رواية كل هذا غير صحيح: حين تتحول الحقيقة إلى لعبة سردية خطيرة

 

 

ليسا جويل


ماذا لو كانت الحقيقة مجرد قصة تُروى بطريقة مقنعة؟ ماذا لو كان بإمكان شخص ما أن يعيد تشكيل ماضيه أمام الكاميرات، ويحوّل حياته إلى مادة استماع جماهيري؟ في رواية " كل هذا غير صحيح "للكاتبة لليسا جويل ، لا تصبح الأسرار مجرد تفاصيل عابرة، بل تتحول إلى شبكة معقدة من الشكوك والالتباس. تبدأ القصة بمصادفة بسيطة، لكنها سرعان ما تنفتح على عالم من التناقضات النفسية، حيث تتداخل الحقيقة بالوهم، ويصبح القارئ نفسه جزءًا من التحقيق. هذه ليست مجرد رواية غموض، بل تأمل عميق في قوة السرد وحدود الثقة.

 

الكاتبة البريطانية ليسا جويل: سيدة التشويق النفسي المعاصر

تُعدّ ليسا جويل واحدة من أبرز الأصوات الروائية في الأدب البريطاني المعاصر، خاصة في مجال الرواية النفسية المشوّقة التي تمزج بين الدراما الإنسانية والغموض. وُلدت في لندن عام 1968، وبدأت مسيرتها الأدبية في نهاية التسعينيات بعد أن فازت برهان مع صديق لها يقضي بأن تكتب ثلاث فصول من رواية. كانت تلك البداية غير المتوقعة الشرارة التي أطلقت مسيرتها الأدبية.

نشرت جويل روايتها الأولى حفلة رالف  عام 1999، والتي لاقت نجاحًا لافتًا في بريطانيا، حيث تصدرت قوائم الكتب الأكثر مبيعًا لعدة أسابيع. ومنذ ذلك الحين، واصلت كتابة الروايات التي تجمع بين التحليل النفسي للشخصيات وبناء الحبكات المتشابكة التي تعتمد على الأسرار العائلية والماضي الغامض.

مع مرور الوقت تطوّر أسلوبها الروائي بشكل واضح، فانتقلت من كتابة الروايات الاجتماعية الخفيفة إلى الروايات النفسية المظلمة التي تستكشف المناطق الرمادية في النفس البشرية. وقد حققت شهرة عالمية بفضل أعمال مثل رواية ثم اختفت  ورواية العائلة في الطابق الأعلى ،[1] حيث برعت في بناء أجواء التوتر والتشويق، وفي تقديم شخصيات تبدو عادية في ظاهرها لكنها تخفي عوالم معقدة من الأسرار.

تتميّز روايات جويل بقدرتها على تفكيك العلاقات الإنسانية، خصوصًا داخل العائلة، حيث تكشف كيف يمكن للماضي أن يظل حاضرًا في حياة الأفراد، وكيف يمكن لحقيقة صغيرة أن تقلب مصائر كاملة. كما تعتمد كثيرًا على تعدد الأصوات السردية، مما يمنح القارئ فرصة لرؤية الحدث الواحد من زوايا مختلفة.

اليوم تُعد ليسا جويل من أكثر الكاتبات مبيعًا في بريطانيا والعالم، وقد تُرجمت أعمالها إلى عشرات اللغات. ومع روايتها الحديثة  كل هذا غير صحيح[2]  التي تُرجمت للعربية تواصل الكاتبة ترسيخ مكانتها كواحدة من أهم كاتبات التشويق النفسي في الأدب المعاصر، حيث تطرح أسئلة عميقة حول الحقيقة والذاكرة والقدرة على التلاعب بالسرد.

