رواية عين الهراتي لخضير فليح الزيدي: سفينة الحضارات في مواجهة سلطة الصراع
هل يمكن لسفينة من القصب أن
تصبح رمزًا لحوار الحضارات؟
في رواية عين الهراتي تتحول الذاكرة إلى
مقاومة، والكلمة إلى موقف، والتاريخ إلى سؤال مفتوح عن معنى الحقيقة في زمن السلطة
والخوف
خلال العقدين الماضيين، رسّخ
الروائي العراقي خضير فليح الزيدي حضوره كأحد الأصوات المميزة في المشهد
السردي العراقي المعاصر. عبر أكثر من خمسة عشر إصدارًا، تنوعت أعماله بين الرواية والكتابة
غير المجنسة، متجاوزًا الحدود التقليدية للتصنيف الأدبي، ومندفعًا نحو فضاءات
التجريب. لم تكن الرواية عنده قالبًا مغلقًا، بل مختبرًا مفتوحًا لاكتشاف أشكال
جديدة من الحكي، حيث تتقاطع المغامرة مع الدقة الحرفية في البناء السردي.
يرى خضير فليح الزيدي أن
الرواية "لعبة تخييل دقيقة الصنعة"، تشبه في قدرتها على الإقناع تلك
الدمى التي يتماهى معها الأطفال، لأنها تبدو حقيقية إلى حد بعيد. فالرواية الناجحة
— في نظره — هي التي تظل شخصياتها ووقائعها وأمكنتها عالقة في ذهن القارئ بعد
الانتهاء من القراءة. إنها ليست نقلًا للواقع، بل إعادة خلق له بطريقة تجعل القارئ
يصدق ما يقرأ.
ومن أبرز سمات تجربته انفتاحه
على تقنيات ما بعد القص، كما في أعماله التي تدمج الوثيقة بالشخصيات التاريخية
والأمكنة الحقيقية. بالنسبة له، لا توجد قيود ملزمة على الفنون، والروائي يملك
حرية الابتكار بلا شروط مسبقة. هذا الوعي التقني جعله يبتكر "ألعابًا سردية"
جديدة تقوم على الإيهام المدروس وقوة الدلالة.
في تعامله مع التاريخ، كما في
روايته الملك
في بيجامته عن أحداث 14 يوليو 1958، لم يكن يبحث عن
الحقيقة المجردة بقدر ما كان يختبر قدرة السرد على مواجهة التاريخ ذاته، وكشف
تناقض الروايات حوله. أما بغداد، فهي بالنسبة إليه مدينة ديستوبية، لكنها نابضة
بالحياة، مدينة صراعات وطبقات متحولة، ومنجم روايات يحتاج إلى خيال قادر على
استخراج كنوزه.
كما امتدت تجربته إلى توثيق
تفاصيل الحياة اليومية العراقية — من الطعام والملبس إلى المهن والبيوت — في كتب
غير مجنسة، مؤكدًا أن فهم المدينة يمر عبر طبقاتها المادية والثقافية. بالنسبة له،
الكتابة محاولة لإنقاذ بغداد من الشفاهية، وتثبيت ما كان مهددًا بالضياع.
في النهاية، يختصر خضير فليح
الزيدي مشروعه باعتباره كاتبًا يجيد "لعبة الصدق بالكذب"، مؤمنًا بأن
السرد ليس مجرد حكاية، بل خريطة للحياة والموت في مدينة لا تتوقف عن التحول.
في رواية عين الهراتي لا يُمثّل التاريخ خلفيةً فحسب، بل ساحة معركة
حية تتصادم فيها الذاكرة والأيديولوجيا والسلطة. تبني الرواية عالماً سردياً
معقداً يتمحور حول قصة قارب القصب المعروف باسم دجلة، الذي بناه المستكشف
النرويجي ثور هايردال في سبعينيات القرن الماضي، ثم أُحرق لاحقاً في ظروف غامضة
ذات دوافع سياسية. إلا أن السفينة تتجاوز كونها مجرد قطعة أثرية تاريخية، لتصبح
رمزاً للحوار بين الحضارات، وحلماً بالوحدة الإنسانية، وفي الوقت نفسه هدفاً للشك وسوء
الفهم والتلاعب الأيديولوجي. من خلال هذا الإطار الرمزي، تستكشف الرواية التوتر
القائم بين التعاون والصراع، بين الانفتاح والانغلاق الاستبدادي.
