لميعة عباس عمارة: الشاعرة التي كتبت الحب وحملت العراق في المنفى
كل شاعر يترك وراءه أثرًا
خالدًا، ولميعة عباس عمارة كانت أكثر من شاعرة؛ كانت روح العراق في كلماتها.من بغداد إلى بيروت، ثم إلى
سان دييغو، حملت قصائدها الحنين والحرية والحب.
شاهدت ولادة الشعر الحر وجيل الروّاد، وكتبت
بصوت المرأة ما لم يجرؤ غيرها على قوله.
في الغربة، لم تفارقها اللغة ولا الوطن، فقد
كان الشعر وطنها الحقيقي.هذه
قصة الشاعرة التي جعلت من كلمتها جسراً بين الماضي والحاضر، بين الذات والآخر، بين
العراق والعالم.
المقدمة
حين دخلت الأنثى إلى قلب
القصيدة العربية
تدخنين؟؟
لا...
أتشربين؟؟
لا..
أترقصين؟؟
لا..
ما أنت؟ جمعُ لا !!!
أنا التي تراني...
كل خمولِ الشرقِ في أرداني
فما الذي يشدُّ رجليكَ إلى مكاني
يا سيدي الخبير... بالنسوانِ
إن عطائي اليومَ شيءٌ ثانِ
حلّقْ.. فلو طأطأتَ.. لا تراني
في تاريخ الشعر العربي لحظات
نادرة يتغير فيها صوت القصيدة نفسها. ليست مجرد تغيرات في الوزن أو الشكل، بل
تحولات أعمق تمس روح الشعر وطبيعته. في منتصف القرن العشرين، حين كانت القصيدة
العربية تعيش صراعها الكبير بين العمود الكلاسيكي وتجارب الحداثة الناشئة، ظهرت في
العراق مجموعة من الأصوات التي ستغيّر وجه الشعر العربي إلى الأبد. كانت تلك
اللحظة لحظة ولادة الشعر الحر، التي ارتبطت بأسماء مثل بدر شاكر السياب ونازك
الملائكة وعبد الوهاب البياتي، لكن في قلب هذه اللحظة أيضاً كانت تقف
شاعرة مختلفة، هادئة في حضورها، عميقة في لغتها، جريئة في عاطفتها: لميعة عباس عمارة.
لم تكن لميعة مجرد شاعرة أخرى
في ذلك الجيل؛ كانت صوتاً أنثوياً دخل إلى القصيدة العربية بطريقة غير مسبوقة. ففي
زمن كان الشعر الغزلي فيه يُكتب غالباً بلسان الرجل، جاءت لميعة لتكتب الحب من
الجهة الأخرى، من قلب المرأة نفسها. لم تعد المرأة في قصيدتها موضوعاً يُغنّى له،
بل أصبحت ذاتاً متكلمة، وعاشقة،
وراغبة، وقلقة، ومتمردة أحياناً. بهذا المعنى لم تكن قصائدها مجرد تعبير عن عاطفة
شخصية، بل كانت فتحاً جديداً في التعبير الشعري العربي.
لكن أهمية لميعة عباس عمارة
لا تكمن فقط في جرأتها العاطفية، بل أيضاً في كونها جزءاً من جيل ثقافي استثنائي.
فقد عاشت في بغداد في زمن كانت المدينة فيه مركزاً ثقافياً نابضاً، ودرست في دار
المعلمين العالية حيث تشكلت أهم الصداقات الأدبية في تاريخ الشعر الحديث. هناك
التقت بالسياب والبياتي ونازك الملائكة، وهناك بدأت القصيدة العربية تخطو أولى
خطواتها خارج القوالب القديمة.
ومع مرور السنوات، ستصبح حياة
لميعة نفسها قصيدة طويلة: من بغداد إلى بيروت، ومن الوطن إلى المنفى، ومن صخب
البدايات إلى هدوء السنوات الأخيرة في كاليفورنيا. لكنها رغم المسافات الطويلة ظلت
تحمل العراق في لغتها، كما تحمل النخلة ماءها في جذورها العميقة. ولهذا فإن قراءة
تجربة لميعة عباس عمارة ليست مجرد قراءة لشاعرة، بل هي أيضاً قراءة لمرحلة كاملة
من تاريخ الشعر العربي، حيث امتزج الحب بالمنفى، والذاكرة بالشعر، والوطن باللغة.