 


حبكة الرواية: عندما تصبح الحقيقة لعبة خطيرة

تدور أحداث رواية كل هذا غير صحيح للكاتبة ليسا جويل حول لقاء يبدو عابرًا، لكنه يتحول تدريجيًا إلى شبكة معقدة من الأسرار والشكوك. تبدأ القصة عندما تلتقي ألِكس سمر، وهي صحفية وصانعة بودكاست متخصصة في القصص الإنسانية، بامرأة تُدعى جوزي فيربانكس في مطعم بلندن. المصادفة الغريبة أن المرأتين تكتشفان أنهما ولدتا في اليوم نفسه ويحتفلان بعيد ميلادهما الخامس والأربعين في الليلة ذاتها. تبدو اللحظة في البداية مجرد صدفة طريفة، لكن جوزي تقترح فكرة غير متوقعة: لماذا لا تجعل ألِكس حياتها موضوعًا لحلقة بودكاست؟

في البداية تبدو الفكرة جذابة. حياة جوزي تبدو مليئة بالتناقضات والأسرار؛ فهي امرأة عادية ظاهريًا، تعيش حياة هادئة، لكن خلف هذا الهدوء تكمن قصة عائلية غامضة. تبدأ ألِكس تسجيل المقابلات معها، ومع مرور الوقت تنكشف تفاصيل غير مريحة عن طفولة جوزي، وعن زواجها الغريب، وعن علاقتها المعقدة بابنتها. شيئًا فشيئًا تتحول القصة من حكاية شخصية إلى لغز نفسي مليء بالثغرات.

كلما تعمقت ألِكس في تسجيل البودكاست، تبدأ الشكوك في الظهور. بعض التفاصيل التي ترويها جوزي لا تبدو منطقية، وبعض الأحداث تتغير روايتها من مرة إلى أخرى. هل جوزي ضحية ماضٍ قاسٍ؟ أم أنها امرأة قادرة على التلاعب بالآخرين عبر القصص التي ترويها؟ ومع استمرار المشروع، تبدأ الحدود بين الصحفية والموضوع في التلاشي، وتجد ألِكس نفسها متورطة في حياة جوزي بطريقة لم تكن تتوقعها.

تتصاعد التوترات عندما تختفي جوزي فجأة، تاركة وراءها أسئلة أكثر من الإجابات. يتحول البودكاست نفسه إلى تحقيق في ما حدث بالفعل، ويصبح القارئ أمام روايات متعددة للحقيقة، بعضها متناقض وبعضها مرعب. هنا تطرح الرواية سؤالها المركزي: هل يمكن الوثوق بما يرويه الناس عن حياتهم؟ أم أن الحقيقة مجرد قصة أخرى قابلة للتلاعب؟

 


الحقيقة المراوغة: لعبة السرد والهوية

لا تعتمد حبكة الرواية فقط على عنصر التشويق، بل على تفكيك فكرة الحقيقة نفسها. مع تقدم الأحداث، يبدأ القارئ في إدراك أن كل شخصية في القصة تمتلك نسختها الخاصة من الواقع. فالرواية لا تُروى بطريقة خطية تقليدية، بل تتداخل فيها مقاطع من البودكاست، وشهادات، ومقابلات، وكأن القارئ يستمع إلى تحقيق صحفي يتكشف تدريجيًا.

تتضح تدريجيًا صورة حياة جوزي فيربانكس: طفولة مضطربة، زواج من رجل أكبر منها بكثير، وعلاقة متوترة مع بناتها. لكن كل معلومة جديدة تفتح بابًا لشكوك جديدة. بعض الأشخاص الذين يظهرون في القصة يقدمون روايات مختلفة تمامًا عن تلك التي ترويها جوزي. ومع تعدد هذه الأصوات، يتحول القارئ نفسه إلى محقق يحاول تجميع شظايا الحقيقة.

تجد ألِكس سمر نفسها في قلب هذه الدوامة. فالمشروع الذي بدأ كبودكاست إنساني يتحول إلى تجربة خطيرة تمس حياتها الشخصية وعائلتها. فكلما اقتربت من فهم جوزي، اكتشفت أنها قد تكون أكثر غموضًا وخطورة مما بدت عليه في البداية. وهنا يكمن التوتر الحقيقي في الرواية: ليس في معرفة ما حدث فقط، بل في معرفة من يمكن تصديقه.

