رواية المتشائل لأميل جبيبي

 

أميل حبيبي


 بين سندان الهزيمة ومطرقة البقاء: قراءة في فلسفة التشاؤل وسيميائية التراث عند إميل حبيبي

بين "يُعاد" الغائبة و"باقية" الحاضرة فينا،

يغزل إميل حبيبي حكاية الوطن المسلوب،

حيث الصندوق الحديدي في الكهف ليس كنزاً،

بل هو نبض المقاومة الذي ورثه الأبناء عن الأمهات. 






المحور الأول: العتبات النصية وبناء المصطلح

تبدأ رحلة القارئ مع "المتشائل" من العنوان الذي يمثل صدمة لغوية ومعرفية في آن واحد. لم يكتفِ إميل حبيبي بكتابة رواية، بل قام بعملية "توليد" لغوي لمصطلح "التشاؤل" ليختزل به تجربة وجودية مريرة عاشها فلسطينيون بقوا في أرضهم بعد عام 1948. هذا النحت اللغوي ليس مجرد تلاعب بالألفاظ، بل هو تجسيد لسيكولوجية "البقاء" في ظل الحكم العسكري؛ حيث يمتزج التفاؤل بالقدرة على العيش يوماً إضافياً بالتشاؤم من واقع القمع والتهجير. يشرح سعيد، بطل الرواية، فلسفته ببساطة مغلّفة بالسخرية: هو يحمد الله في الصباح لأنه استيقظ حياً، ويحمده إذا أصابه مكروه لأن "الأكره" منه لم يقع. هنا يتحول "التشاؤل" إلى آلية دفاعية نفسية، تعكس حالة ضياع الهوية لجيل وجد نفسه غريباً في وطنه، يحمل هوية دولة قامت على أنقاض قراه.

أما اسم البطل "سعيد أبي النحس"، فهو عتبة نصية أخرى بالغة الأهمية. فاسم "سعيد" يوحي بالبهجة، بينما "أبو النحس" يربطه بالشقاء الأزلي، مما يخلق تضاداً صارخاً يعكس شخصيته الممزقة. هو الشخص الذي يسعى لإرضاء "الرجل الكبير" (ممثل السلطة) لضمان أمانه الشخصي، لكنه في الوقت ذاته لا ينجذب عاطفياً إلا للنساء اللواتي يمثلن نقيض الخنوع. إن هذا الاسم المركب هو مرآة للمجتمع الذي يعيش في "منطقة رمادية" بين الوجود والعدم.

ولا يمكن إغفال العتبة الشعرية المتمثلة في قصيدة سميح القاسم "مسك الختام". باختيار هذه القصيدة، يضع حبيبي قارئه منذ البداية في جو من اليأس من "الخارج" (سعاة البريد الذين لا يقرعون الأبواب). الرواية، بهذا المعنى، هي "رسالة يكتبها المرء لنفسه" كما يقول القاسم. هي فعل اعتراف ذاتي وتطهير من سنوات الصمت والخنوع. إن استهلال الرواية بهذه النبرة العالية من الوعي القومي يمهد الطريق لتفكيك شخصية سعيد "المتشائل"، ويضع القارئ في مواجهة مباشرة مع السؤال: هل ننتظر الخلاص من الخارج، أم نكتب رسائلنا/مصيرنا بأيدينا؟ إن هذه العتبات مجتمعة تشكل "الميثاق القرائي" الذي يفرضه حبيبي على المتلقي، حيث لا مكان للقراءة السطحية، بل نحن أمام نص يطالبنا بإعادة النظر في تعريفاتنا للهوية، والوطن، وحتى للغة نفسها.

