مصطفى رحمة في معرض “هوانم زمان" : رؤية تجمع بين الفانتازيا والحنين للمرأة

 

مصطفى رحمه


 

يقدم الفنان التشكيلي المصري مصطفى رحمة، في معرضه "هوانم زمان"، رؤية مدهشة تجمع بين الفانتازيا والحنين للمرأة على ضفاف النيل، مستعيذا ملامح النساء بشكل غير نمطي في حقب زمنية سابقة تعود لمنتصف القرن العشرين. يحتضن غاليري "دروب" في حي "جاردن سيتي" بوسط القاهرة معرض "هوانم زمان" للفنان التشكيلي المصري مصطفى رحمة، حيث تبدو اللوحات مبتعدة عن الإطار الواقعي، مصحوبة بالحيوانات والطيور في منظومة كونية تجعل من الكائنات الحية رفيقًا موثوقًا للبشر. وتتعدد في اللوحات الطبقات الاجتماعية والخلفيات الثقافية بين "الشعبي" و"الأرستقراطي" وما بينهما



متى ظهر الفن في حياة الإنسان؟ ومتى أدرك أن الخط أثر وأن اللون معنى؟ تلك الأسئلة القديمة التي تتردد في فلسفة الجمال تبدو وكأنها تعود إلى الواجهة ونحن نتأمل تجربة الفنان التشكيلي المصري مصطفى رحمة في معرضه الجديد .فالفن هنا لا يبدو مجرد ممارسة جمالية معاصرة، بل امتدادًا لذاكرة إنسانية ضاربة في القدم، وكأن اليد التي تمسك الريشة اليوم هي نفسها اليد الأولى التي خطّت على جدار الكهف علامات البقاء والحلم. في هذا المعرض لا يعرض رحمة لوحات فحسب، بل يفتح نافذة على عالم بصري مركب، تتداخل فيه الأسطورة بالحياة اليومية، والفولكلور الشعبي بالحس الساخر، والدهشة الطفولية بالتجربة الفنية الناضجة.

الفن بوصفه استعادة لإنسانية الإنسان

في زمن يزداد فيه الإيقاع تسارعًا، ويضغط نمط الإنتاج الرأسمالي الحياة في قوالب الاستهلاك، يتعرض الإنسان لنوع من الاغتراب الصامت. فالحياة اليومية، بما تحمله من التزامات وضغوط، تسلب الروح شيئًا من قدرتها على الدهشة. هنا يظهر الفن لا كترف ثقافي، بل كفعل إنقاذ رمزي يعيد الإنسان إلى مركز المعنى.

لوحات مصطفى رحمة تؤدي هذا الدور بوضوح. إنها ليست زينة بصرية على هامش الحياة، بل مساحة تأمل واستراحة للوجود. حين يقف المتلقي أمام أعماله يشعر وكأنه يستعيد شيئًا من براءة النظرة الأولى إلى العالم، تلك اللحظة التي اكتشف فيها الإنسان النار والرسم معًا، واكتشف أن الحياة يمكن أن تُفهم بالصورة كما تُفهم بالكلمات.

عوالم بصرية بين الفنتازيا والذاكرة

يدخل المتلقي إلى عالم مصطفى رحمة كما يدخل إلى حكاية طويلة من حكايات ألف ليلة وليلة. فاللوحة لديه ليست مجرد سطح تصويري، بل مسرح تعيش فيه الشخصيات، وتتحرك الكائنات، وتتشابك القصص الصغيرة في نسيج بصري غني بالتفاصيل.

أحد العناصر اللافتة في تجربته هو تخليه الواعي عن المنظور الكلاسيكي الذي ترسخ في الرسم الأوروبي منذ عصر النهضة. بدلاً من ذلك يعتمد رحمة منظورًا علويًا حرًا يشبه ما يسميه بعض النقاد "عين الطائر"، وهو منظور قريب من تقنيات المنمنمات الشرقية. هذا الاختيار يمنح اللوحة اتساعًا بصريًا خاصًا، يسمح بتجاور عناصر متعددة داخل الفضاء نفسه دون التقيد بقوانين العمق التقليدية.

بهذا الأسلوب تتحول اللوحة إلى فضاء سردي مفتوح، حيث يمكن للمتلقي أن يتنقل بين تفاصيلها كما يتنقل بين فصول حكاية قديمة.