تنجح الرواية في خلق جو من القلق المستمر، حيث يصبح القارئ غير متأكد من أي رواية للأحداث. هل جوزي امرأة مكسورة تحاول أخيرًا أن تُسمع قصتها؟ أم أنها صانعة أوهام بارعة تستخدم الحكايات لتغيير الواقع؟

في النهاية، لا تقدم الرواية إجابة سهلة، بل تترك القارئ أمام سؤال مقلق: ربما لا تكون الحقيقة ثابتة كما نعتقد، بل مجرد قصة يرويها من يملك القدرة على السرد.

بعد التعريف بالكاتبة وبحبكة الرواية، هناك جوانب أخرى تجعل رواية كل هذا غير صحيح للكاتبة ليسا جويل عملاً لافتًا في أدب التشويق النفسي المعاصر.

أولاً: لعبة الحقيقة والسرد

الفكرة المركزية في الرواية ليست الجريمة نفسها، بل الحقيقة المراوغة. منذ العنوانكل هذا غير صحيحتلمّح الرواية إلى أن ما نسمعه قد لا يكون الواقع. كل شخصية تقدم روايتها الخاصة للأحداث، ومع تعدد هذه الروايات يبدأ القارئ في الشك في كل شيء. بهذه الطريقة تتحول القراءة إلى تحقيق ذهني يحاول فيه القارئ اكتشاف ما هو حقيقي وما هو مجرد قصة.

ثانيًا: تقنية البودكاست في السرد

أحد العناصر الحديثة في الرواية هو استخدام البودكاست كوسيلة سردية. فالقصة لا تُروى فقط عبر السرد التقليدي، بل عبر:

  • مقابلات
  • تسجيلات
  • شهادات أشخاص آخرين

هذا الأسلوب يجعل الرواية أقرب إلى تحقيق صحفي أو وثائقي، ويخلق إحساسًا قويًا بالواقعية، كأن القارئ يستمع إلى برنامج جرائم حقيقية.

ثالثًا: الشخصيات الرمادية

لا تقدم الرواية شخصيات واضحة الخير أو الشر. فكل شخصية تحمل مزيجًا من الضعف والغموض والأسرار. وهذا ما يجعل القارئ في حالة تردد دائم:
هل جوزي ضحية؟ أم أنها بارعة في التلاعب بالآخرين؟
وهل أليكس صحفية تبحث عن الحقيقة، أم أنها بدورها تستغل القصة لصناعة النجاح الإعلامي؟

رابعًا: نقد ثقافة الفضول الإعلامي

تطرح الرواية أيضًا سؤالًا معاصرًا مهمًا:
إلى أي حد يمكن للإعلام، أو لصناعة القصص، أن يتدخل في حياة الناس؟
فمشروع البودكاست الذي يبدأ بدافع الفضول يتحول تدريجيًا إلى شيء أكثر خطورة، حيث تصبح حياة الأشخاص مادة للعرض والفضول الجماهيري.

أخيرًا

قوة الرواية لا تكمن فقط في التشويق، بل في قدرتها على إثارة سؤال بسيط ومقلق في الوقت نفسه:
هل الحقيقة التي نسمعها هي الواقع فعلًا، أم مجرد قصة صيغت بطريقة مقنعة؟

ولهذا السبب تُعد الرواية مثالًا بارزًا على التشويق النفسي المعاصر الذي لا يعتمد فقط على المفاجأة، بل على الشك الدائم في ما نعتقد أنه الحقيقة.

البنية السردية والرواية كتحقيق معاصر

تتميّز رواية كل هذا غير صحيح للكاتبة ليسا جويل ببنية سردية مبتكرة تجعل القارئ يشعر بأنه يشارك في تحقيق حقيقي لا في قراءة عمل تخييلي تقليدي. فالرواية لا تعتمد على سرد خطي بسيط، بل تُبنى عبر طبقات متعددة من الأصوات والوثائق والتسجيلات، مما يمنحها طابعًا قريبًا من التحقيق الوثائقي أو برنامج الجرائم الحقيقية. هذا الأسلوب لا يهدف فقط إلى خلق التشويق، بل إلى إشراك القارئ في عملية كشف الحقيقة، حيث يصبح عليه أن يجمع الأدلة ويقارن بين الشهادات المتناقضة ليصل إلى فهمه الخاص للأحداث. إن تعدد وجهات النظر يجعل السرد أكثر تعقيدًا، لكنه في الوقت نفسه يعكس طبيعة الحقيقة نفسها كما تقدمها الرواية: حقيقة قابلة للتشظي والتأويل.

