كم أكره القرن العشرين: سيرة الهروب والمنفى والذاكرة في رواية عبد الكريم العبيدي

 

 

عبد الكريم العبيدي


في هذا القرن الذي شهد الحروب والكوارث، يظهر الإنسان عاجزًا أمام قدره، ومضطرًا للتأمل في مصيره.
رواية كم أكره القرن العشرين تكشف الوجه المظلم للتاريخ وتطرح تساؤلات عن الحرية والإنسانية.
رنّ هاتفٌ غريب… فبدأت حكاية منسية.
دفاتر شبه بالية تحمل سيرة هارب من الحرب.
شاب من البصرة يطارده الجيش… ويطارده قدره.
من أزقة الجنوب إلى منفى هولندا
هذه ليست رواية عن قرنٍ مضى، بل عن جرحٍ ما زال مفتوحًا.


#Novel #ArabicLiterature #Philosophy #History #HumanMemory #War #Society



عبد الكريم شنان محمد العبيدي هو روائي وإعلامي عراقيعمل مراسلًا لهيئة الإذاعة البريطانية في بغداد لمدة ثلاث سنوات كما عمل في عدة صحف ومجلات منها المدى والنهضة و الصباح والساعة ومجلة الجيل ومجلة الشبكة. عمل أيضًا مشرفًا على البرامج في قناة العراقية ومعدًا لعدة برامج وأفلام وثائقية، وترأس القسم الثقافي في صحيفة طريق الشعب البغدادية.

اشتهر بمؤلفاته عن العراق وقت الحروب، وحصل على جائزة كتارا للرواية العربية عام 2018 شارك  عبد الكريم في الحرب العراقية الأيرانية وفي حرب تحرير الكويت وتاه في صحراء حفر الباطن ، ومنها استوحى روايته ضياع في حفر الباطن. التي تحولت إلى مسلسل دراميّ عراقي يحمل نفس الأسم. تحكي الرواية عن شاب من مدينة البصرة ومعاناة الشباب في أوقات الحرب في العراق، فقد التحق بالجيش آبان الحرب مع ايران  ثم أعيد استدعاءه في أحتلال الكويت. احتلت روايته فصلا موسعا في كتاب الحرب والاحتلال في القصة العراقية[1] الصادر باللغة الإنجليزية عن جامعة أدنبرة الأسكتلندية.

دارت روايته الذباب والزمرد كذلك في الحقبة الزمنية ذاتها، فتدور أحداثها بعد الحرب العراقية الإيرانية، وبعد العدوان الأمريكي على العراق عام 1991، وتجري وقائعها في مدينة البصرة أيضًا، كونها المدينة الأكثر تأثرا في الحربين. كما ألّف مسرحية تحويلة مؤقتة، وعرضت على قاعة المسرح الوطني في العاصمة العراقية بغداد .

تبدأ رواية كم اكره القرن العشرين باستهلال سردي واقعي اشبه بالروايات البوليسية ذات النكهة المحملة بالحبكة المثيرة والاسرار الطرية غير المكتشفة. واول هذا الابتداء هو رنين الهاتف الخلوي للراوي العليم قبل ان يصبح عليما بشكل كلي من خلال رقم غريب ولعدة مرات. ثم يعزز الرنين برسالة تعريضية من اجل الرد، فاذا براوينا شبه العليم يسافر الى اربيل ليلتقي بالدكتورة ميا العراقية المغتربة مع زوجها، ليكتشف خلال سبعة ايام من اقامته معهما عائلة بلوشية مغتربة من اهالي البصرة، بعد ان ضاعت جزافا في غمرة التاريخ، وفي هذا اللقاء الاحتفالي تُسرِب الطبيبة ميا اسرارا دفينة عن شقيقها مولود الذي وافاه الاجل في مدينة روتردام الهولندية، مع رسالة اشبه بالوصية ومبلغ مالي مغرٍ ووعد بدعوة خاصة لزيارة هولندا، فضلا عن رزمة اوراق ودفاتر مليئة بهذيانات واستذكارات ووقائع للشقيق المذكور:

