عبد الرزاق عبد الواحد: شاعر العراق أم شاعر السلطة؟

 

 

 

عبد الرزاق عبد الواحد


في قلب الشعر العراقي، يقف عبد الرزاق عبد الواحد بين مجد الكلمة وواقع السلطة.
قصائده تجمع بين الحب للعراق والولاء للسلطة، بين المجد الوطني والانحياز السياسي.
كيف يمكننا قراءة إرثه الشعري بين الفن والسياسة؟
هل يبقى شاعرًا للوطن أم مجرد صوت للسلطة؟

 

#AbdulRazzaqAbdulWahid #IraqiPoet #PoetryAndPolitics #ArabicPoetry #IraqiCulture

 

(من مأثور حكاياتنا الشعبية، أن مخرزا نسي تحت الحمولة على ظهر جمل..)
قالوا وظل.. ولم تشعر به الإبل
يمشي، وحاديه يحدو.. وهو يحتمل..
ومخرز الموت في جنبيه ينشتل
حتى أناخ بباب الدار إذ وصلوا
وعندما أبصروا فيض الدما جفلوا
صبر العراق صبور أنت يا جمل!
وصبر كل العراقيين يا جمل
صبر العراق وفي جنبيه مخرزه
يغوص حتى شغاف القلب ينسمل
ما هدموا.. ما استفزوا من محار مه
ما أجرموا.. ما أبادوا فيه.. ما قتلوا
وطوقهم حوله.. يمشي مكابرة
ومخرز الطوق في أحشائه يغل
وصوت حاديه يحدوه على مضض
وجرحه هو أيضا ناز ف خضل
يا صبر أيوب.. حتى صبره يصل
إلى حدود، وهذا الصبر لا يصل!

 

 

الشعر بين البراءة والسلطة

الشعر، منذ أن خرج من فم الإنسان الأول، لم يكن مجرد زخرفة لغوية، بل كان إعلان وجود. لم تكن الكلمة الأولى وصفًا للعالم، بل محاولة للسيطرة عليه، ولتسميته، ولتملكه. ومنذ تلك اللحظة، دخل الشعر في علاقة مع القوة؛ قوة اللغة وقوة الجماعة وقوة الحاكم.
فهل يمكن أن يكون الشعر بريئًا؟ أم أن كل قصيدة، مهما ادعت الصفاء والحيادية  تحمل في داخلها موقفًا من العالم، وانحيازًا ما، ورؤيةً للسلطة أو ضدها؟

يقف الشاعر دائمًا في منطقة رمادية ملتبسة: هو شاهد وصانع ، ومعارض ومؤيد، وناسك ومنبري، ونبيٌّ صغير أو بوقٌ كبير. وبين هذه الاحتمالات تتشكل صورته في الوعي الجمعي. فحين يتماهى الشاعر مع وطنه، يصبح صوته صوت الأرض والتاريخ. لكن حين يتماهى مع الحاكم، يختلط الوطن بالسلطة، ويتحوّل الحلم إلى خطاب سياسي، ويتحوّل الشعر إلى وثيقة زمنية قابلة للمساءلة.

أن عبد الرزاق عبد الواحد ليس حالة عابرة في الشعر العربي الحديث؛ إنه نموذج مكثّف لإشكالية العلاقة بين القصيدة والسلطة. فهو شاعرٌ امتلك أدوات اللغة الكلاسيكية في أبهى تجلياتها، واستعاد العمود الشعري بقدرة إنشادية عالية، لكنه في الوقت نفسه ربط تجربته باسم سياسي محدد وزمن سياسي محدد. فهل كان صوته صوت العراق حقًا؟ أم كان صدىً لسلطة تاريخية معينة؟ وهل يمكن للتاريخ أن يعيد قراءة شاعر خارج لحظته السياسية؟

السؤال هنا ليس اتهامًا ولا تبرئة. إنه سؤال في طبيعة الشعر ذاته:
هل الشعر انحياز أم خلاص؟
هل هو موقف أخلاقي قبل أن يكون جمالًا؟
وهل يمكن أن نقرأ القصيدة دون أن نسمع أصداء المنبر خلفها؟

من هذه المسافة الفلسفية يبدأ تأملنا في تجربة عبد الرزاق عبد الواحد، محاولةً للفصل — أو على الأقل للفهم — بين الشاعر بوصفه مبدعًا، والشاعر بوصفه كائنًا سياسيًا يعيش زمنه ويصطدم به.

