رواية الزمن الموحش: مرثية الجيل الذي أكلته الهزيمة

 

حيدر حيدر


في زمنٍ تساوى فيهِ الحبُّ والكراهية والعدم،

نبتت أعشابُ الخرابِ لتمتصَّ جذورَ الحلم،

فصارَ "الزمنُ الموحشُ" سياطاً تجلدُ جيلَ الهزيمة،

وتحيلُ دمشقَ كابوساً يختنقُ في ظلِّ قاسيون.

كيف حولت هزيمة 1967 دمشق إلى مدينة كابوسية؟ اكتشف "الزمن الموحش" لحيدر حيدر.


ها هم قادمون من الجبال والسهول باتجاه المدن، في عيونهم غضب، وعلى جباههم غبار ومجد منتظر، في الرياح تخفق راياتهم وأصواتهم الجليلة تملأ سمع العالم، تحتهم ترتعش الأرض ونفوسهم مفعمة بالآمال والغبطة. يخطى واثقة كما يتقدم موجب غضب نحو شواطئ مجهولة يتقدمون. لواء فرحهم معقود وأنا حاديهم، ومعنا مسرة وبنادق، كتب وسجلات فقر، زحفا باتجاه المدن التي سقطت تحت ضربات الطلائع الأولى

وفي مكان أخر

بالعنف. انظر ماذا يحدث ؟ جيل استلم التغيير يغازل رجال الدين والتجار والبرجوازية. غارق في الانتهازية والسلطة والامتيازات والتقسيمات القبلية. هؤلاء من أين خرجوا؟ أليسوا منا. إنهم يتعثرون لأنهم جاؤوا قبل الوقت. في دمائهم قرون النقص التاريخي والنفسي ولهذا فهم عاجزون عن تنفيذ مهام الثورة. أنا وأنت عاجزان أيضاً جيلنا جيل موسوم ومنحط. جيل خرع. هذا يقيني

 


المحور الأول: سيميائية الهزيمة.. من النكسة إلى الزلزال الوجودي

لا يمكن قراءة "الزمن الموحش" كعمل روائي مجرد، بل هي "وثيقة سيميائية" تؤرخ للحظة الانكسار الكبرى في يونيو 1967. لا ينظر حيدر حيدر إلى الهزيمة كحدث عسكري عابر، بل كـ "زلزال" ضرب البنية التحتية للإنسان العربي، وكشف عن تشظي الهوية وزيف الخطابات القومية التي طالما اقتات عليها الوعي الجمعي. في هذا المحور، تتحول دمشق من مدينة "الياسمين" إلى فضاء "كابوسي" ممطوط وثقيل يظلله جبل قاسيون الصامت، الشاهد على خيبات المثقفين الذين تحولوا إلى كائنات هامشية تقضي أيامها في الحانات هرباً من مواجهة الواقع.

سيميائياً، يمثل "الزمن" هنا الخصم أو "العامل المعيق" (بمنطق غريماس)؛ فهو ليس زمناً كرونولوجياً (تتابعاً للدقائق)، بل هو "زمن موحش" تساوت فيه الأضداد: الحب والكراهية، الإبداع والغباء. إن نمو "الأعشاب الضارة" التي ذكرها الكاتب في استهلاله هي استعارة سيميائية لنمو الانتهازية والفساد الذي امتص "جذور الخصب" في الروح العربية. لا تعيش الشخصيات في الرواية الزمن، بل هي "تعبر فوق حده"، مما يخلق حالة من "الاغتراب" التي هي الثيمة المحورية في أدب حيدر حيدر. المثقف في الرواية (مثل مدحت أو شبلي) يصبح رمزاً لهذا العجز؛ فهو يملك الوعي لكنه يفتقد الفعل، مما يجعله يسلم نفسه "وليمة لأعشاب البحر" أو يغرق في "بحر الخمرة" لتخدير الوجع الوجودي.