 لم اترك شيئا لأوصيكم به. فقط سلموا دفاتري واوراقي الى الملك الضليل هو يعرف عائلة البلوش. يعرفنا اكثر مما نعرفه، وما زال متشوقا ومتحمسا لكتابة رواية عن الشماريخ، قولوا للضليل هذه وصية ميت فلا تفرط بها والتركة عبارة عن  ثلاثة دفاتر شبه بالية، من فئة مائتي ورقة، لم يبق على اغلفتها الأمامية والأخيرة لا زخرفة ولا نقش

 وكان على راوينا شبه المعلن او شبه الضليل ان يمضي سنة مربكة، شديدة القسوة ليفك الطلاسم والاسرار، وما اودع مولود في جعبته، ليبتدأ بالتدوين السردي لسطور الاتفاقية مع اخت البطل الغائب.. بل كان على راوينا المعلن في ما بعد ان يبتدع طرقا وخطى ومؤثرات ليحكي روايته المنصفة المحايدة، بعيدا عن الافتراءات والدوافع الذاتية والانحيازات الخاصة. ثمة الكثير قد يقال حول رواية كم اكره القرن العشرين في احداثها ومراميها ومشتبكاتها المتعددة. فالرواية باختصار شديد تعبر عن معاناة وشجون وآلام مولود الشخصية المحورية فيها، منذ ان كان هاربا من الجيش ومدة تعقب خصمه صارم الزنبور للانقضاض عليه، من اجل تصفيته او اعدامه لاسباب شخصية وعائلية وحزبية معروفة في ذلك الزمن.

تفصح الرواية عن مسارات هذا الجندي الهارب، في حله وترحاله، او سلامته في ظل حياة مؤلمة مليئة بالصعاب والكوارث ، عاش بعضنا طرفا من نسيجها العجيب ضمن زمن مضى وانقضى، وما زال الجميع يعاني من افرازاتها ونتائجها حتى اليوم. والرواية ايضا تجنح من خلال بطلها مولود الشهيد، الذي لم يكن شهيدا ذات يوم وانما فرض لعبة القدر المأساوية لنفسه ضد السلطة الدكتاتورية الغاشمة، وعلى خلاف معلن وصريح لمرامي عائلته من اجل تأكيد الانتقام والثأر البطولي شبه المشروع لعزته وكرامة هذه العائلة، ليستقر في الاخير كأي لاجئ مجبر في ديار الغربة الهولندية، ثم يموت هناك نسيا منسيا، الا من تركة كيسه الاسود الفاجع وما حمله من ذخائر ومقتنيات تحمل تلك الوقائع والاحداث التي نهضت بها رواية العبيدي الاخيرة.

الشخصيات..

مولود البلوشي: هو بطل الرواية، شاب من أقلية عرقية في العراق، كُتب عليه الهرب لسنوات طويلة أثناء الحرب بين العراق وإيران في الثمانينات من القرن الفائت، لأنه خاف من أن يقتل في الحرب، وعاش سنوات من الرعب والخوف والضياع في شوارع البصرة هربا من الحرب، وتعرض لأهوال، لكنه نجا واستطاع أن يهرب من بلده إلى هولندا ليموت هناك مريضاً بالسرطان.

مراد البلوشي: والد مولود، مات قهرا بسبب معاملته بشكل عنصري هو وعائلته بسبب كونهم من الأقلية.

سليكة: جدة مولود، كانت تحبه كثيرا وتتمنى أن يقوم هو بدفنها لكنها تحسرت في حياتها على موته.

ميا البلوشي: أخت مولود، وهي طبيبة، عانت هي أيضا من العنصرية ومن ملاحقة صارم أحد أبناء الجيران الذي كان يطمع فيها كمحظية وفقا لتقاليد عرفية بالية.

ريا البلوشي: اخت مولود الثانية، وهي أكثر تماسكا من ميا في التعامل مع حياتهم الصعبة المليئة بالأحداث المفجعة.

صارم: كان في عمر مولود، وهو فتي من أبناء الجيران، كان يتنمر على مولود في فترة الطفولة، ثم أصبح يلاحقه في شبابه، لأنه أصبح من رجال الإنضباط العسكري الذين كانت من مهماتهم القبض على الهاربين من الخدمة العسكرية وانتهي نهاية بشعة حيث مات في الحرب وتحللت جثته.

