بلد النهرين عطشى وأنهارها تحتضر
من
يصدق ذلك . تلك حقيقة لكنها حقيقة مرعبة .
يواجه العراق أزمة جفاف غير مسبوقة تعد الأسوأ منذ أكثر من 90 عاما، حيث حذرت
وزارة الموارد المائية من عواقب اقتصادية واجتماعية
بيئية وخيمة ، في حين يطالب خبراء حكومة بغداد بإيجاد حلول ناجعة
لتلافي التبعات الخطيرة للتغير المناخي. وأكدت وزارة الموارد المائية أن العام 2025 هو
الأكثر جفافا منذ عام 1933، مبينة أن إيرادات نهري دجلة والفرات وصلت إلى 27% فقط
مقارنة بالعام الماضي، وأن مخزون المياه في السدود والخزانات انخفض إلى 8% من
قدرتها التخزينية بنسبة تراجع بلغت 57% عن العام الماضي. وفي السياق ذاته أكدت وزارة الزراعة دخول البلاد مرحلة
ندرة المياه بعد سنوات من المعاناة من شحة المياه ، محذّرة من أن هذا التحول
الخطير "سيؤثر بشكل مباشر على الامن الغذائي. وأوضحت أن
تراجع المخزون المائي إلى مستويات غير مسبوقة، بالتزامن مع استمرار سنوات الجفاف
وانخفاض الإطلاقات المائية من دول المنبع، يفرض واقعاً زراعياً صعباً قد يضطر
الحكومة إلى تقليص الخطة الزراعية الشتوية. وأفادت الوزارة بأن عددا من المحاصيل الزراعية ستتضرر، وخاصة زراعة
الحنطة والشعير، بسبب إقتصار المساحات المزروعة على ما يمكن تغذيته بمياه الأنهار
أو اعتماد تقنيات الري الحديثة لتقليل الهدر وضمان استدامة الإنتاج. وبحسب
البيانات الحكومية الرسمية، ارتفعت الإمدادات المائية من تركيا، مؤخراً، إلى نحو
420 متراً مكعباً في الثانية الواحدة، في محاولة لتخفيف حدة الأزمة، إلا أن هذه
الكميات ما تزال دون المستوى المطلوب لتحقيق التوازن المائي. وتظهر المؤشرات
الحالية بقاء مستويات المياه في معظم المحافظات عند معدلات متدنية، الأمر الذي
ينذر بموجة نزوح جديدة من الأرياف نحو المدن، وتفاقم الضغوط المعيشية على السكان،
في وقت يشهد فيه العراق واحدة من أشد أزمات المياه الحادّة منذ عقود.
هذه المشكلة يعزوها مختصون في المقام الأول الى غياب سياسة
مائية ناجحة عند الحكومات العراقية المتتالية منذ الأستقلال في العام 1958.