 

الأسلوب واللغة — فخامة العمود واستعادة السلطة الجمالية

ينتمي عبد الرزاق عبد الواحد إلى الجيل الذي شهد تحولات عميقة في بنية الشعر العربي، لكنه اختار — بعد تجربة مع التفعيلة — أن يعود بقوة إلى العمود الخليلي، لا بوصفه تراثًا محفوظًا، بل بوصفه سلطة جمالية متجددة.
هذا الاختيار لم يكن مجرد حنين إلى الماضي، بل كان موقفًا فنيًا واعيًا: فالشعر العمودي عنده ليس شكلًا تقليديًا، بل بنية خطابية قادرة على استيعاب اللحظة السياسية والوجدانية معًا.

تتسم لغته بالجزالة والرصانة، وتكاد تذكّرنا بنبرة الجواهري وصرامة المتنبي. الألفاظ قوية، ومحكمة، وخالية من التراخي، والجملة الشعرية غالبًا ما تُبنى على توازن نحوي وإيقاعي يمنحها طابعًا احتفاليًا. إنه شاعر يعرف كيف يشدّ المتلقي عبر الإيقاع قبل الفكرة، وعبر الجرس قبل المعنى. ولذلك ارتبط اسمه بفن الإلقاء والمنبر؛ فالقصيدة لديه حدث صوتي، وطقس جمعي، ومشهد أدائي.

لكن العمود الشعري عند عبد الرزاق لا يعمل فقط كقالب موسيقي؛ إنه أيضًا إطار رمزي يعيد إنتاج مفهوم الهيبة. فالفخامة اللغوية تمنح الخطاب قوة سلطوية، سواء كانت هذه السلطة سلطة الوطن أو سلطة الحاكم. هنا تبرز الإشكالية: حين تتماهى الفخامة مع الخطاب السياسي، هل تبقى جمالية خالصة؟ أم تتحول إلى أداة تأكيد أيديولوجي؟

من الناحية الفنية البحتة، لا يمكن إنكار قدرته الاستثنائية على تطويع البحر والقافية دون تكلف، وعلى خلق صور شعرية تنبثق من التراث لكنها تتصل بالحاضر. غير أن هذا التمكن اللغوي نفسه جعله قادرًا على شحن القصيدة بطاقة خطابية عالية، ما جعلها قابلة لأن تتحول إلى نشيد تعبوي بقدر ما هي نص أدبي.

وهكذا، فإن قراءة أسلوب عبد الرزاق عبد الواحد تكشف عن شاعر يمتلك أدوات الكلاسيكية بمهارة، ويستثمرها لإنتاج خطاب ذي طابع ملحمي ومنبري. لكنه في الوقت ذاته يضعنا أمام سؤال جوهري:
هل الفخامة في الشعر شكل من أشكال الجمال فقط؟ أم أنها، أحيانًا، إعادة إنتاج رمزي لفكرة السلطة نفسها؟

المضامين الوطنية والقومية — العراق بوصفه قدرًا شعريًا

إذا كان الأسلوب عند عبد الرزاق عبد الواحد يستعيد سلطة العمود، فإن المضمون عنده يستعيد سلطة الوطن. غير أن الوطن في شعره ليس مساحة جغرافية بحدود سياسية، بل كيان ميتافيزيقي، أقرب إلى الأسطورة منه إلى الدولة. العراق لديه ليس بلدًا فقط، بل قدرًا، وجرحًا، ونبوءة، وصبرًا أيّوبيًا ممتدًا عبر القرون.

منذ بداياته، يتشكل العراق في قصيدته بوصفه مركز العالم العربي وروحه الحضارية. يستحضر سومر وأكد وبابل، الكوفة والبصرة وبغداد العباسية، بيت الحكمة والمنصور والرشيد، وكأن التاريخ كله يتكثف في لحظة معاصرة. هذا التراكم الرمزي يمنح القصيدة بُعدًا ملحميًا، حيث يصبح الحاضر امتدادًا لسلسلة بطولية طويلة. العراق هنا ليس ضحية، بل صابر عظيم؛ ليس تابعًا، بل مركز إشعاع.