القسم الأول
طفولة بغداد والعمارة: ولادة
الحسّ الشعري
لو
أنبأني العرّاف
أنك يوماً ستكونُ حبيبي
لم أكتُبْ غزلاً في رجلٍ
خرساء أًصلّي
لتظلَّ حبيبي
لو أنبأني العراف
أني سألامس وجه القمرٍ العالي
لم ألعب بحصى الغدران
ولم أنظم من خرز آمالي
لو أنبأني العراف
أن حبيبي
سيكونُ أميراً فوق حصانٍ من ياقوت
شدَّتني الدنيا بجدائلها الشقرِ
لم أحلُمْ أني سأموت
لو أنبأني العرّاف
أن حبيبي في الليلِ الثلجيِّ
سيأتيني بيديهِ الشمسْ
لم تجمد رئتايَ
ولم تكبُرْ في عينيَّ هموم الأمس
لو أنبأني العراف
إني سألاقيك بهذا التيه
لم أبكِ لشيءٍ في الدينا
وجمعتُ دموعي
كلُّ الدمعٍ
ليوم قد تهجرني فيه .
ولدت لميعة عباس عمارة
في بغداد عام 1929، في بيئة عراقية متعددة الطبقات الثقافية والدينية، تنتمي إلى
الطائفة الصابئية المندائية المعروفة بعلاقتها التاريخية بالماء والأنهار وحرف
صياغة الذهب. وربما لم يكن هذا الانتماء مجرد تفصيل اجتماعي في حياتها، بل أحد
العناصر العميقة التي شكّلت حسّها الشعري لاحقاً. فالماء، في الوعي المندائي، ليس مجرد
عنصر طبيعي بل رمز للطهارة والبداية، وهو ما يمكن أن نلمسه في شفافية لغتها وبساطة
صورها الشعرية.
قضت لميعة جزءاً من طفولتها
بين بغداد ومدينة العمارة في جنوب العراق، وهناك تفتحت عيناها على
عالم مختلف عن صخب المدن الكبيرة. في العمارة كانت الطبيعة أقرب إلى الروح:
الأنهار، والنخيل، والفضاءات المفتوحة التي تسمح للخيال بأن يتسع. هذه البيئة
الجنوبية ستترك أثراً واضحاً في ذاكرتها الشعرية، حتى عندما ستعيش لاحقاً في المدن
الكبرى أو في المنافي البعيدة. فالشاعر، مهما ابتعد، يظل يحمل جغرافيا طفولته في
أعماق لغته.
ظهرت موهبة لميعة مبكراً على
نحو لافت. ففي سن الرابعة عشرة فقط كتبت أولى قصائدها التي لفتت انتباه الأدباء في
العراق وخارجه. ويُروى أن الشاعر المهجري الكبير إيليا أبو ماضي نشر لها
قصيدة في مجلته، في إشارة مبكرة إلى أن هذه الفتاة تمتلك صوتاً شعرياً حقيقياً.
كان هذا الاعتراف المبكر مهماً، لأنه منحها ثقة في نفسها في زمن لم يكن من السهل
فيه لفتاة شابة أن تدخل عالم الشعر الذي ظل طويلاً مجالاً يغلب عليه الحضور
الذكوري.
لكن الأهم من ذلك أن لميعة لم
تنشأ في بيئة تقليدية مغلقة تجاه الثقافة. فقد شجعها أهلها على التعليم والقراءة،
وهو أمر كان نادراً نسبياً في تلك الفترة بالنسبة للفتيات. ومن هنا بدأت علاقتها
المبكرة بالكتب والشعر العربي القديم والحديث، لتتشكل تدريجياً حساسية شعرية تجمع
بين رهافة العاطفة ووضوح اللغة.
