الشعر يعانق المدينة :امرأة حولت مترو لندن لأكبر ديوان شعر بالعالم

 

 

جوديث شيرنايك

 

هل يمكن لبعض الأبيات الشعرية أن تُهوّن عناء الرحلات اليومية؟ كان هذا هو التساؤل الجوهري الذي طرحته الكاتبة الأمريكية المقيمة في لندن، جوديث شيرنايك، قبل أربعة عقود؛ حين راودتها فكرة وضع قصائد شعرية داخل عربات المترو لتكون مصدرا للاستنارة والتسلية والإلهام للركاب. وتحولت الفكرة الى مشروع ضخم  قصائد تحت الأرض (Poems on the Underground)، وأصبح المشروع نموذجاً عالمياً استلهمته مدن عديدة حول العالم


#Poetry #UrbanArt #PoemsOnTheUnderground #Creativity #CityLife


ي زحمة الحياة اليومية وصخب المدن الحديثة، ننسى أحيانًا أن نتوقف للحظة واحدة ونتأمل الكلمات التي تعبر عن جوهر الإنسان وروحه. الكلمات، حين تنبثق في المكان غير المتوقع، تملك القدرة على إيقاظ الحواس وإعادة ترتيب الأفق النفسي للفرد. في هذا السياق، يظهر مشروع قصائد تحت الأرض كنافذة صغيرة إلى عالم الشعر الذي يتخطى حدود الصفحات ويجتاح الأماكن العامة، ليصنع تواصلًا مباشرًا بين النص والمدينة، بين الشاعر والراكب، بين الذات والفوضى المحيطة. إنّ الفكرة لا تكمن فقط في عرض أبيات شعرية، بل في تحويل اللحظة العابرة إلى تجربة معرفية وجمالية، حيث يصبح القارئ، ولو للحظة، جزءًا من نسيج الإبداع الشعري. وعبر هذا التفاعل العابر، يكتشف الإنسان أن الفن ليس حكرًا على صالات العرض والمكتبات، بل يمكنه أن يظهر في الأرجاء الأكثر عادية، على أبواب المترو، وفي الممرات، مستنهضًا الذكريات، والمشاعر، والتأملات، في قلب روتين يومي قد يبدو بلا روح.

في جوهره، يعيد المشروع طرح سؤال أساسي عن الزمن والحضور، عن الفعل والانعكاس، وعن قدرة الكلمة على مقاومة الانقضاء والاندثار. فالقصيدة، حين تتخلل حياة الناس في لحظة قصيرة، تصبح فعلاً وجوديًا، تتجاوز مجرد التلاوة لتصبح حالة من الحضور العميق والوعي المتجدد. يتحول المشي في مترو لندن أو أي مدينة كبيرة، والوقوف أمام أبيات مكتوبة على جدران أو لوحات معلقة، يتحول إلى تجربة فلسفية؛ تجربة تكشف كيف يمكن للشعر أن يربط بين الفرد والمجتمع، بين الذات والعالم، بين اللحظة العادية والمفاهيم الكبرى. إن القصيدة هنا ليست مجرد نص، بل هي أداة لفهم الزمن بطريقة أخرى، ونافذة لمراجعة الذات والعلاقات الإنسانية، وحتى القدرة على التعاطف مع الآخر.

يطرح المشروع أيضًا فكرة مهمة عن إمكانية الفن كحاضنة للتنوع، وكيف يمكن للشعر أن يكون جسرًا بين الثقافات، وبين الأجيال، وبين الحالات النفسية المختلفة. إنه يفرض على القارئ لحظة صمت قصيرة، لحظة استراحة معرفية، لإعادة ترتيب المشاعر وربما إعادة تعريف معنى الحضور في المدينة والفضاء العام. وفي هذه اللحظة العابرة، تتجسد الفلسفة في أبسط صورها: إدراك أن الحياة ليست مجرد تنقل من مكان إلى آخر، بل هي سلسلة من اللحظات التي يمكن للكلمة أن تمنحها معنى، وأن تجعلها أعمق مما تبدو للوهلة الأولى.

بدأ مشروع قصائد تحت الأرض في لندن عام 1986، بهدف إدخال الشعر في الحياة اليومية للركاب في وسائل النقل العام، خاصة مترو الأنفاق، ليكون بمثابة لحظة قصيرة من الجمال والتأمل وسط ضجيج المدينة. يقوم المشروع بعرض مختارات شعرية على لوحات معلقة داخل العربات والمحطات، بحيث يمكن لأي راكب، أثناء تنقله، أن يقرأ أبياتًا شعرية تحمل معانٍ عميقة، أو تثير ابتسامة، أو تحرك شعورًا مخفيًا داخله. الفكرة بسيطة وفعالة: جعل الشعر جزءًا من الواقع اليومي، خارج حدود الصفحات المطبوعة أو المهرجانات الأدبية. وبذلك، يصبح كل قارئ، ولو لم يكن متحمسًا للشعر عادة، مشاركًا في تجربة جمالية وفكرية.

