حنّا مينة: جدلية الواقعية وأدب البحر في الرواية العربية الحديثة

 

حنا مينة


في الميناء بدأ حمّالاً… وفي الرواية صار سيّد البحر.

من حيّ “المستنقع” خرج صوتٌ أدبيّ هزّ الرواية العربية.
كتب عن الفقراء… لا تعاطفًا، بل انتماءً.
حوّل البحر إلى معادلٍ للصراع الإنساني.
وحتى موته… أراده صامتًا، كما لو كان احتجاجًا أخيرًا.

 

#HannaMina#ArabicLiterature#SyrianWriters#SeaLiterature#ModernArabicNovel#ClassStruggle# Realism# ArabNovel# LiteraryBiography# MiddleEasternLiterature

 

ليست سيرة الكاتب مجرد توالٍ زمنيّ للأحداث، بل هي تحوّل التجربة إلى وعي، والوعي إلى لغة، واللغة إلى موقف من العالم. والروائي الحقيقي لا يكتب حياته، بل يكتب الشرط الإنساني كما تسرّب إليه عبر جراحه وأحلامه وأخطائه. من هنا تبدو تجربة حنّا مينة أكثر من مجرد مسار أدبي؛ إنها صراع بين الفقر والكرامة، بين البحر واليابسة، بين الهامش والمركز، بين الفرد والتاريخ. إننا لا نقرأه بوصفه مؤلفًا لأربعين رواية، بل بوصفه كائنًا صاغ ذاته بالكلمة، وواجه العالم بإرادة لا تنكسر.

 

حنّا مينة ( 1924-2014) روائي سوري ولد في مدينة اللاذقية وهو من كبار كتاب الرواية العربية. وتتميز رواياته بالواقعية ، ألّف نحو أربعين رواية ، من أبرزها المصابيح الزرق ونهاية رجل شجاع . عاش حنا طفولته في إحدى قرى لواء الأسكندرون على الساحل السوري، وفي عام 1939 عاد مع عائلته إلى اللاذقية وهي عشقه وملهمته بجبالها وبحرها. كافح كثيراً في بداية حياته وعمل حلاقاً وحمالاً في ميناء اللاذقية، ثم بحاراً على السفن والمراكب. اشتغل في مهن كثيرة أخرى منها مصلّح دراجات ومربّي أطفال في بيت سيد غني، إلى عامل في صيدلية إلى صحفي أحيانا، ثم إلى كاتب مسلسلات إذاعية للإذاعة السورية باللغة العامية، إلى موظف في الحكومة، إلى روائي.

البداية الأدبية كانت متواضعة، تدرج في كتابة العرائض للحكومة ثم في كتابة المقالات والأخبار الصغيرة للصحف في سوريا ولبنان ثم تطور إلى كتابة المقالات الكبيرة والقصص القصيرة.

أرسل قصصه الأولى إلى الصحف السورية في العاصمة دمشق ، وبعد استقلال سوريا أخذ يبحث عن عمل وفي عام 1947 استقر به الحال بالعاصمة دمشق وعمل في جريدة الإنشاء الدمشقية حتى أصبح رئيس تحريرها. بدأت حياته الأدبية بكتابة مسرحية دونكيشوتية وللآسف ضاعت من مكتبته فتهيب من الكتابة للمسرح.

ساعده عمله الصحافي في التعرّف إلى عدد من الكتاب والأدباء، إذ عمل مشرفا على الصفحة الأدبية في جريدة الرأي العام السورية الصادرة عام 1954 ثم مراسلا لجريدة المساء المصرية، حتى ترك سوريا إلى لبنان ومنها إلى الصين ليقضي هناك عشر سنوات، ثم يعود ليعمل في وزارة الثقافة السورية.ساهم حنّا مينة مع عدد من الكتاب اليساريين في تأسيس رابطة الكتاب السوريين عام 1951، كما كان له دور كبير في الدعوة إلى إنشاء اتحاد عربي للكتاب في مؤتمر الإعداد للاتحاد العربي الذي عقد في مصيف بلودان في سوريا عام 1956، وقد تأسّس اتحاد الكتاب العرب عام 1969 وكان أحد مؤسّسيه.