فالحكومات السابقة أهملت الموارد المائية ولم تضع خطط واضحة لاستخدامها، كما أن
معظم المشروعات تحتاج إلى صيانة وتطوير، وهناك عدد كبير من محطات الضخ فى وضع سيئ
وتحتاج إلى صيانة وإعادة تأهيل نظرًا لوجود الأعشاب المائية وعوامل التلوث البيئى
التى تنتشر فى الأنهار الرئيسية والفرعية. والسبب
الثاني يعود الى السياسات المائية في الدول التي ينبع منها نهرا دجلة والفرات. فمعظم الموارد
المائية فى العراق تأتى من مصادر في تركيا وإيران وسوريا، لذلك تتحكم دول المصدر
بموارد العراق المائية من خلال إنشاء مجموعة من المشاريع المائية، والتى تركت
أثرًا سلبيًا وتسببت بخلل كبير فى تدفق المياه نحو العراق، فهناك ثمة مشاريع
عملاقة تنفذها تركيا، لتأمين المياه للزراعة والطاقة الكهرومائية، أبرزها مشروع
جنوب شرقى الأناضول الكبير (GAP) والذى يشمل بناء 22 سدًا أهمها سد أتاتورك على نهر
الفرات، وسد إيليسو على نهر دجلة، ناهيك عما قامت به أيران عندما حولت مسارات جميع الأنهار التي
كانت تدخل الأراضي العراقية . ومن المعروف أن البلدان الأربعة التي تُفرِّقها
السياسة والمصالح (العراق وسورية وتركيا وإيران) تشترك بمياه الرافدين، دجلة
والفرات، وروافدهما بدرجات متفاوتة. وعلى خلفية التوترات بين تلك الأطراف والتي
تصل أحياناً الى الحرب ، كما حدث بين العراق وإيران، علاة على إلتهاب الأجواء في
منطقة الشرق الأوسط فإنّ الموقف من الموارد المائية المشتركة كان يتخذ غالباً
منحىً جيوسياسياً، على الأقل بالنسبة لإيران وتركيا. أما في العراق فلم يحظ الماء بأولوية
كبيرة لسببين: الأول، أنّ التحدي الأمني والعسكري
والاحتفاظ بالسلطة كانت أهم بالنسبة للحكومات العراقية بالمقارنة بالتحديات الأخرى
مثل المياه والصحة والإسكان و التعليم . والسبب الثاني، أن تاريخ النهرين ووفرة
المياه شكلا حالة إطمئنان بين الأوساط الرسمية والشعبية حتى أن بعض الحكومات
العراقية عرضت على الكويت مثلاً خطط لتزويدها بالمياه وهو ما يعتبر مثالاً جيداً
على قصور البعد الأستراتيجي عند العراق بشأن المياه. وهناك أسباب أخرى لهذه المشكلة
منها التغيرات المناخية و تراجع
سقوط الأمطار والثلوج ، فالعراق يعانى من تأثيرات التغيرات المناخية التى
تمتد عبر الكرة الأرضية، حيث شهد تراجعًا فى معدلات سقوط الأمطار وتزايدًا فى
الجفاف. بالإضافة إلى ذلك، ظهرت ظاهرة التصحر بشكل ملحوظ فى البيئة العراقية،
وأصبحت أمراً واقعاً . علاوة على الزيادة في عدد السكان وتداعياته ،
مثلاً الإستعمال الجائر للمياه ،
تعود جذور أزمة المياه بين العراق وتركيا ( بإعتبارها المصدر
الأكبر لمياه نهري دجلة و الفرات ) إلى عشرينات القرن الماضى، حيث شهد عام 1920
توقيع اتفاقيات ثلاثية بين العراق وتركيا وسوريا لتقسيم مياه نهرى دجلة والفرات
وفقًا للمعايير الدولية المتبعة، وكانت أولى هذه الاتفاقيات معاهدة لوزان 1923 بين
كل من تركيا من جهة، وفرنسا وبريطانيا (الدولتين المنتدبتين على العراق وسوريا
حينها) من الجهة الأخرى، وتضمنت نصًا خاصًا يتعلق بمياه نهرى دجلة والفرات فى
المادة 109 منها، بأنه “ لا يحق لأى دولة من هذه الدول الثلاث إقامة سد أو خزان أو
تحويل مجرى نهر من دون أن تعقد جلسة مشتركة مع الدول الأخرى وتستشيرها لضمان عدم
إلحاق الأذى بأى طرف”، كما أشارت إلى أنه “فى حال تعذر الاتفاق بين الدول المعنية
