في مستعمرة العقاب لفرانز كافكا : حين يتحوّل القانون إلى آلة للقتل
هل يمكن للآلة أن تحل محل الضمير؟
في مستعمرة كافكا، يصبح القانون أقوى من
الإنسان، والجسد مجرد نص يُكتب بالدم.
لا تحتاج الطاعة العمياء إلى جلاد، فالمتفرّج الصامت يكفي لاستمرار العنف.
انهيار النظام لا يعني العدالة، بل يكشف
الفراغ خلف الطقوس الميكانيكية.
هذا النص ليس مجرد قصة، بل تجربة فلسفية
في فهم السلطة، والذنب، والوجود.
#InThePenalColony #FranzKafka #PhilosophicalLiterature #JusticeAndObedience #Kafkaesque #LiteraryAnalysis
مقدمة
فرانز كافكا كاتب تشيكي الأصل
كتب أعماله بالألمانية ولد في الثالث من حزيران / يوليو 1883 في مدينة براغ التي كانت آنذاك جزءاً من الإمبراطورية النمساوية
المجرية لعائلة
ألمانية من الطبقة الوسطى. عمل موظّفاً في شركة
تأمين، مما جعله يُمضي وقت فراغه في الكتابة. على مدار حياته، كتب كافكا مئات
الرسائل للعائلة والأصدقاء المقربين، بما في ذلك والده، الذي كانت تربطه به علاقة
متوترة وسيئة. خَطب بضعة نساءٍ لكن لم يتزوّج أبداً. توفي عام 1924 عن عمر يناهز
الـ40 بسبب مرض السل. نشر القليل من كتاباته خلال
حياته، منها مجموعة قصصية تحت عنوان تأمل وأخرى
بعنوان طبيب ريفي ونوفيلا المسخ التي
نُشرت في مجلّة أدبية ولم تحظَ باهتمام. نشر صديقة ماكس برود أعماله كافكا الأخرى
ومنها المحاكمة و القلعة و أمريكا وغيرها . يعتبر كافكا رائد الكتابة الكابوسية
وهو أحد أفضل أدباء الألمانية في الرواية والقصة القصيرة تُصنّف أعماله بكونها
واقعية عجائبية. عادةً
ما تتضمّن قصصه أبطالاً غريبي الأطوار يجدونَ أنفسهم وسطَ مأزِقٍ ما في مشهدٍ
سريالي ، وكل ذلك يُعزى لمواضيعه النفسية التي
يتناولها في أعمالِه مثل الاغتراب الاجتماعي والقلق والذعر والشعور بالذنب والعبثيّة. أكثر أعماله شُهرةً هي المسخ
والمحاكمة و القلعة. وقد ظهر الأدب مصطلح الكافكاوية رمزاً إلى
الكتابة الحداثية الممتلئة بالسوداوية والعبثية.
تركّز القصة على المسافر الذي
يصل إلى مستعمرة جزائية نائية ويشهد لأول مرة آلة الإعدام الوحشية الخاصة بها.
يشرح له الضابط، المؤيد المخلص للقائد السابق، كيفية عمل الآلة المعقدة وغرضها
وتاريخها، بينما يراقب الجندي والمحكوم عليه بهدوء. يُفترض دائمًا أن المتهم مذنب،
ويُعاقب بنقش القانون الذي خالفه تدريجيًا على جسده حتى الموت خلال 12 ساعة، مع
تجربة صوفية متوقعة في الساعات الأخيرة. بعد وفاة القائد السابق وتراجع شعبية
الآلة، يصبح الضابط آخر مؤيد لها، ويتوسل إلى المسافر للتحدث إلى القائد الحالي،
لكنه يرفض، فيحرر الضابط المحكوم عليه وينصب الآلة لنفسه، فتتعطل الآلة وتقتل
الضابط قبل أن يختبر التجربة الصوفية. في النهاية، يذهب المسافر برفقة الجندي
والمحكوم عليه إلى بيت الشاي حيث قبر القائد السابق،
يذهب المسافر على الفور إلى الميناء ويبحث عن شخص ليأخذه
إلى الباخرة التي يسافر عليها. ويصد
محاولات الجندي والمحكوم عليه في ملاحقته . لنبدأ
إذن من حيث يبدأ كافكا دائمًا: من القانون قبل الإنسان.
