الرسامة ليلى نصير: أيقونة التعبيرية والتمرد النسوي في سوريا
لم ترسم الطبيعة… بل
رسمت الإنسان حين ينكسر.
لم تكن لوحاتها زينة جدارية، بل شهادة ألم.
امرأة دخلت مقاهي الرجال في الستينات لترسم
وجوههم المتعبة.
حملت الحروب إلى لوحتها كما تحمل الأم طفلها.
ليلى نصير لم تكن فنانة فقط… كانت موقفًا.
#LeilaNassir#SyrianArt#WomenInArt#Expressionism#ModernArabArt
#FeministArt#MiddleEasternArtists#ArtAndResistance#HumanisticArt
#ContemporaryArabArt
ليلى نصير: سيرة الألم
والتمرّد في الفن التشكيلي السوري
ليلى نصير رسامة سورية شهيرة،
وهي أبرز فنانة سورية أثبتت مسيرة فنية بارزة في زمن ندر فيه استمرار الفنانات من
جيلها. دعت إلى المساواة بين الجنسين وكانت ثورية على المستويين الشخصيّ والفنيّ،
حيث عارضت تقاليد المجتمع المحافظ والأفكار المسبقة عن الفنانات. طوال مسيرتها
المهنية، استكشفت أنماطاً فنيّة مختلفة وآمنت بشدّة بأهميّة التجريب. أثّرت فيها
انطباعاتها من طفولتها المبكرة، خصوصاً مراقبتها الفقر، وظلّ عملها متمحوراً حول
معاناة البشرية بسبب الحروب والطبقية والتمييز بين الجنسين.
ولدت ليلى نصير (1941-
2023) في بلدة الحفة في شمال اللاذقية، تُعد
أحد رواد الفن التشكيلي في سورية. إنتقلت الى مدينة اللاذقية
في نهاية عقد الأربعينات جرّاء انتقال عمل أبيها، لكنها لم تنزع من سلوكها
وذاكرتها رحابة الريف والعلاقات الحميمة فيه. فتحت أبواب المدينة، وعرفت وجوهها
وتفاصيلها ومعاناة سكانها. لامست قدماها ويداها كل شيء إلى أن بدأت ترسم. طفولتها
كانت بديلا لأخت متوفية كانت تحمل نفس إسمها، وانعكاسا لتربية أم مثقفة تعلمت
القراءة والكتابة في الأديرة. روحٌ سكنت الأخت جنبا إلى جنب ثقافة الأم، واصطدمت
بثقافة ذكورية واجهتها بعنف.
بدأت الرسم وهي لا تزال في
الرابعة عشر من العمر. وحصلت على منحة حكومية للدراسة في مصر، وتخرّجت من كلية
الفنون الجميلة في القاهرة عام 1963 بتخصص فن التصوير التشكيلي. أقامت معرضها الأول سنة 1970 .
وهي تعد جزءًا من الجيل الثاني للفنانين السوريين، الذين درسوا الفن التشكيلي في
القاهرة بعد الجيل الأول الذي تلقَّى تعليمه في إيطاليا. في مصر، تتلمذت على أساتذة يُعتبرون من أساتذة الجيل في كلية
الفنون منهم عز الدين حمودة أحد أهم أساتذة البورتريه في العالم العربي والفنان
المصري حسين بيكار والذي أصبح
معلمها ومرشدها طوال سنوات دراستها في الكلية.. كانت لدى ليلى في البداية الرغبة في دراسة
النحت، حيث كانت معجبة جداً بنحت الحضارات السورية القديمة خصوصاً الأوغاريتيّة
وفن مايكل أنجلو، إلا أن أساتذتها، ومنهم بيكار، رأوا في موهبتها في الرسم ما
يجعلها قادرة على أن تصبح رسامة، مما دفعهم إلى تشجيعها على دخول قسم الرسم.