تستخدم الكاتبة تقنية البودكاست بوصفها أداة مركزية في البناء الفني، وهو اختيار يعكس روح العصر الرقمي. فالقصة لا تُروى فقط عبر الراوي التقليدي، بل من خلال تسجيلات ومقابلات وتعليقات لاحقة، وكأننا أمام برنامج يحقق في قضية غامضة. هذا الأسلوب يخلق إحساسًا بالواقعية ويجعل الحدود بين الأدب والواقع أكثر ضبابية. ومع كل مقطع جديد، تتغير صورة الشخصيات، وتزداد الأسئلة بدل أن تتناقص الإجابات. وهكذا يتحول القارئ من متلقٍ سلبي إلى مشارك فعّال في إعادة تركيب القصة، مما يعزز عنصر التوتر النفسي ويمنح الرواية عمقًا فنيًا واضحًا.

 

الرواية وهوس الحقيقة في العصر الحديث

لا تقتصر أهمية رواية كل هذا غير صحيح على حبكتها المشوقة، بل تتجاوز ذلك لتطرح سؤالًا ثقافيًا وأخلاقيًا يرتبط بعصرنا الحالي. فالرواية تتناول بذكاء ظاهرة الاهتمام المتزايد بقصص الجرائم الحقيقية والبرامج التي تحول المآسي الإنسانية إلى محتوى إعلامي واسع الانتشار. من خلال قصة البودكاست التي تقودها البطلة، تكشف الرواية كيف يمكن للرغبة في كشف الحقيقة أن تتحول إلى فضول استهلاكي قد يتجاوز الحدود الإنسانية. هنا يصبح السرد نفسه موضوعًا للنقد، وتتحول القصة إلى تأمل في قوة الحكاية وتأثيرها على الواقع.

تطرح الرواية أيضًا فكرة أن الحقيقة ليست دائمًا ثابتة أو واحدة، بل قد تتعدد بتعدد الروايات والأصوات. فكل شخصية تقدم نسختها الخاصة من الأحداث، ومع هذا التعدد تتشكل مساحة رمادية تجعل الحكم النهائي أمرًا معقدًا. هذا التلاعب المنظم بالحقائق يعكس هشاشة الثقة بين الأفراد في المجتمع المعاصر، حيث يمكن للكلمة أن تبني صورة كاملة أو تهدمها. ومن خلال هذا التوتر المستمر بين الحقيقة والخيال، تضع الرواية القارئ أمام مسؤولية التفكير النقدي وعدم التسليم بأي رواية دون تمحيص. وهكذا تتحول القصة إلى مرآة لزمن يعتمد على السرد الإعلامي، ويمنح الكلمة قوة قد تكون بقدر تأثير الفعل نفسه، مما يجعل الرواية عملاً أدبيًا يتجاوز حدود التشويق ليصبح قراءة في طبيعة الحقيقة والهوية والسلطة السردية.

#روايات #ليسا_جويل #كل_هذا_غير_صحيح #أدب_معاصر #رواية_نفسية #التشويق #نقد_أدبي #كتب

#LisaJewell #NoneOfThisIsTrue #PsychologicalThriller #ContemporaryFiction #BookReview #Literature #ThrillerNovel

 

 



[1] Ralph's Party; Thirtynothing; After The PartyThen She Was Gone; The Family Upstairs; Invisible Girl; The Night She Disappeared.

 

[2]  ترجمة أيناس التركي من أصدار دار الكرمة /2025

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسرار الجازي وماثيو: رواية التاريخ والحكاية في قلب السعودية

حين يتكلّم الصمت: رحلة ابراهيم فرغلي بين الذاكرة والخيال

أصوات مصر: كيف كتب الكاسيت تاريخ الجماهير