وهكذا يمكن القول إن طفولة
لميعة كانت المرحلة التي تبلورت فيها العناصر الأولى لشخصيتها الشعرية: الطبيعة الجنوبية، والذاكرة البغدادية،
والموهبة المبكرة، والإحساس العميق باللغة. وكل
هذه العناصر ستظهر لاحقاً في قصائدها التي تبدو في كثير من الأحيان بسيطة في
ظاهرها، لكنها تخفي وراء بساطتها عالماً كاملاً من الحنين والذكريات والتجربة
الإنسانية.
القسم الثاني
دار المعلمين العالية:
المختبر الذي وُلد فيه الشعر الحديث
لعنةُ
اللاعنِ يا شعرُ عليكْ
ما الذي أوقعني بين يديكْ
كلُّ أسرارِ الورى مكتومةٌ
وخفيُّ الهمسِ مفضوحٌ لديكْ؟
كم سبيلٍ هرباً لُذنا به
ولمحنا في الحنايا مقلتيكْ
دعكَ مني!
كلُّ جرحٍ قاتلٍ
كلُّ بؤسٍ جاء يقفو خطوتيكْ
أنتَ لو كنتَ صلاحاً وهدى
ما توسّلنا بشيطانٍ إليكْ
عندما التحقت لميعة عباس
عمارة بـ دار المعلمين العالية في بغداد في أواخر الأربعينيات، لم تكن
تدخل مجرد مؤسسة تعليمية عادية، بل كانت تدخل فضاءً ثقافياً استثنائياً سيصبح
لاحقاً أحد أهم المراكز التي شهدت تحوّل الشعر العربي الحديث. ففي تلك القاعات
الدراسية والممرات الجامعية الصغيرة كانت تتشكل صداقات فكرية وأدبية ستترك أثراً
عميقاً في تاريخ الأدب العربي. هناك التقت لميعة بعدد من الأسماء التي ستصبح
لاحقاً أعمدة الحداثة الشعرية، مثل بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبد
الوهاب البياتي وغيرهم من الشعراء الشباب الذين كانوا يبحثون عن لغة جديدة
للقصيدة العربية.
كانت تلك المرحلة لحظة قلق
ثقافي حقيقي. فقد بدأ الشعراء الشباب يشعرون أن الأوزان التقليدية والقوالب
الكلاسيكية لم تعد قادرة على التعبير عن العالم المتغير من حولهم. كان العراق، مثل
بقية العالم العربي، يعيش تحولات سياسية واجتماعية عميقة، وكان الشعر بدوره يبحث
عن شكل جديد يستطيع أن يعكس هذا الاضطراب الداخلي. ومن هنا بدأت التجارب الأولى
لما سيعرف لاحقاً باسم الشعر الحر، وهو الشكل الذي كسر نظام الشطرين
التقليدي وأعطى الشاعر حرية أكبر في بناء الإيقاع والصورة.
في هذا المناخ الثقافي
المتوتر والمليء بالتجريب كانت لميعة حاضرة بصوتها الخاص. لم تكن أكثر الشعراء
تنظيراً للشعر الحر، كما فعلت نازك الملائكة في كتاباتها النقدية، ولم تكن الأكثر
اندفاعاً في التجريب كما كان السياب في بعض مراحله، لكنها كانت جزءاً من هذا الحراك
الفكري والشعري الذي كان يتشكل يومياً من خلال النقاشات والقراءات والحوارات
الطويلة بين الطلبة الشعراء.
وقد منحتها هذه البيئة
الثقافية فرصة نادرة للتفاعل مع عقول شعرية شابة كانت تبحث عن طريق جديد للقصيدة.
فالشعر بالنسبة لهؤلاء لم يكن مجرد هواية أو نشاط أدبي جانبي، بل كان مشروع حياة
كاملة. وهكذا بدأت ملامح جيل جديد تتشكل، جيل سيغيّر شكل القصيدة العربية ويحررها
من كثير من القيود القديمة.