بدأ حنا مينة حياته الأدبية ككاتب قصة قصيرة. ففي مجموعته القصصية الأبنوسة البيضاء (منشورات اتحاد الكُتَّاب العرب في دمشق 1976) كتب في تقديم قصص المجموعة: " هذه عشر من قصصي القصيرة تنشر لأول مرة. ويرجع تاريخها كلها إلى ما بعد عام 1969، باستثناء قصتين: النار التي كتبت عام 1949، ونشرت لأول مرة في جريدة التلغراف اللبنانية، وجمرة السنديان التي كتبت عام 1956 ونشرت في العام نفسه. لقد بدأت حياتي الأدبية بكتابة القصة القصيرة عام 1945، ونشرت أقاصيصي في صحف ومجلات سوريا ولبنان، ولكنني لم أجمعها ولن أجمعها، وبعضها ضاع وأنا، كما قلت في مناسبات عديدة، غير آسف عليها."
وفي مقدمة قصة على الأكياس؛ التي سبق له أن نشرها في مجلة المعرفة، عدد أبريل 1970، كتب هذا الإهداء: "إلى الصغير العزيز (و.ع) الذي سألني: "كيف، ومتى، بدأت الكتابة؟" وفي القصة يحكي بعض تفاصيل مرحلة صعبة جداً في حياته حين بدأ يعمل حمالاً في الميناء وهو في سن الثانية عشرة، وكيف أصبح كاتباً صغيراً يقيّد في السجلات حسابات مخازن الميناء. وفي المجموعة قصة أخرى بعنوان رسالة من أمي، يستعرض فيها جوانب من حياته الأسرية بعد أن أصبح كاتباً روائياً معروفاً تنشر الصحف صوره.
وقبل نشر الأبنوسة البيضاء بعام، كان حنا مينة قد نشر روايته بقايا صور، وهي بحسب نقّاده ودارسيه، وبحسب تأكيده هو أيضاً جزء أول من سيرة ذاتية- روائية، وقد كتب في الإهداء:
"إلى مريانا ميخائيل زكور، أمي.. حنّا". في قصصه القصيرة، وفي بقايا صور، وروايات أخرى، صور حنا أمه على أنها امرأة تجتمع فيها كل الفضائل، على عكس الصورة التي يرسمها لوالده.
واضح أن حنا مينة رأى منذ بدايته الأدبية أن سيرته الذاتية جديرة بأن تقّدم للقراء، فعبرها لن يقّدم فقط سرداً ذاتياً عنه وعن أسرته فقط، لكنه سيقدم أيضاً رؤيته لطبيعة العلاقات الاجتماعية والسياسية التى صيغت حياته في إطارها. وجدنا سيرته الذاتية في ثلاثيته الروائية (بقايا صور _ المستنقع _ القطاف) التي كتبها على فترات زمنية متباعدة (من 1975 حتى 1986)  وفيها نتعرّف على الكثير من مسارات حياته منذ طفولته وحتى ريعان شبابه، حيث استطاع أن يجمع فيها مشاعر الطفولة وأحلامه وقسوة ما لاقاه من معاناة فيها، وسيكتشف القارئ من خلالها أنها كانت المنبع الأول الذي بنى عليه عالمه الروائي كله.ولكنه بالإضافة إلى ذلك اختصّ رحلته مع الكتابة والأدب بكتابٍ خاص سمّاه كيف حملت القلم يعرض فيه منذ الطفولة علاقته بالقلم والكتابة وكيف تشكّلت بطريقة عفوية غير مقصودة، ثم كيف تحوّلت إلى شغف ورؤية للعالم، وفي الكتاب أيضا جزء من ذكرياته مع الكتاب الذين أثروا على نشأته، فيذكر أسماء مثل عمر فاخوري الذي أجرى انعطافا في الأدب العربي بمقالاته في مجلة الطريق على حدّ تعبيره والتي تحدث فيها عن الأدب والأديب وضرورة ارتباطه بالواقع والمجتمع وأن يكون من لحم ودم ويهجر برج الرومانسية العاجي،  وتحدث عن رئيف خوري ومقالاته التي ترى أن الكاتب يجب أن يكون صاحب رسالة يقدّم من خلال كتابته الجيد والمفيد لمجتمعه من الفن والأدب، وهكذا يقول حنا مينة:

