جداريات وتماثيل بغداد: ذاكرة الفن والهوية
في بغداد، تتحوّل
الساحات والشوارع إلى كتاب مفتوح على التاريخ، حيث النصب والجداريات ليست مجرد حجر
أو برونز، بل أرواح معلّقة في الفراغ، تسرد حكايات الحضارات والأساطير والثورات
والانكسارات. الفن العام هنا يرفض الصمت، ويحوّل الساحة إلى مساحة للتفاعل الجمعي
والذاكرة، جاعلاً المدينة متحفًا حيًّا للفن، والحرية، والتاريخ، حيث كل قطعة تحكي
قصة الشعب العراقي، وذاكرته التي لا تموت
#Baghdad #PublicArt #Murals #Monuments
#IraqiHeritage #NationalMemory #Kahramana #MartyrsMonument
مقدمة : التماثيل والذاكرة
ليست التماثيل كائناتٍ صامتة
كما يُخيّل لنا، بل هي ذاكرةٌ متجسّدة، شكلٌ من أشكال الوعي المؤجَّل، ينتظر أن
يُقرأ. فالمدينة التي تملأ ساحاتها بالنُصب لا تفعل ذلك بدافع الزينة، بل لأن
الزمن فيها لا يكتفي بأن يُروى بالكلمات؛ يحتاج إلى جسدٍ من حجر، وإلى ذاكرة تقف
في العراء، عرضةً للشمس والرصاص والنسيان.
في بغداد، لا تسكن التماثيل
الماضي، بل تعيش في صراعٍ دائم مع الحاضر. كل نصبٍ هو محاولة لتثبيت لحظة هاربة،
وكل جدارية هي مفاوضة مع التاريخ: ماذا نُبقي؟ ماذا نمحو؟ ومَن يملك حقّ
السرد؟ هكذا يتحوّل الفن في الفضاء العام إلى ساحة مواجهة بين الذاكرة والسلطة،
بين ما يريد المجتمع أن يتذكّره، وما تحاول السياسة أن تفرضه أو تمحوه.
إن اللجوء المتكرّر إلى
النُصب والجداريات في التجربة العراقية ليس خياراً جمالياً فحسب، بل استجابةٌ
وجودية لقلق عميق: الخوف من التلاشي. فحين تعجز الدولة عن الاستمرار، وحين تتكسّر
السرديات الكبرى، يُستدعى الحجر ليقول ما تعجز عنه الوثيقة، ويشهد حين تخون الشهادة
البشرية أصحابها. لهذا، لم تكن التماثيل في العراق محايدة يوماً؛ إنها منحازة
للذاكرة، حتى عندما تُجبر على تمجيد السلطة.
من سومر إلى بابل وآشور، ومن
الثور المجنّح إلى نصب الحرية ونصب الشهيد، ظلّ التاريخ العراقي يُكتب بصيغة
بصرية، لا بوصفه تسجيلاً للأحداث، بل كتجربة رمزية كثيفة، تتقاطع فيها الأسطورة مع
السياسة، والجمال مع العنف. بهذا المعنى، فإن قراءة جداريات بغداد وتماثيلها ليست
قراءة لفنّ عام، بل قراءة لمجتمعٍ يحاول، وسط الخراب، أن يترك دليلاً على أنه كان
هنا… وأنه يتذكّر.
جذور الصورة: من الذاكرة
الرافدينية إلى فضاء بغداد العام
لا يمكن فهم الحضور الكثيف
للجداريات والنُصب والتماثيل في بغداد بوصفه ظاهرة فنية معاصرة فحسب، بل ينبغي
النظر إليه كامتداد تاريخي عميق لتقاليد رافدينية جعلت من الصورة وسيلة أساسية
لكتابة التاريخ. فالمدينة الحديثة، بما تحمله من برونز وحديد ومرمر وخشب، لا تفعل
سوى إعادة إنتاج علاقة قديمة بين السلطة والذاكرة، بين الجماعة وتمثيل ذاتها
بصرياً في الفضاء العام. ومنذ الاحتلال البريطاني، مروراً بالعهد الملكي، ثم
الجمهوريات المتعاقبة، ظلّ الفن الجداري والنُصب ملازماً للتحوّلات السياسية،
شاهداً عليها ومشاركاً في صياغة خطابها الرمزي.