أولاً : حين يكتب القانون
نفسه على الجسد
ليست في مستعمرة العقاب[1] عند فرانز كافكا حكاية عن قسوةٍ استثنائية أو عدالةٍ
منحرفة في مكانٍ بعيد، بل هي تجربة فكرية تُقام داخل فضاء مغلق، حيث يصبح القانون
أسبق من الفهم، وأقدم من اللغة، وأقسى من أي تأويل إنساني. لا يدخل القارئ هذه
المستعمرة بوصفه شاهدًا بريئًا، بل بوصفه جسدًا محتملًا، وقابلًا للكتابة، وقابلًا
للعقاب. فالقانون هنا لا يُقرأ ولا يُناقَش؛ إنه يُنقش، ويُحفَر، ويُغرس في اللحم
حتى يتحول الجسد ذاته إلى وثيقة إدانة.
في هذا النص، لا يسأل كافكا:
ما العدالة؟ بل يسأل سؤالًا أكثر رعبًا: أين
تحدث العدالة؟ هل تقع في ساحة النقاش، أم في صمت
الآلات، أم في الألم الذي يُنتج معرفة متأخرة لا تُنقذ صاحبها؟ إن العدالة في هذه
المستعمرة لا تُمارَس بوصفها قيمة أخلاقية، بل بوصفها طقسًا مغلقًا، ونظامًا
مكتفيًا بذاته، لا يحتاج إلى قناعة المحكوم عليه، ولا حتى إلى اعترافه. الذنب سابق
على الجريمة، والحكم سابق على السؤال، والمعنى لا يُمنَح إلا في اللحظة التي
يتلاشى فيها الجسد.
لا تظهر آلة الإعدام في مستعمرة
العقاب كأداة تنفيذ، بل كعقلٍ بديل، عقلٍ معدنيٍّ يتولى وظيفة التفسير والحكم
والإفصاح. إنها آلة تكتب القانون كتابة حرفية، تُحوِّل المجاز إلى جرح، واللغة إلى
نزيف. وهكذا، يصبح الفهم ذاته شكلًا من أشكال العقاب: لا يصل المحكوم إلى إدراك
ذنبه إلا عندما يستحيل الإدراك خلاصًا.
بهذا المعنى، لا تقدّم في مستعمرة
العقاب عالمًا شاذًا أو استثنائيًا، بل تكشف منطقًا كامنًا في صميم الحداثة:
حين ينفصل القانون عن الإنسان، ويتحوّل الإجراء إلى مقدّس، تصبح العدالة نظامًا
أعمى لا يحتاج إلى قسوةٍ واعية كي يكون قاتلًا. إن كافكا لا يكتب عن الاستبداد
بوصفه انحرافًا، بل عن الطاعة حين تتحول إلى بنية كونية، وعن القانون حين يكتب
نفسه بنفسه، فوق الأجساد، وضد الحياة.
نتابع النزول خطوة أخرى داخل
هذا العالم المغلق.
ثانياً : المستعمرة
بوصفها عالمًا مكتفيًا بذاته
ليست المستعمرة في نص كافكا
مجرد مكان جغرافي معزول، بل هي نظام وجودي مغلق، عالم لا يعترف بالخارج،
ولا يحتاج إليه. إن أخطر ما في هذا الفضاء ليس قسوته، بل اكتماله؛ فهو عالم
يملك منطقه، وطقوسه، وشرعيته الداخلية، ولا يرى سببًا واحدًا لتبرير نفسه أمام
أحد. هنا لا يوجد استئناف، ولا اعتراض، ولا حتى حاجة إلى إقناع. يعمل القانون لأنّه موجود، ولأنه يعمل، فهو عادل.