" لقد تعلمت في سن مبكرة أن أكتب عن الناس للناس، أن أكتب عن بعضهم لكلهم، لأنه محالٌ أن يقوى كاتب مهما كانت طاقته ومهما امتدّ به العمر أن يكتب عن الناس كلهم ... ولأن الإنسان لا يستطيع أن يكون إلا ذاته ولأن إبداعه في ذاته المبدعة، فإن زهرة نارية ينبغي أن تتفتح كل يوم، زهرة لا يلوي بها عاصف الريح ولا تيبسها نفثة إبليس... من المستحيل أن تموت كورقةٍ خضراء قطعت من غضنها كلمة الفنان، لأن من تراكمها كنز الثقافة الذي تصير إليه كل الكنوز وكل الثروات إلى نقصان إلاه وحده فهو في زيادة دائمة، نداء الفنان لا يضيع أبدا يبقى برغم عاديات الزمن والمنع والمصادرة داويا."

 

كان لنشأة حنا مينة وحياته قرب البحر أثر كبير في كتابته الأدبية ظهر بجلاء في رواياته. كتب روايته الأولى المصابيح الزرق عام 1954، التي دارت أحداثها أيام الحرب العالمية الثانية، ووصفت مقاومة الشعب السوري للاحتلال الفرنسي، وكان تركيزه الأكبر على الصراع الطبقي وبداية نمو الوعي الشعبي بالحراك الاجتماعي وتأثير ذلك على الناس، ثم انتقل بعد ذلك إلى عالمه الأثير، عالم البحر والبحارة في روايته الشراع والعاصفة التي تعتبر نقلة نوعية في أدبه وكتابته، وفيها يحكي عن صراع البحّارة اليومي مع أمواج البحر من جهة وما يلاقونه في المجتمع من سيطرة الرأسماليين من جهة أخرى، في الرواية تظهر بجلاء الأبعاد الفكرية الخاصة بتلك المرحلة وكيف أصبح التركيز على دور المثقف وأثره في توجيه المجتمع لمقاومة الفساد والاستبداد، وذلك من خلال شخصية الطروسي الذي يسمع صوت البحّارة والصيادين ويشجعهم على استرداد حقوقهم.

انطلقت بعد ذلك مسيرة حنّا مينة  الروائية الثرية وعمّد رائدا لأدب البحر لاسيما بعد ثلاثيته (حكاية بحّار _ الدقل_ المرفأ البعيد) والتي كتبها بين 1981 و1990 وتناول فيها أحلام البسطاء وحكاياتهم وعبّر عنها بصورة واقعية صادقة، وفيها يبرز البحر معادلا موضوعيا لكل التحديات التي يلقاها الإنسان في حياته، إذ يقابل مينة فيها طوال الوقت بين حياة الناس في البر وما يواجهونه فيها من تحديات وبين تلك الحياة الأخرى في البحر والتي تفرض أيضا تحدّياتها.

لم تقتصر كتابات حنا مينة على البحر وإن بقي ملتزما بقضايا البسطاء، ولكن ساعده تنقله بين بلدان العالم إلى التعبير عن مجتمعات وثقافات مختلفة، ظهر ذلك جليا في عدد من رواياته، ففي الثلج يأتي من النافذة (1969) يتناول الغربة لبنان من خلال مجموعة من الأصدقاء يساعدون بطل الرواية على مواصلة حياته ولكن شعوره بالغربة يسيطر عليه، كما يتناول الغربة في روايته الشهيرة الياطر (1972) التي يحكي فيها عن صيادٍ يضطر إلى ترك بلدته بسبب جريمة قتل فيعيش على الحدود بين سوريا وتركيا في منطقة بين السهل والغابة ويعيش حياة صعبة مع راعية تركية، وتتحول الغابة إلى فردوس أرضي له. وفي روايات أخرى مثل ،الربيع والخريف و حدث في بيتاخو  يتناول الغربة في بلدان أجنبية ، الصين.  كما نجد تجلّيا أكبر لتلك الغربة في البلدان الأجنبية في رواية حمامة زرقاء في السحب (1988) حيث ينهش المرض بطلة الرواية التي يسعى والدها لعلاجها في لندن وتتعرف هناك على شابٍ فلسطيني مريض أيضا، وفتاة مع والدتها المريضة، ولكن محاولاته تبوء بالفشل. كما ظهر الصراع بين الشرق والغرب في روايته النار بين أصابع امرأة (2007).