غير أنّ السؤال الجوهري لا
يتعلّق بكثرة هذه الأعمال أو تنوّع موادّها، بل بسبب إصرار الفنان العراقي، عبر
أجيال مختلفة، على اللجوء إلى الجدارية والنصب تحديداً، لا إلى الفنون المعزولة
داخل القاعات والمتاحف. للإجابة عن هذا السؤال، لا بدّ من العودة إلى التراث الرافديني،
حيث لم يكن الفن نشاطاً جمالياً مستقلاً، بل شكلاً من أشكال التدوين الحضاري. ففي
سومر وبابل وآشور، كُتب التاريخ على الحجر، لا بالحبر، وتحولت الأسطورة والقانون
والبطولة إلى صور محفورة في الذاكرة الجماعية.
اشتهرت الحضارة السومرية
بالأختام الأسطوانية والرقائم الطينية، التي لم تقتصر على توثيق عقود البيع
والشراء، بل تجاوزتها إلى مشاهد أسطورية كثيفة الرمزية، مثل صراع كلكامش وأنكيدو
مع خمبابا، حيث تتقاطع البطولة مع الماورائي، وتعلو نجمة عشتار الثمانية كعلامة كونية
للحماية والقوة. وإلى جانب هذه الرقائم، ازدهرت صناعة التماثيل، من تمثال الملك
كوديا إلى تماثيل الآلهة، بوصفها حضوراً مادياً للسلطة والقداسة معاً.
أما الحضارة البابلية، فقد
نقلت الفن الجداري إلى مستوى معماري شامل، تجلّى في مسلّة حمورابي بوصفها قانوناً
مصوَّراً، وفي بوابة عشتار وشارع المواكب، حيث تحوّل الجدار إلى سردية بصرية
ممتدّة، تمجّد القوة والنظام عبر نقش الأسود والرموز. ومع الآشوريين، بلغ الفن
الجداري ذروته التعبيرية، إذ شمل تفاصيل الحياة المدنية والعسكرية والدينية، من
مشاهد الحملات الحربية إلى الطقوس التعبدية، ومن نُصب الثور المجنّح إلى النقوش
المرمرية التي تصوّر الموسيقيين والجنود والملوك.
يشهد على هذا الشغف الرافديني
بالفن الجداري ما تحتفظ به المتاحف العالمية، من البريطاني والفرنسي والألماني،
إلى متاحف بغداد والناصرية ونينوى. وبذلك، يمكن القول إن الفنان العراقي المعاصر،
حين يختار الجدارية أو النصب، لا يبتدع تقليداً جديداً، بل يستعيد لغة قديمة، لغة
كتبت بها هذه الأرض تاريخها منذ البداية.
الجدار ككونٍ رمزي: اللغة
البصرية الآشورية
يمثّل الفن الجداري الآشوري
إحدى أكثر التجارب البصرية اكتمالاً في تاريخ العراق القديم، ليس من حيث وفرة
الإنتاج فحسب، بل من حيث الوعي التقني والرمزي الذي حكم بناء الصورة. فقد تعامل
الفنان الآشوري مع الجدار بوصفه فضاءً سردياً متكاملاً، تُنظَّم عليه الألوان والأشكال
وفق منطق دقيق يهدف إلى إحداث الانسجام البصري وترسيخ المعنى في آنٍ واحد. ويبرز
ذلك في إتقان تدرّج اللون الواحد من الشفافية الخفيفة إلى الدرجات الداكنة، بما
يمنح المشهد عمقاً وحيوية، ويحوّل الجدار من سطح جامد إلى مساحة نابضة بالحركة.