من رسومات الأطفال إلى مشروع تشكيلي متكامل

لا يمكن فهم تجربة مصطفى رحمة دون العودة إلى مسيرته الطويلة في رسوم الأطفال والكاريكاتير. فقد عمل لعقود في الصحافة، وكان أحد الأسماء التي ارتبطت بذاكرة مجلة ماجد الشهيرة، حيث ابتكر شخصيات ظلت راسخة في المخيلة العربية مثل شخصية «كسلان جداً».

هذه التجربة تركت أثرًا واضحًا في لغته التشكيلية. فالبساطة الظاهرة في الخطوط، والجرأة في التكوين، والقدرة على خلق شخصيات حية داخل اللوحة، كلها سمات اكتسبها الفنان من عمله الطويل في عالم الطفولة. لكنه استطاع أن يحول هذه العناصر إلى لغة فنية ناضجة، تجمع بين البراءة والوعي، بين الخفة الظاهرية والعمق الرمزي.

وقد أسهم العمل الصحفي أيضًا في صقل مهاراته البصرية؛ فالإيقاع السريع للصحافة يمنح الفنان مرونة وسرعة في التعبير، ويجعله على تماس دائم مع الواقع. ولهذا تبدو لوحات رحمة وكأنها خلاصة تجربة طويلة من الملاحظة والاختزال.

الهوانم: أيقونة الجمال والحنين

منذ معرضه الأول الهوانم عام 2013، أصبحت المرأة البدينة علامة فارقة في تجربة مصطفى رحمة. هذه المرأة ليست مجرد موضوع تصويري، بل رمز ثقافي وجمالي يستدعي زمنًا مضى.

فالهوانم في لوحاته هن نساء من ذاكرة مصرية قديمة، نساء الحفلات الطربية في زمن أم كلثوم، ونساء البيوت الواسعة والمشربيات، حيث كانت الحياة تمضي بإيقاع أبطأ وأكثر دفئًا. إنهن نساء ممتلئات بالحياة، بالصحة والمرح، يحملن في حضورهن نوعًا من الطمأنينة الهادئة.

اختيار هذا الجسد المكتنز ليس صدفة، بل موقف جمالي واعٍ. فالفنان يرى أن تلك النساء كنّ جزءًا من زمن كانت فيه المرأة تملأ الدنيا ضجيجًا بجمالها، كما يقول هو نفسه. ومن هنا يتحول الجسد الممتلئ إلى رمز للخصب والوفرة والاحتفال بالحياة.

بين بوتيرو ومصر الخاصة

غالبًا ما يستدعي حضور النساء الممتلئات في لوحات رحمة مقارنة بالفنان الكولومبي فرناندو بوتيرو. ورغم أن رحمة لا ينفي إعجابه بتجربة بوتيرو، فإن تجربته تسلك طريقًا مختلفًا.

فبوتيرو يستخدم تضخيم الأجساد كوسيلة للسخرية أو النقد الاجتماعي أحيانًا، بينما يوظفها رحمة في إطار حنين ثقافي واستعادة لذاكرة مصرية. إنه لا يستعير من بوتيرو سوى المبالغة في الأحجام، لكنه يعيد صياغتها داخل عالم مصري خالص، مملوء بالموسيقيين والراقصين والحيوانات والملائكة الصغيرة.

بهذا المعنى يمكن القول إن رحمة نجح في خلق قيامته المصرية الخاصة، حيث تتحول اللوحة إلى احتفال بالحياة الشعبية المصرية.

أيقونات مصرية: بناء رمزي معاصر

من أبرز الأعمال في المعرض لوحة أيقونات مصرية التي أنجزها الفنان عام 2025. في هذه اللوحة يظهر البناء الأيقوني بوضوح، حيث تتوسط المرأة التكوين بوصفها محور الحدث.

حولها عالم كامل يتحرك: موسيقيون يعزفون، حيوانات تتجول، طيور تحلق، وكائنات صغيرة تشبه الملائكة تخرج من كتب الحكايات القديمة. هذا التعدد في العناصر لا يخلق فوضى بصرية، بل ينسج توازنًا دقيقًا بين الكتلة والفراغ.

اللافت أيضًا هو حضور الرموز الفرعونية، مثل القط المصري المرتبط بالمعبودة باستت، وقرد البابون المرتبط بالإله تحوت. هذه الرموز لا تظهر بوصفها استعادة أثرية للماضي، بل كجزء من نسيج بصري يربط بين الأسطورة والحياة اليومية.

