذا التداخل ليس عبثاً، بل تعبير عن وعي يعيش في زمن تختلط فيه الطبقات الثقافية والمرجعيات. لا تفصل الشاعرة بين المقدس واليومي، وبين الميثولوجي والرقمي، بل تضعها في تدفق واحد. القصيدة هنا أشبه بقناة تمرّ فيها كل الأصوات دفعة واحدة.

هذا الأسلوب قد يرهق القارئ، لأنه لا يمنحه استقراراً طويلاً على معنى واحد. ما إن يبدأ في الإمساك بصورة حتى تجرفه أخرى. لكن هذا الإرهاق جزء من التجربة الجمالية نفسها. فالعالم الذي تكتبه دُنى غالي ليس عالماً مستقراً، بل عالماً سائلاً، سريع التحول، تختزل فيه الأمكنة واللغة "من خلف الشاشات"، كما تقول.

ومع هذا التدفق، تظل هناك حساسية عالية تجاه التفاصيل الصغيرة، تجاه الأشياء المنزلية التي تتحول إلى شواهد على علاقة أو فراق أو زمن مشترك. تقول:

ملابس مصنّفة كانت ستذهب إلى سلّة الغسيل
وأُخرى إلى جمعيّة خيريّة
جرائد وإعلانات في أكوام
العدل يأخذ مجراه...
المكواة، النقّال، غسّالة الصحون، أسطوانات قديمة
ماكينة حِلاقة مُشترَكة
نقسّمها نصفين
ونقتسم الأمواس
وما حزّ في اللحم
أصوات إلكترونيّة ينحف صفيرها مودّعة
أشياء أخرى كثيرة هنا في البيت
مثلي ـ
لا تملك القرار
تعلن بهدوء حدادَها.

الأشياء هنا ليست خلفية صامتة، بل كائنات تشارك في الحداد. غسالة الصحون، المكواة، ماكينة الحلاقة، كلها تدخل في المشهد بوصفها آثار حياة مشتركة. حتى الانفصال يُقال عبر تقسيم الأمواس وما "حزّ في اللحم". الماديّ يتحول إلى استعارة دقيقة عن الجرح الداخلي. هذه القدرة على تحويل اليومي إلى حامل للمعنى هي إحدى نقاط قوة شعرها.

من جهة أخرى، يتسلل الوطن إلى القصيدة دون إعلان صاخب. لا يأتي بوصفه شعاراً، بل كظلّ أو ذكرى أو رائحة. تقول في مقطع لافت:

صائغٌ حِرفيّ قديم
دَرَجَ في حياته على الهَمْهَمة
الموتُ أهون...
يتعرّف إلى معدن الناس بيديه
ضريرٌ
يتشمّم مثل أذكى الكلاب البوليسيّة
روائحَ مَن منّا على سفر.

هنا يحضر العراق عبر صورة الصائغ، عبر الحرفة والهمهمة، عبر معرفة "معدن الناس". السفر ليس مجرد انتقال جغرافي، بل حالة وجودية. حتى الرائحة تصبح دليلاً على الرحيل. الوطن في هذا الشعر ليس مكاناً محدداً، بل خبرة متجسدة في الحواس.

لا يقدم شعر دُنى غالي خلاصات نهائية، ولا يسعى إلى بناء رؤية مغلقة. إنه يفتح الباب أمام تدفق الصور، ويترك القارئ في حالة بحث مستمر. بين الأسطورة والبطاقة البنكية، بين الطفل والغراب، بين المكواة والحداد الصامت، يتشكل عالم شعري يعكس هشاشة الإنسان المعاصر، وقلقه، ورغبته الدائمة في الصعود "إلى أعلى قليلاً"، حتى لو كانت البوصلة مضيّعة عن عمد.

إنه شعر يكتب العبور، لا الوصول. يكتب الحركة، لا الثبات. يكتب الكائن وهو يختبر العالم في لحظة سيولته القصوى، حيث لا شيء يستقر تماماً، وحيث يبقى القلق — كما تعلن الشاعرة نفسها — يطالب بالمزيد.

دنى غالي بين الأدب العربي والدنماركي عبر الترجمة

دنى طالب غالي، الروائية والشاعرة العراقية المقيمة في الدنمارك منذ عام 1992، لا تعتبر الترجمة مجرد وسيلة لكسب العيش، بل تجربة إبداعية تنقلها إلى عوالم جديدة من الاكتشاف والتمعن. من خلال مشاريعها في الترجمة، مثل تقديم أعمال الكاتب الدنماركي هانس كريستيان أندرسن إلى القارئ العربي، أو ترجمتها رواية دنماركية بعنوان "هدم"، تؤكد غالي أن الترجمة هي فعل فني وفلسفي على حد سواء.