بشأن هذا الموضوع فإنه يحال إلى التحكيم”.ثم وقع الطرفان عام 1946 البرتوكول رقم 1
الخاص بتنظيم مياه النهرين الملحق بمعاهدة الصداقة وحُسن الجوار الموقعة بين
العراق وتركيا، ومن هنا جرت أولى المفاوضات بين دول الحوض لتقسيم المياه عام 1962،
حيث رفضت تركيا اعتبار نهرى دجلة والفرات نهرين دوليين، وبذلك خالفت (المادة د) من
مبادئ هلسنكى لعام 1966 باعتبار الفرات نهرًا دوليًا، واعتبرته نهرًا عابرًا
للحدود فقط، وبالتالى تجاهلت تركيا كل القواعد والأعراف المنظمة لاستخدامات مياه
الأنهار الدولية، وعليه فقد فشلت كل المفاوضات السابقة وما نتج عنها من معاهدات
ومواثيق لإيجاد تنسيق قانونى وعادل لتوزيع مياه نهرى دجلة والفرات.ولم تنقطع سلسة
التفاهمات بين البلدين، ففى عام 1972 وقع العراق وتركيا بروتوكولًا للتعاون
الاقتصادى والفنى، وتعهدت فيه تركيا باطلاع الجانب العراقى على برنامج ملء خزان سد
كيبان، وذلك لتأمين احتياجات العراق من المياه، وأن يباشر الطرفان مباحثات حول
المياه المشتركة بنهر الفرات وبمشاركة جميع الأطراف المعنية بما فى ذلك سوريا، كما
تم توقيع بروتوكول آخر للتعاون الاقتصادى والفنى بين البلدين فى عام 1980، قضى
بتشكيل لجنة فنية لتحديد الكمية المناسبة من المياه التى يحتاجها كلا البلدين،
وعلى اللجنة أن تقدم تقريرها خلال مدة سنتين. وفى عام 2018 تكرر المشهد ذاته عقب
إنشاء سد إيليسو ضمن السياسة المائية التركية المتمثلة بمشروع “GAP” ، ورغم عقد البلدين العديد من جولات المفاوضات بشأن المياه إلا
أن تركيا لم تتخلَ عن تنفيذ مشروعها الأبرز فى جنوب شرق الأناضول دون مراعاة مصالح
جيرانها، وهذا يعتبر مخالف للاتفاقيات الثنائية وقواعد القانون الدولى التى تحدد
ضوابط الانتفاع المنصف والمعقول من مياه الأنهار الدولية.واستمرت المفاوضات تتراوح
بين البلدين، حتى أعلنت وزارة الموارد المائية العراقية عن توقيع بروتوكول لتوزيع
مياه دجلة فى أكتوبر 2021، وبعد ثمانية أشهر من هذا الإعلان، هدد نائب رئيس
البرلمان العراقى تركيا وإيران بإصدار قانون تجريم التعامل التجارى مع الدولتين
بسبب تراجع الحصص المائية للعراق، وقدم المعني استقالته لأسباب سياسية من
البرلمان، وبقى ملف المياه حبيس التصريحات الإعلامية .
وفى عام 2022 أجرت بغداد وأنقرة جولات مفاوضات عدة لم تنته إلى
شيء، وعليه اتهم العراق تركيا بالتعنت فيما يخص تخفيض معدل إطلاق مياه نهرى دجلة
والفرات، وفى 2023 توالت اللقاءات بين الجانبين لبحث ملف المياه وتركزت على ثلاثة محاور
الأول مرتبط بتأمين تدفقات مائية مناسبة ومنصفة ومستدامة والثانى الاتفاق على مبدأ
تقاسم المنفعة والضرر فى ملف شحة المياه، والثالث يتعلق بالإدارة المشتركة لحوضى
دجلة والفرات من خلال تبادل المعلومات والمشاركة باتخاذ القرارات والتنسيق بمجال
البحوث والتدريب والتطوير لتعزيز ملف الموارد المائية.
وأعلنت لجنة الزراعة والمياه والأهوار في مجلس النواب العراقي فى
يناير 2024 فشل المفاوضات بين الحكومة العراقية ونظيرتها التركية بشأن موضوع
المياه، مؤكدة أن المياه ليست سلعة بل حقًا من حقوق الإنسان يجب توزيعها بشكل
متساوٍ، كما أوضحت اللجنة أن أحد السدود التركية قام بحجب أكثر من %50 من المياه
المخصصة للعراق، مشيرة إلى أهمية إجراء مفاوضات جادة وناجحة لتحقيق توزيع عادل
للمياه بين الدول.