تبدأ أحداث الرواية من سعي الشخصية المحورية (أحمد فؤاد فتاح) لنيل شهادة الدكتوراه حول هذه السفينة العجائبيّة وكشف أسرارها وعلاقتها بأساليب الإبحار في الحضارات الرافدينية، وما دار حولها من حكايات ومرويّات وشخصيّات، وقد كلّفه أستاذه (أكرم مصطفى الشاوي) أستاذ الحضارات القديمة بقسم الأنثروبولوجيا المستحدث في الجامعة فضلاً، عن وصيّة الأب وتمنيّاته الشخصيّة في البحث عن الآثار والعلوم الإنسانية. وبذلك تبدأ مسيرة الرحلة المضنية والغامضة والعصيّة من قبل طالب الدكتوراه لسبر أغوار التاريخ والحوادث، والتقاط كلّ ما من شأنه أن يعمّق دراسته لنيل الشهادة. واقتضى منه الأمر القيام برحلة شائكة إلى مدينة البصرة للبحث عن شخصية الدكتور (عبد الغني مجيد) الذي يوجد في مقهى بمنطقة العشار: " هذا الرجل كان ظلاًّ لهيرالد وهو الكنز المدفون وعارفاً بأدق الأسرار، والكثير مما خُفي عن السفينة ورحلتها، والرجل كان محكوماً بالإعدام، والغريب في قصته أنّه خرج من السجن بعد سقوط النظام، وقبيل لحظة التنفيذ في أبريل (نيسان) 2003 ينجو من الموت بأعجوبة. ويحاول الدارس إقامة علاقة معه لفكّ أسرار هذه الرحلة.“ و الهراتي هو نوع من الديكة القوية، وثاقبة البصر يتم استخدامها في حلبات " مصارعة الديكة" التي كانت تجري في بعض المقاهي. و زعبول الهراتي هو الديك الذي كان يراهن به سمير القاص أو صاحب الهراتي، وهو مفتاح خزانة الأسرار لأنّه الأقرب إلى شخصيّة عبد الغني، ولا يمكن الوصول إليه إلّا من خلاله، فيما الديك الهراتي يمكن أن يرمز إلى فكرة المغامرة أو المقامرة التي قام بها عالم الأعراق النرويجي تور هيرالد في أجواء مشحونة وعوالم غائرة بشعبيتها وخرافاتها وأساطيرها، إذ تتفشّى التقاليد العشائرية الحاكمة والخرافة التي تحكم السلوكيات والسحر والصراعات الاجتماعية.
في جوهرها، تستكشف الرواية
التباين بين رؤيتين للعالم. من جهة، تتجلى روح بلاد ما بين النهرين القديمة في
التبادل والسفر والتفاعل الثقافي، عصرٌ يُصوَّر على أنه منفتح على التعددية
والإنجازات الإنسانية المشتركة. ومن جهة أخرى، يكمن واقعٌ معاصرٌ من حروب واحتلال
وسلطات قمعية، حيث يحلّ الشك محل الثقة، وتُحدِّد القوة الحقيقة. تصبح سفينة القصب
جسراً بين هذين العالمين، مُجسِّدةً إمكانية التواصل السلمي عبر الجغرافيا والزمن.
إلا أن هذا المثال مُهدَّدٌ باستمرار بتفسيرات ضيقة، وجنون ارتياب سياسي، واختزال
المشاريع العلمية أو الثقافية إلى مجرد اتهامات بالتجسس أو التآمر. تُشير الرواية
إلى أن حتى أعمال المعرفة يُمكن أن تُحوَّل إلى جرائم في ظل أنظمة يحكمها الخوف.
من أبرز جوانب الرواية
تصويرها لأفرادٍ عالقين في براثن أنظمة السلطة. فالشخصيات ليست أبطالاً بالمعنى
التقليدي، بل هم مُثقلون نفسياً، مُشتَّتون عاطفياً، ومُضطربون وجودياً. تتكشف
حياتهم في السجون، وأماكن الاحتجاز، وبيئات تُهيمن عليها المراقبة وترقب الإعدام. يسود
جوٌّ من عدم اليقين، حتى باتت اللغة نفسها خطيرة. فالكلمات المرتبطة بالأمل أو
المستقبل تكتسب دلالاتٍ مشؤومة لأنها تُوحي بعقابٍ مؤجل. وبهذا، تُصوّر الرواية
ببراعة كيف تُشوّه الأنظمة الاستبدادية الإدراك اليومي وتُقوّض ثقة الإنسان
الأساسية.
سرديًا، بُنيت الرواية على
بنيةٍ متعددة الطبقات تمزج بين الوثائق والشهادات والمواد الأرشيفية وأصواتٍ
متعددة. تُشكّل هذه التقنية فسيفساء من الخطابات بدلًا من منظورٍ واحدٍ مُهيمن.