هذا الوعي الملحمي انعكس كذلك في توظيفه للحروب والمواجهات بوصفها امتدادًا لصراع تاريخي بين الأمة والعدو. ولذلك ارتبط اسمه بلقب شاعر القادسية وشاعر أم المعارك، لأن خطابه الشعري لم يكن يصف المعركة بقدر ما كان يؤسطرها، يحولها إلى حدث رمزي يتجاوز زمنه. وهنا يبرز التداخل الحاد بين الوطني والسياسي: حين تُصاغ المعركة بلغة ملحمية، تتحول السياسة إلى قدر تاريخي، ويغدو الموقف الشعري جزءًا من السردية الرسمية.

غير أن اختزال تجربته في بعدها السياسي وحده يُغفل بُعدًا آخر لا يقل أهمية: فالعراق في قصائده بعد 2003 يتحول من وطن المنتصر إلى وطن المكسور. يكثر البكاء، ويكثر الحنين، ويغدو الوطن جسدًا ينزف في المنفى. لم يعد العراق خطاب قوة، بل خطاب وجع. ومن هنا، يظهر التحول: من شاعر الدولة إلى شاعر الضياع، وإن ظلّ المنطلق العاطفي واحدًا — عشق العراق حدّ التماهي.

تشكل القضية الفلسطينية والعروبة بدورهما محورًا ثابتًا في نصوصه، حيث تتسع فكرة الوطن لتصبح أمة. لكنه دائمًا يعود إلى العراق باعتباره المركز، القلب الذي تنبض فيه العروبة. وهنا تكمن المفارقة: فبينما يرى أنصاره في هذا الانحياز ذروة الوطنية، يرى منتقدوه أن هذا التصور الملحمي للوطن جعله يخلط بين الدولة والنظام، بين الأرض والسلطة.

يبقى السؤال: هل كان العراق عند عبد الرزاق عبد الواحد وطنًا مطلقًا يعلو فوق الأشخاص؟ أم أن الوطن تجسد، شعريًا، في صورة سياسية محددة، فاختلطت الرمزية بالتاريخ الواقعي؟
الإجابة ليست سهلة، لكنها تكشف أن تجربته الوطنية كانت، في جوهرها، تجربة عاطفية قصوى، بلغت أحيانًا حدّ التماهي الكامل.

تَجَمَّعَت الدُّنيا عليكِ بِلَيلِها                       بِكلِّ ضَواريها..فعاثُوا ، وأوبأوا

تَجَرَّأ َ مَن في الحُلم ِلا يَتَجَرَّأ ُ                     وَهَيَّأ َ مَن في الوَهم ِلا يَتَهَيَّأ ُ

وَجاشَتْ جيوشٌ يَعلمُ اللهُ أنَّها                  وَمَن جَيَّشوها..ما أثاروا ، وعَبَّأوا

سوى أنَّهُ حِقدٌ على أرض ِسومر ٍ              لأنَّ ثَراها للحضاراتِ مَنشَأ

لأنَّ وَريثَ الضَّوءِ يَسطعُ مثلَهُ                 وَمَعدنُ هذا مثلُ ذا ليسَ يَصدأ ُُ

تُحاولُ أمريكا بِكلِّ جيوشِها                     لِكي تَستَفِزَّ الغَيبَ،والغَيبُ يَهزأ ُ

وَفاتَهُمو أنَّ الشَّياطين نَفسَهُم                  لو التُمِسوا أن يَفعَلوا ما تَجَرَّأوا

 

توظيف التراث — الذاكرة بوصفها مشروعية شعرية

التراث في شعر عبد الرزاق عبد الواحد ليس زخرفة ثقافية، بل أداة تأسيس شرعية. فهو لا يستحضر الشخصيات التاريخية والدينية من باب التلميح البلاغي فحسب، بل يجعلها أركانًا في بنية القصيدة، كأن الحاضر لا يكتمل إلا عبر مرآة الماضي.

نرى المتنبي حاضر بوصفه النموذج الأعلى للفخر والاعتداد والبلاغة العالية. وليس من المصادفة أن يُشبَّه به، أو أن يُقارن بأسلوبه، فعبد الرزاق وجد في المتنبي صورة الشاعر الذي يمدح ويعتد ويخاطب السلطة من موقع القوة الشعرية. كما يستحضر الإمام الحسين بوصفه رمز الشهادة والحق، وأيوب بوصفه رمز الصبر، ليجعل من العراق استمرارًا لسلسلة رمزية من الألم المقدس والبطولة التاريخية.