وعلى الجانب الإيراني وقع الطرفان إتفاقية الجزائر لعام 1975 التي
تبيَّن لاحقاً، أنها من أكثر التطورات خطراً على مستقبل العراق والمنطقة، لأن
مشكلة المياه، وبالذات خط الحدود النهرية بين العراق وايران، ربما كانت السبب
الأول في إندلاع حرب الخليج الأولة ( 1980-1988) . تضمنت لإدارة "الأنهار
الحدودية" إلى جانب "الحدود النهرية"؛ وقُسمّت الأنهار الحدودية الى
فئات ثلاث منها ما سمي "الأنهار
المتجاورة"، أي تلك التي تتبع خط الحدود بين الدولتين، و"الأنهُر
المتتابعة"، وهي الأنهار التي تقطع حدود البلدين. وجرى الاتفاق حول قسمة
المياه في أنهار الفئة-أ التي ذكرت بالاسم وكانت القسمة مناصفة بين الطرفين،
وضُمِّنَت أسماء أنهار أخرى في الفئة-ب، بحيث تكون قسمة المياه فيها وفق الاتفاقية
العثمانية-الإيرانية لعام 1914، أما الاتفاق على الفئة الثالثة غير المذكورة
بالاسم فيكون وفق أحكام ومبادئ الاتفاقية نفسها، والقائمة على أسس حُسن الجوار
والاحترام المتبادل. وعليه اتفق العراق و إيران وفقاً لإتفاقية 1975 على
تسمية "الحدود النهرية" بينهما، ويقصد بذلك شط العرب . يومها كان خط
الحدود في منطقة شط العرب ومنذ القرن الثامن عشر، ( منذ اتفاقية قصر شيرين عام
1739 بين الإمبراطورية العثمانية والفارسية) هو الضفة الشرقية للشط، أي نقطة
التقاء المياه باليابسة. بمعنى آخر كان شط العرب بضفتيه الشرقية والغربية عراقياً حتى مصبه في الخليج العربي. طعنت
إيران في إتفاقيات الحدود عام 1934 أمام عصبة الأمم، حيث طُرح موضوع صحة كلٍّ من معاهدة
أرضروم وبروتوكول القسطنطينية. حُلّ النزاع عام 1937، باتباع الخطوط العامة للحدود
القديمة، باستثناء المنطقة المحيطة مباشرةً بمدينة عبادان الإيرانية، حيث نُقلت الحدود
من الضفة الشرقية إلى خط الثالوك. ولكن الاتفاقية التي وقعها صدام حسين في الجزائر
مع شاه ايران محمد رضا بهلوي، جعلت مسار خط الحدود بين البلدين هو المجرى العميق لكامل
شط العرب، وبذلك حصلت إيران على نصف شط العرب بعد قرون من النزاع. وكان هذا
"الاتفاق" الذي أقدمت عليه الحكومة العراقية في لحظة ضعف هو أحد الأسباب
وراء نشوب حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران، يومها أراد النظام في بغداد إستغلال
الأوضاع في إيران التي أنهكتها الثورة و التطورات التي حدثت بعدها ، خاصة قضية
الرهائن الأمريكيين. ويمكن وصف الحرب
العراقية-الإيرانية بأنها حرب لا رابح فيها؛ إذ لم يُحسَم خلال سنواتها الثمان
أيٌّ من الملفات العالقة بين البلدين، بما فيها الملف المائي، وما تضمنته اتفاقية
1975 بشأن الحدود النهرية. ولا يزال ملف المياه بين البلدين مقلقاً وغامضاً بعد أن
أكملت إيران سيطرتها على الروافد والأنهار المشتركة جميعها، وحبست مياه النهرين
الكبيرين، الكرخة والكارون، وحجبتها من الوصول إلى مصباتها التقليدية في جنوب
العراق. وكان لهذه الإجراءات آثارٌ
مدمرة على الأهوار العراقية.