تُصفّى القصة عبر ملاحظات البحث والمراجع الصحفية والسجلات التاريخية والروايات الشخصية،
مما يُنتج تفاعلًا ديناميكيًا بين الحقيقة والتفسير. يعكس هذا التعدد عدم استقرار
الحقيقة تحت الضغط السياسي. يصبح فعل الكتابة محوريًا: تُفحص الوثائق بدقة، وتُعاد
تفسير الرسائل، وتتحول الرسائل - البسيطة ظاهريًا - إلى دليلٍ على الخيانة. وهكذا
تُبيّن الرواية كيف يُبنى المعنى ويُتلاعب به ويُستخدم كسلاح.
يُضفي البُعد الاستقصائي
للسرد تشويقًا وإثارةً فكرية. أن بحث بطل الرواية عن معلومات حول السفينة وبناتها يشبه
رحلةً أكاديمية، ولكنه في الوقت نفسه رحلةٌ مجازيةٌ نحو فهم التاريخ المكبوت.
يتماشى هذا البناء مع تقاليد أدب الجريمة الفكري، حيث يُعدّ الكشف عن المعرفة
الخفية محركًا سرديًا واستقصاءً فلسفيًا في آنٍ واحد. يُحوّل استكشاف الأرشيفات
والمقابلات والشهادات القراءةَ نفسها إلى فعل إعادة بناء. يُدعى القارئ للمشاركة
في تجميع الحقائق المتناثرة، والتساؤل حول الروايات الرسمية، وإدراك هشاشة التاريخ
المدون.
من ناحية الموضوعات تُوجّه الرواية نقدًا لاذعًا للسلطة الاستبدادية
وتأثيرها على المجتمع. لا تُصوّر السلطة كبنيةٍ واقية، بل كأداةٍ للعقاب والتشويه.
يُبيّن تحويل أشياء بسيطة - رسائل، كتب، أو رسائل نصية - إلى دليل على الخيانة كيف
تُشيّد الأنظمة الشعور بالذنب. تكشف مصائر الشخصيات عن عبثية هذه التأويلات،
مُظهرةً كوميديا سوداء
ضمن منطق بيروقراطي. يُبرز هذا البُعد الساخر العواقب المأساوية لجنون العظمة
الممنهج. فالرواية لا تُهاجم لحظة سياسية مُحددة فحسب، بل تُوسّع نطاق نقدها ليشمل
أي نظام يقمع الحوار ويستبدل التواصل بالاتهام.
يلعب الرمز دورًا محوريًا في
العمل. يرمز قارب القصب إلى التعاون، والتراث الإنساني المشترك، والترابط التاريخي
بين الحضارات. ويصبح احتراقه استعارةً بليغةً لتدمير الحوار وانتصار الصراع على
التفاهم. يتجاوز صدى هذه الصورة السياق التاريخي المحدد، مما يوحي بأن الإنجازات
الثقافية تكون هشةً عندما تُعطي المجتمعات الأولوية للمواجهة على التعاون. لذا،
تمثل رحلة السفينة الأمل، بينما يُشير تدميرها إلى التراجع.
في نهاية المطاف، عين
الهراتي ليست مجرد رواية عن رحلة تاريخية أو حدث سياسي، بل هي تأمل في السرد
نفسه، في كيفية سرد القصص، وتشويهها، وإسكاتها، أو حفظها. تطرح الرواية أسئلة
جوهرية حول من يُسيطر على التاريخ، وكيف تبقى الحقيقة صامدةً تحت الضغط، وما إذا
كانت الحضارة تعتمد على الانفتاح لا على الهيمنة. إن عمق الرواية الفكري، وثراءها
الوثائقي، وتعقيدها الرمزي، تجعلها إضافةً قيّمةً للأدب العربي المعاصر. يمزج هذا
العمل بين التاريخ والسياسة والذاكرة والسرد الاستقصائي في رؤية فنية موحدة تدعو
القراء إلى إعادة النظر في العلاقة بين المعرفة والسلطة.
من خلال بنيته متعددة
الطبقات ورسالته الأخلاقية المُلحة، تُذكّرنا الرواية بأن التقدم البشري يعتمد على
التواصل لا على الدمار. في عالمٍ تُشكّله الصراعات والمراقبة والانقسامات
الأيديولوجية، يصبح قارب القصب رمزًا خالدًا للأمل. تُؤكد القصة في نهاية المطاف
أنه بينما قد تُحاول الأنظمة طمس الأصوات، فإن الأدب يحفظها، مُحوّلاً الصمت إلى
شهادة والذاكرة إلى مقاومة.
#عين_الهراتي#خضير_فليح_الزيدي#الرواية_العراقية#الأدب_العراقي#رواية_تاريخية#السلطة_والأدب#السرد#الذاكرة#الحضارات#نقد_أدبي
#AinAlHerati#IraqiLiterature#KhudairFlayyihAlZaydi#ArabicNovel#HistoricalFiction#LiteraryReview#MiddleEasternLiterature#PowerAndNarrative#MemoryAndHistory#BookBlog


تعليقات
إرسال تعليق