من الناحية الموضوعية، تنقسم
الجداريات الآشورية إلى محاور كبرى تعكس البنية الفكرية والدينية والسياسية
للمجتمع. فهناك المشاهد التعبدية التي يظهر فيها الملك في حالة تواصل مباشر مع
الآلهة، مؤكداً شرعية الحكم وقدسيته. وإلى جانبها، تتكرّر صور الكائنات البشرية المجنّحة
التي تمارس طقوس التطهير أو تقود القرابين الحيوانية، في دلالة على الحراسة
الروحية وتنقية الفضاء السلطوي. كما تحضر الثيران المجنّحة بوصفها رموزاً للقوة
والحماية، تؤطّر المداخل والقصور، وتؤكّد الفصل بين الداخل المقدّس والخارج
الفوضوي.
إن هذا النظام البصري المركّب
لا يعبّر عن ذائقة جمالية فحسب، بل يكشف عن فهم مبكر لوظيفة الفن في تنظيم الوعي
الجمعي. ومن هنا، فإن جذور الفن الجداري العراقي الحديث لا تنبع من التأثرات
المعاصرة وحدها، بل من هذا الإرث الآشوري الذي جعل من الجدار نصاً رمزياً، ومن
الصورة أداة سلطة وذاكرة في آنٍ واحد.
حين تتكلّم الساحات: الفن بين
السلطة والهوية
منذ تشكّله الحديث، عاش
العراق في قلب السياسة لا على هامشها، فصار الفضاء العام امتداداً للصراع، لا
مجرّد مسرح للحياة اليومية. وفي بلدٍ اعتاد الثورات والانقلابات والانتفاضات، لم
تكن الثقافة بمنأى عن هذا التسييس العميق، بل تشكّلت في ظله، وتماهت معه. هكذا، تحوّل
الفن الجداري والنُصب إلى أحد أبرز أدوات التعبير عن التحوّلات السياسية، ومجالاً
مفتوحاً لتجسيد السلطة أو مناهضتها، بحسب السياق التاريخي.
ارتبطت الجداريات والنُصب في
العراق، على نحو وثيق، بفكرة التعبئة الجماهيرية وبناء السرديات الوطنية. فالدولة،
في مراحل مختلفة، تعاملت مع الفضاء العام بوصفه صفحة قابلة لإعادة الكتابة مع كل
تحوّل سياسي. وما إن يسقط نظام حتى تبدأ عملية محو رموزه البصرية، واستبدالها
بعلامات جديدة، في دورة متكرّرة من الهدم والإزالة، لا تتيح تراكم الذاكرة ولا
استقرار المعنى. وهكذا، صار الفن في الشارع عرضة للقرار السياسي، لا لحماية
المؤسّسات الثقافية.
في هذا السياق، برز الاهتمام
بالفن في الفضاء العام كوسيلة لإعادة بناء الهوية الوطنية، أو إعادة تعريفها، عبر
استدعاء رموز تاريخية متعدّدة: عربية أو إسلامية
أو رافدينية، وفق ما تقتضيه المرحلة. وقد شهدت فترات معينة، ولا سيما في منتصف
القرن العشرين، ازدهاراً ملحوظاً في إنتاج الجداريات والنُصب في الساحات
والتقاطعات، قبل أن ترتبط لاحقاً بالحروب الكبرى وما رافقها من خطاب تعبوي كثيف.
بهذا المعنى، لا يمكن قراءة
الفن الجداري العراقي بوصفه ممارسة جمالية مستقلة، بل كجزء من بنية الدولة
وتحولاتها، وكمرآة تعكس علاقتها المتقلّبة بالذاكرة، والهوية، والفضاء المشترك.
الجدارية كأيقونة ثورية: حين
تتحوّل الساحة إلى ذاكرة حيّة
لا تُعدّ جدارية نصب
الحرية عملاً فنياً قائماً بذاته فحسب، بل تشكّل لحظة مفصلية في تاريخ الفن
العراقي الحديث، حيث يتقاطع الشكل الجمالي مع السرد السياسي في فضاء عام مشحون
بالرمزية. فالجدارية تقدّم رؤية بصرية مكثّفة لمسار نضالي جمعي، يظهر فيه الشعب لا
بوصفه كتلة مجرّدة، بل عبر شخصيات تمثيلية: العامل والمرأة والطفل، في حركة صعود
متدرّجة نحو الانعتاق. وتستند هذه السردية إلى تأثيرات واضحة من الفن الرافديني،
سواء في البناء الإيقاعي للمشاهد أو في النزعة الرمزية التي تمنح الفعل الإنساني
بعداً أسطورياً.