قَدمتُ .. وعَفْوَكَ عن مَقدَمي                         حسيراً ، أسيراً ، كسيراً ، ظَمي

قدِمتُ لأ ُحرِمَ في رَحْبَتيْك                           سلامٌ لِمَثواكَ من مَحرَم ِ

فَمُذْ كنتُ طفلاً رأيتُ الحسين                       مَناراً إلى ضوئهِ أنتَمي

ومُذْ كنتُ طفلا ًوجَدتُ الحسين                     مَلاذاً بأسوارِهِ أحتَمي

وَمُذْ كنتُ طفلاً عرفتُ الحسين                      رِضاعاً.. وللآن لم أفطَمِ!

سلامٌ عليكَ فأنتَ السَّلام                            وإنْ كنتَ مُخْتَضِباً بالدَّمِ

وأنتَ الدَّليلُ إلى الكبرياء                             وإنْ كنتَ مُختَضباً بالدَّمِ

وإنَّكَ مُعْتَصَمُ الخائفين                                يا مَن مِن الذَّبح ِ لم يُعصمِ

 

هذا التوظيف يمنح قصيدته عمقًا حضاريًا، لكنه في الوقت ذاته يؤدي وظيفة أخرى: إنه يُسبغ على اللحظة السياسية المعاصرة بعدًا تاريخيًا يجعلها تبدو استمرارًا طبيعيًا لسيرورة قديمة. فحين تُربط المعركة الحديثة بمعارك تاريخية كبرى، تتحول السياسة إلى ملحمة، ويغدو الحدث الآني قدرًا تاريخيًا لا خيارًا بشريًا.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن هذا الوعي التراثي يعكس ثقافة واسعة واطلاعًا عميقًا بالتاريخ العربي والإسلامي. فهو لا يقتبس الأسماء اعتباطًا، بل يدمجها في السياق الشعري بإحكام، بحيث تصبح جزءًا من النسيج البلاغي. أن التراث عنده حيّ، متحرك، قادر على التعبير عن اللحظة الراهنة.

لكن السؤال النقدي يبقى قائمًا: هل استدعاء التراث كان وسيلة لإثراء التجربة الشعرية فحسب؟ أم أنه كان أيضًا وسيلة لمنح الخطاب السياسي غطاءً تاريخيًا وأخلاقيًا؟

إن العلاقة بين الذاكرة والسلطة علاقة قديمة؛ فكل سلطة تبحث عن جذور في الماضي، وكل شاعر يستدعي الماضي يمنح الحاضر مشروعية رمزية. وبين الاثنين يقف عبد الرزاق عبد الواحد شاعرًا متمكنًا من أدواته، لكنه أيضًا واعٍ بقوة التراث في تشكيل الوعي الجمعي.

النزعة الإنسانية — بين الحماسة والانكسار

قد يبدو عبد الرزاق عبد الواحد، في صورته الشائعة، شاعرًا خطابيًا صلبًا، وعالي النبرة، مشدودًا إلى الفخر والملحمة. غير أن قراءة أعمق لنصوصه تكشف وجهًا آخر أقل صخبًا وأكثر هشاشة: شاعرًا مأخوذًا بالوجع، ومسكونًا بالغربة، ومهددًا دائمًا بانكسار داخلي لا تعالجه البلاغة.

في قصائد الرثاء والحنين، تتراجع النبرة المنبرية لصالح صوت داخلي أقرب إلى الاعتراف. العراق هنا ليس ساحة معركة، بل بيتًا مفقودًا. وبغداد ليست عاصمة رمزية، بل ذاكرة طفولة ودفء وطمأنينة. أن المنفى بعد 2003 لم يكن مجرد انتقال جغرافي، بل انقسامًا وجوديًا: جسد في الخارج، وروح عالقة في المكان الأول. هذا التحول أنتج نصوصًا يغلب عليها الحزن والتأمل، حيث تتجاور الكبرياء مع الدموع.

قصيدة “يا صبر أيوب” تمثل نموذجًا لهذا البعد الإنساني؛ فالصبر ليس شعارًا بطوليًا فحسب، بل معاناة مستمرة، جرح مفتوح لا يندمل. هنا يتحول العراق إلى كائن يتألم، ويتحول الشاعر إلى شاهد على الألم لا إلى منشِد للنصر. هذه المساحة من التعاطف الإنساني تمنح تجربته عمقًا يتجاوز الخطاب السياسي.

