جماعة صفر الشعرية: مغامرة الشعر العراقي في زمن الخراب

 



 

في زمن الخراب والضياع، ظهر صوت جديد يرفض الصمت ويؤكد أن الشعر ليس ترفًا، بل ضرورة وجودية. جماعة صفر الشعرية تمثل ضوءًا صغيرًا في غابة الأرقام المسماة العالم، محاولة لإعادة الشعر إلى حريته الأولى.هؤلاء الشعراء الشباب لا يكتفون بالملاحظة، بل يخترقون الواقع ويخلقون الممكن من رحم الدمار.مشروعهم الجمعي يثبت أن الاختلاف والتعدد يمكن أن يتحول إلى فعل شعري جمعي حيّ، يشق طريقه وسط الفوضى...

#ZeroPoetryGroup #IraqiPoetry #YoungPoets #CreativeIraq #ArabicCulture

 

 ولادة الصوت الجمعي وسط الخراب

في عالم يبدو فيه الشعر العراقي محاصرًا بين ذائقة مستهلكة وتجارب فردية متفرقة، ظهرت جماعة صفر الشعرية كإشارة تحذير وكمصباح صغير في غابة الأرقام المسماة العالم. لم تكن ولادتها صدفة، بل استجابة لحالة مأزومة شهدها المشهد الثقافي العراقي بعد سلسلة طويلة من الصدمات: الغزو والحروب والفساد، واجتياح داعش والجائحة. في هذا الواقع الذي يكاد يطمس الصوت الإنساني، أعلنت جماعة صفر عن نفسها كمشروع شعري جمعي يسعى لاستعادة الشعر من الجمود، وتحويله إلى قوة حية تشق طريقها في زمن الخراب.

أن فكرة الجماعة ليست تقليدية، فهي تتجاوز مجرد جمع نفر من الشعراء، لتعيد الاعتبار للبعد الجمعي في الإبداع، في زمن هيمنت فيه الفردية على كل شيء. وكما يشبه مؤسس الجماعة صفاء سالم إسكندر جماعته بـ"فرقة أوركسترالية"، يجتمع فيها الشعراء المختلفون تحت همّ أدبي واحد، دون أن يتنازل أي منهم عن صوته الفردي. بذلك، تفتح جماعة صفر نافذة على تجربة شعرية جمعية متماسكة، تتغذى من التعدد والاختلاف، وتضع الشعر في موقع القوة والوجودية، بعيدًا عن الزخرفة أو التقليدية.

 

تأسيس الجماعة وأعضاؤها

تأسست جماعة صفر في بغداد، وضمت في بدايتها ثمانية شعراء، هم: صفاء سالم إسكندر، عامر الطيب، إبراهيم الماس، نور درويش، أوس حسن، زين العابدين سرحان، عباس حسين، وعلي العطار. جميعهم سبق لهم نشر أعمال فردية، لكنهم قرروا أن يتحدوا في مشروع جمعي يعيد الاعتبار لفكرة الجماعة في الشعر العراقي الحديث.

يرى صفاء سالم إسكندر أن ولادة جماعة صفر لم تكن مجرد تجمع عفوي، بل "استجابة لمرحلة مأزومة"، حيث كان من الضروري منح الشعر صوتًا واضحًا وسط الخراب والظلم الذي يحيط بالمجتمع. كما أضاف أن المشروع يتجاوز تعريف الشعراء الجدد أو إيصال أصواتهم، ليشكل إطارًا جمعيًا يحمل طابعًا متماسكًا، يدمج التجارب الفردية في فعل جماعي حي، قادر على بناء مناخ شعري جديد.

الشعراء الثلاثة الأساسيون الذين ظلوا مع الجماعة بعد الانفراط التدريجي هم صفاء سالم إسكندر وإبراهيم الماس وعامر الطيب. كل منهم يحافظ على خصوصيته الفنية، وفي الوقت نفسه يساهم في رؤية جماعية تتجاوز الفردية الضيقة، ليصبح الشعر أداة تفاعل، واستنطاق للواقع، ومحاولة لاستعادة حيوية اللغة في مواجهة الخراب المحيط.