تتكوّن الجدارية من أربع عشرة
قطعة برونزية منفصلة، مصطفّة أفقياً، بما يحاكي منطق الإفريز القديم، ويمنح العمل
طابعاً سردياً متتابعاً، أشبه بملحمة مصوّرة. وقد أسهم هذا التكوين في ترسيخ ساحة
التحرير بوصفها مركزاً رمزياً للاحتجاج والحراك الشعبي، إذ تحوّل النصب إلى نقطة
جذب دائمة للتظاهرات والحركات الإصلاحية، ولا يزال يؤدي هذا الدور حتى اليوم، كما
بدا جلياً في الانتفاضات الأخيرة.
وفي المحيط القريب من هذا
الفضاء، تتشكّل منطقة فنية ذات طابع نضالي، تضمّ أعمالاً مختلفة في الأسلوب
والتنفيذ، من تمثال يحتفي بالأمومة (هناك تمثال "الأمومة" للفنان خالد
الرحّال ) إلى جدارية موزاييك معاصرة تحتشد فيها الجموع ابتهاجاً بلحظة تاريخية(جدارية
فائق حسن، الفنان المُزيّن (المُلوّن) الأشهر في العراق في ساحة الطيران، وهي عمل
معاصر من الموزاييك، ذو تأثيرات تكعيبية بألوان زاهية جداً، ما يشكّل منطقة فنية
ونضالية في بغداد، أسوة بساحة المعارِض في كل من برلين وأمستردام. يختلف تنفيذ
جدارية فائق حسن عن نصب الحرية تماماً، تحتشد فئات الشعب ابتهاجاً بثورة تموز، وفي
أعلى الجدارية تطير الحمامات، وكان شائعاً وقتذاك استخدام الحمامة كرمز للسلام
(بوستر الفنان بيكاسو لمنظمة السلم والتضامن) . غير أنّ هذا الفرح البصري لم يكن
محصّناً من العنف السياسي، إذ تعرّضت بعض رموزه للتشويه المتعمّد، في دلالة صارخة
على خوف السلطة من الصورة حين تفلت من قبضتها. ()، ما جعل ميليشيا الحرس البعثي تُطلي الحَمام بالأسود عام 1963.)
وقد التقط الشعر هذه المفارقة
القاسية، حين تحوّلت الحمامات، رمز السلام، إلى ضحايا في فضاء يجاور واحداً من
أكبر تجمّعات العمّال في بغداد، حيث تُستأجر الأجساد يومياً للعمل. عند هذه
النقطة، تتداخل الجدارية مع الواقع، ويغدو الفن مرآةً مكشوفة لعلاقة ملتبسة بين
الحلم، والعنف، والعيش اليومي. ذكر
الشاعر العراقي سعدي يوسف تلك الواقعة في ديوانه "تحت جدارية فائق حسن":
تطير
الحمامات في ساحة الطيران،
البنادق
تتبعها،
وتطير
الحمامات
تسقط فوق أذرع من جلسوا في الرصيف
يبيعون أذرعهم.
يا
بلاد البنادق، إن الحمامات مذبوحة".
تجدر الإشارة إلى وجود أكبر
مسطّر (تجمّع) في ساحة الطيران للعمال في بغداد، ينتقي منه المقاولون عمالهم ،
ولذلك، قال الشاعر "يبيعون أذرعهم".
من القوس إلى الدرع: تحوّلات
الذاكرة في نصب الجندي المجهول
يمثّل نصب الجندي المجهول، في
صيغته الأولى ثم اللاحقة، مثالاً دالّاً على العلاقة المتقلّبة بين الذاكرة
الوطنية والتحوّلات السياسية في العراق. فقد شُيّد النصب الأوّل (صممه الفنان والمعماري
العراقي رفعت الجادرجي ) في ساحة الفردوس مطلع ستينيات القرن العشرين، بوصفه بنية
رمزية حديثة تستلهم العمارة الإسلامية، وتتجسّد في قوسٍ كبير يُحيل إلى حضنٍ أمومي
ينحني لالتقاط الابن الشهيد. اتّسم هذا العمل بالبساطة والتجريد، مبتعداً عن
الخطاب التعبوي المباشر، ومؤكّداً بعداً إنسانياً هادئاً للفقد والتضحية.