وسط هذا الجيل المتحمس كانت
لميعة تمثل حضوراً مختلفاً: صوتاً
أنثوياً رقيقاً لكنه واضح، يكتب الحب والحنين بلغة بسيطة وصادقة. ومع مرور الوقت ستصبح هذه الخصوصية إحدى
السمات الأساسية التي تميز تجربتها الشعرية داخل المشهد الشعري العراقي والعربي.
القسم الثالث
السياب ولميعة: حين يتحوّل
الحب إلى حوار شعري
أختارُهُ،
وأناجيهِ على ملأٍ
ويجهلون الذي أهوى،
ويجهلُهُ
وقد يطولُ بنا شوقٌ لرؤيتهِ
وقد يُقَصِّرُ أحياناً
فنُبدِلُهُ
تلك السويعاتُ، عمرُ الحبِّ
نأسرِها جداً على ورقٍ،
والجسمُ نقتلهُ
من بين العلاقات الأدبية التي
ارتبطت بتاريخ الشعر العربي الحديث، تبقى العلاقة بين بدر شاكر السياب ولميعة
عباس عمارة واحدة من أكثر القصص إثارة وثراءً. لم تكن مجرد صداقة بين شاعرين
شابين في الجامعة، بل كانت علاقة مركبة تجمع بين الإعجاب المتبادل، والحوار
الشعري، وربما مشاعر عاطفية بقيت معلّقة بين الاحتمال والصمت. ولهذا تحولت هذه
العلاقة مع مرور الزمن إلى جزء من الأسطورة الثقافية التي تحيط بجيل الشعر الحر في
العراق.
التقى السياب ولميعة في دار
المعلمين العالية في بغداد، حيث كان كلاهما في بداية الطريق الشعري. كان
السياب شاباً حساساً، وقلقاً، يميل إلى العزلة والتأمل، بينما كانت لميعة تمتلك
حضوراً مختلفاً: هدوءاً داخلياً، ورقة في التعبير، وقدرة على تحويل العاطفة
اليومية إلى لغة شعرية شفافة. ومن الطبيعي أن يلتقي هذان العالمان الشعريان في
مساحة مشتركة من الإعجاب والاهتمام.
يروي كثير من أصدقاء ذلك
الجيل أن السياب كان معجباً بلميعة إعجاباً واضحاً، وأنها كانت بالنسبة إليه أكثر
من مجرد زميلة في الدراسة. وقد ظهرت هذه المشاعر في بعض قصائده التي كتبها في تلك
الفترة، حيث تحضر صورة المرأة الرقيقة التي تمتزج فيها البراءة بالجمال. وبينما لا
يمكن الجزم بأن لميعة كانت المقصودة في كل تلك القصائد، فإن كثيراً من النقاد يرون
أن حضورها ترك أثراً واضحاً في خيال السياب الشعري.
لكن ما يجعل هذه العلاقة
فريدة هو أنها لم تتحول إلى قصة حب تقليدية، بل بقيت في حدود الحوار الأدبي
والشعري. فالشعراء أحياناً
يعيشون مشاعرهم بطريقة مختلفة عن الآخرين؛ فهم لا يعبّرون عنها دائماً في الحياة
اليومية بقدر ما يتركونها تتجسد في القصيدة نفسها. وهكذا يمكن القول إن العلاقة
بين السياب ولميعة كانت في جوهرها علاقة بين قصيدتين، أو بين صوتين شعريين
يتجاوران ويتحاوران دون أن يندمجا تماماً.
ومع مرور السنوات ستأخذ هذه
العلاقة طابعاً شبه أسطوري في الذاكرة الثقافية العراقية. فالقارئ الذي يعود إلى
تاريخ ذلك الجيل لا يرى فيها مجرد تفصيل عاطفي صغير، بل يراها جزءاً من المناخ
الشعري الذي أنتج واحدة من أهم مراحل الحداثة في الأدب العربي. لقد كان الحب، في
تلك اللحظة، ليس فقط تجربة شخصية، بل أيضاً طاقة خفية تحرّك اللغة وتدفع
القصيدة إلى اكتشاف مناطق جديدة من العاطفة والخيال.