نالت روايات حنّا مينة العديد من الجوائز الأدبية المهمة في سوريا والعالم، فقد حصل على جائزة سلطان العويس في الدورة الأولى عام 1991، وجائزة الأدب من المجلس الثقافي الإيطالي عن روايته الشراع والعاصفة عام 1993 كأفضل رواية مترجمة للإيطالية، وحصل على وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة عام 2002، وجائزة اتحاد الكتاب العرب في مصر جائزة "نجيب محفوظ للكاتب العربي" في دورته الأولى عام  2006 . وحينما فاز نجيب محفوظ بجائزة نوبل للأدب عام 1988 سئل عمن يمكن أن يحصل على جائزة نوبل بعده فذكر مباشرة الروائي حنّا مينةـ 

 حظيت أعمال حنّا مينة منذ وقت مبكرّ بالعديد من الدراسات والقراءات النقدية لعدد من النقاد والكتّاب على امتداد العالم العربي، فكتب عنه علي الراعي ويمنى العيد ورفيق الصبان وغيرهم، وخصه الناقد صلاح فضل بدراسة تناولت سيرته بشكل موجز في كتابه أساليب السرد في الرواية العربية كما قدّم قراءة خاصة لروايته الولاعة التي اعتبرها نموذجا للسرد السينمائي، كتب يقول:

" لعل أبرز خصائص الكتابة عند حنّا مينة هو التزامه الأيديولوجي الذي كوّن رؤيته وتحكم في اختياره لمادته السردة من خامات الحياة المبذولة أمامه، ولأن طفولته وصباه ملحمة أليمة من الشقاء والحرمان، ولأنه تعلم بشجاعة فائقة لا يخجل منها بل يصوغها عملا فنيا إنسانيا بالغ الرقي، فإن الخاصية المنبثقة عن هذا الموقف والمتمثلة في الملمح الأسلوبي الأبرز لديه، هي تراجع اهتمامه بالتقنيات الفنية الروائية المحدثة أمام الاستجابه العفوية لمادة الواقع عليه".

كما تناول الناقد شكري ماضي تجربة حنّا مينة الروائية في مجلة فصول (يوليو 1989):

" إن تجربة حنّا مينة الروائية تشكّل مسارا متكامل الحلقات، كما أن الرؤية الاشتراكية والصراع الطبقي يتجسدان في بؤرة رواياته، وربما تميز عن الروائيين الآخرين في أنه استمد رؤيته الاشتراكية من المعاناة الفعلية على أرض الواقع، وكان أغزر الروائيين إنتاجا وإخلاصا للفن الروائي."

في الفصل المعنون الرواية العربية والبحر من كتابه أدب البحر (دار المعارف، القاهرة، 1981م)، يَعُدُّ أحمد محمد عطيه أن حنا مينة هو روائي البحر العربي، ويؤكد أنه :

" إذا كان هرمان ميلفيل (1819-1891م) صاحب موبي ديك هو روائي البحر الأول في الأدب العالمي، فإن حنا مينة، مبدع الشراع والعاصفة وغيرها من روايات البحر، هو روائي البحر الأول في الأدب العربي الحديث... كان البحر مجالاً خصباً للتفسيرات الأدبية والأسطورية، من إلياذة هوميروس وإنياذة فرجيل إلى حكايات السندباد البحرية وقصص ألف ليلة وليلة البحرية الشعبية، وما تضمنته من حكايات عرائس البحر وجنيات البحر ومن تصوير أسطوري لعالم البحر...أن أدب البحر هو ذلك الأدب الذي يستهدف التعبير عن عالم البحر، والذي يكون البحر موضوعه الرئيس المؤثر في الأحداث والشخصيات، وفي الرؤية الكلية للعمل الأدبي. وهو أدب مهم يشكل جزءاً أساسياً من تراث البشرية وحضارتها. إذ يضم أدب البحر الأسطورة والملحمة والشعر والحكاية الشعبية وأدب الرحلات البحرية والقصة والرواية."