تدرّبت بشكل أساسي على الرسم الواقعي. وبحسب الفنانة، فإنها قد تأثّرت في تلك
الفترة فنيّاً وفكريّاً بمشاهد الفن المصري القديم، وأيضاً بالفن المصري الحديث،
خصوصاً أعمال الفنان محمود مختار (1891-1934). تخرّجت ليلى عام 1963، وفي
مشروع تخرجها رسمت سلسلة بأسلوب تعبيريّ تصور أطفالاً من ذوي الإعاقات الذهنية،
كانت تراقبهم وترسمهم في أحد دور الرعاية في القاهرة. عادت نصير إلى سوريا في
العام ذاته وعملت معلمة فنون في المدارس الحكومية في اللاذقية، ورسمت مشاهد
المدينة بأسلوب تعبيري تجريدي.. تَشكّل
في مصر عالمها البصري من خلال زياراتها للمتاحف، وهناك تعرّفت إلى الفن المصري
القديم متأثّرة بالتكوينات ورسم الشخصيات.
عملت الفنانة الراحلة أستاذةً
محاضرةً في كلية العمارة بجامعة تشرين . في عام 1989، توجت الفنانة ليلى نصير
بجائزة الدولة التقديرية للآداب والفنون في دورتها الثالثة، وتعتبر هذه الجائزة
تقديرًا للعطاء الفني الشامل الذي قدمته، واعتبارًا لها من الرواد في ميدان الفن
التشكيلي السوري. أثناء عملها على واحدة من
نسخ لوحة "فيتنام" في النصف الأول من السبعينيات، استخدمت الفنانة يديها
العاريتين فتسرّبت المواد الكيميائية إلى جسدها وأصيبت بمضاعفات صحيّة خطيرة، لم
يتمكن الطب في سوريا من شفائها. لذا، أوفدتها الدولة السورية إلى فرنسا للعلاج عام
1974، حيث قضت فترة علاجها وعادت إلى دمشق. إلا أنها عانت صحياً من جديد في مطلع
الثمانينيات وسافرت مجدداً إلى فرنسا.
من الناحية التقنية، ركّزت
نصير على تيارات الواقعية الكلاسيكية والحديثة، واختبرت التعبيرية التجريدية
والسريالية، فضلاً عن الطباعة وفن النحت، مستخدمةً الرصاص والباستيل والألوان
الزيتية والأكرليك وسواها، ما مكّنها من توسيع معرفتها وقدرتها على التعاطي الأمثل
مع العمل الفني. لقد
خاضت بجرأة مراحل التجريب الأسلوبي والتقني. بدأً بالواقعية ومن ثم السريالية سنة 1965،
ومن ثمّ التبسيط والبحث عن الخصوصيّة الفنيّة والتجريب في التجريدية التعبيرية في
معرضها الأول في دمشق سنة 1973، وانخراطها بعد ذلك في التعبيرية، إضافة إلى بحثها
وتجريبها بالرسم الخطيّ الذي اشتُهرت به، بل
كانت متخصّصة ومتفردة برسوماتها الخطية على نحو بارز، لأنها ابتكرت وبحثت ونوّعت
في رسوماتها الخطيّة مثل الخط الواقعي والخط المبسط والخط المحوّر، إضافة الى
تفردها في الباستيل الزيتي وعالم الطباعة الذي استهواها الى درجة الانغماس الكامل
في البحث الفني. كانت ليلى نصير ترسم هموم الأنسان ، فتناولت
آلام الإنسان المعاصر فصوّرت الفقر والجوع والمتسولين والفلاحين والوجوه البائسة
المكسورة ورصدت الحروب والمآسي الانسانية في كل مكان من بقاع الأرض، فقد أوصلها
دافعها الإنساني لترسم حرب فيتنام التي كانت تترصدها عن طريق النشرات الإخبارية
والصحف، وعن حرب بيروت التي سافرت اليها اثناء الحرب ووصولها الى جبهات لتشاهد
الحرب عن كثب ولتصور بعض الجنود في لبنان ومن ثم فلسطين.