القسم الرابع
صوت الأنثى: حين تكلمت المرأة
في القصيدة العربية
واحدة من أهم السمات التي
تميز تجربة لميعة عباس عمارة هي أنها أعادت تعريف موقع المرأة داخل القصيدة
العربية. فقبل ظهور جيلها كان حضور المرأة في الشعر غالباً حضوراً صامتاً؛ كانت
موضوعاً للجمال، أو رمزاً للحب، أو صورة مثالية يتغنى بها الشاعر الرجل. أما صوت
المرأة نفسها فكان نادراً في الشعر العربي الحديث، أو على الأقل لم يكن حاضراً
بالجرأة والوضوح اللذين سيظهران في شعر لميعة.
جاءت لميعة إلى القصيدة وهي
تحمل وعياً مختلفاً. لم تكن ترى نفسها مجرد شاعرة تكتب في موضوعات عامة، بل كانت
تكتب من موقع التجربة الشخصية للمرأة: الحب،
والانتظار، والشوق، والقلق العاطفي. وهكذا أصبحت القصيدة عندها مساحة للاعتراف
الإنساني الصادق، لا مجرد بناء لغوي جميل. كانت لغتها بسيطة ومباشرة في كثير من
الأحيان، لكنها في هذه البساطة كانت تحمل قوة عاطفية عميقة تجعل القارئ يشعر بأن
الصوت الذي يتكلم في القصيدة صوت حقيقي لا قناع أدبياً.
وقد ظهرت هذه الجرأة العاطفية
في عدد من قصائدها التي تعبر فيها المرأة عن حاجتها إلى الحب دون مواربة. تقول في
أحد مقاطعها الشهيرة:
أحتاجُ
إليكَ حبيبي الليلةَ
فالليلةَ روحي فرسٌ وحشيّةْ
أوراقُ البردي أضلاعي فَتِّتْها
أطلقْ هذي اللغةَ المنسيّةْ
جسدي لا يحتملُ الوجدَ
ولا أنوي أن أصبحَ رابعةَ العدويّةْ.
هذه اللغة كانت جديدة في
سياقها الثقافي. فهي لا تكتفي بوصف الحب من الخارج، بل تعبّر عنه من الداخل، من
داخل التجربة الأنثوية نفسها. ومع ذلك فإن جرأة لميعة لم تكن استفزازية أو صاخبة،
بل جاءت دائماً في إطار حساسية شعرية رقيقة تجعل العاطفة تبدو طبيعية وصادقة.
كما أن قصائدها لم تكن مجرد
تعبير عن الحب الفردي، بل كانت أيضاً محاولة لإعادة التوازن إلى صورة المرأة في
الأدب. فبدلاً من أن تكون المرأة مجرد مصدر إلهام للشاعر، أصبحت هي نفسها صاحبة
الإلهام وصاحبة اللغة. بهذا المعنى يمكن
القول إن تجربة لميعة عباس عمارة ساهمت في فتح الباب أمام حضور نسوي أوسع في الشعر
العربي الحديث.
لقد كتبت لميعة الحب كما تشعر
به امرأة حقيقية: بعاطفة صافية، وبشيء من الحنين، وأحياناً بشيء من التمرد الهادئ.
ولهذا بقيت قصائدها قريبة من القارئ، لأنها لا تتحدث بلغة التنظير أو الخطابة، بل
بلغة القلب الإنساني الذي يعرف أن الشعر في النهاية هو الطريقة الأكثر رهافة
للتعبير عن المشاعر التي يصعب قولها في الحياة اليومية.