 

الرؤية الشعرية والفلسفة الإبداعية

تستند رؤية جماعة صفر إلى رفض مزدوج: رفض الشعر الذي يكتفي بوصف الواقع دون خلخلته، ورفض فائض اللغة حين يتحول إلى سطح أملس منفصل عن طاقته التفجيرية. الشعر، بحسب هذه الرؤية، ليس مجرد زخرفة أو استهلاك، بل قوة مزلزلة تنتج الممكن بدلاً من انتظار حدوثه.

تعتمد الجماعة على مفاهيم مثل: الاقتصاد الشعري، وتكثيف الممكن، واقتراح اللامرئي، ما يتيح لغة شعرية مكثفة، متحررة من التقليد أو التزيين، ومشدودة إلى الجوهر. كل نصّ يمثل تجربة فردية حيّة، لكنه يندمج في إطار جمعي، ليصبح الشعر فعلًا حضوريًا، يواجه الواقع ويعيد الاعتبار لصوت الإنسان الحر.

كما يوضح صفاء سالم إسكندر، فإن جماعة صفر لا تطمح إلى قطيعة كاملة مع الأشكال السائدة، بل تبحث عن معجم جديد وحساسية مختلفة للغة. النصوص التي تنتجها الجماعة تستفز المخيلة، وتخترق السطح للوصول إلى العمق، فتمنح الشعر طاقة متجددة قادرة على خلق الدهشة والإثارة، بدل الاكتفاء بالواجهة المألوفة أو التقليدية.

 

الدور الثقافي والاجتماعي

جاءت جماعة صفر في سياق تاريخي عميق الصدمة: حروب متلاحقة، وفساد مستشري، واجتياح داعش، وفقدان الاستقرار العام. هذه التجارب الصادمة صنعت كتابة متمردة، حادة، وتجريبية، حتى وإن بدت مبالغًا فيها أحيانًا.

في هذا الإطار، لا يُقرأ ظهور الجماعة كحراك جمالي صرف، بل كمسعى لاستعادة الشعر بوصفه قوة شاهدة ومقاومة. إنها محاولة لإعادة الشعر إلى حريته الأولى، إلى النقطة التي يبدأ منها كل شيء، بعيدًا عن الأشكال المستهلكة والتكرار السطحي. الشعر هنا هو فعل حياة، ووعي متشابك بالزمن، ومتجاوز للمألوف في محاولة لإنقاذ اللغة من الغرق المحتمل في سطحية العالم الحديث.

 

التحديات والطموحات المستقبلية

اختيار اسم "صفر" ليس مجرد رمز عابر، بل يمثل بداية جديدة، مسافة مفتوحة للتجريب والإبداع، وفرصة لإعادة مساءلة الشعر: أين يقف اليوم؟ وما وظيفته؟ وكيف يمكن أن يظل صوتًا أصيلاً وسط ضجيج التفاهة؟

يركز أعضاء الجماعة على الاستمرارية والإنتاج الشعري نفسه، من خلال استمرار الكتابة الفردية والجمعية، وإصدار مطبوعات وتنظيم قراءات، ليصبح النصّ جوهر وجودهم. يطمحون لأن يكون المشروع مساحة مفتوحة للتجريب، ضوءًا صغيرًا يقود صناعة ثقافية رصينة، تدور حول شمس الجمال والحرية.

 

تشكّل جماعة صفر مغامرة إضافية في تاريخ الشعر العراقي والعربي. هي تجربة تعيد الاعتبار للشعر كقوة حية، كفعل مقاومة، وكضرورة وجودية. أن نجاح الجماعة سيكون مرهونًا بقدرتهم على الوفاء بوعد النص، وترجمة رؤيتهم إلى شعر يترك أثرًا حقيقيًا، ويؤكد أن الشعر يمكن أن يكون فعل حياة، وأن الحرية الشعرية ليست مجرد شعار، بل تجربة قائمة ومستمرة.

 


#
جماعة_صفر #الشعر_العراقي #الشعر_الشبابي #الإبداع_العراقي #الثقافة_العربية

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسرار الجازي وماثيو: رواية التاريخ والحكاية في قلب السعودية

حين يتكلّم الصمت: رحلة ابراهيم فرغلي بين الذاكرة والخيال

أصوات مصر: كيف كتب الكاسيت تاريخ الجماهير