كتب عنها الشاعر السوري نزيه
أبو عفش " تجولت طويلًا بين أعمال عظماء كثيرين، فان كوخ، بيكاسو، فريدا
كالو، ماتيس وآخرين كثر. لا في الرقة، ولا في العمق، ولا في الرهافة، ولا الصدق
ولا في فداحة الألم وتواضع البوح فيه ....، لم أعثر على من هو (أو هي) أنبل من
الفنانة السورية الغائبة أو المغيبة ليلى نصير.. أيها الأصحاب أرجوكم. من
يرشدني إلى عنوانها؟ لا أريد لأحدنا (أنا أو هي) مغادرة الحياة قبل أن أعانقها
وأقول لها: ليلى نصير العظيمة.. كم أنت جديرة بالحب والتقديس." وقال رئيس
اتحاد الفنانين التشكيليين عرفان أبو الشامات" إن ليلى نصير
من
رواد الحركة الفنية السورية ومن واجبنا تكريمها."
كانت نصير أوّل امرأة تواظب
على الذهاب إلى المقاهي الشعبية في اللاذقية في فترة الستينيات، وهي رسمت وجوه
العابرين بأقلام الرصاص، ما جعل صاحب المقهى الذي كانت ترتاده يحتفظ بكرسيّها حتى
اليوم. رسمت ليلى نصير منذ نشأتها وجوها متعبة ونساء مقهورات وحزينات، وفلاحين لا
يتوقفون عن مواجهة الشمس والتعب، وصوّرت لحظات اجتماعية كانت تُلهمها، من جلسات
الرجال في الحارات والمقاهي، إلى الأطفال المهمّشين والنساء العاملات. نتاج أقلام
الرصاص الأولى، أهّلها للحصول على منحة حكومية للذهاب إلى مصر لدراسة الفنون، في
رحاب سوريا نهاية الخمسينات، التي كانت داعمة للمواهب وباحثة عنها.
لا
يمكن حصر المؤثّرات التي ألهمت ليلى، لكن تجربتها دوما حملت نزعة تشاؤمية وتمرّدية
في آن واحد، دراسة الفن المصري القديم أثناء تخصصها، وحوّرت تأثرها بالنماذج
المصرية الفرعونية، مستلهمة منه الخطوط ودقّتها وتقاسيم الوجه، ونقلته إلى تجربة
تعبيرية مختلفة، فبدت الأجساد أكثر تعبيرية وقربا من الواقع الحي،.والوجوه دوما في
حالة تعبيرية نشطة، وتشكّل اللوحة يتم عبر محاكاة عين المتلقي بالإلحاح، فكل شيء
في اللوحة يحاكي انطباعا داخليا، تنقله الفنانة بأمانة، وتنزع منه ما قد يُشير إلى
محاكاة حسّية مركّبة، فتحافظ على سياق الصورة بأبسط تجلياتها دون الدفع بالألوان
والتشكيلات المكثفة فتظهر اللوحة بكل قوتها وتعبيرها بألوان قليلة.
احتفظت نصير بالشكل الأيقوني
الكلاسيكي من خلال جعل الخطوط تشكيلا للكتل الواسعة للبياض والألوان الفاتحة، حيث
المضمر والمخفي سيكون دوما غيابا لشيء ما يمكن رصده بإحساس داخلي من الصور التي
يتذكرها المرء، فذاكرتنا تقترب من لوحات ليلى، فنستحضر الشخوص دون الدقة اللونية،
أي ما يبقى في ذاكرتنا هو الملامح الأساسية وكأنها مرسومة لتصنع الكتلة والشكل.
الحس الإنساني العميق هو الملمح الأكثر وضوحا في تجربتها، حتى رقاب الشخصيات في
اللوحات تكون في الغالب قصيرة، لأنها ضحايا الولادة لا التفكير، حيث الواقع لا يشي
سوى بالضحية، التي لا تملك زمنا لفصل الجسد وأتعابه عن الرأس وتأملاته.