حتى في قصائد الحماسة، يمكن تلمّس شعور دفين بالخوف من الفقد. فالفخر المفرط قد يخفي قلقًا، والصوت العالي قد يكون محاولة لستر هشاشة داخلية. هكذا يمكن قراءة بعض نصوصه بوصفها دفاعًا نفسيًا عن صورة وطن مثالي يخشى انهياره. وعندما انهار ذلك المثال، تحوّل الخطاب من تمجيد القوة إلى رثاء الماضي.

تحضر المرأة أيضًا في شعره بوصفها بعدًا إنسانيًا مكمّلًا، لا بوصفها موضوع غزل تقليدي فقط، بل شريكة في الألم والذاكرة. وفي حواراته، كان يعترف بدور زوجته في مراجعة قصائده، ما يكشف جانبًا أكثر تواضعًا وصدقًا في شخصيته الإبداعية.

إن هذا البعد الإنساني يجعل من الصعب اختزال تجربته في خطاب سياسي فقط. فالشاعر الذي بكى بغداد بصدق لا يمكن تجاهل وجعه. لكن السؤال يبقى: هل تكفي النزعة الإنسانية لتخفيف وطأة الموقف السياسي؟ أم أن الجمال لا يمحو أثر الانحياز؟

هنا تتعقد الصورة: فعبد الرزاق ليس مجرد شاعر سلطة، ولا مجرد شاعر ضحية، بل كائن إنساني عاش تناقضًا بين حلم الوطن وواقع السياسة، وترك هذا التناقض مطبوعًا في قصيدته.

 

الإشكالية السياسية — هل يمكن فصل الشاعر عن السلطة؟

تبلغ تجربة عبد الرزاق عبد الواحد ذروتها الإشكالية في علاقتها بالسلطة. فارتباطه الواضح بالنظام السابق، واستمراره في الدفاع عنه حتى بعد سقوطه، جعلا اسمه محور جدل ثقافي وأخلاقي حاد. هنا لا يعود السؤال فنيًا فقط، بل يتحول إلى سؤال في مسؤولية المثقف.

يرى أنصاره شاعرًا وفيًّا لموقفه، ثابتًا على قناعته، لم يساوم ولم يتراجع، وظلّ يعتبر العراق أكبر من الاحتلال ومن الطائفية ومن الانقسام. في هذا المنظور، كان انحيازه تعبيرًا عن رؤية قومية لا عن مصلحة شخصية، وكان وفاؤه نوعًا من الاتساق الداخلي. أما منتقدوه فيرون أنه تجاوز حدود الانحياز السياسي إلى التبرير، وأن قصيدته تحولت في بعض مراحلها إلى أداة تعبئة ودعاية، خصوصًا في سياق الحروب. ويذهب بعضهم إلى أن استمراره في مواقفه بعد سقوط النظام وضعه في مواجهة قطاعات واسعة من شعبه، فاختلط الدفاع عن الوطن بالدفاع عن السلطة.

هذه الإشكالية ليست جديدة في تاريخ الأدب. فالعلاقة بين الشاعر والحاكم قديمة، من المتنبي وسيف الدولة إلى شعراء البلاط في عصور مختلفة. لكن الفرق يكمن في السياق الحديث، حيث تتضاعف مسؤولية الكلمة بفعل الإعلام والجمهور الواسع. فالكلمة اليوم لا تُقال في مجلس خاص، بل في فضاء مفتوح، وتصبح جزءًا من الوعي العام.

السؤال الأعمق إذن: هل يمكن قراءة قصيدته بمعزل عن مواقفه؟
من الناحية الجمالية، يمكن تحليل النص بمعايير البلاغة والإيقاع والصورة. لكن من الناحية الأخلاقية، يصعب تجاهل السياق. فالشعر ليس كائنًا معلقًا في الفراغ، بل خطاب يصدر عن ذات تاريخية تعيش في مجتمع محدد.ومع ذلك، فإن اختزال شاعر بحجم عبد الرزاق عبد الواحد في موقف سياسي واحد قد يكون تبسيطًا مخلًا. فهو شاعر امتلك أدوات فنية رفيعة، وكتب نصوصًا ستظل جزءًا من الذاكرة الشعرية العراقية، لكنه أيضًا اختار موقعًا سياسيًا جعل صورته ملتبسة.