هذا الاغتراب ليس فيزيائياً فحسب، بل هو اغتراب تجاه "المدينة" التي وفد إليها المثقفون الريفيون. فالمدينة في "الزمن الموحش" هي حيز معادٍ، لا يمنح الذات مجالاً لتحقيق ذاتها، بل يفرض عليها نمطاً من العيش القمعي. هنا، تصبح "الهزيمة" هي النواة المركزية التي تتفرع منها كل الدلالات الأخرى: الهزيمة الجنسية والهزيمة السياسية والهزيمة الفلسفية. إن محاكمة العقل العربي التقليدي في الرواية تشير إلى أن "النكسة" كانت نتيجة طبيعية لعقل يعيش في الأوهام، وأن الصدمة التي أحدثتها الرواية عند صدورها كانت بسبب تعريتها لهذا الزيف بلغة شعرية مكثفة لا ترحم، واصفةً الجيل المأزوم بأنه جيل "محكوم بالرجولة المزيفة والتحرر الملتبس".

المحور الثاني: هندسة السرد وشعرية الوعي المأزوم

تتمرد رواية "الزمن الموحش" على البنية السردية الكلاسيكية، حيث يقدم حيدر حيدر نصاً "سائباً" ومنفتحاً يعتمد على تيار الوعي واللغة الشعرية المكثفة. السرد هنا ليس حكاية تُحكى، بل هو "نزيف" من الكلمات؛ حيث تتداخل الأزمنة (الارتداد الزمني) وتتفتت الشخصيات. هذه "الخلخلة" في البناء الروائي تعكس تماماً الخلخلة التي أصابت المجتمع السوري والعربي بعد الهزيمة. فالرواية تبدأ بـ "مراسيم دفن" وتنتهي بملاحق شعرية تنعي جيل الستينيات، مما يجعل النص دائرياً ومغلقاً في وجه الأمل الزائف.

تتجلى "شعرية الرواية" في كونها لا ترتكن إلى الأحداث المفصلية، بل إلى المشاهد والمقتطفات النفسية. يستخدم حيدر حيدر  السرد الحلمي كتقنية لاستكشاف اللاشعور؛ حيث تحتشد الكوابيس (مطاردات في جبال وعرة وكهوف ضيقة وقلاع مظلمة) لتعبر عن الهلع الداخلي للشخصيات. هذا "السرد المونولوجي" (الحوار الداخلي) هو الذي يقود الرواية، مما يجعلها "صعبة الهضم" للقارئ التقليدي الذي يبحث عن التشويق السهل. أن اللغة هنا ليست أداة للتواصل، بل هي أداة "للمساءلة"؛ إنها لغة تتوسل بالمجاز والاستعارة لتشخيص صوت الذات المشدودة إلى "تجربة الأقاصي".

كما يبرز في الرواية صراع الوظائف: بين الوظيفة المرجعية (التي تحيل إلى واقع 1967) والوظيفة الشعرية (التي تركز على شكل الرسالة ولذتها). هذا التوتر هو ما منح الرواية مكانتها السابعة في قائمة أفضل مئة رواية عربية. إن غياب "الحدث الروائي" التقليدي واستبداله بـ "حركة وجدانية" هو اختيار فني واعٍ يهدف إلى الابتعاد عن العالم الخارجي القبيح والغرق في "أبراج الحلم الذاتي". بهذا المعنى، تصبح الرواية "نوعاً ثالثاً" يمزج بين ماهية الشعر ونثر الرواية، ليقدم لنا "زمن الموت" الذي يسبق البعث الحقيقي، أو كما وصفها النقاد، هي "نفير" ينطلق من فضاء الوجع ليدين مرحلة تاريخية بأكملها.

المحور الثالث: سيميائية المرأة.. بين "منى" المستحيلة و"أمينة" المقهورة

في عالم حيدر حيدر، لا يمكن فصل تحرر الوطن عن تحرر المرأة. المرأة في "الزمن الموحش" هي الملاذ، وهي الأرض، وهي أيضاً المرآة التي تعكس عجز المثقف. تبرز شخصية "منى" كرمز متعدد الأبعاد؛ فهي تجسد الوطن، والثورة، والحب المتكامل. منى هي التي غادرت دمشق كرفض قاطع لما يقدمه "المثقف اليساري" من وعود زائفة ورجولة مدعاة. إن قرارها بأن لا يكون هناك "نسل" لهذا المثقف هو إدانة سيميائية صارخة للعقم الفكري والسياسي الذي أصاب ذلك الجيل. الارتباط بين "منى" والعشيقة والوطن كان ربطاً جديداً وغير مألوف في تلك الفترة، حيث لم تعد المرأة مجرد جسد، بل أصبحت "موقفاً".