غير أنّ هذا النصب لم يصمد
أمام تغيّر الأنظمة، إذ أُزيل ليحلّ محلّه تمثال لصدام حسين ، سرعان ما أُزيل
بدوره بعد عام 2003 على ي القوات الأمريكية التي غزت بغداد ، في تكرار صارخ لدورة
المحو والاستبدال التي تطبع الفضاء العام العراقي. وفي محاولة لإعادة صياغة
الذاكرة، أُنجز نصب بديل بلون أخضر، تتقاطع فيه رموز الهلال والشمس في إحالة إلى
حضارات العراق القديمة، مع وعود بإعادة النصب الأصلي إلى مكانه، في اعتراف ضمني
بقيمته الرمزية والجمالية.
أما نصب الجندي المجهول
الجديد في ساحة الاحتفالات (لخالد الرحال) ، فقد جاء بتصميم مختلف جذرياً في لغته
البصرية. يتمحور العمل حول درعٍ تقليدي ضخم، يبدو وكأنه يسقط من يد محارب عراقي،
في إشارة مزدوجة إلى الفقد والانكسار، وإلى نهاية المعركة. يبلغ قطر الدرع اثنين
وأربعين متراً، ويميل بزاوية محسوبة، بما يمنح الكتلة إحساساً بالحركة والسقوط.
يغلف النحاس سطحه الخارجي، بينما يتكوّن داخله من وحدات هرمية متناوبة من الفولاذ
والنحاس، تخلق إيقاعاً بصرياً صارماً يعزّز الطابع التجريدي للعمل.
إلى جوار الدرع، تنتصب سارية
علم فولاذية مكسوّة بألواح زجاج مورانو، تعكس ألوان العلم الوطني، فتضيف عنصراً
ضوئياً وحسّياً يوازن ثقل الكتلة المعدنية. وبين النصب الأوّل وهذا العمل، تتجلّى
مسافة واضحة في تطوّر الفن العراقي: من الرمز الإنساني الهادئ إلى التجريد الضخم،
ومن الذاكرة التأملية إلى التعبير المعماري الصارم عن التضحية والهوية.
الفن الجداري بين التعبئة
السياسية والتراث الرمزي
لم يكن الفن الجداري في
العراق مجرد ممارسة جمالية، بل أداة للتعبئة والتأثير الاجتماعي، متأثرة بالتجارب
العالمية التي استخدمت الصورة في توجيه الوعي الجماهيري. فقد برزت جداريات الثورة
الاشتراكية والنُصب الستالينية في الفضاء العام كمحاولة لإضفاء قوة رمزية على
السرد السياسي، وتثبيت ذكرى الحرب والمعاناة في ذاكرة الجماعة. واستلهم العراق هذا
النهج، معتمدًا على جذوره التاريخية العميقة منذ الحضارة السومرية، ليصوغ فنًا
جداريًا يوازن بين التعبير السياسي والذاكرة الوطنية.
