علوان العلوان: رحلة النحت بين الخيال والذاكرة العراقية

 

علوان العلوان


في كل قطعة برونز، ينبض الخيال بالحياة.
يلتقي التراث العراقي بالحداثة في منحوتاته، ليحكي قصة الإنسان والزمان.
كل منحوتة صامتة تتحول إلى لغة تعبر عن القلق والأمل.
في مساحة محدودة يتحرر الإبداع، ويصبح المشغل امتدادًا للروح.
علوان العلوان يحوّل المادة الصامتة إلى حوار بصري مع الحياة والذاكرة.


 

يلجأ النحات العراقي علوان العلوان إلى الخيال ليحوّله بأسلوبه الخاص إلى واقع حي، حيث تتحول كل فكرة إلى منحوتة تحمل في تفاصيلها رؤيته وأفكاره الخاصة، معبّرة عن القضايا الإنسانية التي تشغله وتعكس صوره المختلفة عن الزمن والمكان. يعتمد العلوان على مادة البرونز التي يتمتع بخبرة طويلة في التعامل معها، مستفيدًا من سنوات طويلة من الدراسة والتجربة منذ التحاقه بأكاديمية الفنون الجميلة في بغداد في بداية التسعينات، والتي شكّلت حجر الأساس لمسيرته الفنية التي تميّزت بالمشاركة في أكثر من مئة فعالية فنية محلية وعربية ودولية، بالإضافة إلى ستة معارض فردية أقيمت في بغداد وعمان وبيروت، ونيله عدة جوائز من بينها جائزة إسماعيل فتاح، وهو ما يعكس مكانته المرموقة في المشهد الفني العراقي والعربي.

لم يكن اختيار العلوان للنحت مجرد خيار مهني، بل كان استجابة لنداء داخلي وفضاء روحاني وجد فيه وسيلة للتعبير عن انفعالاته وإمكانية الحوار مع الفراغ. وقد وجد في الكتلة الصامتة للنحت مجالاً للبوح والتواصل مع ذاته، إذ يتيح له هذا المسار تحويل الفكرة إلى حضور مادي يحمل خطابًا جماليًا يعكس خصوصية التراث العراقي وجذوره العميقة، حيث يحمل الجسد العراقي إرثًا ثقيلاً من الرموز والتاريخ، ما يجعل النحت وسيلة مثالية لتجسيد هذه الذاكرة العميقة. منذ طفولته، أسرت العلوان المنحوتات التي رأها في المتاحف العراقية وشوارع بغداد، وفتحت أمامه أبواب عالم النحت على مصراعيها، ليبدأ رحلته في تشكيل الفكرة وتحويلها إلى شكل ملموس ينبض بالحياة.

واجه العلوان العديد من التحديات المكانية، فالمساحات المخصصة للعمل الفني في المدينة كانت محدودة، ما دفعه إلى تحويل منزله إلى فضاء إبداعي ومشغل للنحت. هذا المكان لم يكن مجرد ورشة عمل، بل أصبح امتدادًا لروحه ومتنفسًا للإبداع، يحتضن كل فكرة وتجربة، وشاهدًا على مراحل الصبر والتضحية والجهد المستمر من أجل تحقيق طموحاته الفنية. في هذا المشغل المتواضع، تعلم أن لا شيء يقيد الخيال وأن الإبداع يحتاج إلى صبر وتفانٍ ليصل إلى مستوى يحقق الرؤية الفنية ويترجم الانفعالات الداخلية إلى شكل ملموس.

اعتمد العلوان في أعماله على مفاهيم الحداثة كوسيلة للتجريب الفني، إذ حرص على استثمارها لتفكيك الشكل التقليدي وإعادة تركيبه بما يتناسب مع الإنسان المعاصر وقلقه الوجودي. وفي الوقت نفسه، ظلّت جذوره المحلية حاضرة في أعماله، مستمدة من التراث والأصالة، لتظل أعماله متوازنة بين التعبيرية التجريدية والرمزية، وبين التجريب الفني والانتماء المحلي. في منحوتاته، يبحث العلوان عن الإنسان الهارب من القيود، عن الفرد الذي يسعى لإيجاد ذاته وسط الجماعة، أو الذي يصارع الآخر بحثًا عن معنى، مما يجعل العلاقة بالآخر محورًا للهوية والوجود، ويمنح منحوتاته بعدًا فلسفيًا وجماليًا عميقًا.

يلعب الزمن دورًا محوريًا في أعمال العلوان، فهو عامل متغير يتفاعل مع مراحل العمل، أحيانًا متجمّد في لحظة أبدية وأحيانًا آخر ينساب بلا توقف. يتعامل مع النحت كأثر على جسد الذاكرة ووسيلة لتوثيق الوجود الإنساني وسط التحولات والصراعات النفسية، وكوثيقة أرشيفية تعكس التجربة الإنسانية عبر مراحل العمر المختلفة. من خلال منحوتاته، يسعى العلوان إلى استكشاف علاقة الإنسان بذاته وبالآخر، وتجسيد الجدل الوجودي الذي يشكّل محور الفكر الثقافي والفني منذ القدم، حيث تعكس أعماله البحث المستمر عن الحرية، والهوية، والفهم العميق للوجود، في صياغة فنية متقنة تجمع بين العمق الفكري والبعد الجمالي.