على النقيض، نجد "أمينة"، النموذج للمرأة المقهورة والمهمشة، وزوجة "أيوب السرحان" الذي جردته الرواية من فاعليته وجعلته رمزاً للشذوذ والغرق في الخمر. هذا التباين السيميائي بين "منى" (المستقبل/الثورة) و"أمينة" (الواقع/القهر) يعكس الصراع الذي يعيشه السارد. يرى حيدر أن المرأة في مجتمعاتنا "سجينة خوفها"، وسجينة "خوف الرجل على رجولته". أن المثقفون الذين يدافعون عن حرية المرأة في الحانات، لم يتخلصوا في الحقيقة من "جينات الكبت الجنسي"، والنساء لم يتخلصن من "جينات الجواري"، مما يجعل "الحرية" مجرد شعار سطحي.

تتداخل صورة المرأة مع صورة "فلسطين" (الجرح الناغل في القلب)، حيث يصبح السرد الإيروسي في الرواية وسيلة للبحث عن "الخصب" في زمن الجدب. أن الجنس عند حيدر حيدر ليس "إباحية"، بل هو فعل وجودي، ومحاولة للالتحام بالأرض أو الهروب من التيه. إلا أن هذا الالتحام غالباً ما ينتهي بالفشل أو يتحول إلى "اغتصاب" (كما في حالة الضابط وائل الأسدي)، مما يشير إلى أن علاقة "القوة" قد لوثت حتى أكثر العلاقات إنسانية. في النهاية، تظل "منى" هي "المنجاة" المستحيلة، وهي الشمس التي ستشرق حين تمضي "غيمة" المثقف التقليدي المهزوم، ليعلن حيدر أن "الزمن الموحش" لن ينتهي إلا بتحرر الإنسان (رجلاً وامرأة) من قيود خوفه الذاتي قبل قيود السلطة.

المحور الرابع: سيميائية الاغتراب والمدينة الكابوسية

تتحول "المدينة" في رواية الزمن الموحش من حيز جغرافي إلى "بطل سلبي" يمارس القمع والوحشة على سكانه. أن دمشق التي يستحضرها حيدر حيدر ليست دمشق التاريخية العريقة، بل هي مدينة "كابوسية" ممطوطة وثقيلة، تعمل كمرآة تعكس العطب والخراب الداخلي للمثقفين. ليس الاغتراب هنا مجرد شعور بالوحدة، بل هو "ثيمة محورية" تشكل جوهر النص؛ حيث تعيش الشخصيات حالة من الانفصال التام عن المكان. المدينة بالنسبة لشبلي ورفاقه هي حيز معادٍ لا يسمح بتحقيق الذات، مما يدفعهم إلى "الانكفاء" نحو الدواخل والهروب من المواجهة بعد أن أدركوا أن تغيير الواقع أمسى في حكم المستحيل. هذا الاغتراب يتجلى سيميائياً في الهرب نحو "الكحول" و"الجنس" كوسيلة لتخدير الوجع الوجودي، وليس كفعل استمتاع؛ فالخمرة هنا هي المادة التي تمتص الخسارات السياسية والاجتماعية الشاملة.

سيميائياً، يمكننا تحليل "المدينة" كفضاء للموت والرجعية؛ حيث يصفها السارد بأنها مكان ينمو فيه "العشب الضار" ويمتص جذور الخصب. سكان هذه المدينة، وخاصة الوافدين إليها من الريف، يعيشون "صداماً ثقافياً" مريراً؛ فهم لا يفلحون في إقامة علاقة حميمة معها، بل يظلون على هامشها ككائنات "خرعة" ومعطوبة. المدينة تمارس عليهم "الاستلاب"  حيث تتحول الوظيفة إلى "مستنقع"، والشوارع إلى مسارات للتيه. إن نظرة الشخصيات للمدينة محكومة بـ "العدائية المسبقة"، وهو ما أدى بـ حيدر حيدر إلى خلخلة الشكل الروائي ليتناسب مع هذا التشتت؛ فلا نجد أحداثاً مفصلية، بل نجد "مشاهد ومقتطفات" تعكس الهوة القائمة بين الفرد والمجتمع. أن المدينة هنا هي السجن الكبير الذي يحرسه "وائل الأسدي" (رجل الأمن)، وهي أيضاً المختبر الذي يفشل فيه المثقف اليساري في ترجمة شعاراته إلى فعل حقيقي، مما يجعل الانتحار النفسي أو الاغتراب الوجودي هو النهاية الحتمية.