في مثل هذا العالم، تغيب
المسافة بين السلطة وممارستها. لا توجد مؤسسات متعددة، ولا مستويات للقرار، ولا
طبقات من التأويل. كل شيء يحدث في نقطة واحدة كثيفة: الحكم والتنفيذ والمعنى. لا
تعرف المستعمرة الزمن بوصفه تطورًا، بل
بوصفه تكرارًا طقوسيًا؛ العقوبة تُعاد بالطريقة نفسها، والآلة تكتب الجملة ذاتها
على أجساد مختلفة، كما لو أن التاريخ هنا يدور في حلقة مغلقة لا تعرف التقدم ولا
الانكسار.
إن غياب الخارج هو ما يمنح
هذا العالم قوته المرعبة. فلا توجد مرجعية أخلاقية تقف فوق النظام، ولا قانون أعلى
يُقاس به هذا القانون. كل سؤال يُطرَح من الخارج يبدو غريبًا، بل غير مفهوم.
ولهذا، فإن حضور المسافر لا يشكّل تهديدًا حقيقيًا للنظام، لأنه لا يحمل
سلطة بديلة، ولا يقترح قانونًا آخر، بل يكتفي بالمشاهدة. والمشاهدة، في عالم كهذا،
لا تُربك شيئًا.
تعمل المستعمرة وفق منطق قريب
من المنظومات اللاهوتية المغلقة: القانون هنا يشبه الوحي، لا يُفسَّر بل يُنفَّذ،
ولا يُناقَش بل يُؤمَن به. إن العدالة ليست نتيجة تفكير، بل نتيجة طاعة. ولهذا،
فإن النظام لا ينهار بسبب الظلم، بل ينهار فقط حين يتعطّل إيمانه بنفسه.
بهذا التصوير، يكشف كافكا أن
أخطر أشكال العنف ليست تلك التي تواجه مقاومة، بل تلك التي لا ترى نفسها عنفًا
أصلًا. فالعالم المكتفي بذاته لا يحتاج إلى تبرير أفعاله، لأنه لا يعترف بوجود
محكمة أعلى منه. وهنا، تصبح المستعمرة نموذجًا فلسفيًا لعالمٍ يُغلق على نفسه،
ويحوّل القانون إلى قدر، والعدالة إلى صمتٍ ميكانيكي لا يسمع إلا صوت الآلة.
نمضي إلى القلب الحديدي للنص،
إلى حيث تتحول الفكرة إلى جرح.
ثالثاً : الآلة: حين يصبح
القانون كتابةً على الجسد
لا تمثّل آلة الإعدام في المستعمرة
أداة تنفيذ فحسب، بل تمثّل التحقّق المادي لفكرة القانون. إنها اللحظة التي يفقد فيها القانون طابعه
الرمزي ويتحوّل إلى فعلٍ حسيٍّ مباشر، يُمارَس على الجسد دون وسيط. فالقانون هنا
لا يُعلَن ولا يُقرأ ولا يُدرَّس، بل يُحفَر حفراً، ليصبح الألم هو اللغة الوحيدة
القادرة على حمل المعنى.
في هذه الآلة، يختفي الفرق
بين النص والتطبيق. فالجملة القانونية لا تُكتب على ورق، بل على الجلد، والشرح لا
يُقدَّم بالكلمات، بل بالنزيف المتدرّج. المعرفة التي تمنحها الآلة ليست معرفة
عقلية، بل معرفة جسدية متأخرة، لا تُنتج خلاصًا، بل وعيًا يجيء في اللحظة التي
يستحيل فيها الفعل. إن الفهم هنا ليس حقًا من حقوق الإنسان، بل جزء من العقوبة
ذاتها.