نهلة ونهودة: أختا صارم وكانا يتعاملان بشكل سيء مع عائلة مراد البلوشي، ثم إضطرتا في النهاية إلى مقايضة جسديهما لإنقاذ أخيهما صارم من مصير سيء، وكانا يقيمان ليالي حمراء للضباط ورجال المخابرات ليضمنا بُعد أخيهما من جبهات القتال .

زوج ميا: طبيب نفسي ساعد ميا على تجاوز أمراضها التي أصابتها نتيجة الحياة القاسية التي عاشتها.

الكاتب: شخصية لا اسم لها تقوم بكتابة رواية داخل الرواية عن حياة مولو البلوشي.

وأخيراً الراوي..

الرواية بها أكثر من راو، الأول هو الكاتب مجهول الاسم الذي سوف تقع دفاتر يوميات مولو في يده، ثم راو عليم يحكي عن ميا عندما تكتشف أن أخيها لازال على قيد الحياة، ثم يحكي عن سليكة لحظة وصول الجثمان الذي قيل لها أنه جثمان مولو وكيف استقبلت خبر وفاته، ثم الراوي الذي احتفظ بالنصيب الأكبر من الرواية، وهو مولو حيث يسلم الكاتب زمام الرواية لمولو ويومياته في سنوات الهروب، والتي يقسمها إلى أجزاء بعناوين طريفة، ثم يعود الكاتب المجهول ليحكي عن مولو ومصيره ومصير أختيه وعائلة ميا.

تمثل رواية كم أكره القرن العشرين للروائي عبد الكريم العبيدي تمثل تجربة سردية غنية تتجاوز حدود السرد التقليدي لتغوص في أعماق النفس الإنسانية، في زمنٍ اتسم بالعنف والاضطراب السياسي والاجتماعي. من خلال اختيار عبد الكريم العبيدي لهذه الفترة الزمنية، الثمانينيات من القرن العشرين، كإطار لأحداثه، فأنه يعكس حجم المآسي التي عاشتها مدينة البصرة خاصة والعراق عامة، حيث الحرب العراقية-الإيرانية والحصار الاقتصادي وما نتج عنه من آثار مأساوية على المجتمع. العنوان نفسه، كم أكره القرن العشرين، ليس مجرد تصريح شعوري، بل هو إدانة فلسفية للتاريخ البشري، الذي أفرز ملايين الضحايا، ومجابهة للعنف الذي استشري في العالم خلال ذلك القرن، من مجازر وإبادات جمعية وحروب لا متناهية، بما يجعل الرواية قراءة ضرورية لفهم آثار تلك الحروب على النفس العراقية بشكل خاص، والإنسانية بشكل عام.

الرواية ليست مجرد سرد تاريخي للأحداث، بل تجربة جمالية وشعرية في الوصف، حيث تتكامل الشخصيات والأماكن والزمان لتصبح الرواية بمثابة لوحة متحركة، يلتقي فيها الواقع بالخيال، والماضي بالحاضر. السرد عند عبد الكريم العبيدي لا يكتفي بإيصال أحداث الحرب والخراب، بل يسعى إلى إبراز تأثير هذه الأحداث على النفس البشرية، وحالة الضياع والارتباك التي عاشها الناس، خاصة الشباب الذين جُرّوا إلى محرقة الحرب بلا خيار.

يعتمد الروائي  على أسلوب ما بعد السرد، مما يسمح بسبر أعماق الشخصيات، خصوصًا شخصية مولود البلوشي، الذي يمثل وعيًا نقديًا للقرن العشرين، من خلال مذكراته وتفاعلاته مع بيئته، ومن خلال علاقته بمحيطه والأساليب التي يبتكرها الروائي لتقديم رؤية شمولية للمجتمع. كل عنصر في الرواية، من الشخصيات إلى الأماكن والأشياء، يرتبط بمعنى عميق، ويكشف عن الظلال النفسية والسياسية للزمن المأساوي الذي عاشه العراق.