حملت ليلى تجربتها الفلسفية
والاجتماعية إلى إطار جديد فيه الوقار الملحمي والديني من جهة، وخصوصية
تمثّل مواضيعها من جهة ثانية. فالمرأة الحامل، والسيدات المتعبات، وأطفال الشارع،
سيحملون معها بُعدا أيقونيا أكثر من أيّ حامل للماضي.
في دمشق كان لها تجربة طويلة.
وما يُستدعى عنها في ذاكرة أبناء جيلها يجعلها أسطورة سورية، من اختراقها مقاهي
الرجال، إلى تمثلات جسدها السائر في دمشق. لقد حملت عبئا انطباعيا في ذاكرتها،
جعلها تشاهد سوريا بطريقة أخرى. أكثر التصاقا بالجماليات البشرية، فبدلا من
الطبيعة والأسطورة، كان البشر وتجاربهم دافع ليلى نصير للرسم والعمل والتشكيل، لكن
تأثرها بالفنون القديمة لم يخرج من أي لوحة لها. ويمكن فهم تجاربها المتنوعة
بناء على مراحل وعيها وتجربتها الخاصة، من ذاكرة الدراسة في مصر، وأوغاريت
اللاذقية، كانت الأشكال الأسطورية تتداعى وتلف واقعيتها الكلاسيكية بالعوز،
فانتقلت مع موجات الحداثة وما بعد الحداثة في التجربة، وبدا لمشروع كل لوحة خصوصية
ليلى، بعيدا عن تمثلات المذاهب الفنية وقواعدها.
تنتمي
ليلى نصير إلى المدرسة الانفعالية بأرقى مستوياتها وأشدّها حدة، فالسمو والخصوصية
في تشكيل لوحاتها احتاجا دوما إلى دفعة انفعالية مضمرة وكامنة أحيانا، وحية
ومعاصرة في أحيانٍ أخرى. مضمرة من حيث دفاعها عن دور النساء وتعليمهن للفنون جراء
قمعٍ واستهجانٍ تعرضت له في طفولتها بسبب اهتمامها بالفن، وحية من خلال تجاربها مع
الواقع والشارع والحرب أيضا. انتقلت إلى بيروت لتشاهد حروبها، شاهدت الحروب وبشرها
من مقاتلين وقتلى ومشردين، كل هذا كان يحتاج جسدا قويا وانفعالا وجرأة قبل أن
يتجسد في لوحة. كانت ليلى نصير من القلائل الذين أقحموا جسدهم وشخصهم في واقعهم
ليغنوا فنونهم، تجربة السمو هذه تتأتى لها من تأثرها الهائل بأمها، وبشخصية الأم
التي تلد وتلتصق وتعطي وتدفع، معنى الولادة والعطاء، الشفقة والحنو والتواضع في
اللوحة هو ذاته تجربتها كشخص يعيش في الواقع. واقع الاقتراب من الضحية سواء كان
محاربا قاتلا أم مقتولا، بشر الحرب وفقراء الواقع سواء كانوا ضحايا أم سذجا،
فعل الأمومة والإحاطة فيه التبسها دون أن تكون أُما أو صاحبة عائلة، كان الواقع
طفلها وعائلتها، لقد تمثّلت أمها لتكون أما دون أي أنانية أو خوف على نفسها، كان
كل شيء طفلا في نظرها يحتاج إلى جسدها ثم سمو فنها.
تحسب لليلى النزعة الشخصية،
والتي هي من مقوّمات الفن الرومانسي أيضا، فدورها الشخصي في تاريخ الفن السوري
وآلياتها المفتوحة للتجريب، يجعلها رائدة على مستوى الشخصية، من الرسم بالرصاص إلى
الألوان الزيتية إلى وضع الكرتون على جسد اللوحة ثم حفره وصقله، ومن تتابع لوحاتها
منذ الستينات حتى توقفها عن الرسم، لا يمكن حصر تجربتها في اتجاه بعينه، لا على
مستوى التقانة ولا المذهب. لكن ما يعلق في ذاكرة الجميع وجوه ليلى نصير التي
رسمتها، التكوين المذهل الخاص، المساحة التي تتاح لأعين شخصياتها لتتأملنا قبل أن
نتأملها، ليس من كون العين مساحة لفهم الوجه، بل بجعل العين نتاجا لحوار مُسبق بين
ليلى وبين شخصياتها، فالتأويل المتاح لنا هو ما تم بين ليلى وشخصيتها خلال فترة
الرسم، وصولا لانتهاء زمن اللوحة تكون ليلى بتجربتها الخالصة قد استنطقت الشخصية
وأتاحتها لنا.