بهذا المعنى، تُعيد الآلة
تعريف العلاقة بين السلطة والمعرفة. فالمعرفة لا تُستخدم لتخفيف الألم أو منعه، بل
لتبريره وإكماله. كل خط يُنقَش على الجسد هو برهان على عدالة النظام، وكل صرخة
تُفسَّر بوصفها مرحلة ضرورية في مسار الكشف. وكأن الحقيقة لا تُنال إلا عبر العذاب،
ولا تُدرَك إلا حين يصبح الإدراك بلا جدوى.
إن الجسد، في هذا النظام،
يفقد كونه كيانًا إنسانيًا مستقلاً، ويتحوّل إلى سطح كتابة، إلى مساحة خاضعة
للتأويل القسري. لم يعد الجسد حاملًا للكرامة، بل حاملًا للنص، ولم تعد الذات مصدر
المعنى، بل مادته الخام. وهكذا، تتحول اللغة ذاتها إلى أداة عنف، وتفقد قدرتها على
الحوار، لتغدو نقشًا أحادي الاتجاه لا يقبل الرد.
تكشف الآلة، في صمتها
المعدني، عن أخطر أوهام الحداثة: الاعتقاد بأن النظام، حين يكون دقيقًا ومحكمًا،
يكون عادلًا بالضرورة. فهنا لا يحتاج القانون إلى قاضٍ رحيم ولا إلى ضمير يقظ، لأن
الآلة — بما تملكه من انتظام وبرودة — تؤدي وظيفة العقل، وتستبعد الإنسان بوصفه
عنصرًا قابلًا للشك. في هذا الاستبعاد تحديدًا، يبلغ العنف ذروته: حين يُطرد
الإنسان من العدالة باسم العدالة نفسها.
نواصل، إلى حيث يتجسّد
الإيمان لا بوصفه قيمة روحية، بل بوصفه طاعة بلا سؤال.
رابعاً : الضابط: الإيمان
الأعمى بالإجراء
يمثّل الضابط في مستعمرة
العقاب أكثر شخصيات النص رعبًا، لا لأنه ساديّ أو متوحش، بل لأنه مؤمن. إيمانه ليس بالعدالة، ولا حتى بالقانون
بوصفه قيمة أخلاقية، بل بالإجراء ذاته، بالنظام كما هو، وبالآلة بوصفها تجسيدًا
نهائيًا للحقيقة. إنه لا يدافع عن العقوبة لأنها عادلة، بل لأنها مطبَّقة، ولا يرى
في النظام وسيلة لتحقيق العدالة، بل يرى العدالة كامنة في انتظام النظام نفسه.
في الضابط، يبلغ الانفصال بين
الأخلاق والإجراء ذروته. فهو لا يسأل عن ذنب المحكوم، ولا عن تناسب العقوبة، ولا
عن معنى العدالة، لأن هذه الأسئلة — في نظره — علامات ضعف أو خيانة. ما يمنح
النظام شرعيته ليس نتائجه، بل استمراريته. وهنا يتحول الضابط إلى كاهنٍ للآلة،
يحرس طقسها، ويشرح تفاصيلها، ويؤدي شعائرها بشغفٍ يكاد يكون جماليًا.
تكشف هذه الشخصية أن أخطر
أشكال السلطة ليست تلك التي تُمارَس بالقوة، بل تلك التي تُمارَس بالحب. فالضابط لا يُجبر على الطاعة، بل يختارها، ويجد فيها معنى وجوده. إنه
لا يرى نفسه أداة في يد النظام، بل حارسه الأخير، والشاهد على نقائه، والضامن
لاستمراره. وهكذا، يصبح الإنسان خادمًا للمنظومة التي تسحقه، مدافعًا عن العنف
الذي يمنحه هوية.