وعلى الجانب العراقي فمنذ عشرينيات القرن
الماضي، نفّذ العراق العديد من مشاريع المياه على نهري دجلة والفرات، إلا أن هذه الجهود تأثرت بشدة
بعدم الاستقرار السياسي الداخلي، والتدخلات الأجنبية، وبناء السدود من قِبل الدول المجاورة
على المنبع. ركّزت هذه المشاريع بشكل أساسي على الري، والسيطرة على الفيضانات، وتخزين
المياه.
بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية وقيام
الدولة العراقية عام 1921، تولى المهندسون البريطانيون مسؤولية سياسة المياه في العراق.
ركّزوا على الري لخدمة المصالح البريطانية، مما أدى في كثير من الأحيان إلى تأخيرات
وزيادة في التكاليف. ومن المشاريع المبكرة المهمة مشروع سد الهندية على نهر الفرات،
الذي كان حاسمًا في توفير المياه لفرع الحلة، وهي منطقة زراعية مهمة. كما طُوّرت مشاريع
أخرى، مثل مشروع أبو غريب الكبير، خلال هذه الفترة. وشهدت مرحلة منتصف القرن العشرين
(منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى سبعينيات القرن العشرين) توسعًا ملحوظًا في
مشاريع إدارة المياه مع ازدياد سيطرة العراق على موارده. وبدأت البلاد ببناء سدود وخزانات
ضخمة للتحكم في تدفق نهري دجلة والفرات، وتوفير الحماية من الفيضانات، وتوسيع نطاق
الري. ومن أهم المشاريع:
·
سد دوكان (1958) على نهر الزاب الصغير.
·
سد دربنديخان (1961) على نهر ديالى.
·
مشروع الثرثار، وهو نظام ضخم للتحكم في الفيضانات يربط بين
نهري دجلة والفرات.
تميزت فترة أواخر القرن العشرين (من سبعينيات
القرن العشرين إلى العقد الأول من القرن الحادي والعشرين) ببناء بعض أكبر السدود في
العراق، وتفاقم أزمة المياه بسبب بناء السدود على المنبع في تركيا وسوريا. استجاب العراق
بمشاريعه الرئيسية:
·
سد حديثة (1985) على نهر الفرات، مما أدى إلى إنشاء بحيرة
القادسية.
·
سد الموصل (1986)، أكبر سد في العراق، على نهر دجلة.
·
سد حمرين (1981) على نهر ديالى، مُنشئًا بحيرة حمرين.
خلال هذه الفترة، نفّذ نظام صدام حسين أيضًا
مشاريع تجفيف واسعة النطاق في الأهوار. هذه المشاريع، بما في ذلك القنوات والسدود،
أعادت توجيه المياه حول الأهوار، مما تسبب في أضرار بيئية واسعة النطاق. بعد غزو العراق
عام 2003، واجهت البنية التحتية للمياه في العراق تحديات جسيمة نتيجة الإهمال والصراع
ونقص الصيانة. تحول التركيز من البناء واسع النطاق إلى إعادة التأهيل والمحافظة على
الموارد ومعالجة أزمة المياه المستمرة. تشمل المبادرات الجديدة، مثل مشروع نمو الغاز
المتكامل (GGIP) مع شركة توتال إنرجيز والتي تتضمن بناء محطة لمعالجة مياه البحر لدعم
إنتاج النفط وتقليل استخدام المياه العذبة، وهو مؤشر على تغير الأولويات نحو الاستخدام
المستدام للمياه. وشاركت البلاد أيضًا في الجهود الدبلوماسية الجارية لضمان اتفاقيات
عادلة لتقاسم المياه مع جيرانها من دول المنبع.