 

المحور الثاني: هندسة السرد وتزاوج الأصالة والحداثة

تعد رواية "المتشائل" ثورة في بنية السرد العربي، حيث تمكن إميل حبيبي من كسر القالب الروائي الغربي التقليدي ليعيد إحياء التراث النثري العربي في أبهى صوره. الاعتماد على فن "المقامة" و"الرسائل" ليس مجرد حنين للماضي، بل هو اختيار فني واعٍ؛ فالمقامة بطبعها تقوم على السخرية والتلاعب اللغوي والبطولة الهامشية، وهي أدوات مثالية لتصوير واقع الفلسطيني "المحاصر" لغوياً وسياسياً. يستخدم حبيبي السجع، والجمل القصيرة المكثفة، والتقسيم إلى 44 رسالة موجهة إلى "سيد محترم" مجهول، مما يمنح النص طابعاً تراثياً عريقاً، لكنه محقون بمضامين سياسية حداثوية غاية في التعقيد.

هذا التزاوج يمتد ليشمل التناص مع الأدب العالمي؛ فنحن نلمس روح "كانديد"[1] لفولتير في براءة سعيد الساذجة، وعبثية كافكا في مواجهاته مع البيروقراطية العسكرية الإسرائيلية. يبني حبيبي عالماً "غرائبياً" أو "فانتازياً" حيث تتقاطع الحقيقة مع الخيال؛ فالبطل في النهاية يختفي مع "رجل فضاء". هذا الهروب الفانتازي ليس مجرد خيال علمي، بل هو تعبير عن "الانسداد الوجودي"؛ فعندما تضيق الأرض بما رحبت، ولا يعود هناك مكان للفلسطيني "الخانع" ولا "المقاوم" في ظل الواقع الراهن، يصبح الفضاء هو الملاذ الوحيد الممكن.

كذلك، تبرز هندسة الزمن الدائري في الرواية بشكل لافت. تبدأ الرواية من حيث تنتهي (اختفاء سعيد)، مما يعزز فكرة الحتمية التاريخية والقدرية التي تغلف حياة "المتشائل". إن استخدام "الاسترجاع الفني" (Flashback) في الكتب الثلاثة (يعاد، باقية، يعاد الثانية) يسمح للكاتب بربط النكبة بالواقع المعاصر، ويربط المأساة الجمعية بالذكريات الفردية للبطل. كما أن إسناد الرسائل لنفسه في البداية ("أبلغ عني أعجب ما وقع لإنسان") هو محاكاة لأسلوب الهمذاني، لكنه هنا يحمل دلالة "الشهادة التاريخية".

إن عبقرية حبيبي السردية تكمن في أنه لم يجعل التراث "قناعاً" يرتديه، بل جعله "لغة" نابضة بالحياة. هو لا يقلد القدماء، بل يستنطقهم ليفضح الحاضر. السخرية السوداء (Black Comedy) التي تغلف السرد هي السلاح الذي يشهرُه في وجه الجلاد؛ فبينما يمتلك الجلاد القوة المادية، يمتلك "المتشائل" (ومن خلفه حبيبي) سلطة اللغة والتهكم التي تحول الهزيمة إلى فعل نقدي مستمر. هذا البناء السردي المعقد جعل من الرواية نصاً "عابراً للأزمنة"، حيث تظل قادرة على توليد المعاني مع كل قراءة جديدة، مؤكدة أن الرواية العربية يمكنها أن تكون عالمية بقدر ما تخلص لجذورها التراثية الخاصة.

المحور الثالث: "ثلاثية النساء" وسيميائية الأرض والمقاومة

لا يكتمل تحليل "المتشائل" دون الوقوف عند البناء السيميائي للشخصيات النسائية، اللواتي يمثلن "البوصلة الأخلاقية" والوطنية التي يفتقدها سعيد. وزّع حبيبي الأدوار الأنثوية في الرواية بذكاء شديد؛ فكل امرأة هي مرحلة من مراحل الوعي الفلسطيني. نبدأ بـ "يعاد الأولى"، حبه الأول في عكا، والتي يمثل اسمها "الوعد" أو "العودة". هي الذاكرة التي طردها الاحتلال وراء الحدود، وبقي سعيد يطارد طيفها. ضياع "يعاد الأولى" هو ضياع الفردوس المفقود، وحالة الفقد التي يعيشها سعيد هي التي دفعته للارتماء في أحضان "الرجل الكبير" بحثاً عن أمان زائف. إنها تمثل فلسطين التي كانت، والتي لا يمكن استعادتها إلا بالتحول الجذري.