القسم الخامس
العراق في شعر لميعة: الوطن
كذاكرة عاطفية
أقولُ
سأهجر كل العراق ولستُ بأولِ صب هجَرْ
فيهتفُ
بي هاجسٌ لا يُرد... مكانكِ، إن المنايا عِبَرْ
هنا
تُقتلين... هنا تُدفنين، أما السري فمنايا أًخرْ
وتعصفُ
بغدادَ في جانحي... أعاصيرُ من ولهٍ لا تذَرْ
وبغداد
قيثارتي البابلية... قلبي وهُدْبي عليها وَتَرْ
لها
في فمي سحرُ كُهانها وآثارُ ما قبلوا علها حجَرْ
وما
رصدوا كوكباً وكوكباً وما ميزوا الكونَ خيراً وشَرْ
تراثٌ
ترمّخ بالطيّيبات وبالمجد منها إلي انحدَرْ
وبغدادُ
أنت، إذا شط بي مزار لواني إليها القدَرْ
حصادُ
المروءاتِ من بدرها وريقٌ أنيقٌ رهيفُ الصورْ
على الرغم من أن لميعة
عباس عمارة لم تكن شاعرة سياسية بالمعنى التقليدي، فإن العراق كان حاضراً في
شعرها حضوراً عميقاً ومتكرراً. لكن هذا الحضور لم يكن خطاباً وطنياً مباشراً أو
شعارات سياسية، بل كان أقرب إلى ذاكرة عاطفية تتجسد في صور الطبيعة
والأماكن والوجوه التي شكّلت عالمها الأول. فالوطن في قصائدها ليس فكرة مجردة، بل
هو تفاصيل يومية صغيرة: النهر، النخلة، الأزقة القديمة، وأصوات الناس في المدن
الجنوبية.
لقد نشأت لميعة في بيئة
عراقية غنية بالرموز الطبيعية، وكان لهذه البيئة أثر واضح في تشكيل خيالها الشعري.
فالعراق في شعرها يظهر غالباً من خلال عناصر بسيطة لكنها شديدة الدلالة: دجلة، النخيل، ضوء الشمس على الماء، وهدوء
القرى الجنوبية. هذه الصور لا تعمل فقط
كخلفية للمشهد الشعري، بل تصبح جزءاً من الشعور الداخلي للقصيدة نفسها. وكأن
الطبيعة العراقية تتحول إلى لغة ثانية تعبّر بها الشاعرة عن الحنين والذكريات.
ومن بين القصائد التي تعبّر
عن هذا الارتباط العاطفي بالوطن قولها:
بلادي
ويملؤني الزهو أني
لها أنتمي وبها أتباهى
لأن العراقة معنى العراق
ويعني التَبَغدُدَ عزاً وجاها
أغني لبغداد تصغي القلوب
وألفي دموع الحنين صداها
وإن قلت بغداد أعني العراق
الحبيب بأقصى قراها
في هذه السطور القصيرة يظهر
العراق بوصفه مكاناً للحياة والعاطفة والذكريات. بغداد ليست مجرد مدينة، بل فضاء
إنساني حي يتردد صداه في قلوب الناس. ولهذا فإن الحنين إلى الوطن في شعر لميعة لا
يأتي دائماً في شكل بكاء أو حزن، بل يظهر أحياناً في صورة حب هادئ واعتراف بالجمال
الذي تحمله الذاكرة.
ومع مرور السنوات، خصوصاً بعد
أن عاشت الشاعرة بعيداً عن العراق، أصبح هذا الحضور أكثر وضوحاً. فالمنفى يجعل
الذاكرة أكثر حساسية تجاه التفاصيل التي كانت تبدو عادية في الماضي. وهكذا تحولت
الأماكن العراقية في شعرها إلى نوع من الوطن الداخلي الذي تحمله معها أينما
ذهبت.
إن قراءة العراق في شعر لميعة
عباس عمارة تكشف لنا أن الوطن في الشعر ليس بالضرورة خطاباً سياسياً أو موقفاً
أيديولوجياً، بل قد يكون ببساطة ذاكرة عاطفية عميقة يعيشها الشاعر في لغته
وصوره. ولهذا ظل العراق، حتى في سنوات الغربة الطويلة، حاضراً في قصائدها كأن
النخيل والأنهار لم تغادر قلبها أبداً.