لم
تكتب ليلى نصير سيرتها الذاتية، لكن لوحاتها تُشير إلى الكثير من ذلك، كل زوار
بيتها القديم كانوا يعلمون أن كل يوم لوحة، والكثير من التجارب التي تُدلي فيها
للعالم يومياتها، اليوميات الوحيدة لسيدة لم تتزوج وتصنع عائلة، بل ما يكون في
ذاكرتها سيصبح تجربتها ويحين الاستنطاق في وقتٍ تكون فيه وحيدة. لم تتخلّ عن
الرصاص أبدا في كل تجاربها، طفولتها الأولى ظلت معها رغم كل ما جرّبته واختبرته في
حياتها ، فمهما اعتلت تجربتها الشخصية مراحل أكثر صعوبة، فالنضج كان مكلفا وبائسا
لليلى بلا شك مثل أي فنان حمل عبئا ساميا يحاول التخلص منه باسترجاع ذاكرته
وأدواته الطفولية علها تنقذه. وعلى طريقة بروست كانت الحداثة كفكرة شكلا يوميا
لحياة ليلى، فما تفعله بالفن فكرة، ترتبط بسلوكها الحرّ ثم بطريقة فنها، فتحويل كل
ذاكرة وتجربة لفن كان شيئا يوميا وشخصيا كتحدٍ للمجتمع من خلال السلوك المقاوم لأي
إبعاد للمرأة عن التأثير، ومن خلال السخط عليه في التقاط ضحاياه وقتلاه المُهملين.
منذ
السبعينات كان تاريخ الفن التشكيلي السوري يُصنع، وكانت ليلى من روّاده ومؤسسيه،
في كلّ أحاديثها تُصرّ ليلى على دورها في تحرير المرأة عبر جسدها ولوحاتها،
وتُبرز لشخصيتها بعدا أساسيا في ذلك. في جلساتها مع الفنانين الشبان أو النسوة
المثقفات كانت تبحث عن تجاربهن وتدفعهن نحو الانفعال والتعبير. ما حملته في
طفولتها من استهجان لموهبتها جعلها تشير دوما إلى أن تجربة نجاحها ارتبطت بالتمرد
والمقاومة والاندفاع نحو تحقيق المبتغى الخاص.
تجوالها في دمشق كان مع
مؤسّسي الفنّ السوري الحديث وموازٍ للتجارب الأولى السورية في صناعة الفن. وحينما
عادت اللاذقية عادت في أحايين كثيرة للرسم الأقرب للتشكيلات الأثرية، تنوع التجارب
زمنيا يجعل ليلى ملتصقة بشخصها أكثر من التصاقها ببنية مشروع واضح للوحاتها، هذا
الخليط في الأثر هو بحث عن شيء أو عن إجابة دائمة، خاصة عندما ترسم الوجوه
الخائفة، الأوشحة التي تلفّ الرقبة كدلالة على عدم الشعور بالأمان وتجذّر الوحدة،
أو المرأة الحامل البائسة كخوف من الحياة . بدأ فنها في المراحل الأخيرة يشي
بالتشاؤم الشخصي ويكتفي فيه ويكون عنوانه.