ثم تأتي "باقية"، زوجة سعيد وابنة قرية "جسر الزرقاء". اسمها هو المبتدأ والخبر؛ هي البقاء المادي والجسدي على الأرض رغم النكبة. أن "باقية" ليست مجرد زوجة، بل هي حارسة السر. السر الذي أودعه والدها في "الصندوق الحديدي" في كهف بساحل "الطنطورة". هنا تتحول السيميائية من العاطفة إلى الفعل؛ فالصندوق الذي ظنه سعيد كنزاً من الذهب، اكتشفنا لاحقاً أنه يحوي "رشاشاً". إن انتقال "باقية" من الصمت إلى الالتحام بابنها "ولاء" في قاع البحر هو ذروة التضحية. هي الأرض التي تبتلع أبناءها لتحميهم من الأسر. إن غرق باقية مع ابنها ولاء هو "ولادة ثانية" للمعنى؛ فالبقاء لا يكون بالخنوع، بل بالتحول إلى جزء من جغرافيا المقاومة، حتى لو كان ذلك بالاستشهاد غرقاً.

أما "يعاد الثانية" (الابنة)، فهي الوريثة الشرعية لكل هذا الإرث. بظهورها في الكتاب الثالث، يكتمل الوعي. هي التي تواجه سعيد بحقيقته المرة، وترفض منطق "التشاؤل". حين يسألها سعيد عن "نحمة النار" التي ينضج بها الطعام، تذكره بأن "نار الغازي" لا تصنع فرحاً. "يعاد الثانية" هي الجيل الذي لا يحمل عقدة النكبة، بل يحمل إرادة التغيير. إنها تمثل "الفدائي" (أخيها سعيد) الذي التقى به بطلنا في السجن. من خلال هذه الثلاثية، نكتشف أن سعيد ليس بطلاً بالمعنى التقليدي، بل هو "وعاء" تمر من خلاله هذه التجارب النسائية العظيمة. أن النساء في الرواية هنّ القوة الدافعة، وهنّ اللواتي يحولن "نحس" سعيد إلى "ولاء" للأرض، و"يعاد" للحق. حبيبي هنا يقلب الأدوار الجندرية التقليدية؛ فالرجل (سعيد) هو الضعيف والمتردد، بينما المرأة هي الثابتة والمقاومة، مما يعزز فكرة أن الأرض (الأنثى في السرد العربي) هي التي تمنح الشرعية وليس العكس.

المحور الرابع: السخرية السوداء وفك شفرات خطاب الاحتلال

تعد السخرية في "المتشائل" سلاحاً فتاكاً لإعادة قراءة علاقة "العبد بالسيد" أو "المحتَل بالمحتِل". لا يستخدم إميل حبيبي الضحك للترفيه، بل كأداة جراحية لتشريح خطاب القوة الصهيوني وفضح تناقضاته. السخرية هنا هي "سلاح الضعفاء" الذي يحرم القوي من الشعور بالنصر الأخلاقي. يبرز ذلك بوضوح في حوارات سعيد مع "الرجل الكبير"؛ حيث يتم تصوير المحتل ككائن يحاول "عبرنة" الجغرافيا والتاريخ، بينما يقوم سعيد (بتوجيه من حبيبي) بتمثيل دور الساذج الذي يفضح الحقيقة بكلمة واحدة. حين يتشدق الرجل الكبير بمنجزاتهم في تخضير الصحراء، يسأله سعيد ببراءة قاتلة: "ألهذا هدمتم قرى اللطرون وعمواس؟". هذا السؤال ينسف الأسطورة الاستيطانية من جذورها.