إضافة إلى ذلك، فإن "الاغتراب" في الرواية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بـ "الهزيمة"؛ فبعد حزيران / يونيو 1967، ينهار "البيت الطيني" (رمز القديم) ليترك الشخصيات في عراء كامل. تصبح دمشق في الفصول الأخيرة  "زمنًا ميتًا"، والوصف المشهدي في الرواية يبتعد عن الواقعية ليصبح "تذهينياً" وتجريبياً، حيث يصبغ السارد الأشياء بصبغته الذاتية القاتمة. إن "المدينة الكابوسية" عند حيدر حيدر هي تعبير عن انسداد الأفق التاريخي؛ فالمستقبل الذي كان يطمح إليه هؤلاء المثقفون تحول إلى "سراب" في صحراء شاسعة. الرواية بهذا المعنى هي إعلان عن نهاية "مجتمع كامل" ونهاية مدينة لم تفلح في احتضان أحلام أبنائها، بل حولتهم إلى "ظلال غيم" تنسحب فوق الأرض دون أن تترك أثراً، لتؤكد أن "الزمن الموحش" هو قدر كل من فقد صلته بجذوره ولم يجد في مدينته الجديدة سوى الجدران الصماء والقلوب المؤصدة.

 

 

The Desolate Time (Al-Zaman al-Muwahish) is a groundbreaking novel by the late Syrian writer Haidar Haidar, first published in 1973. Ranked among the top 100 Arabic novels, it is a profound and painful chronicle of the Arab intellectual's existential crisis following the 1967 Defeat (the Naksa). The novel is not a traditional narrative of war, but a "seismic" autopsy of the Arab mind and the collapse of grandiose pan-Arabist dreams.

The story unfolds in Damascus, portrayed as a "nightmarish" and suffocating city under the shadow of Mount Qasioun. The protagonist, Khalil (or Midhat/Shibli in fragmented consciousness), along with a group of leftist intellectuals, lives in a state of total alienation. Having been betrayed by the empty slogans of their leaders, they retreat into bars and cafes, drowning their despair in alcohol and sexual escapism. Haidar uses stream of consciousness and highly poetic, metaphorical language to expose the "fake masculinity" and "ambiguous liberation" of a generation that understood the depth of the tragedy but was powerless to act.

A central theme is the liberation of women, embodied by the character Muna. She represents the "impossible salvation" and the true essence of the homeland. Her departure from Damascus is a symbolic rejection of the ineffective Arab intellectual. On the other hand, the city is guarded by characters like Wael al-Assadi, an intellectual-turned-executioner, representing the oppressive state apparatus.

Structured as a "poetic dirge" for a dying era, the novel breaks all conventional forms. It begins with "Funeral Rites" and ends with poetic elegies, reflecting a "dead time" where love and hate, revolution and opportunism, become indistinguishable. Through its harsh, unyielding lens, The Desolate Time remains an essential, albeit difficult, critique of Arab socio-political reality, asserting that no freedom is possible without a radical internal revolution against one's own fear and historical stagnation.

 

 

#الزمن_الموحش #حيدر_حيدر #أدب_الهزيمة #رواية_سورية #نقد_أدبي #سيميائية #دمشق #المثقف_العربي

 #TheDesolateTime #HaidarHaidar #SyrianLiterature #LiteraryCriticism #Post1967 #Existentialism #ArabicNovel #dubshikblog#

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رباعية مقبرة الكتب المنسية لكارلوس زافون : الحبكة، الأسطورة، والمدينة الحية

القصة القصيرة: الذرّةُ التي تختصر الكون — قراءة في الرؤية السردية عند محمد خضيّر

نيقولاي ليسكوف: الحكاية الشعبية والفلسفة الإنسانية في الأدب الروسي