إن مستقبل قضية المياه في العراق معقدٌ ومليءٌ بالتحديات، ولكنه
لا يخلو من حلولٍ محتملة. بناءً على التقارير الأخيرة، من المتوقع أن يتفاقم الوضع
بسبب تغير المناخ، إلا أن الحكومة والشركاء الدوليين يبذلون جهودًا متضافرةً لمعالجته.
التحديات
تغير المناخ: يُعتبر العراق من أكثر الدول تأثرًا
بتغير المناخ. يؤدي ارتفاع درجات الحرارة وقلة هطول الأمطار إلى جفافٍ شديدٍ وتصحرٍ
وانخفاضٍ في منسوب مياه نهري دجلة والفرات. وقد شهد هذان النهران، وهما المصدران الرئيسيان
للمياه، انخفاضًا في تدفقهما بنسبة 30-40% على مدى العقود الأربعة الماضية.
السدود في دول
المنبع: من المشكلات
الرئيسية والقديمة بناء السدود في الدول المجاورة مثل تركيا وإيران. تُقلل هذه السدود
بشكل كبير من تدفق المياه إلى العراق، وهي مشكلةٌ لطالما كانت مصدرًا للتوتر الإقليمي.
ضعف البنية التحتية: أدت عقود
من الصراع والإهمال إلى تردي حالة البنية التحتية لإدارة وتوزيع المياه في العراق.
وهذا يؤدي إلى هدر هائل للمياه وتلوثها، وانعدام إمكانية الحصول على مياه نظيفة وآمنة
للعديد من المجتمعات، وخاصة في الجنوب.
على الرغم من حدة الأزمة، هناك عدد من المبادرات الجارية والمخطط
لها التي تبعث على الأمل في المستقبل. تركز الحكومة العراقية، إلى جانب هيئات دولية
مثل الأمم المتحدة على استراتيجية متعددة الجوانب:
دبلوماسية المياه: تشارك الحكومة العراقية بنشاط
في الدبلوماسية مع جيرانها، وقد انضمت إلى اتفاقيات دولية مثل اتفاقية الأمم المتحدة
للمياه. وتُعد هذه خطوة حاسمة نحو ضمان حصة عادلة من موارد المياه العابرة للحدود.
تحديث الزراعة: تُعد الزراعة أكبر مستهلك
للمياه في العراق. وتشجع الحكومة على استخدام أنظمة الري الحديثة الموفرة للمياه لتقليل
الاستهلاك وزيادة إنتاجية المحاصيل.
البنية التحتية والتكنولوجيا الجديدة:
يجري تنفيذ مشاريع لبناء محطات تحلية، لا سيما في المناطق الجنوبية كالبصرة، لمعالجة
المياه شديدة الملوحة من نهر شط العرب. كما تُخطط لبناء سدود جديدة وإعادة تأهيل السدود
القائمة لتحسين تخزين المياه وإدارتها.
الإصلاحات المحلية: على المستوى
الوطني، أقرت الحكومة خططًا شاملة لإدارة المياه تشمل ترشيد استهلاك المياه، وضوابط
صارمة للتلوث، والتركيز على استصلاح الأراضي. والهدف هو تعزيز القدرات المؤسسية ومكافحة
الفساد الذي أعاق التقدم في الماضي.
يعتمد مستقبل قضية المياه في العراق بشكل كبير على نجاح تنفيذ هذه
الاستراتيجيات. وسيتطلب ذلك تعاونًا دوليًا مستمرًا، وإرادة سياسية من جميع الجهات
المعنية، وتحولًا كبيرًا في ممارسات استخدام المياه الوطنية. ورغم صعوبة الطريق، فإن
هذه الجهود المتضافرة تُشير إلى إمكانية تحقيق مستقبل مائي أكثر استدامةً وأمنًا للعراق.


تعليقات
إرسال تعليق