يقول الناقد محمد دكروب، في تقديمه لكتاب حنا مينة: حوارات وأحاديث في الحياة والكتابة الروائية (دار الفكر الجديد، 1992) في معرض حديثه عن السؤال التقليدي الذي يوجّه إلى حنا مينة عن علاقة روايته الشراع والعاصفة برواية همنغواي الشيخ والبحر، يقول إنه يعرف من خلال علاقته بحنا مينة،

" أنه أنجز كتابة الشراع والعاصفة في العام 1954. وأنه لم يتح له في حينه أن ينشرها، وفي العام 1956، رحل حنا عن بلاده مشرداً، دار العالم تقريباً، بحثاً عن العمل والعيش: من بلادنا إلى الصين، ومن الصين إلى بلدان أخرى، فإلى بلغاريا وغيرها، سنوات وصل تعدادها إلى العشر. ومخطوطة الرواية دارت في البداية معه، ثم أرسلها إلى صديقه القاص سعيد حورانية، وكان مشرداً أيضاً في بيروت، فضلت الرواية طريقها، وضاعت زمناً، ولم تصدر الشراع والعاصفة إلا في العام 1966. إلى جانب ذلك، فإن رواية همنغواي الشيخ والبحر صدرت في العام 1952، وحنا مينة لا يطالع بأية لغة أجنبية، وقراءته الفرنسية صعبة جداً، والرواية هذه لم تنقل إلى العربية إلا بعد سنوات من صدورها."


ثم يذكر أن هناك " اختلافاً أساسياً بين الروايتين: اختلاف تام في الحدث، وفي المناخ، وفي الشخصيات، فليس من تشابه أبداً بين سانتياغو عند همنغواي و طروسى  عند حنا مينة، والقضية نفسها مختلفة كلياً، ومسار كل من العملين الروائيين مختلف أيضاً، وكذلك الهدف والموضوع”.
في كتابه الرجولة وأيديولوجيا الرجولة في الرواية العربية يخصص جورج طرابيشي قسماً لدراسة أدب حنا مينة، يبدأ بفصل عنوانه من مثال الأنا إلى الأنا المثالي، تتصدره عبارة حنا "مباركة رجولة الرجال ثلاثة"، ويفتتحه بهذه الفقرة الدالة نقدياً:

 " أكثر ما يلفت النظر في نتاج هذا الكاتب القفزة النوعية الكبرى التي تفصل رواياته الأولى: المصابيح الزرق (1954) والشراع والعاصفة (1958)- تاريخ كتابتها لا تاريخ نشرها- والثلج يأتي من النافذة (1969) عن رواياته التالية: الشمس في يوم غائم (1973) والياطر (1975) وحكاية بحار (1981). فنسبة الروايات الأولى إلى الروايات الثانية أشبه بنسبة ما قبل التاريخ إلى التاريخ. فما نطالعه في المصابيح الزرق أو الشراع والعاصفة هو الرواية التأسيسية بكل ما تعنيه هذه الصفة من تقليد وتجريب وعدم امتلاك لأسلوب فني مميّز وشخصي؛ أما الشمس في يوم غائم أو الياطر  أو حكاية بحار فتضعنا في مواجهة روائي استطاع أن يجتاز في سنوات قليلة، وبتجربته الشخصية، كل المسافة الفاصلة بين التأسيس والنضج... وإذ يركز حنّا مينة على الصراع الطبقي والبحث عن عالم جديد فإنه يرى أن الإرادة الإنسانية هي الفيصل في تحقيق الآمال وحل الكثير من المشكلات، هو يوضح ما تحتاج إليه الإرادة الإنسانية من عزمٍ وإصرارٍ ووعي، لذلك فإن أبطال حنّا مينة لا تقلقهم القضايا الميتافيزيقية كالدين والله، كما هو الأمر عند بعض أبطال نجيب محفوظ، وإن كانت التقاليد والأعراف تمثل عقبة في طريق ما يصبون إليه".

 

كما شارك حنّا مينة بنفسه في كتابة رؤى وهواجس حول كتابته الروائية ذكر فيها أن التجديد الذي قدمه للرواية العربية لم يكن في الشكل وإنما في الموضوعات التي تطرق إليها، مشيرا إلى رواياته التي تحدثت عن البحر (في ثلاثيته وغيرها) و الغابات والمعارك الحربية (مثل ما نجد في الياطر والأرقش والغجرية) بل لقد انتقل إلى مجتمعات بلدان أخرى ليقدمها بشكل واقعي وكذلك جبال الثلج وقت جنون العاصفة على حد تعبيره .