يمكن القول إن الرواية تمثل مزيجًا بين الرواية السياسية والفلسفية والجمالية، حيث يستخدم الكاتب أدواته الفنية ليس فقط لرواية حدث تاريخي، بل لتقديم تجربة إنسانية مكثفة تتسم بالعمق والشفافية، مما يجعل القارئ جزءًا من تجربة الحرب والذاكرة الجمعية لشعبٍ عانى من القهر والخوف والظلم.

يعتبر الوصف في رواية كم أكره القرن العشرين أداة جمالية محورية تتجاوز دوره التقليدي كوسيلة لتوضيح الأحداث أو تصوير الشخصيات، ليصبح عنصراً أساسياً في بناء عالم الرواية وتأطير تجربة القارئ. من خلال الوصف، يمكّن عبد الكريم العبيدي القارئ من الغوص في عمق المشهد، ليس فقط كناقد يراقب ما يجري، بل كمتفاعل مع أحداث الرواية وشخوصها، بحيث يصبح الخيال والمادة، العقل والعاطفة، واقعًا ومتصورات ذهنية متداخلة.

استخدام الروائي للوصف يظهر جليًا في تصوير الشخصيات، حيث لا يكتفي بتقديم الملامح الجسدية فقط، بل يمتد الوصف ليشمل حالاتهم النفسية والعاطفية.  مثال ذلك وصف الدكتورة ومحيطها أو المرأة عند الطاولة، وهو لا يقدم مجرد تفاصيل مادية، بل يخلق تجربة حسية متكاملة تسمح للقارئ بالإحساس بالتوتر، والخوف، أو الدهشة التي تعيشها الشخصيات. هذا النوع من الوصف يعكس قدرة الكاتب على المزج بين الواقع الملموس والمشاعر الداخلية، ليصبح النص نصًا متعدد الطبقات، يحتوي على بعد فلسفي وإنساني إلى جانب الأبعاد السردية.

كما يبرز الوصف في الرواية في تصوير الأماكن والزمان، مثل البصرة أثناء الحرب، أو الليل الموحش، أو المقهى الداخلي، حيث يمنح القارئ إحساسًا بالمكان كعنصر فاعل في الرواية، يشترك مع الشخصيات في تشكيل الحدث. يوصف الزمن في الرواية أيضًا بشكل يجعل القارئ يشعر بتدفقه أو ثباته، ويمتزج فيه الماضي بالحاضر، مما يعكس طبيعة الوعي البشري في مواجهة الحرب والفقدان.

أما الأشياء المحسوسة وغير المحسوسة، فهي كذلك جزء من الشعرية الوصفية؛ فعبد الكريم العبيدي يصف الماديات مثل السلسلة الفضية أو العلب، ليضيف لها بعدًا رمزيًا، وفي الوقت نفسه يوظف الوصف الذهني والخيالي للحديث عن المشاعر، والذكريات، والانتظارات المخيفة قبل الإعدام. هذه التقنية تمنح الرواية مرونة كبيرة، ويتيح للكاتب توليف الحدث مع الانفعالات الداخلية للشخصيات، فيصبح الوصف ليس مجرد تجميل، بل أداة سردية أساسية لتشكيل الواقع النفسي والاجتماعي داخل النص.

في المجمل، الشعرية الوصفية عند العبيدي تمنح الرواية عمقًا جماليًا وفلسفيًا، وتخلق مساحة للقراءة التأويلية، حيث يتداخل الواقع بالخيال، ويصبح القارئ مشاركًا في تجربة الشخصيات، مستشعرًا مأساة القرن العشرين من خلال التفاصيل الصغيرة والكبيرة على حد سواء.

تميزت رواية كم أكره القرن العشرين بأسلوبها الفريد في السرد، حيث اعتمد الروائي عبد الكريم العبيدي على أسلوب ما بعد السرد الذي يجمع بين الواقعية والتأمل الذهني للشخصيات، ليقدم تجربة قراءة متعددة المستويات. هذا الأسلوب يسمح للقارئ بالغوص في وعي الشخصيات وأفكارها الداخلية، ويجعل الرواية أكثر تعقيدًا وعمقًا، بحيث لا تقتصر على الأحداث الخارجية فقط، بل تتداخل مع المونولوج الداخلي للشخصيات، الذي يكشف دواخلها، مخاوفها، وأحلامها، بالإضافة إلى الصراعات النفسية التي تمر بها في مواجهة مصاعب الحرب والفقد والخراب.