كما عمل العلوان على إنجاز منحوتات وضعت في الميدان العام، حيث يخرج النحت من صمته الخاص ليخاطب الجمهور ويعيد تشكيل الذاكرة الجمعية، حاملاً رسائل مفتوحة تحاكي هموم الناس اليومية وتعيد صياغة تجربتهم الإنسانية بصور فنية نابضة بالحياة. حرص العلوان على أن تكون أعماله في الفضاء العام امتدادًا للمجتمع، تعكس صراعات الإنسان الأزلي وأسئلته الوجودية، بحيث تصبح المنحوتة جزءًا من نبض الناس، وثيقة حياة تحفز التساؤل والحوار.

من أبرز أعمال العلوان الإشراف على إعادة ترميم نصب الحرية في ساحة التحرير ببغداد عام 2022، حيث تعامل مع أيقونة وطنية حساسة تتطلب احترام الرؤية الأصلية للفنان جواد سليم، مع الحرص على ترميم الروح الرمزية للنصب وليس الحجر فقط. اعتمد العلوان على الحرفية الدقيقة وفهم البعد الرمزي للنصب، باعتباره صرخة صامتة تعبّر عن تطلعات العراقيين، متعاملًا مع المهمة بشفافية وحذر لضمان المحافظة على الجوهر الفني والتاريخي للعمل، بالتعاون مع الشركة المنفذة.

شكّلت منعطفات الحياة المختلفة تجربة العلوان الفنية، فقد أثرت الحروب والغربة والانكسارات على وعيه الفني وأثرت في طريقة تعامله مع الفكرة وتحويلها إلى منحوتة. ويؤمن العلوان بأن الفنان الحقيقي لا يتوقف عن التغيير والتطور، وأن المنعطفات المقبلة في مسيرته قد تكون الأكثر عمقًا، لأنها نابعة من تأمل طويل وتجربة ناضجة تراكمت عبر أكثر من ثلاثة عقود من العمل الفني.

الحركة التشكيلية في العراق، رغم التحديات الكبيرة التي تواجهها، لا تزال غنية ومتشعبة، وهناك أجيال فنية تشتغل بوعي وتسعى لإيجاد هوية معاصرة مستمدة من التراث والحضارة، ما يجعل النحت العراقي ذا بعد استثنائي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتاريخ الحضاري للبلاد. رغم التهميش الذي قد يواجهه النحت في بعض الأحيان، إلا أن تاريخه العميق في العراق ومكانته في التعبير عن الذاكرة الوطنية والثقافة المحلية تمنحه قيمة استثنائية يجب الحفاظ عليها وتطويرها باستمرار.

رحلة علوان العلوان في عالم النحت تمثل مزيجًا متناغمًا بين الذاكرة والخيال، بين التراث والتجريب، وبين الإنسان والزمن، لتصبح منحوتاته لغة حية للحوار مع الواقع ومع الذات، وتحوّل المادة الصامتة إلى نصوص بصرية نابضة بالحياة، تعبّر عن صراعات الإنسان وقلقه الوجودي، وتوثق التجربة الإنسانية بأسلوب فني رفيع، يمزج بين الأصالة والحداثة، وبين الجمال والفلسفة، ليظل اسمه علامة فارقة في النحت العراقي المعاصر.

#علوان_العلوان #نحت_عراقي #فن_معاصر #التراث_العراقي #البرونز #الفن_التشكيلي #نصب_الحرية #الفن_العراقي #فن_العراق #ابداع_عراقي

Alwan Al-Alwan: The Iraqi Sculptor Bridging Imagination and Memory

Alwan Al-Alwan, the Iraqi sculptor, transforms imagination into tangible reality through his bronze sculptures, reflecting both human concerns and the passage of time. Since studying at the Academy of Fine Arts in Baghdad in the early 1990s, he has built a distinguished career, participating in over 100 local, Arab, and international exhibitions, alongside six solo shows in Baghdad, Amman, and Beirut, and earning awards such as the Ismail Fattah Prize.

Alwan’s art is deeply rooted in Iraqi heritage, drawing inspiration from the symbolic weight of the Iraqi body and collective memory. From a young age, he was captivated by sculptures in Baghdad and local museums, which inspired his journey into sculpting as a means of expressing internal emotions and engaging in dialogue with space and form.

Despite challenges like limited workspace, he transformed his home into a creative studio, allowing his ideas to breathe and evolve. His work incorporates modern artistic concepts to deconstruct traditional forms while maintaining a strong connection to local roots. His sculptures explore the human struggle for identity, freedom, and meaning, as well as the complex relationship between self and other.

Time plays a central role in his work, sometimes frozen, sometimes flowing like a river, reflecting the human experience across life’s stages. His public sculptures communicate with communities directly, revitalizing collective memory and encouraging dialogue. Notably, he supervised the 2022 restoration of Al-Hurriya Monument in Baghdad, carefully preserving its symbolic essence and the vision of its original creator, Jawad Saleem.

Alwan’s artistic journey has been shaped by war, exile, and personal challenges, making him a dynamic and evolving artist. His work exemplifies the richness of Iraqi sculptural art, blending heritage and modernity, and transforming silent materials into a vivid visual language that speaks to human struggle, memory, and existential inquiry.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسرار الجازي وماثيو: رواية التاريخ والحكاية في قلب السعودية

حين يتكلّم الصمت: رحلة ابراهيم فرغلي بين الذاكرة والخيال

أصوات مصر: كيف كتب الكاسيت تاريخ الجماهير