إن مأساة الضابط لا تكمن في
قسوته، بل في عجزه عن تخيّل عدالة خارج هذا النظام. فبالنسبة له، لا توجد عدالة
بلا آلة، ولا قانون بلا نقش، ولا معنى بلا ألم. كل بديل يبدو فوضويًا، وكل شكّ
يبدو تهديدًا. بهذا المعنى، لا يمثل الضابط فردًا شاذًا، بل نموذجًا إنسانيًا
متكررًا: الإنسان الذي يتماهى مع السلطة حتى يفقد قدرته على تخيّل نفسه خارجها.
يضعنا كافكا أمام حقيقة
قاسية: لا تعيش الأنظمة لأنها مفروضة بالقوة وحدها، بل لأنها تجد من يؤمن بها
إيمانًا كاملًا. والضابط، في إيمانه الأعمى بالإجراء، يكشف أن الطاعة حين تتحول
إلى عقيدة، تصبح أكثر فتكًا من أي استبداد معلن.
نتابع إلى المفصل الفلسفي
الأخطر في النص، حيث ينقلب منطق العدالة رأسًا على عقب.
خامساً : الذنب قبل الجريمة:
الانقلاب الكافكوي للعدالة
في مستعمرة العقاب
لا يُدان الإنسان لأنه ارتكب جريمة، بل يُعاقَب لأنه موجود داخل نظام يفترض
الذنب سلفًا . إن الجريمة هنا ليست
حدثًا يُستقصى، بل ذريعة شكلية تسمح بتفعيل العقوبة. ولهذا لا يحتاج المحكوم عليه
إلى معرفة تهمته، ولا إلى الدفاع عن نفسه، لأن الدفاع يفترض براءة محتملة،
والبراءة فكرة غير قابلة للتصوّر في هذا العالم.
يقدّم كافكا، عبر هذا المنطق
المقلوب، واحدة من أعمق مفارقاته الفلسفية: العدالة التي لا تبحث عن الحقيقة، بل
تنتجها بعد فوات الأوان. فالحكم لا ينتظر الإثبات، والإدانة لا تحتاج إلى اعتراف.
الذنب هنا حالة أنطولوجية، صفة ملازمة للوجود داخل النظام، لا نتيجة لفعل محدد. أن
الإنسان مذنب لأنه خاضع، وخاضع لأنه مذنب.
يتحوّل القانون، في هذا
السياق، من أداة لتنظيم العلاقات إلى قوة ميتافيزيقية غامضة، تعمل خارج الزمن
الأخلاقي. لا يوجد "قبل" يمكن فيه التبرؤ، ولا "بعد"
يمكن فيه التراجع. كل شيء يحدث في حاضرٍ مغلق، حيث الحكم مكتمل منذ البداية،
والعقوبة ليست سوى كشف متأخر عن مصيرٍ محسوم.
هذا التصوّر يدمّر الأساس
العقلاني للعدالة الحديثة، التي تقوم على مبدأ المعرفة والنية والمسؤولية الفردية.
ففي مستعمرة كافكا، لا يُحاسَب الإنسان على ما فعل، بل على ما هو عليه في نظر
النظام. وهكذا، تُلغى الذات الأخلاقية لصالح ذات قانونية صمّاء، لا تُعرَّف إلا
بعلاقتها بالعقاب.
إن أخطر ما في هذا الانقلاب
ليس القسوة، بل المنطق. فالنظام لا يبدو
فوضويًا، بل منسجمًا مع نفسه، متماسكًا داخليًا. وهذا ما يمنحه قوته المرعبة. إذ
حين يصبح الذنب افتراضًا أوليًا، تتحول العدالة إلى دائرة مغلقة لا مخرج منها،
ويغدو الإنسان كائنًا محكومًا لا لأنه أخطأ، بل لأنه وُضع داخل عالم لا يعترف إلا
بالعقوبة.
نصل الآن إلى المنطقة
الرمادية، حيث لا آلة ولا سوط، بل صمت مريح وخطير.