أصدرت مجلة الرياض كتابا خاصا عنه من إعداد عبد الله أبو هيف حنّا مينة في مرايا النقد حوى عددا من الدراسات والقراءات النقدية لمشروعه الروائي والأدبي بشكل عام.كما خصصت له مجلة المعرفة الصادرة عن وزارة الثقافة السورية ملفا خاصا بعد رحيله في 2018 جمعت  فيه مقالات لناشره سهيل إدريس صاحب دار الآداب ومن النقاد ثائر نور الدين وناظم مهنا وغيرهما، بالإضافة إلى ذلك جمع محمد دكروب عددا من حواراته وأحاديثه في كتاب خاص ضمن سلسة الكتاب الجديد عام 1992.

 

اقتبس عدد من روايات حنّا مينة  في أعمال سينمائية وتلفزيونية شهيرة، لعل أبرزها مسلسل نهاية رجل شجاع (1994).  كما حُوّلت روايته المصابيح الزرق إلى مسلسل بالعنوان نفسه عرض في رمضان 2012، ونقلت السينما خمس روايات له كلها من إنتاج المؤسسة العامة للسينما، وهي بقايا صور عام 1973 وفيلم اليازرلي عام 1974 ، ثم الشمس في يوم غائم عام 1985  وفيلم آه يا بحر المأخوذة عن رواية الدقل، وأخيرا فيلم الشراع والعاصفة عام 2011 .

 

حين نشرت صحف ووسائل إعلام نص وصية حنا مينة، لم يدرك أغلبها أنها في الواقع تعيد نشر ما كتبه بخط يده قبل ذلك بسنوات، ونشرته وقتها بعض الصحف السورية. وفي المرتين، لم يعتن أحد بالبحث في الأسئلة التي يثيرها نص الوصية التي كانت عبارة: لا تذيعوا خبر موتي أبرز ما فيها وأكثرها مدعاة للتفكير. أسئلة من قبيل: ما المعنى الذي يريد حنا أن نعرفه من وصيته تلك؟ ما هي دوافعه ومسوغاته؟ هل يحقّق المعنيون بالوصية ما أراده الرجل، وظل مصراً عليه طوال عشر سنوات؟ بعد عشر سنوات على تاريخ كتابة الوصية مات حنا مينة عن أربعة وتسعين عاماً. وبعد ثلاثة أيام نقض الجميع؛ كل في ما يخصه، وصية الرجل، وبفجاجة ظاهرة خالفوا أهم ما فيها، غير مكترثين باعتذاراته واستغاثاته.

رغبة الرجل بحسب وصيته كانت مشروعة ومقبولة وفق أي اعتبار إنساني أو ديني أو أخلاقي، هكذا طلب: " عندما ألفظ النفس الأخير، آمل، وأشدد على هذه الكلمة، ألا يُذاع خبر موتي في أية وسيلةٍ إعلامية، مقروءة أو مسموعة أو مرئية،(…)، أعتذر للجميع، أقرباء، أصدقاء، رفاق، قُرّاء، إذا طلبت منهم أن يدعوا نعشي، محمولاً من بيتي إلى عربة الموت، على أكتاف أربعة أشخاصٍ مأجورين من دائرة دفن الموتى، وبعد إهالة التراب علي، في أي قبر مُتاح، ينفض الجميع أيديهم، ويعودون إلى بيوتهم، فقد انتهى الحفل، وأغلقت الدائرة. لا حزن، لا بكاءٌ، لا لباس أسود، لا للتعزيات، بأي شكلٍ، ومن أي نوع، في البيت أو خارجه، ثمّ، وهذا هو الأهم، وأشدد: لا حفلة تأبين، فالذي سيقال بعد موتي، سمعته في حياتي، وهذه التآبين، وكما جرت العادات، منكرة، منفّرة، مسيئة إليّ، أستغيث بكم جميعاً، أن تريحوا عظامي منها ."