القسم السادس
المنفى والغربة: بغداد في قلب
الشاعرة
وحيدة
على شواطئ الاطلسي
ليس
سوى ذكرك كان مؤنسي
فليست
غرفتي بل محبسي
أرقب
من شباكها الاحياء
…الشاطئ
المشمس
عيد
لكل اثنين في مثل جموح الفرس
مجردين
غير خيطين بقايا ملبس.
برغم رحيلها عن العراق عام
1978 واستقرارها في الولايات المتحدة، بقيت لميعة عباس عمارة مرتبطة جذريًا
بوطنها وذكرياتها، حيث أصبح المنفى جزءًا من تجربتها الإنسانية والشعرية. في
الغربة، واجهت الشاعرة شعور الوحدة والاغتراب الثقافي والعاطفي، لكنها لم
تفقد تواصلها الروحي مع العراق، وخصوصًا بغداد، التي مثلت لها مصدر الهُوية
والانتماء والإلهام. في قصائدها، يظهر حبها
العميق للمدينة، حيث تصوّر كل ركن، شارع، وجسر وكأنها شخص حي يتفاعل معها.
لقد وظفت لميعة الماء
والأنهار، رمزًا للحياة في العراق، في شعرها، لتعبّر عن الحنين إلى دجلة
والفرات، وعن الرغبة في أن تبقى روح العراق حاضرة في نصوصها. فهي في قصائدها تجمع
بين الحنين إلى الماضي ورفض الانكسار أمام الغربة، كما في أبياتها التي
تغني فيها لبغداد وجسورها وأهلها:
يا ثِقْلَ كرخي نُجاذِبهُ /
لطف الهَوى ووِصالُه نَزرُ
ومن خلال هذا التفاعل بين
المكان والذات، تصبح الغربة وسيلة لإعادة النظر في الهوية الثقافية والإنسانية،
وتجربة الحرية الشخصية بعد أن عاشت العراق في زمنه الملكي وثورة عبد الكريم قاسم
وحكم صدام حسين. وقد عبّرت عن ذلك في ديوانها "البعد
الأخير" الذي يعكس تجربة الغربة، الصراع الداخلي، والتمسك بالهوية
العراقية.يمكن القول إن الغربة
لم تكسر الشاعرة، بل منحتها مساحة أكبر للتأمل والتعبير عن الذات والوطن،
وحوّلت الشعر إلى مرآة تعكس الحنين، الألم، والجمال في آن واحد. فبغداد لم تكن
مجرد مدينة، بل رمزًا للروح العراقية، للثقافة، وللشاعرة نفسها، حتى وهي
تعيش بعيدًا عن أرضها.
القسم السابع : السنوات
الأخيرة – هدوء الشاعرة
مع تقدم السنوات، ابتعدت
لميعة عباس عمارة عن صخب المشهد الثقافي، لتستقر في هدوء الولايات المتحدة
الأميركية، حيث وجدت مساحتها الخاصة لتأمل الحياة واستعادة ذكرياتها. لم يعد
حضورها يحتاج إلى أمسيات شعرية مكتظة أو تكريمات رسمية، فقد أصبح تأثيرها شعاعًا
هادئًا ينساب عبر نصوصها، كما لو أن كل بيت شعري يترجم الحنين والذكريات إلى لغة
خالدة.
في هذا الانعزال النسبي،
استمرت لميعة في الكتابة، لكنها كانت تختار الكلمات بعناية أكثر، وتمارس الشعر
كحياة روحية، تتواصل بها مع العراق رغم بعد المسافة الجغرافية. لم يقتصر دورها على
الإبداع الشخصي، بل أصبح حضورها الرمزي جزءًا من ذاكرة الشعر العراقي المعاصر، حيث
يظل اسمها محفورًا في وجدان الأجيال الجديدة من القراء والباحثين.
رغم الغياب الجسدي عن العراق،
لم يتراجع تأثيرها؛ فقد أصبحت أيقونة للشاعرة المستقلة، التي جمعت بين التجربة
الإنسانية العميقة والوعي التاريخي والثقافي، لتخلق فضاءً شعريًا يمزج بين الفرد
والوطن، بين الحنين والهوية. هذا الحضور الرمزي جعل من لميعة جسراً بين الماضي
الشعري العراقي والعصر الحديث، يربط بين الأجيال من خلال قصائدها ومواقفها الفكرية.