تمثل الشخصية الرئيسة مولو في هذا السياق الأداة التي من خلالها يستكشف الروائي أبعاد الوعي واللاوعي. يسمح المونولوج الداخلي لمولو للروائي بتصوير صراعاته الداخلية بين الهروب والبقاء، بين الرغبة في الحياة والخوف من الموت، وهو يعكس أيضًا الضغط الاجتماعي والسياسي الذي يعيشه الفرد في ظل الحرب والحصار الاقتصادي. يجعل  استخدام هذا الأسلوب النص أقرب إلى التجربة الواقعية، حيث يشعر القارئ بأنه شاهد مشارك في الأحداث وليس مجرد متلقي.

كما أن هذا الأسلوب يمكّن الرواية من استخدام الزمن بشكل مرن، فالأحداث تتنقل بين الماضي والحاضر والمستقبل المتوقع، ويصبح الزمن النفسي للشخصيات موازياً للزمن التاريخي الواقعي. بهذا، يتمكن القارئ من فهم الانعكاسات النفسية والسياسية للقرن العشرين على الفرد والمجتمع، وكذلك فهم تطور الأحداث وفق رؤى متعددة.

أيضًا، يسمح أسلوب ما بعد السرد للعبيدي بمزج السرد الروائي مع عناصر التأمل والفلسفة، إذ يقدم الرواية على شكل سرد متعدد الأصوات، مما يعكس تعددية الواقع وعمقه النفسي والاجتماعي والسياسي، كما يتيح للمتلقي التفاعل الذهني والتأويلي مع النص. يصبح المونولوج الداخلي  أداة مهمة لفهم دوافع الشخصيات وتصرفاتها، ويوفر أيضًا نقدًا ضمنيًا للتاريخ السياسي والاجتماعي للقرن العشرين، مع إبراز أثر الحروب والتغيرات السياسية على الفرد والمجتمع العراقي بشكل مباشر ومؤثر.

باختصار، أسلوب ما بعد السرد والمونولوج الداخلي في الرواية يرفعها من كونها مجرد سرد تاريخي إلى تجربة فلسفية وسياسية متكاملة، تجعل القارئ يعي الصراعات الإنسانية في القرن العشرين على مستوى عميق وشخصي.

في رواية كم أكره القرن العشرين، تتحول المدينة إلى أكثر من مجرد خلفية للأحداث؛ فهي تصبح شريكًا أساسيًا في السرد ورمزًا للتاريخ والجغرافيا والذاكرة الجمعية. اهتم الروائي عبد الكريم العبيدي بتصوير مدينة البصرة بعمق، ليبرز كيف أن الحرب والحصار الاقتصادي تركا آثارًا جسدية ونفسية على المكان نفسه، بحيث تصبح المدينة انعكاسًا للمأساة الإنسانية التي يعيشها سكانها. من خلال وصف الأزقة المدمرة، والمنازل المهدمة، والساحات المملوءة بالجنود والآليات العسكرية، يقدم عبد الكريم العبيدي صورة حية للخراب الذي يرافق الصراع السياسي والعسكري، ويجعل القارئ يشعر بأنه شاهد على واقعه الملموس والمعنوي.

أن مدينة البصرة في الرواية ليست مجرد موقع جغرافي، بل تحمل رمزية مزدوجة:  فهي رمز للهوية والثقافة المحلية، وفي الوقت نفسه رمز للدمار والخسارة التي تتعرض لها الشعوب نتيجة الحروب. هذا الاستخدام الرمزي للمدينة يمنح الرواية بعدًا فلسفيًا وتاريخيًا، حيث يرى القارئ كيف أن المكان يشهد على مأساة الفرد والمجتمع، وكيف أن الروابط بين الإنسان وبيئته تتأثر بالعنف والتاريخ. كما يستخدم عبد الكريم العبيدي المدينة كمسرح للأحداث والشخصيات، حيث تتقاطع حياة مولود البلوشي وشقيقته ميا مع الأحداث اليومية للبصرة، مما يبرز العلاقة الوثيقة بين الفرد والبيئة الحضرية في ظل الظروف القاسية.