ليلى نصير ترسم، أو هي رسمت
أفكارها، ومن ثمَّ أحاسيسها بعين نسرٍ لا بعين ذبابة، كما قال أستاذها محمود مختار
الذي أعطاها قوَّة روحية، فصوَّرت لوحاتٍ هي صورٌ لمشاعر وأفكار في لحظةٍ حَرِجة
تهيئ لذروة. وجوه، جذوع وسيقان وأيادٍ تتفرَّسُ فينا، سنرى فيها اختلاج شفاه، بريق
بصر. هذه الوجوه التي ترسمها ليلى نصير بماذا تشعر وتحس، بماذا تفكِّر. وأعتقد أنَّ
أهمية أعمالها تجيء من هنا، من الوجوه التي تفكِّر، الوجوه التي تحس وتستشعر شيئًا
ما، لكنَّها بالتأكيد لا تفكِّر تفكيرًا إجراميًا، أو ملغَّزًا، كانت وجوهها من
مرحلة التجريد، أو الواقعية، أو التعبيرية، فنحن مع وجوهٍ شابة متوهجة بـ(الحلم)
رغم قسوة شرطها العاطفي والسياسي والاقتصادي. قد نلتقط شيئًا من برودةٍ في بعض
وجوهها التي رسمتها، لكنَّها لا تصل إلى درجة التجمُّد، لأنَّها وجوه في حالة
ذهولٍ أو فزع ـ خوف. هي لا تذهب في تصويرها إلى رسم الوجه الضبابي أو الثلجي،
بالعكس سنرى وجوهًا في حالة ألق ـ متألِّقة، يشعُّ منها النور، نورٌ يقيم صراعًا
مع العتمة/ الظلام، وهذا ما يميِّز مدرستها التعبيرية.
وجوه ليلى نصير كائناتٌ من
أعصابٍ وأرواح، كائنات تشعر وتتكلَّم، لأنَّ ليلى رسمتها بحبر الروح، وهم في حالة
يقظة؛ يفكِّرون ولا ينامون، وفي ذروة وجودهم وهم يتمتَّعون بالحدس والرؤيا، فلا
يظلُّون طرائد لجلادي المال والحريَّة الذين ما ينفكُّون يسملون عيوننا كي لا نرى
ولا نُبصر.
Leila Nassir
(1941–2023) was a prominent Syrian painter and poet, widely regarded as one of
the pioneers of modern Syrian visual art. Born in Al-Haffa near Latakia, she
grew up between rural memory and urban transformation—an experience that deeply
shaped her artistic sensibility. From an early age, she showed exceptional
talent, which earned her a government scholarship to study at the Faculty of
Fine Arts in Cairo, graduating in 1963.
Throughout her
career, Nassir experimented with multiple artistic styles, including classical
realism, surrealism, abstract expressionism, and graphic techniques. However,
her most distinctive contribution lay in her expressive line drawings and
emotionally charged portraits. Her works often portrayed marginalized figures:
impoverished peasants, weary women, street children, and victims of war. She
traveled to Beirut during wartime to witness conflict firsthand and painted
scenes inspired by the Vietnam War, reflecting her profound humanistic
commitment.
Deeply influenced by
ancient Egyptian art and Syrian heritage, she developed a unique visual
language marked by strong lines, simplified forms, and intense psychological
depth. Faces in her paintings seem to think, feel, and confront the
viewer—radiating light even amid suffering.
A passionate advocate
for women’s empowerment, Nassir challenged conservative norms both socially and
artistically. She was among the first women to frequent public cafés in Latakia
during the 1960s, sketching ordinary people and breaking gender barriers.
Despite receiving
Syria’s State Appreciation Award in 1989, her later years were marked by
isolation and limited recognition. Yet her legacy remains powerful: Leila
Nassir stands as a symbol of artistic resistance, emotional honesty, and the
enduring role of art as a defense of human dignity.
#ليلى_نصير#الفن_التشكيلي#الفن_السوري#فنانات_سوريات#التعبيرية#الواقعية#دفاع_عن_المرأة
#فن_وإنسان#رواد_الفن#الحركة_التشكيلية#الفن_النسوي#وجوه_ليلى_نصير



.jpg)


تعليقات
إرسال تعليق