في الوصية، يعيد حنا مينة الإشارة سريعاً إلى بعض ما سبق له أن ذكره مرّات كثيرة تستعصي على الحصر، من سيرة حياته الشخصية والسياسية والأدبية، سيرة قدّمها في أشكال تعبيرية مختلفة: قصص، وروايات، ومقالات. وفي الثمانين من عمره أصدر كتاباً بعنوان الرواية والروائي تضمَّن عدة فصول، من بينها فصل بعنوان: عن الحياة والكتابة تطرق فيه إلى سيرة حياته، وكأنه يستوحي البيتين الشعريين المشهورين لأبي العلاء المعري:

مَن كان يَطلبُ مِن أيّامِهِ عَجباً         فلي ثمانونَ عاماً لا أرى عَجبا
الناسُ كالناسِ والأيامُ واحدةٌ         والدّهرُ كالدّهرِ والدنيا لِمَن غَلَبا

الوصية، إذاً، رجع صدى لموقف ثابت كرّره حنا مينة مرات كثيرة. فعن الحياة والكتابة ذكّر بحكمة المعري فكتب:

 " لم أكن أتصور، حتى في الأربعين من عمري، أننى سأصبح كاتباً معروفاً. فقد ولدت، كما هو معروف عني، بالخطأ، ونشأت بالخطأ، وكتبت بالخطأ أيضاً. (…) والدتي اسمها مريانا ميخائيل زكور، وقد رُزقت بثلاث بنات كنَّ، بالنسبة لذلك الزمان، ثلاث مصائب..شاء القدر أن تحمل وتلد البنات الثلاث بالتتابع، الأمر الذي كان يحمل إليها مرارة الشقاء، بالتتابع أيضاً. إن وعي الوجود عندي، ترافق مع تحول التجربة إلى وعي، وكانت التجربة الأولى في حي المستنقع الذي نشأت فيه في اسكندرونة، مثل التجربة الأخيرة، حين أرحل عن هذه الدنيا. (…) أمي وأخواتي الثلاث، عملن خادمات. عملت أنا الصبي الوحيد، الناحل، أخيراً، كذلك عمل الوالد، سليم حنا مينة، الخائب في كل أعماله ونواياه، حمّالاً في المرفأ، بائعاً للحلوى وللمرطبات، مرابعاً في بستان قاحل إلا من أشجار التوت، ومربياً لدود القز، ثم عاود بين كل هذه الأعمال وأثنائها سيرته في الترحال.(…) من اللاذقية، حيث ولدت، تشرد الوالد، وجر العائلة معه إلى متاهة الضياع، وهذا التشرد فرض علي البحث عن اللقمة أولاً، وفرض علي ثانياً العمل الشاق في السياسة، وأمنيتي الآن أن أتشرد من جديد، لأننى أكاد أتعفن بين الجدران الأربعة في مكتبي في الوظيفة، ومن مكتبي في البيت، الذي أعمل فيه وسط شروط لا إنسانية!" 

في وصيته، يحرص حنا مينة على إعادة تأكيد صورته كما تمنى أن تظل عالقة في ذاكرة القراء، فكتب:

" كل ما فعلته في حياتي معروف، وهو أداء واجبي تجاه وطني وشعبي، وقد كرَّست كل كلماتي لأجل هدف واحد: نصرة الفقراء والبؤساء والمعذبين في الأرض، وبعد أن ناضلت بجسدي في سبيل هذا الهدف، وبدأت الكتابة في الأربعين من عمري، شرّعت قلمي لأجل الهدف نفسه، ولما أزل”. صورة الروائي هذه في كلماته الأخيرة، هى صدى ما قاله مراراً منذ أن أضحى روائياً مشهوراً.