بين النقد الأدبي والسياسي — قراءة مركّبة

يكمن التحدي الأكبر في دراسة عبد الرزاق عبد الواحد في الجمع بين قراءتين متقاطعتين: قراءة فنية، وقراءة سياسية. من ناحية الأدب، نجد شاعرًا يتقن اللغة العربية، ويجيد صياغة الصور البليغة والرمزية، ويملك حسًا موسيقيًا متقدًا في الشعر العمودي، ووعياً عميقًا بتقنيات الملحمة والفخر. وهذه المهارة جعلته واحدًا من آخر العمالقة الذين نقلوا روح المتنبي إلى العصر الحديث، مع تحديثات محدودة في الأسلوب والصور.

لكن من زاوية السياسة، نجد أن اختياراته جعلت قصيدته أحيانًا أداةً للدفاع عن سلطة مستبدة، وفي أحيان أخرى وسيلة لتبرير العنف. هذا التناقض لا يقلل من براعة النصوص من الناحية الفنية، لكنه يجعل قراءة أعماله كاملة أكثر تعقيدًا، ويضع القارئ أمام سؤال: هل يمكن أن تكون العبقرية الفنية حجة على أخطاء سياسية؟

أحد الأمثلة البارزة هو قصيدته التي ألقاها عشية الغزو الأمريكي. من الناحية الأدبية، القصيدة مليئة بالصور القوية والإيقاعات الملحمية، لكنها من زاوية السياسة تحولت إلى إعلان ولاء مطلق للسلطة. هذا الجمع بين القوة الشعرية والالتزام السياسي يضع عبد الرزاق في موقع حساس للغاية بين النقاد: بعضهم يركز على الإبداع الفني، وبعضهم على المسؤولية الاجتماعية والسياسية للشاعر.

في الوقت نفسه، كانت له نصوص إنسانية عميقة مثل يا صبر أيوب والحلم والوحدة، التي كشفت عن شاعر حساس ومتأمل وملتزم بالقضايا الإنسانية، حتى لو اختلف مع موقفه السياسي في نصوص أخرى. هذا يخلق ثنائية معقدة: شاعر يمتلك حسًا إنسانيًا جادًا، لكنه في الوقت ذاته انحاز إلى السلطة في لحظات مفصلية، فبقي إرثه الأدبي مشحونًا بالتناقضات.

 

التحدي التاريخي — إرث يثير الجدل

ما يجعل تجربة عبد الرزاق عبد الواحد محور جدل دائم هو أن التاريخ يعيد نفسه بطريقة نقدية. فقد عاش مرحلة دقيقة في العراق، بين الحروب والاحتلال والانقسامات الطائفية، ووجد نفسه مضطرًا لاتخاذ مواقف قد يراها البعض دفاعًا عن الوطن، ويرى آخرون أنها تبرير للسلطة والعنف. هذا السياق يجعل تقييمه معقدًا، فلا يمكن اختزال تجربته في مجرد شاعر يتغنى بالوطن، ولا في شاعر سلطة فحسب.

في هذا الصدد، يظهر تأثير التجربة التاريخية على إبداعه بوضوح: كل قصيدة، حتى لو كانت فردية أو رومانسية، تحمل ظلّ السياسة والصراع الاجتماعي. لهذا السبب، تظل قراءة شعره متطلبة لإدراك العمق التاريخي والسياسي الذي عاشه. وهذا ما يفسر استمرار النقاش بين النقاد: بعضهم يركز على الأسلوب واللغة والتقنيات الشعرية، وبعضهم يرى أن الأخلاقيات والمسؤولية السياسية جزء لا يتجزأ من تقييم شاعر بهذا الحجم.

 بين الجمال والمسؤولية

في النهاية، ربما لا يكون السؤال: شاعر العراق أم شاعر السلطة؟ سؤالًا عن عبد الرزاق عبد الواحد وحده، بل سؤالًا عن طبيعة الشعر نفسه.
هل يمكن للجمال أن يكون محايدًا؟
هل تستطيع القصيدة أن تتطهّر من زمنها؟
وهل يُحاسَب الشاعر بوصفه فنانًا أم بوصفه مواطنًا؟

عاش عبد الرزاق عبد الواحد عاش في منطقة رمادية بين الحب والولاء، وبين الوطن والسلطة، وبين الفخر والانكسار. أحب العراق حدّ التماهي، وربما لم يدرك أن الوطن أكبر من أي صورة سياسية له. كتب ببلاغة عالية، وأنشد بصوت ملحمي، وبكى بصدق، وانحاز بقناعة — أو بقدر.