تُوظف المدينة أيضًا لتقديم مقارنة بين الماضي والحاضر؛ فبينما تعرض الرواية تفاصيل الحياة اليومية قبل وأثناء الحرب، تظهر مشاهد الهدوء والجمال في هولندا لاحقًا كصدى لتناقضات البصرة، ما يعكس الحنين إلى الأمن والاستقرار مقابل الفوضى المدمرة. بهذه الطريقة، يصبح المكان أداة لتسليط الضوء على الأثر النفسي والاجتماعي للحرب، ويعكس صراع الإنسان مع محيطه ومع ذاته.

باختصار، استخدام المدينة في الرواية يتجاوز الوصف الجغرافي ليصبح عنصرًا سرديًا وجماليًا ورمزيًا، يعكس تفاعل الإنسان مع محيطه، ويسلط الضوء على مأساة القرن العشرين، ويجعل القارئ يعيش مع المكان والشخصيات تجربة متكاملة ووجدانية عميقة.

في رواية كم أكره القرن العشرين، يبرز استخدام الوصف بشكل ديناميكي ومتداخل مع العناصر الأخرى للرواية، مثل السرد والحوار والحدث، ليخلق تجربة قراءة غنية وموحية. الوصف هنا ليس مجرد زينة لغوية، بل هو أداة جمالية محورية تتحكم في توجيه وعي القارئ وفهمه للأحداث والشخصيات. العلاقة بين الوصف والسرد تسمح للقارئ برؤية الملامح الداخلية والخارجية للشخصيات، والتفاعل مع المشاهد بشكل حي، مثل وصف شخصية الدكتورة ميا، أو العجوز، أو المشاهد الحربية في البصرة، حيث يمتزج الوصف الواقعي مع الأبعاد النفسية للشخصيات.

العلاقة بين الوصف والحوار تعطي الرواية عمقًا نفسيًا إضافيًا.  خلال الحوارات، لا يكتفي الروائي بنقل الكلام فحسب، بل يحيط الحوار بتفاصيل وصفية دقيقة للأوضاع والمشاعر، مثل مشاهد مواجهة الشخصيات مع الخوف أو القلق أو التوتر النفسي. هذا التوظيف يجعل الحوارات حيّة ومرتبطة بالبيئة المادية والنفسية، ويعطي للقارئ القدرة على الشعور بالتوتر والتجربة الداخلية للشخصيات، مثل ما يظهر في الحوارات بين ميا والسكرتيرة أم بان، أو مواجهة مولود البلوشي لأحداث مصيرية قبل تنفيذ حكم الإعدام.

أما العلاقة بين الوصف والحدث، فهي تمنح الرواية حيوية وإيقاعًا دراميًا.  فالروائي يستخدم الوصف لتحديد المكان والزمان والأشياء المحيطة بالأحداث، مثل وصف المعارك، والجثث، والنعوش، والمعدات العسكرية، أو الأجواء الليلية الغامضة، ما يعزز فهم القارئ لتطور الأحداث وتسلسلها الزمني. هذا الأسلوب يجعل الرواية متكاملة البناء، حيث يرتبط كل عنصر بالسرد ويصبح الوصف مشاركًا أساسيًا في توليد الدراما وليس مجرد تعليق جانبي.

من خلال هذه العلاقات الثنائية، يظهر عبقرية الروائي في تحويل التفاصيل الوصفية إلى محرك سردي وجمالي، يسمح للقارئ بالتفاعل مع النص على مستويات متعددة: معرفية، ووجدانية، وتأملية. الوصف هنا يتجاوز الشكل إلى وظيفة تكشف عمق الأحداث وصراعات الشخصيات، وتبرز فلسفة النص وتأملاته في مأساة القرن العشرين، والحروب، والصراع الطبقي، والهويات الممزقة في المجتمع العراقي.