يظهر الذكاء الحبيبي في "تحريف الأمثال". حين يقول الرجل الكبير: "والذي فات مات، وهو مثل أمريكي من أصل ألماني"، ندرك حجم السطو الثقافي. حبيبي يسخر من محاولة الاحتلال نسب الثقافة الإنسانية (وحتى الأمثال العربية) لنفسه أو لمصادر غربية. هذه السخرية السوداء تصل ذروتها في تشخيص حالة الفلسطيني داخل إسرائيل؛ فهو مواطن "بفضل حمار" (الحمار الذي تلقى الرصاص بدلاً من سعيد). إن تحويل الوجود الإنساني إلى "فضلة حمار" هو قمة الهجاء السياسي للواقع المفروض. السخرية هنا تعمل كـ "منزِع للأقنعة"؛ فهي تنزع قناع الديمقراطية عن الدولة الجديدة، وتنزع قناع الرضا عن وجه سعيد.

كذلك، يستخدم حبيبي السخرية لمساءلة الذات العربية. فحين يرفع سعيد علم الاستسلام فوق "عصا مكنسة"، هو لا يسخر من نفسه فقط، بل يسخر من الهزيمة العربية الشاملة (نكسة 67) والنداءات التي طالبت المهزومين برفع الرايات البيضاء. تكمن المفارقة في أن هذا الفعل "الخانع" يقود سعيد إلى السجن بتهمة "التحريض"، لأن السلطة ترى في رفع العلم الأبيض فوق حيفا اعترافاً بأنها مدينة محتلة! هذه الكوميديا العبثية تجسد مأزق الفلسطيني؛ فهو مدان إذا قاوم، ومدان إذا استسلم. إن السخرية في "المتشائل" هي التي تمنح النص طابعه "المتعدد الأصوات" ، حيث تتحاور النصوص التراثية مع الواقع العبثي لتنتج خطاباً نقدياً لا يرحم. في النهاية، السخرية هي التي تمنع سعيد من الانهيار التام، وهي التي تمنح القارئ المسافة الضرورية ليرى بشاعة الواقع دون أن يصاب بالعمى. لقد حول حبيبي "الوجع" إلى "ضحك كالبكاء"، محولاً الرواية من مجرد سرد لقصة شخص مأزوم إلى "وثيقة إدانة" كونية لكل أشكال القهر الاستعماري

المحور الخامس: الخاتمة وفلسفة (الغيمة والشمس) – التلاشي كفعل وعي

تنتهي رحلة "المتشائل" في نقطة تتجاوز الواقع المادي لتدخل في رحاب الرمزية المطلقة. اختفاء سعيد أبي النحس مع "رجال الفضاء" ليس مجرد نهاية فانتازية لقصة خيالية، بل هو إعلان عن "الانسداد الوجودي" للفرد الذي حاول التماهي مع الجلاد ففشل، وحاول الانتماء للمقاومة فخاف. إن "الاختفاء" هنا هو الحل الوحيد لشخصية لم يعد لها مكان على الخريطة؛ فلا هي قادرة على العودة إلى "يعاد" الأولى (الماضي)، ولا هي قادرة على العيش في "إسرائيل" (الحاضر المزيف). يضعنا حبيبي أمام مستوى مغرق في السوداوية حين يلمح في الصفحات الأخيرة إلى أن كاتب هذه الرسائل قد يكون مجرد نزيل في مستشفى للأمراض النفسية، مما يجعل كل ما قرأناه "هذيانًا" لشخص فقد عقله تحت وطأة الصدمة. هذا التشكيك في وجود البطل يرفع الرواية إلى مصاف الأدب الوجودي؛ فالفلسطيني في "المتشائل" يتأرجح بين الوجود (ككائن بيولوجي) والعدم (ككيان سياسي وهوياتي ممسوخ).