سادساً :المسافر: الحياد،
الشهادة، وأخلاق الامتناع
يحتلّ المسافر في مستعمرة
العقاب موقعًا إشكاليًا بالغ الدلالة: فهو ليس جزءًا من النظام، ولا ضحيةً
مباشرة له، ولا معارضًا حقيقيًا. إنه الشاهد، والمراقب، والعقل العاقل الذي يرى كل
شيء بوضوح، لكنه يختار ألّا يتدخّل. بهذا المعنى، لا يمثّل المسافر البراءة، بل الحياد
بوصفه موقفًا أخلاقيًا ملتبسًا، وربما شكلًا خفيًا من أشكال التواطؤ.
يدرك المسافر قسوة النظام،
ويشعر بنفور داخلي من الآلة ومن منطق العقوبة، لكنه يظل حبيس فكرة الاحترام الشكلي
للاختلاف الثقافي، والامتناع عن الحكم. إنه يراقب باسم العقلانية، ويصمت باسم
الموضوعية، ويؤجّل الفعل باسم عدم الانتماء. غير أن هذا الامتناع لا يوقف العنف،
بل يسمح له بالاستمرار دون مقاومة.
في عالم كافكا، لا يُدان
المسافر لأنه يؤمن بالنظام، بل لأنه يفهمه دون أن يرفضه . فالفهم، حين لا يتحول إلى موقف، يصبح
جزءًا من الآلية ذاتها. وهكذا، يؤدي المسافر وظيفة حاسمة في استمرارية العنف:
يمنحه الشرعية الصامتة التي يحتاجها ليبدو مقبولًا، أو على الأقل غير قابل للتحدي.
تُظهر هذه الشخصية أن العنف
لا يحتاج دائمًا إلى جلاد متحمّس، بل يكفيه شاهد متردّد. فالنظام لا يطلب من
المسافر أن يشارك، بل أن لا يعترض. وهذا الشرط المتواضع هو ما يجعله شديد الخطورة.
إن الحياد، في سياق الظلم البنيوي، لا يعني الوقوف خارج الصراع، بل الوقوف في صف
الأقوى دون إعلان.
يضعنا كافكا هنا أمام سؤال
أخلاقي حاد: هل تكفي المعرفة لتبرئة الضمير؟ أم أن الامتناع عن الفعل، حين يكون
الفعل ممكنًا، يتحول إلى شكل من أشكال الذنب؟ في مستعمرة العقاب، لا يكون الشر
صاخبًا دائمًا، بل هادئًا، عقلانيًا، ومهذبًا — ويجلس أحيانًا في مقعد المتفرّج.
نصل الآن إلى لحظة الانكسار،
لا بوصفها خلاصًا، بل بوصفها فضيحة المعنى.
سابعاً : انهيار الآلة: حين
يلتهم النظام خادمه
لا يحدث انهيار الآلة في مستعمرة
العقاب بوصفه انتصارًا للعدالة أو صحوةً أخلاقية، بل يحدث كخلل داخلي، كفشل تقني
في نظامٍ فقد قدرته على الاستمرار حتى في قسوته. حين يضع الضابط نفسه تحت الآلة،
لا يفعل ذلك توبةً أو اعترافًا، بل وفاءً مطلقًا. إنه
لا يشك في النظام، بل يسلّم جسده له باعتباره البرهان الأخير على عدالته.
غير أن الآلة، في هذه اللحظة
الحاسمة، تخونه. لا تكتب الجملة الموعودة، لا تمنحه الاستنارة التي طالما بشّر
بها، بل تقتله قتلًا أخرس، وبلا معنى، وبلا نص، وبلا كشف. وهنا تتعرّى الحقيقة
القاسية: النظام الذي وعد بالمعنى لا ينتج إلا الصمت، والنظام الذي ادّعى العدالة
لا يمنح إلا موتًا عبثيًا.