يُعد عنوان الرواية كم أكره القرن العشرين للروائي عبد الكريم العبيدي أكثر من مجرد تسمية؛ فهو سيمياء مكثفة تحمل رسالة نقدية وفلسفية عميقة. هذه السيمياء تعمل على إيصال شعور الروائي بالقهر والاستياء من القرن العشرين، الذي شهد مجازر حربية، وأزمات سياسية، ومآسي إنسانية لا حصر لها. فالقرن الذي أطلق عليه العبيدي اسم القرن الأصفر يجسد عنف التاريخ وصراعاته المدمرة، بدءًا من الحروب الكونية الأولى والثانية، وفلسطين وحروب العراق وإيران، وصولاً إلى مذابح الشعوب في رواندا وصبرا وشاتيلا.

الغلاف يحمل أيضًا دلالات رمزية دقيقة، حيث اللون الأصفر المرتبط بالعنوان يرمز إلى التحذير، المرض، والتلوث، وربما الخوف من المستقبل، ويخلق تأثيرًا نفسيًا مباشرًا على القارئ قبل أن يشرع في قراءة النص. التصميم البصري والرموز المختزلة على الغلاف يعملان مع العنوان لتشكيل إطار تأملي لما تحتويه الرواية من ألم، وموت، وتاريخ ملوث بالصراعات الإنسانية والسياسية.

ويؤكد الروائي من خلال هذه السيمياء أن الرواية ليست مجرد سرد لأحداث الماضي، بل هي تجربة فكرية وفلسفية، تحاول فك شفرات ما حدث في القرن العشرين، وفهم أسباب الحروب، والصراعات الطبقية، والانتهاكات الإنسانية، وإعادة تقديمها بطريقة تجعل القارئ يشارك في معالجة الألم الجمعي.

إضافة إلى ذلك، العنوان والغلاف يشيران إلى الوعي التاريخي والإنساني للشخصيات؛ فهو لا يقتصر على تصوير المآسي الخارجية، بل يتعمق في الأثر النفسي والاجتماعي للزمن الأسود على الفرد والمجتمع، ويجعل البصرة، على سبيل المثال، شخصية رمزية تعكس معاناة المدن المتأثرة بالحروب. هذا الاستخدام للسيمياء يربط بين البنية السردية الداخلية للرواية والخارجية في شكلها البصري واللغوي، ويجعل القارئ يدرك أن كل عنصر في النص اختير بعناية ليخدم التجربة الجمالية والفكرية المتكاملة.

باختصار، السيمياء في العنوان والغلاف ليست زينة بل وسيلة للتواصل المباشر مع القارئ، وإعداد الذهن لاستيعاب المأساة الإنسانية والفكرية التي ستكشفها الرواية، مما يجعلها جزءًا لا يتجزأ من البناء الإبداعي للعبيدي.

يمكن النظر إلى رواية كم أكره القرن العشرين لعبد الكريم العبيدي باعتبارها أكثر من مجرد نص سردي؛ فهي تأمل فلسفي في الإنسان والتاريخ والوجود.  من خلال الرواية، يطرح عبد الكريم العبيدي سؤالًا محوريًا عن معنى الحياة في زمن يموج بالصراعات، والعنف، والخراب، وكيف يمكن للإنسان أن يحافظ على كرامته وهويته وسط عالم يبدو فيه التاريخ قاسيًا بلا رحمة. الرواية بذلك تقدم مرآة للعقل البشري، لأخلاقياته، وصراعاته الداخلية بين الخير والشر، الحرية والقيود، والأمل واليأس.

التأمل الفلسفي في الرواية يظهر جليًا في طريقة التعامل مع الزمن والذاكرة. القرن العشرين، الذي أطلق عليه عبد الكريم العبيدي القرن الأصفر، يمثل امتدادًا للأزمات الإنسانية الكبرى، بما فيها الحروب العالمية، والمجازر الجمعية، والأزمات الاقتصادية والسياسية. إلا أن الكاتب لا يكتفي بسرد الوقائع التاريخية، بل يعيد تشكيلها عبر وعي الشخصيات وتجربتها الذاتية، ليقدم رؤية فلسفية مفادها أن الإنسان ليس مجرد متلقٍ للظروف، بل فاعل قادر على التأمل، والمحاولة، وربما المقاومة، رغم العوائق المستمرة.