ومع ذلك، فإن السواد الذي يغلف النهاية يخرقه شعاع ضوء قوي يأتي على لسان "يعاد الثانية". في الحوار الأخير، حين يطير سعيد مع شيخ الفضائيين، يرى "يعاد" ترفع رأسها وتقول جملتها الخالدة: "حين تمضي هذه الغيمة تشرق الشمس!". هنا يكتمل بناء المعنى السيميائي؛ سعيد (بكل ما يمثله من خنوع وتردد وتشاؤل) هو "الغيمة". هو المرحلة التاريخية التي غطت سماء فلسطين بصمتها ومداهنتها للاحتلال. أما "الشمس" فهي الجيل الجديد، جيل "ولاء" و"يعاد الثانية"، الذي لا يقبل الحلول الوسط. يترك حبيبي، رغم سخريته المرة،  لنا نبوءة سياسية واضحة: إن زوال حالة "التشاؤل" هو الشرط الأساسي والوحيد لإشراق فجر الحرية.

إن الرسائل التي بعث بها سعيد إلى "المحترم" (الذي قد يكون هو الكاتب نفسه أو القارئ العربي) هي وصية أخيرة. هي دعوة لنبذ "التشاؤل" كمنهج حياة. لقد أدان حبيبي بطلَه في الختام، معتبرًا أن صمته وخنوعه كانا جزءًا من المأساة، لكنه في الوقت ذاته منحه "شرف المحاولة" في نقل الحقيقة عبر السخرية. في ختام العمل، ندرك أن "المتشائل" ليس مجرد رواية عن شخص، بل هي تأريخ سيكولوجي لشعب بأكمله مر بمرحلة "الغيمة". واليوم، ونحن نقرأ هذه الرواية بعد عقود من صدورها، نجد أن فلسفة حبيبي لا تزال نابضة؛ فالغيمة قد تطول، والتشاؤل قد يطغى، لكن حركة التاريخ -كما تصر "يعاد"- تمضي نحو الشمس. إن إميل حبيبي، بهذا الختام الملحمي، لم ينهِ روايته بل فتحها على مصراعيها أمام المستقبل، مؤكدًا أن الأدب العظيم هو الذي يعرف كيف يحول الهزيمة الشخصية إلى وعي جمعي قادر على اجتراح المعجزات.

استدراك منهجي: التحليل العاملي وبنية الصراع الوجودي

لتعميق فهمنا لرحلة سعيد أبي النحس، يمكننا تفكيك بنية الرواية وفق "النموذج العاملي" لـ (جريماس)، حيث لا تظهر الشخصيات كمجرد شخوص ورقية، بل كقوى محركة للمعنى. في هذا الإطار، يبرز سعيد كـ "ذات باحثة" تائهة، يقع "موضوع بحثها" في البداية ضمن دائرة "البقاء المادي والأمان الزائف". لقد كان هدف سعيد الأول هو التكيف مع الواقع الجديد بأي ثمن، ولو كان ذلك على حساب كرامته.

إلا أن هذا المسعى يصطدم بـ "عوامل معيقة" مركبة؛ فمن جهة هناك "السلطة العسكرية" (الرجل الكبير) التي لا تمنح الأمان بل تمنح الإذلال، ومن جهة أخرى هناك "التمزق الداخلي" لسعيد الذي يعيش هوية مشوهة. وفي المقابل، تبرز النساء (يعاد وباقية) كـ "عوامل مساعدة" تحاول سحب سعيد من دائرة الخنوع إلى دائرة الوعي.

إن التحول الجذري في الرواية يكمن في "انزياح الهدف"؛ فبينما بدأ سعيد رحلته باحثاً عن "الحياة تحت ظل الجلاد"، انتهى به الأمر إلى تغيير "موضوع البحث" ليصبح "الخلاص الوجودي". هذا التحول هو الذي جعل النهاية تخرج عن نطاق المنطق الواقعي إلى النطاق الفانتازي (الاختفاء مع الفضائيين). فالسيميائية هنا تخبرنا أن "الذات" حين تعجز عن تحقيق هدفها في واقع محاصر، فإنها تختار "التلاشي" كفعل احتجاجي أخير، محولةً الهزيمة الشخصية إلى إدانة عليا لـ "العامل المعيق" الذي جعل الحياة على الأرض مستحيلة.

التحول السردي (تطور المعنى)

التوصيف في رواية "المتشائل"

العنصر العاملي

يبدأ كشخص يبحث عن "الرضا" الخارجي، وينتهي كشخص يبحث عن "الخلاص" الداخلي.