تتميّز الجداريات بأنها تعمل
على الحائط كخطاب بصري مستمر، يحمل في طياته رسائل السلطة والتاريخ، بينما تتفرّد
النُصب بكونها أجسامًا مادية قائمة بذاتها، تثبّت على قاعدة أو تحفر على الجدار،
فتخلق حضورًا ثلاثي الأبعاد يختلف عن سرد الجدارية المسطّح. ومن هذا المنظور، يبدو
أن النُصب العراقي المعاصر، خصوصًا تلك الأعمال المستوحاة من التراث الشعبي وقصص
"ألف ليلة وليلة"، يُقدّم فضاءً أكثر حميمية وإنسانية، بعيدًا عن الخطاب
التعبوي المباشر. (قصص "ألف ليلة وليلة"، من تصميم
الفنان محمد غني حكمت، مثل "كهرمانة" و"الفانوس السحري"
و"شهرزاد وشهريار" و"علاء الدين والبساط السحري")
في بعض الحالات، امتزج الفن
بالممارسة الشعبية، كما في مشاريع إعادة الإعمار، حيث شارك العمال والمجتمع المحلي
في إنجاز الأعمال، فاحتفظت الجداريات بروح الجماعة وعكسّت التفاعل بين الفنان
والمجتمع. ومن هنا، يمكن اعتبار الفن الجداري والنُصب في بغداد جسرًا بين التراث
والحكايات، بين السياسة والذاكرة، بين الجماعة والفرد، مؤكدًا أن الصورة في الفضاء
العام لا تعكس الماضي فحسب، بل تصوغ أيضًا تجربة الجماعة الحية، وتعيد إنتاج
التاريخ بأسلوب بصري حيّ.
نصب الشهيد: قبّة الذاكرة
والرمزية الوطنية
يمثل نصب "الشهيد"
(للفنان إسماعيل فتاح الترك ) نموذجًا نادرًا للفن الجداري والنُصب العراقي الذي
يتحرّر من التأثير المباشر للدولة، محافظًا على استقلالية رمزيته. فهو عمل يخاطب
الذاكرة الجماعية بعمق، إذ يخلّد شهداء الحرب العراقية–الإيرانية، لكنه يتجاوز ذلك
ليصبح إشارة عامة لكل شهداء العراق. يتحقق هذا من خلال الشكل البصري للفن، حيث
تتقابل نصفا القبّة اللازوردي في توازن بصري وروحي، محمّلة بدلالات إسلامية رمزية،
تعكس روحانية الفقد والتضحية.
يتميّز النصب عن غيره من
النُصب التقليدية بأنه لا يسعى للتعبئة الجماهيرية المباشرة، بل يركّز على تجربة
التأمل والوقوف أمام الحدث التاريخي، مما يجعله مرجعًا للمجتمع والزائر الأجنبي
على حدّ سواء. ففي كل زيارة، يصبح النصب مسرحًا لقراءة حضارية لتاريخ العراق، مزيجًا
بين الهوية الوطنية والفن المعاصر، والرمزية الدينية والذاكرة الإنسانية. بهذا
الشكل، يتحوّل "الشهيد" إلى بصمة عراقية خالدة، توثّق التضحية وتؤكّد
حضور الفن كعامل استمرارية للذاكرة في مواجهة التحولات السياسية والاجتماعية
المتسارعة.
كهرمانة: أسطورة تتدفق في
الذاكرة الجمعية
تمثل نافورة كهرمانة
في شارع السعدون (للنحات العراقي محمد غني حكمت ) أحد أبرز الأمثلة على كيفية
تحويل الفولكلور العراقي إلى لغة بصرية حيّة في الفضاء العام. مستوحاة من أسطورة
علي بابا والأربعين لصًا، تحكي النافورة قصة الخادمة التي تغلبت على اللصوص بدهاء
وشجاعة، مجسّدة في شخصية واقفة على أوعية البرونز الأربعين، بينما يتدفق الماء من
يديها كرمز للحياة والحركة المستمرة. بهذا الشكل، تتحوّل الحكاية الشعبية إلى عمل
فني حيّ، يعكس التفاعل بين التراث والفن المعاصر، ويحوّل الشارع إلى فضاء سردي
يشارك فيه الجمهور.
تستحضر كهرمانة أيضًا فكرة
المقاومة والمرونة، لا على المستوى الشخصي فحسب، بل على مستوى المجتمع ككل. فقد
توقفت النافورة خلال فترات الحرب والصراعات، وسقطت في حالة إهمال، لكنها سرعان ما
استعادت حضورها بعد تحولات تاريخية، لتصبح مرآة للتجارب الجمعية العراقية، ومرجعًا
للذاكرة السياسية والاجتماعية. الأرقام والرموز المرتبطة بالنصب – مثل الأربعين
جرة – اكتسبت أبعادًا جديدة بعد الاحتلال وما تبع من تغييرات مؤسسية، لتتجاوز حدود
الحكاية الأسطورية وتصبح انعكاسًا للواقع السياسي والاجتماعي.