إن هذا الانهيار لا يُنقذ
أحدًا. فالمحكوم الأول يُطلق سراحه دون وعي أو فهم، والضابط يموت دون استنارة،
والمسافر يرحل كما جاء. لا يحدث تحوّل أخلاقي، ولا تُبنى عدالة جديدة. كل ما يحدث
هو أن النظام يفقد انسجامه الداخلي، وينكشف كآلة بلا روح، وبلا غاية، وبلا قدرة
حتى على تبرير عنفه.
تكمن مأساة هذا المشهد في أنه
لا يحمل وعدًا بالخلاص. فالآلة لا تنهار لأنها ظالمة، بل لأنها لم تعد تعمل. والضابط لا يُعاقَب لأنه مخطئ، بل لأنه وضع ثقته في نظام لا يعرف
الوفاء. بهذا المعنى، يقدّم كافكا نقدًا جذريًا لفكرة الاعتماد على البنية وحدها:
حين تُترك العدالة للآليات، فإن فشل الآلية لا يولّد عدالة، بل فراغًا.
في لحظة انهيار الآلة، لا
يولد عالم جديد، بل يظهر الفراغ الذي كان مخفيًا خلف الطقوس. لا معنى، ولا تفسير، ولا
كلمة أخيرة. فقط جسد ميت، وحديد مكسور، ونظام كشف — متأخرًا — أنه لم يكن يحمل
حقيقة، بل يدور حول نفسه حتى التآكل.
نخرج الآن من حدود المستعمرة
لنرى ظلّها وهو يمتدّ على العالم الحديث كلّه.
ثامناً : كافكا والحداثة:
البيروقراطية، التقنية، وقداسة الإجراء
لا تُقرأ في مستعمرة العقاب بوصفها استعارة عن
نظام استبدادي بدائي أو جزيرة نائية خارجة عن الزمن، بل بوصفها نبوءة فلسفية
عن قلب الحداثة نفسها. فالعنف الذي يصفه كافكا ليس فوضويًا ولا انفعاليًا، بل
منظم، ودقيق، ومؤسَّس على إجراءات واضحة. وهذا بالتحديد ما يجعله حديثًا بامتياز.
إن الحداثة، كما يلمّح النص، لا تُلغِي العنف، بل تعيد صياغته في شكل نظام عقلاني
لا يحتاج إلى قسوة شخصية كي يكون قاتلًا.
في هذا السياق، تتحول
البيروقراطية إلى قوة أخلاقية بديلة. القرار لا يصدر عن فرد مسؤول، بل عن سلسلة
إجراءات لا يُسأل فيها أحد عن المعنى النهائي. وهكذا، يُفرَّغ الفعل من مسؤوليته،
ويُعاد توزيعه على النظام بأكمله. لا أحد مذنب، لأن الجميع ينفّذ. ولا أحد مسؤول،
لأن المسؤولية ذابت في الإجراء.
أما التقنية، فتلعب دور
الوسيط المقدّس بين القانون والعنف. فالآلة، بدقتها وانتظامها، تمنح النظام مظهر
الحياد، وتخفي حقيقة أن العنف ما زال يُمارَس على الأجساد. لا تلغي التقنية الألم،
لكنها تجعله يبدو ضروريًا، بل منطقيًا. وهنا يكمن خطرها: حين يتحول العنف إلى
وظيفة تقنية، يفقد قدرته على إثارة السؤال الأخلاقي.
يكشف كافكا أن الحداثة لا
تقدّس القيم، بل الإجراءات. وما دام الإجراء صحيحًا، فإن النتيجة — مهما كانت وحشية — تُعتبر
مقبولة. بهذا المنطق، تصبح العدالة مسألة تقنية، لا مسألة ضمير. وتتحول الأخلاق
إلى تفصيل يمكن تجاوزه باسم الكفاءة والنظام.