سعيد أبي النحس

الذات الباحثة (Subject)

في البداية كان الهدف "الأمان المادي"، ثم تحول إلى "الأمان الهوياتي".

الأمان والبقاء

الموضوع/الهدف (Object)

القوة التي تدفع سعيد للتحرك هي الرغبة في استعادة ما ضاع.

النكبة / الذاكرة

العامل المُرسِل (Sender)

المستفيد هو وعي سعيد الذي نضج، والجيل الجديد.

سعيد والجيل الجديد

العامل المُستقبِل (Receiver)

هنّ من منحوا سعيد القوة والوعي لمواجهة واقعه.

النساء (باقية، يعاد)

العامل المساعد (Helper)

ليس فقط الاحتلال، بل أيضاً خوف سعيد وخنوعه الذاتي.

السلطة العسكرية والتمزق الداخلي

العامل المعيق (Opponent)

 

The Secret Life of Saeed: The Ill-Fated Pessoptimist (known as The Pessoptimist) is a seminal masterpiece of modern Arabic literature, written by the Palestinian author Emile Habibi in 1974. The novel introduces the brilliant linguistic invention of "Pessoptimism"—a hybrid of pessimism and optimism—to describe the absurd, surreal, and tragic reality of Palestinians who remained in their lands after the 1948 Nakba (the "1948 Arabs").

The story follows the life of Saeed, a man who navigates life under Israeli military rule through a strategy of extreme submissiveness and "Pessoptimism." He thanks God when something bad happens because "it could have been worse." Structured as a series of 44 letters to a mysterious "Respected Person," the narrative breaks away from traditional Western novel forms, drawing heavily on classical Arabic heritage like the Maqamat, folklore, and Sufi symbolism, while blending them with modern dark humor and elements of science fiction.

The novel is divided into three symbolic books:

1.    Yuad: Named after his first love, representing the lost memory and the impossible return to the past.

2.    Baqiya: Named after his wife, representing the physical "remaining" on the land. Her secret—a hidden chest in a cave—shifts from a dream of wealth to a reality of armed resistance when their son, Walaa, chooses martyrdom over surrender.

3.    Yuad the Second: Representing the new generation that confronts Saeed’s cowardice with a defiant revolutionary spirit.

Ultimately, Saeed’s journey ends in a surreal disappearance with "extraterrestrials." This ending serves as a powerful metaphor for the existential "dead-end" faced by those caught between collaboration for survival and the burning desire for liberation. Through biting satire and linguistic mastery, Habibi exposes the contradictions of the occupation and immortalizes the Palestinian struggle to maintain identity in a world that tries to erase it.

 

 

#المتشائل #إميل_حبيبي #أدب_فلسطيني #نقد_أدبي #رواية #فلسطين #تحليل_رواية

 #ThePessoptimist #EmileHabibi #PalestinianLiterature #LiteraryCriticism #ArabicFiction #Dubshikblog#

 



[1] كانديد أو التفاؤل . بالفرنسية. Candide ou l’Optimisme رواية فلسفية   خيالية من أشهر روايات الأديب الفرنسي فولتير. كتبها عام 1759ترجمها إلى العربية عادل زعيتر عام 1955. تدور أحداث القصة حول شاب بريء عاش وترعرع في منزل خاله الذي أسند تعليمه إلى معلم اسمه الأستاذ بانغلوس. رسخ فيه فكر التفاؤل وحسن النية داخله مما عزله عن العالم الخارجي وجعله يتوسم الخير في الجميع ويثق بهم وينظر للحياة بنظرة مشرقة للغاية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رباعية مقبرة الكتب المنسية لكارلوس زافون : الحبكة، الأسطورة، والمدينة الحية

القصة القصيرة: الذرّةُ التي تختصر الكون — قراءة في الرؤية السردية عند محمد خضيّر

نيقولاي ليسكوف: الحكاية الشعبية والفلسفة الإنسانية في الأدب الروسي