الترجمة بالنسبة لها ليست مهنة فقط، بل شعور بالتحقق والانتشاء، عملية تتطلب دقة وحذراً في اختيار الكلمات، ومسافة بين الكاتب والنص ليبقى للنص حيويته وصدقه. أن تجربة الترجمة جعلتها أكثر ميلًا للحذف والتقشف اللغوي، وهو ما يُنقّي النص ويُبرز جوهره، كما تقول: "الجملة يجب أن يكون لها موقعها، وإلا فالأفضل حذفها."

في ترجمتها لأعمال أندرسن، حرصت على نقل روح النص وأصالته دون تبسيط أو رقابة، حتى في نصوصه الموجهة للأطفال. وقد واجهت التحدي الكبير المتمثل في تقديم النصوص بما يراعي المجتمع العربي المحافظ، مع الحفاظ على فلسفة الكاتب وسخرية نصوصه، مثل قصة "حورية البحر" التي جسدت معاناة الفرد في المجتمع وعدم شعوره بالانتماء إلى طبقة اجتماعية معينة.

غالي ترى أن الترجمة تمنحها نافذة على ثقافات مختلفة، وتتيح لها التفاعل مع عالم آخر بعيد عن ضغوط الواقع العربي والسياسي، دون أن تنسى جذورها في العراق وذكرياتها فيه. وهي تؤكد أن عملية الترجمة ليست مجرد نقل للكلمات، بل تحويل تجربة إلى معرفة، واكتشاف ما كان مجهولًا، وهي بذلك تربط بين تجربتها الذاتية ككاتبة منفية وبين واجبها كجسر ثقافي بين اللغات.

مشاريعها الجديدة لا تتوقف عند حد معين؛ فهي تعمل على ترجمة نصوص دنماركية أخرى، مؤمنة بأن الترجمة تتيح توسيع آفاق القارئ العربي، وتقديم الأدب العالمي بروح محلية وفهم متعمق. لهذا، يُمكن القول إن الترجمة عند دنى غالي ليست فقط نقلًا بين لغتين، بل رحلة اكتشاف وإبداع تتقاطع فيها الثقافة، الأدب، والإنسانية.

في الختام خروج دنى غالي من العراق لم يكن انتقالاً جغرافياً، بل ولادة جديدة للوعي؛ فالمنفى لم يكن نهاية مكان بل بداية زمن. الكتابة عندها تبدأ حين يتصدّع اليقين الأول، وحين تُقتلع الهوية من تربتها. الحرب لم تكن حادثة عابرة، بل لحظة تأسيسية أعادت تشكيل الذاكرة والحساسية الجمالية. العودة إلى الوطن ليست اختباراً للمدينة، بل للذات: هل ما زالت هي نفسها؟ بين الوطن والمنفى تنشأ مساحة ثالثة، هي مساحة الكتابة، حيث يعاد ترتيب الخسارات، ويُصوغ الوعي من جديد. هنا يصبح المنفى شرطاً للحرية، والكتابة فعل مقاومة للعدم، وللتصلب، وللنسيان، وللأوهام التي تختزل الهوية في جواز سفر. الإنسان قادر على العيش بين مكانين دون الانتماء الكامل لأيّ منهما، وتحويل هذا التوتر إلى طاقة إبداعية، ليولد كل مرة من جديد.

 

 

Duna Ghali is an Iraqi novelist, poet, and translator born in Basra, Iraq. She holds a Bachelor’s degree in Agriculture from the University of Basra and has lived in Copenhagen, Denmark, since 1992, following her departure from Iraq during the Gulf War. She is a member of the Danish Writers’ Union and the Danish Translators’ Association and has published extensively in both Arabic and Danish.

Ghali has received multiple grants from the Danish Arts Foundation to support her literary projects. Her body of work includes novels, short stories, poetry collections, and major literary translations, including works by Hans Christian Andersen and other Danish authors. Writing in both Arabic and Danish, she bridges cultures while continuously interrogating themes of war, exile, identity, and belonging.

 


#
دنى_غالي #أدب_عراقي #رواية_منفى #شعر_عراقي #الهجرة_والهوية #الغربة

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسرار الجازي وماثيو: رواية التاريخ والحكاية في قلب السعودية

حين يتكلّم الصمت: رحلة ابراهيم فرغلي بين الذاكرة والخيال

أصوات مصر: كيف كتب الكاسيت تاريخ الجماهير