من الناحية الفنية، تجمع
كهرمانة بين الإيقاع المجسّم للتماثيل البرونزية، والحركة المائية المستمرة، لتخلق
تجربة حسية متعددة الطبقات. وهكذا، لا تقتصر قيمة النصب على الجمال الفني أو
الروائي، بل تتجاوز ذلك لتصبح منصة رمزية للتفاعل بين الشعب والتاريخ، بين الفولكلور
والواقع، وبين الفن والذاكرة الحية للمدينة.
المدينة كذاكرة حية
في بغداد، تتحوّل الساحات
والشوارع إلى كتاب مفتوح على تاريخ طويل من النضال والجمال. النصب والجداريات ليست
مجرد قطع معدنية أو حجرية، بل هي أرواح معلّقة في الفراغ، تسرد حكايات حضارات
سومرية وبابلية وآشورية، وتخلّد لحظات الثورة والانكسار، الانتصار والخسارة، الأمل
واليأس. أن كل قبّة و كل جرة و كل قوس أو درع، تروي ذاكرة جمعية متشابكة بين
التراث والأسطورة والسياسة، بين الفرد والجماعة.
أن الفن العام في العراق يرفض
الصمت، ويقاوم محاولات الطمس والنسيان. هو جسر بين الماضي والحاضر، بين أسطورة ألف
ليلة وليلة وبين مظاهرات تشرين ، بين نصب الجندي المجهول ونافورة كهرمانة، بين
قبّة الشهيد ودرع النصب المعاصر. الرموز تتحرك، وتتدفق، وتتوهج، لتصبح شهادة حيّة
على قدرة الفن على الاحتفاظ بالذاكرة وتشكيل هوية الوطن، حتى في لحظات الانقسام
والتدمير.
هنا، في قلب بغداد، لا يُقرأ
التاريخ في الكتب وحدها، بل يُشاهَد، ويُلمَس، ويُستشعر في كل قطعة برونزية، في كل
لوحة جداريّة، في كل نافورة تتدفّق بماء الحياة. المدينة نفسها تتحوّل إلى متحف
حي، والفن فيها هو القلب النابض لذاكرة شعب لم ينسَ نفسه، حتى حين عصف به الزمان،
ليبقى العراق مدينة للفن، والحرية، والذاكرة التي لا تموت.
#بغداد
#الفن_العام #الجداريات #النصب_التذكاري #التراث_العراقي #الذاكرة_الوطنية
#كهرمانة #نصب_الشهيد#
Murals and Monuments
of Baghdad – Memory, Art, and Identity
Baghdad stands as a
living museum, where murals, statues, and monuments transform the city into a
canvas of history and collective memory. From the Bronze Age civilizations of
Sumer, Babylon, and Assyria to contemporary public art, the city’s artistic expressions
have preserved stories of heroism, myth, and daily life. Murals depict ritual,
power, and community, while monuments embody sacrifice, resilience, and
identity.
Public art in Baghdad
is deeply intertwined with politics, yet it transcends it. Works such as “Nusub
al-Hurriya” (Freedom Monument), the Martyrs’ Memorial, and Kahramana Fountain
draw on folklore, legend, and historical symbolism, while reflecting social and
political realities. These spaces invite reflection and engagement, turning
streets and squares into platforms where citizens encounter both history and
imagination.
The evolution of
Baghdad’s monuments—from sculptural representations to abstract
forms—illustrates the city’s adaptation to modern artistic languages while
maintaining continuity with its cultural heritage. Through color, form, and
symbolism, each piece serves as a narrative device, connecting the past to the
present and anchoring collective memory in the urban landscape.
Ultimately, Baghdad’s
murals and statues are more than aesthetic objects; they are repositories of
identity, resilience, and national consciousness. They bear witness to the
city’s triumphs and tragedies, inviting successive generations to engage with
their history, confront loss, and celebrate the enduring spirit of art and
freedom.


تعليقات
إرسال تعليق