انتقلت جوديث شيرنايك ، ابنة مدينة نيويورك، إلى لندن في السبعينيات، ووقعت في غرام المدينة ونظام نقلها الذي وجدته يتفوق بمراحل على مترو مدينتها الأم؛ إذ تقول: " كنت أستخدم المترو في نيويورك طوال الوقت، لكنه لم يكن أبدا نشاطا ممتعا بالنسبة لي". وبصفتها روائية وباحثة، انبهرت شيرنايك بالتاريخ الثقافي والأدبي الثري للندن، مؤمنة بأن "الشعر جزء من التراث الروحي لكل لندني".

وبالتعاون مع صديقيها الشاعرين جيرارد بنسون وسيسلي هيربرت، صاغت خطة للدمج بين الأدب ووسائل النقل، وهي الفكرة التي لاقت دعماً من مشغلي المترو، لتُعلق أولى القصائد في يناير/كانون الثاني 1986. وتقول شيرنايك، التي تبلغ الآن من العمر 91 عاما: "بطريقة ما، نجحت الفكرة، وها نحن هنا بعد مرور اربعين عاما".

كان التنظيم وراء المشروع دقيق ويعتمد على اختيار أبيات شعرية تتنوع بين الكلاسيكية والمعاصرة، بين الشعر الإنجليزي والعالمي المترجم، وبين النصوص الطويلة والقصيرة، لضمان وصولها لمختلف شرائح الجمهور. هذه الأبيات غالبًا ما تكون سهلة القراءة لكنها غنية بالمعاني، مما يسمح لأي راكب أن يلتقط لمحة من الشعر ويستشعر تأثيره العميق في لحظة قصيرة. أكثر ما يميز المشروع هو تركيزه على التجربة الفردية المباشرة؛ فالقصيدة هنا لا تتطلب شرحًا، ولا توجد مقاعد مخصصة للقراءة، بل كل لحظة في المترو تتحول إلى فرصة لاكتشاف الذات والعالم من خلال الكلمات.

شملت مختارات العام الأول أعمالاً لعمالقة مثل ويليام شكسبير وروبرت بيرنز وويليام بتلر ييتس وبيرسي بيش شيلي بقصيدته الشهيرة أوزيماندياس التي تتأمل في زوال السلطة. كما شملت قصيدة ويليام كارلوس وليامز الشهيرة "هذا فقط لأقول" بافتتاحيتها المعروفة: "لقد أكلتُ/ الخوخ/ الذي كان في/ الثلاجة".

وسرعان ما اتسعت دائرة الاختيار لتشمل شعراء من كافة أنحاء العالم، أمثال وولي سوينكا، وبابلو نيرودا، ورافائيل ألبرتي وديريك والكوت، وآنا أخماتوفا، وغيرهم الكثير.وتتغير المختارات ثلاث مرات سنويا، ولا تزال شيرنايك عضوا في لجنة الاختيار إلى جانب الشاعرين جورج زيرتس وامتياز ضاركر. وتجمع الاختيارات بين الكلاسيكيات التي تعود لقرون وبين الشعر المعاصر، لتقدم مزيجا يضم "السوناتات"، و"الهايكو"، وقصائد الحب والمأساة، وحتى تلك التي تلامس معاناة الركاب اليومية مثل قصيدة "الازدحام" للشاعرة الهنغارية كاتالين زلوفيني.

لقد منح المشروع الركاب من خلال هذا التنوع في القصائد المعروضة فرصة للتعرف على الثقافات الأخرى من خلال الشعر. أن اختيار الأبيات غالبًا ما يعكس موضوعات متنوعة مثل الطبيعة والحب والألم والحياة اليومية والهوية الإنسانية، ما يجعل كل لوحة شعرية لحظة استكشاف جديدة. هذا التنوع يُظهر كيف يمكن للشعر أن يتجاوز حدود الزمان والمكان ليصل إلى قلب الناس في أي سياق.كذلك، يشجع المشروع الشعراء المحليين على تقديم أعمالهم، ما يخلق بيئة داعمة للإبداع المحلي ويعطي فرصة لظهور أصوات جديدة. هذه المشاركة المجتمعية تجعل من الشعر تجربة حية ومتغيرة، وليست مقتصرة على نصوص مطبوعة أو محفوظة في كتب. ومن خلال هذا، يصبح قصائد تحت الأرض منصة تعليمية وثقافية، تزرع حب الشعر وتعزز القدرة على القراءة والتأمل حتى في أوقات الانشغال والانقسام اليومي.