كما تعكس الرواية أسئلة وجودية حول الهوية والانتماء، خاصة من خلال شخصية مولود البلوشي، التي تعكس صراع الفرد مع جذوره وأرضه، ومع المعايير الاجتماعية والسياسية التي تحاول تحديد مكانه في العالم. ويبرز من خلال هذا الصراع تأمل عميق في حقيقة الكينونة الإنسانية، وفي حدود الحرية الفردية وسط الضغوط الخارجية.

أخيرًا، يمكن القول إن الرواية تقدم تجربة معرفية متكاملة؛ فهي تجمع بين سردية دقيقة، وتصوير واقعي، ووصف نفسي معمّق، مع قدرة الكاتب على مزج الفلسفة بالدراما الإنسانية. هذا يجعل النص أداة للتفكر الذاتي ولإعادة النظر في القيم الإنسانية الكبرى، ويتيح للقارئ أن يتجاوز مجرد قراءة الأحداث إلى استكشاف أعماق النفس الإنسانية ومآلات التاريخ الإنساني.

 

 

Abdul Karim Al-Obaidi is an Iraqi novelist and journalist. He worked as a correspondent for the BBC in Baghdad for three years and contributed to several newspapers and magazines, including Al-Mada, Al-Nahda, Al-Sabah, Al-Saa’a, Al-Jeel, and Al-Shabaka. He also served as a program supervisor on Iraqi TV, producing several programs and documentaries, and headed the cultural section of the Baghdad newspaper Tariq Al-Shaab.

Al-Obaidi is known for his works about Iraq during wartime. He received the Katara Prize for Arabic Novel in 2018. His personal experiences in the Iran-Iraq War and the liberation of Kuwait, including being lost in the desert of Hafar Al-Batin, inspired his novel Lost in Hafar Al-Batin, which was later adapted into an Iraqi TV series. The novel depicts a young man from Basra and the struggles of youth during Iraq’s wars, as he is conscripted during the Iran-Iraq war and later during the Kuwaiti occupation. His works have been academically recognized, such as a chapter in War and Occupation in Iraqi Fiction, published in English by the University of Edinburgh.

Another novel, Flies and Emeralds, also focuses on the post-war period and the aftermath of the 1991 U.S. invasion of Iraq, centering on Basra, which suffered the most in both conflicts. Al-Obaidi also wrote the play Temporary Detour, performed at the National Theatre in Baghdad.

His novel How I Hate the Twentieth Century begins with a realistic, almost detective-style narrative. The story opens with the ringing of a mysterious phone that propels the semi-omniscient narrator to travel to Erbil to meet Dr. Mia, an Iraqi expatriate, and her family. There, he discovers a displaced Baloch family from Basra and uncovers the secrets of Mia’s deceased brother, Moloud, including a will, financial inheritance, and notebooks chronicling his experiences.

The novel follows Moloud, a young man from an Iraqi ethnic minority, through his harrowing escape from conscription, persecution by his childhood rival Sarim Al-Zanbour, and eventual exile to the Netherlands. Moloud’s father, Murad, dies from the pressures of ethnic discrimination, while his grandmother Salika deeply mourns his suffering. His sisters, Mia and Ria, navigate the hardships of life, including threats and social injustices, with Mia also facing abuse from Sarim’s family. Sarim and his sisters, Nahla and Nahouda, engage in morally complex actions to protect their family, while Mia’s husband, a psychiatrist, supports her through trauma.

The narrative uses multiple voices: an unnamed writer, a semi-omniscient narrator, Moloud himself, and other perspectives from his family. Through these intertwined narratives, the novel explores war, displacement, injustice, survival, and the impact of historical events on personal lives, culminating in Moloud’s death in exile and the inheritance of his life’s records to be preserved for posterity.

 

#كم_أكره_القرن_العشرين#عبد_الكريم_العبيدي#الرواية_العراقية#أدب_الحروب#مولود_البلوشي#البصرة#المنفى#أدب_الذاكرة

 



[1] Ikram Masmoudi. War and Occupation in Iraqi Fiction (Edinburgh Studies in Modern Arabic Literature)

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسرار الجازي وماثيو: رواية التاريخ والحكاية في قلب السعودية

حين يتكلّم الصمت: رحلة ابراهيم فرغلي بين الذاكرة والخيال

أصوات مصر: كيف كتب الكاسيت تاريخ الجماهير