سيبقى شعره مادة للقراءة والاختلاف. سيقرأه بعضهم بوصفه آخر فرسان العمود الشعري، وسيقرأه آخرون بوصفه مثالًا على مأزق المثقف حين يقترب كثيرًا من السلطة. لكن الأكيد أن تجربته تكشف هشاشة الحدود بين الشعر والسياسة، وأن الكلمة، مهما بدت سامقة، تظل مرتبطة بظلال زمنها.

وربما يكون الإنصاف الحقيقي ألا نحاكمه بمحبة عمياء ولا بإدانة مطلقة، بل بوعي نقدي يرى الجمال حيث يوجد، ويعترف بالخطأ حيث حدث.
فالشاعر، في النهاية، ليس ملاكًا ولا شيطانًا، بل إنسانًا يكتب — والكتابة دائمًا مغامرة بين الضوء والظل.

 

خَوفاً على قلبِكَ المَطعون ِمِن ألَمي             سأ ُطْبِقُ الآنَ أوراقي على قَلَمي

نَشَرْتُ فيكَ حياتي كلَّها عَلَماً                   الآنَ هَبْني يَداً أطوي بها عَلَمي !

يا ما حَلمتُ بِمَوتٍ فيكَ ، يَحملُني            بِه ِضَجيجٌ مِنَ الأضواءِ والظُلَم ِ

أهلي ، وَصَحْبي ، وأشعاري مُنَثَّرَة ً           على الجَنازَة ِ.. أصواتاً بِلا كَلِم ِ

إلا " عراق " تُناد يني .. وَها أنَذا           أصحو بأنأى بقاع ِالأرض ِمن حُلُمي

فأ ُبصِرُ الناس ، لا أهلي .. ولا لُغَتي        وأ ُبصِرُ الرّوحَ فيها صَدْ عُ مُنثَلِم ِ

أموتُ فيكم ، ولَو مَقطوعَة ٌ رِئَتي             يا لائِمي في العراقيّين .. لا تَلُم ِ!

 

 

#عبد_الرزاق_عبد_الواحد #شعر_العراق #الشاعر_والسلطة #الشعر_العربي #الثقافة_العراقية

 

 

Abdul Razzaq Abdul Wahid was one of Iraq’s most prominent poets of the modern era, whose work oscillates between deep patriotism and political loyalty. His poetry, predominantly in classical Arabic verse, draws on the majesty of historic Arabic poetry, especially the style of Al-Mutanabbi, combining it with modern themes and symbolism. Abdul Wahid’s verses often celebrate Iraq, the Tigris and Euphrates, and Arab unity, earning him titles such as “Poet of Al-Qadisiyah” for his evocative depiction of Arab battles and national pride.

Yet, his legacy is complex. While his work exhibits profound human sensitivity, especially in elegiac and reflective poems, his political alignment, particularly in praising the late Saddam Hussein and defending aspects of the Ba’athist regime, has sparked controversy. Critics remain divided: some focus solely on his literary mastery, while others underscore the ethical implications of his political affiliations. His poetry bridges the past and present, employing historical, religious, and cultural symbols to articulate the realities of contemporary Iraq.

Abdul Wahid’s contributions extend beyond aesthetics; he embodies the tension between art and political context, revealing the responsibilities of the poet as a citizen. Despite his exile and personal hardships, his commitment to Iraq remained central, reflecting in poems that mourn its suffering, advocate resilience, and celebrate its enduring spirit. Ultimately, his legacy challenges readers and scholars to grapple with the delicate balance between literary genius, political engagement, and ethical accountability. Abdul Razzaq Abdul Wahid remains a pivotal figure in Arabic poetry, illustrating the enduring power of words to reflect, question, and shape the fate of a nation.

 

 

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسرار الجازي وماثيو: رواية التاريخ والحكاية في قلب السعودية

حين يتكلّم الصمت: رحلة ابراهيم فرغلي بين الذاكرة والخيال

أصوات مصر: كيف كتب الكاسيت تاريخ الجماهير