في هذا العمل لا يواجه
الإنسان جلادًا متوحشًا، بل نظامًا يعمل بهدوء. وهذا الهدوء هو أخطر ما فيه. إذ
حين يصبح العنف عقلانيًا، وتتحول الطاعة إلى واجب مهني، يفقد الإنسان آخر خطوط
الدفاع الأخلاقي، ويغدو العالم الحديث نسخة موسّعة من المستعمرة: أقل صخبًا، وأكثر
تنظيمًا، وأشد فتكًا.
الرحلة الكافكاوية ما زالت
مستمرة حتى الساعة.
الخاتمة: المستعمرة ليست
هناك، بل هنا
حين يغلق كافكا نصّه، لا يترك
القارئ أمام مشهد بعيد عن الواقع، بل أمام انعكاسه الأكثر رعبًا في الداخل.
أن المستعمرة ليست جزيرة نائية، ولا آلة ميتافيزيقية بعيدة عن التجربة اليومية، بل
نموذجٌ مكثف لكل مكان يصبح فيه القانون أسبق من الإنسان، والطاعة مقدّسة أكثر من
العدالة، والأجساد مسرحًا لتأكيد السلطة. كلما تحوّل الإجراء إلى غاية، وكلما أصبح
النظام أعظم من ضميره، تصبح المستعمرة موجودة هنا، فينا، حولنا، وحتى داخلنا.
يكشف كافكا أن الشر لا يحتاج
إلى إرادة شريرة لتدمير العالم. يكفي أن يتحوّل الفعل الروتيني إلى طقس، والتقنية
إلى قانون، والإيمان بالإجراء إلى عقيدة. في هذا الصمت الحديدي، يصبح الإنسان غير
ضروري إلا بوصفه حاملًا للنص، شاهدًا للآلة، أو متواطئًا بالامتناع. ويكتشف القارئ أن التعاطف، والفهم، أو حتى المعرفة، لا تكفي لإيقاف
العنف إذا لم تتحول إلى موقف.
المستعمرة، بهذا المعنى، ليست
مجرد نص أدبي، بل تجربة فلسفية حية : اختبار
للمسؤولية، وللعدالة، ولقدرة الإنسان على تخيل ما هو أبعد من النظام. إنه تحدٍ
لضميرنا: هل نكتفي بالمشاهدة، أم نملك الشجاعة لكسر الطقس، وإعادة القانون إلى
مكانه الطبيعي — بوصفه وسيلة، لا غاية؟
في النهاية، يكشف كافكا أن أي
نظام، مهما بدا عقلانيًا، وأي آلة، مهما بدت حيادية، يمكن أن يتحول إلى آلة قتل
أخلاقية إذا فقد الإنسان مكانه في دائرة الحساب. ليست المستعمرة هناك، بل هنا، في كل مكان يُستبدل فيه الفعل
بالأجراء، والمعنى بالانتظام، والضمير بالآلة. وكل قراءة لهذا النص هي فرصة
لمواجهة هذا الواقع، ومحاولة فهمه قبل أن يصبح جزءًا منا، وجزءًا من حياتنا
اليومية، وجزءًا من صمتنا المسموح.
#مستعمرة_العقاب
#فرانتس_كافكا #الفلسفة_الأدبية #العدالة #الطاعة_والآلة #الأدب_الكافكاوي
[1] نوفيلا IN THE PENAL COLONY لفرانز كافكا ترجمها كامل يوسف حسين تحت عنوان في
مستوطنة العقاب وصدرت عام 1996 عن
دار شرقيات القاهرية ... وترجمها اسلام فتحي تحت نفس العنوان في العام 2012 وصدرت الترجمة عن دار الحلم. وترجمها حسن الحديدي عن الألمانية تحت عنوان في
مستعمرة العقاب وصدرت في العام
2019 عن دار نشر المحروسة وهناك ترجمة لمصطفى جمال تحت نفس العنوان صدرت في 2024 عن دار نشر ابهار . وترجم عاطف عريقات النص في العام 2022 تحت نفس العنوان وصدر عن دار نشر دار الجنان
.jpg)
.jpg)
تعليقات
إرسال تعليق