العمل على المشروع لا يقتصر على اختيار الأبيات، بل يشمل تصميم اللوحات بطريقة تجعل القراءة ممتعة وسهلة، مع مراعاة المسافات والحركة السريعة للركاب. كما يتيح المشروع مساحة للشعراء الجدد والناشئين لتقديم أعمالهم، ما يخلق توازنًا بين التقاليد الشعرية والابتكار المعاصر. وبذلك، يصبح قصائد تحت الأرض ليس مجرد مشروع فني، بل تجربة تربوية وثقافية، تعزز حب القراءة وتفتح الباب أمام التفكير النقدي والإبداعي في أماكن لم يكن الشعر متوقعًا فيها.

لمشروع قصائد تحت الأرض بعد اجتماعي وثقافي عميق، إذ يغير تجربة التنقل اليومي من روتين متكرر إلى تجربة تأملية وجمالية. للركاب، تصبح قراءة الشعر لحظة من الوعي والتواصل الداخلي، حيث يمكن للحظة قصيرة من توقف العقل على الكلمات أن تثير أسئلة عميقة حول الحياة والهوية والعلاقات الإنسانية. أن التأثير النفسي للمشروع واضح؛ إذ أظهرت الدراسات والملاحظات أن الركاب يفضلون لوحات الشعر أحيانًا على الإعلانات التجارية، ويشعرون بأنها تمنحهم شعورًا بالهدوء والانتباه للحظات العابرة.

من ناحية ثقافية، يخلق المشروع رابطًا بين المجتمع والأدب، حيث يُعرف الجمهور العام بالشعراء الكلاسيكيين والمعاصرين، وبالأبيات التي تحمل عبق التاريخ والأصالة. هذه اللحظات الصغيرة من التعلم الذاتي تتيح فرصة لاستكشاف الشعر بغض النظر عن الخلفية الثقافية أو المستوى التعليمي، ما يجعل الفن أكثر شمولية ويكسر الحواجز التقليدية بين الأدب والجمهور. بالإضافة إلى ذلك، يتيح المشروع فرصة لتجربة اللغة بطرق مبتكرة، خاصة حين يُعرض شعر مترجم أو شعور عالمي، ما يسهم في تعزيز التفاهم بين الثقافات المختلفة.

من الجانب النفسي والاجتماعي، فإن المشروع يعزز الإبداع والوعي الفردي والجمعي، إذ يذكّر الناس بأن الكلمات يمكن أن تكون وسيلة لتجاوز الضغوط اليومية، وأن الشعر ليس ترفًا بل أداة للتفكير والتأمل. الأثر الأعمق هو أن المشروع يخلق تجربة مشتركة رغم اختلاف الركاب، فهم يلتقون في اللحظة نفسها مع نفس النص الشعري، ما يمنحهم شعورًا بالترابط المجتمعي والإنساني، ولو لم يلتقوا شخصيًا. كما أن هذه المبادرة تشجع على النظر إلى المدينة والفضاء العام بطريقة جديدة، حيث يمكن للجمال والمعنى أن يظهر حتى في أكثر الأماكن ازدحامًا وروتينية.

يؤكد مشروع قصائد تحت الأرض أن الشعر ليس مجرد كلمات على ورق، بل هو فعل حياة وروحانية، يمكنها أن تغير منظور الإنسان للحظة قصيرة، وتمنحه فرصة لإعادة الاتصال بذاته وبالعالم المحيط. في كل مرة يلتقط فيها الراكب لوحة شعرية، يكون قد شارك في تجربة جماعية وفردية في آن واحد، تجربة تؤكد أن الفن حاضر دائمًا، حتى في أكثر الأماكن عادية وروتينية. المشروع يعلّمنا أن اللحظة العابرة يمكن أن تتحول إلى تجربة معرفية وجمالية، وأن الكلمات تملك القدرة على بناء روابط بين الناس، حتى لو كانت مجرد قراءة سريعة في طريق العمل.

#شعر #فن_عام # قصائد _تحت_ الأرض #إبداع #مدينة#قطارات#

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسرار الجازي وماثيو: رواية التاريخ والحكاية في قلب السعودية

حين يتكلّم الصمت: رحلة ابراهيم فرغلي بين الذاكرة والخيال

أصوات مصر: كيف كتب الكاسيت تاريخ الجماهير