اللون بوصفه طاقة احتفالية

يتميز عالم مصطفى رحمة اللوني بحرارة واضحة. فهو يميل إلى الألوان الصريحة الساطعة، خصوصًا مشتقات الأصفر والذهبي، التي تمنح اللوحة إحساسًا بالدفء والبهجة.

هذا الاختيار ليس جماليًا فحسب، بل يحمل دلالة رمزية أيضًا. فاللون الذهبي يفتح باب المخيلة على عوالم الحكايات الشعبية وأجواء ألف ليلة وليلة، وهو عالم يعترف الفنان بأنه كان له الأثر الأكبر في تشكيل وعيه الجمالي.

كما أن تجنبه للألوان الباردة يعزز الطابع الاحتفالي لأعماله، لتبدو اللوحات وكأنها مهرجان بصري دائم.

الفن كمساحة للحرية والتأويل

واحدة من أهم خصائص تجربة مصطفى رحمة أنه لا يفرض معنى محددًا على المتلقي. فلوحاته مليئة بالرموز والإشارات، لكنها تترك مساحة واسعة للتأويل.

الفنان نفسه يؤكد هذه الفكرة حين يقول إن مهمة الفنان ليست توجيه الجمهور أو تفسير العمل، بل الإيحاء بالمشاعر وجماليات الحياة. كل قراءة للعمل الفني، في نظره، هي طبقة جديدة تضيف إلى ثراء اللوحة.بهذا المعنى تتحول العلاقة بين الفنان والمتلقي إلى شراكة في صناعة المعنى، حيث يصبح المشاهد جزءًا من التجربة الفنية نفسها.

تبرز اللوحات عبر ألوان تخطف العين، معبّرة عن مزاج عام متفائل لدى النساء، يبحث عن السعادة من دون تكلف، وينشد السلام والهدوء في العلاقة مع النفس، أو مع الآخر، أو حتى مع العالم بأسره. وتبدو العلاقة بين المرأة والمجتمع في اللوحات مختلفة، فهي لا تتجاهل السياق الاجتماعي العام تماما، لكنها في الوقت نفسه لا تخضع له بالمطلق ولا تسمح له أن يمنعها من فعل أشياء بسيطة تجلب السعادة مثل هواية ركوب الدراجات على سبيل المثال

ويبتعد رحمة في رسوماته عن التعقيد التشريحي، متبنيًا أسلوبًا يميل إلى التبسيط والاختزال مع استخدام ألوان صريحة وحارة تبث الحيوية في المشهد. كما يقدم الأنثى كرمز للسكينة والسلام النفسي والجمال الفطري، متحررًا من قيود المدرسة الواقعية الصارمة لينسج عالمًا حالمًا يربط بين الذاكرة البصرية المصرية وروح العصر.ويلاحظ في لوحات مصطفى رحمة، تأثره بعالم الجمهور النسائي للحفلات الغنائية الشهرية، ذائعة الصيت، التي كانت تقيمها السيدة أم كلثوم، حيث السيدات يتسمن بالأناقة والذوق العالي.

 


في النهاية يمكن النظر إلى تجربة مصطفى رحمة بوصفها محاولة لخلق قيامة بصرية مصرية تستلهم التراث دون أن تقع في أسر الماضي. فهو يستعير من الفولكلور الشعبي، ومن الأساطير الفرعونية، ومن حكايات ألف ليلة وليلة، لكنه يعيد صياغتها بلغة تشكيلية معاصرة.لوحاته تبدو وكأنها تحتفي بالحياة رغم كل شيء، وكأنها تقول إن الفن ما زال قادرًا على إعادة الإنسان إلى إنسانيته، وعلى إعادة العالم إلى شيء من دهشته الأولى.وفي زمن يتسارع فيه كل شيء، ربما تكون هذه القدرة على إعادة اكتشاف الدهشة هي أعظم ما يقدمه الفن.

#مصطفى_رحمة#الفن_التشكيلي#الفن_المصري#هوانم_زمان
#
الفن_المعاصر#الفن_والمرأة#جاليري_دروب#الفن_والتراث

#MostafaRahma#EgyptianArt#ContemporaryArt#ArtExhibition#PicassoGalleryCairo#WomenInArt#VisualArt#MiddleEasternArt

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسرار الجازي وماثيو: رواية التاريخ والحكاية في قلب السعودية

حين يتكلّم الصمت: رحلة ابراهيم فرغلي بين الذاكرة والخيال

أصوات مصر: كيف كتب الكاسيت تاريخ الجماهير