بهدوءها الأخير، كانت لميعة
تجسيدًا للمرأة الشاعرة التي اختارت البقاء مع الشعر أكثر من البقاء في صخب
العالم، مختارة لغةً لم تفارقها، وتاريخًا لم يُمحَ من ذاكرتها. فالقصيدة بالنسبة
لها لم تكن مجرد نص، بل حياة وروحًا وأرضًا لمغتربة عنها، لكنها ظلّت معها دائمًا
في كل كلمة، في كل نبضة من نبضاتها الأدبية.
الخاتمة: الوطن الحقيقي
للشاعر
تُثبت حياة لميعة عباس عمارة
أن الشعراء، مهما ابتعدوا عن أوطانهم، لا يغادرون لغتهم. كثيرون من شعراء العراق
عاشوا المنفى: بدر شاكر السياب مات مريضًا بعيدًا عن بغداد، محمد مهدي الجواهري
رحل وهو منفٍ، عبدالوهاب البياتي ترك بلاده بلا عودة، ولميعة ماتت في سان دييغو.
ومع ذلك، لم يمت الشعر، فهو الباقي رغم كل غياب.
اللغة هي الوطن الحقيقي
للشاعر، حيث تجتمع الذاكرة والهوية والعاطفة. هي الأرض التي لا تُسلب، والسماء
التي تحمي الروح من الضياع. في نصوص لميعة، نجد العراق حيًا في كل بيت، كل كلمة،
كل إيقاع، حتى في الغربة والبعد الجغرافي. الشعر يصبح جسراً بين الماضي والحاضر،
بين الذات والوطن، بين الحنين والواقع.
من خلال تجربتها، نفهم أن
المنفى الجغرافي لا يعني موت الانتماء، وأن الشعر هو الوسيلة الأسمى للحفاظ على
الهوية. كل شاعر يكتب بلغة قلبه، ويسيطر بها على الوقت والمكان، ليخلق وطنًا لا
تهزه الحدود ولا تغيّر الظروف. وهكذا، تبقى لميعة عباس عمارة، كما بقيت قصائد السياب
والجواهري والبياتي، رمزًا خالدًا لوطن لا يموت: الوطن الذي يسكنه الشعر.
#لميعة_عباس_عمارة
#الشعر_العراقي #الشاعرات_العربيات #الشعر_الحر #المرأة_في_الأدب
#LamiaAbbasAmara
#IraqiPoetry #ArabWomenPoets #FreeVerse #LiteraryHeritage
Lamia Abbas Amara
(1929–2021) was one of the most influential Iraqi poets of the 20th century, a
pioneer of modern Arabic poetry and a key figure in the birth of free verse.
Born into a Mandaean family in Baghdad and raised in Al-Amarah, she began
writing at an early age, publishing her first poem at 14. Her poetry bridges
classical Arabic forms and the emerging modernist style, capturing the essence
of Iraq’s culture, landscape, and history.
She witnessed the
golden age of Iraqi poetry, forming close bonds with luminaries such as Badr
Shakir al-Sayyab, Nazik Al-Malaika, and Muhammad Mahdi Al-Jawahiri. Her work
was characterized by a unique blend of romantic expression, feminist
consciousness, and deep patriotism. Through her poems, Lamia gave voice to the
desires, struggles, and freedoms of women, addressing love, identity, and
social justice in a society dominated by patriarchal norms.
Even in exile, first
in Beirut during the civil war, then finally in San Diego, Lamia’s poetry
continued to preserve her connection to Iraq. Her work emphasizes that the true
homeland of a poet is not a geographic location but the language itself—a medium
that carries memory, identity, and culture across borders. She leaves behind a
lasting legacy of literary and humanistic values, bridging generations and
maintaining the spirit of Iraqi and Arab poetry.

تعليقات
إرسال تعليق