ففى حديث له نشرته جريدة الجمهورية العراقية (4 / 4 / 1974) قال: " أنا كاتب الكفاح والفرح الإنسانيين، وقد أثبتت الأيام أن تفاؤلي وثقتى مبنيان على صخرة.. “. هذا الوصف البالغ البذخ في تقدير دور الكاتب ومكانته ومهامه في الحياة جزء أصيل من شخصية حنا مينة. لذلك، كان من المنطقي أن يسأل القارئ المتابع لمنجزه الإبداعي عن مسوغات الوصية وغاياتها، فهل يعترض الكاتب على الواقع ويشهر في وجهه موقفاً رافضاً، أم إنه يتماهى مع نرجسية غير واعية تتعالى على الواقع وتريد أن تتشكل في مفارقة صارخة؟
في تقديمها لرواية بقايا صور؛ التي عنوانها جدليّة الخوف والجرأة، تذكر الدكتورة نجاح العطار أن حنا مينة في كتابه ناظم حكمت وقضايا أدبية وفكرية، الذي يعرض فيه لحياة وأفكار الشاعر التركي ناظم حكمت وقضايا أخرى، يذكر حكاية عن تيمورلنك القائد المغولي المشهور، وقد أخذه العجب بنفسه وسأل الشاعر كرماني: يا كرماني، بكم تشتريني لو عُرضت في سوق البيع؟، فيجيبه كرماني: بخمسة وعشرين ديناراً، فيقول تيمورلنــك: ولكن حزامـي وحده يساوي هذه القيمة، فيقول كرماني: إنَّما كنت أفكر بحزامك وحده، لأنك أنت نفسـك لا تساوي فلساً واحداً."
ثم تذكر العطار: " ولهذا علق غوركي (الكاتب الروسي الشهير) على هذه الحكاية بقوله: " هكذا خاطب الشاعر ملك الملوك، رجل الهول والشر تيمورلنك، فليرفع مجد الشاعر، صديق الحق، فوق مجد تيمورلنك" ، وعلق حنا مينة على الحكاية قائلاً: " إن الحق في شرف الكلمة هو الشعار الذى يرفع على سارية عالية، مغروزة في زنّار الذين أعطوا أن يقولوها، ثم يتقدّمون ولا يهابون."
المدهش أن الدكتورة العطار عرفت حنا مينة جيداً، فهما قد اشتركا في عام 1976 في كتابة مجموعة قصصية عنوانها من يذكر تلك الأيام، ودراسة بعنوان أدب الحرب، وتعاونا في كثير من المجلات والمؤتمرات والأنشطة الثقافية الرسمية والشعبية، وجمعتهما صداقة ظاهرة للغاية، ومع ذلك لم تجد غضاضة في كسر سارية حنا مينة الأخيرة، فوقفت تتلقى العزاء.

حياة حنّا مينة ليست سيرة نجاح أدبي فقط، بل تجسيد لفكرة أن الإرادة قادرة على تحويل الخطأ إلى ضرورة، والفقر إلى رؤية، والبحر إلى ميتافيزيقا واقعية. لقد أراد أن يُذكر بوصفه كاتب الفقراء، نصير المعذبين، وأن تُغلق الدائرة بصمت.

لكن المفارقة أن من يكتب للناس لا يملك أن يملي عليهم طريقة وداعه. فالكلمة، كما قال، لا تموت كورقة خضراء قطعت من غصنها، لأنها تصير جزءًا من كنز الثقافة المتراكم. وربما لهذا تحديدًا لم يكن ممكناً تنفيذ وصيته: لأن صوته ظلّ داويًا، أقوى من صمت القبر، وأبعد من حدود البحر الذي أحبّه.

 

#حنّا_مينة#الأدب_العربي#الرواية_العربية#أدب_البحر#المصابيح_الزرق#الشراع_والعاصفة
#
الواقعية#الصراع_الطبقي#نهاية_رجل_شجاع#سيرة_ذاتية#نجيب_محفوظ#الثقافة_السورية

 

 

Hanna Mina (1924–2014) was one of the most prominent Syrian novelists and a leading figure in modern Arabic realism. Born in Latakia, his early life was marked by poverty and hard labor, experiences that deeply shaped his literary vision. Mina worked in numerous professions—porter, barber, sailor, journalist—before dedicating himself fully to writing.

He authored around forty novels, among them The Blue Lamps and The Sail and the Storm, which established him as the foremost “novelist of the sea” in Arabic literature. The sea in his fiction is not merely a setting, but a symbolic space reflecting human struggle, social injustice, and class conflict. His works explore themes of poverty, resistance, exile, and the dignity of ordinary people.

Mina also wrote autobiographical novels such as Fragments of Memory, blending personal history with broader social realities. Influenced by socialist thought, he believed literature should serve society and defend the oppressed. His commitment to realism and social engagement earned him major literary awards, including the Sultan Al Owais Award.

Even in death, Mina remained a controversial figure. His will—requesting that news of his death not be announced and that no public mourning be held—sparked debate, reflecting his lifelong complex relationship with fame, recognition, and public image.

Hanna Mina’s legacy endures as a powerful voice of struggle, human resilience, and the transformative power of literature.

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسرار الجازي وماثيو: رواية التاريخ والحكاية في قلب السعودية

حين يتكلّم الصمت: رحلة ابراهيم فرغلي بين الذاكرة والخيال

أصوات مصر: كيف كتب الكاسيت تاريخ الجماهير