رواية وليد مسعود: قيامةُ الشَّبحِ في مَنفى الكَلِمات

 

جبرا ابراهيم جبرا


بينَ بَلاغَةِ بَغداد وبَهارِ بَيتِ لَحم، ضاعَ رَجُلٌ يُشبهُنا جَميعاً، بَنى مِنَ الخَيبَةِ قُصوراً مِنَ المال، ومِنَ الوَجَعِ قَصائِدَ لا تَنتهي، في "البحث عن وليد مسعود"، نُطاردُ ظِلَّنا الهارِبَ نَحوَ الحُدود، ونُدرِكُ أنَّ السُّؤالَ لا يَموتُ.. حَتَّى لو صَمَتَ الرَّصاصُ ونَطَقَ الحَجَر.



المقدمة: أبستمولوجيا المنفى وإعادة تشكيل الوعي الفلسطيني

لا يمكن قراءة رواية "البحث عن وليد مسعود" بمعزل عن الرؤية الفلسفية التي طرحها الدكتور عبد الوهاب المسيري حول "الأيديولوجية الصهيونية"؛ فالصراع في جوهره ليس صراعاً على الجغرافيا فحسب، بل هو صراع على "الوجود والوعي". يرى المسيري أن المشروع الصهيوني سعى لتمزيق "المواطن العربي" وتحويله إلى كائن غائب أو متخلف تاريخياً، وهنا تبرز أهمية نص جبرا إبراهيم جبرا كفعل مقاومة أدبي يسعى لاستعادة هذا "المواطن الغائب" ومنحه أبعاداً خارقة تتحدى محاولات المحو. الرواية ليست مجرد حكاية عن رجل اختفى، بل هي استنطاق لمفهوم "الشتات" في أرقى تجلياته الأدبية. إنها محاولة لإقحام الواقع الفلسطيني، بشقيه المأساوي والبطولي، داخل المادة السردية، ليصبح النص نفسه هو "الوطن البديل" أو "المختبر" الذي تُعاد فيه صياغة الهوية الفلسطينية بعد صدمة الاقتلاع عام 1948.

من هنا، ندرك أن اختيار جبرا لبطله "وليد مسعود" ليكون مثقفاً ورجل أعمال وعاشقاً، لم يكن من قبيل الصدفة، بل هو رد فعل جمالي على صورة "اللاجئ المنكسر". جبرا، الذي عاش المنفى في بغداد وحمل معه ذاكرة "بيت لحم"، أراد أن يثبت أن الفلسطيني في شتاته هو قوة دافعة، كائن "سوبر" يمتلك القدرة على التفوق في شتى المجالات (المال، الأدب، الجنس، السياسة). هذا "الاستعلاء السردي" هو وسيلة دفاعية لمواجهة "أثر الاغتراب" على الذات والجماعة. فالفلسطيني في الرواية ليس ضحية سلبية، بل هو محور حراك المجتمع الذي يحل فيه، يثير الغيرة والحسد بقدر ما يثير الإعجاب. إن الرواية تطرح سؤالاً وجودياً: هل يكفي النجاح المادي والثقافي في المنفى لإخماد نار "سؤال الوطن"؟ الإجابة تكمن في "الخروج من الواقع" الذي مارسه وليد مسعود، وهو خروج لا يتوفر على خيارات كثيرة سوى "المقاومة" وجدلية "العودة". إننا أمام نص لا يكتفي بالوصف، بل يمارس عملية "بناء متخيل" للذات الفلسطينية، لتكون قادرة على مواجهة "لعنة القومية" والضياع في متاهات الهوامش الدولية.

القسم الأول: "وليد مسعود".. أسطره البطل الغائب وتعدد المرايا السردية

تعتبر بنية الشخصية في "البحث عن وليد مسعود" طفرة في الرواية العربية؛ حيث يغيب البطل جسدياً منذ الصفحة الأولى، ليصبح "شبحاً" يحرك الأحداث والذكريات. هذا الغياب الفيزيائي هو معادل موضوعي لغياب "فلسطين" عن الخارطة، وحضورها الطاغي في الوجدان. وليد مسعود لا يحكي عن نفسه إلا من خلال "شريط تسجيل" ملغز، بينما تُركت مهمة رسم ملامحه لعشر شخصيات أخرى (أصدقاؤه، عشيقاته، خصومه). كل شخصية تقدم لنا "وليداً" مختلفاً بناءً على زاوية رؤيتها، مما يحول الرواية إلى "أحجية" أو "لوحة موزاييك" نجمع قطعها قطعة قطعة. هذا التعدد في الأصوات يعكس "التشظي الفلسطيني"؛ فكل مغترب يرى في وليد جزءاً من ذاته المفقودة أو طموحه الموءود.

يظهر وليد في مرايا الآخرين كإنسان متفوق بشكل "تراجيدي"؛ فهو الرجل الخمسيني الجذاب الذي تقع النساء في غرامه، وهو المبدع الذي يمتلك ناصية الكلمة، وهو المصرفي البارع الذي يحقق الثراء للجميع. لكن خلف هذا "القناع" البرجوازي، يسكن "وليد" المأزوم بذاكرة طفولته في فلسطين. يبرز هنا "الصراع الخفي" بين قوتين متضادتين داخل الشخصية: قوة تنطلق من واقع الشتات (النجاح المادي في بغداد)، وقوة تنطلق من الحلم والخيال (التعلق بالماضي وأسئلة المستقبل). هذا التناقض أنتج شخصية معقدة للغاية، شخصية "خطر" كما يصفها البعض، لأنها قادرة على "الاتصال والانفصال" عن مجتمع الشتات في وقت واحد. إن ذكاء وليد الفطري وعمله الذي لا ينقطع كـ "الطاحونة" هو وسيلته لمقاومة الفناء والتلاشي. إن جبرا إبراهيم جبرا يحاول من خلال هذه "الأسطرة" أن يمنح الفلسطيني "قيامة" تشبه قيامة السيد المسيح؛ فبطلنا ابن "بيت لحم"، وغيابه الغامض ليس موتاً بل هو "رحيل" نحو فعل أعلى، نحو "المقاومة" التي ظل يمارسها سراً في العمق المحتل بينما كان الجميع يظنونه غارقاً في ملاذات بغداد وبيروت ولندن. إن "وليد مسعود" هو الرمز الذي لا يموت، لأنه يمثل الروح الفلسطينية التي ترفض الاستقرار في "المنفى الدافئ".

القسم الثاني: "شريط الكاسيت" والأثر اللغوي.. صرخة بين التخوم

يمثل "شريط التسجيل" الذي تركه وليد مسعود في سيارته المركونة على الطريق الصحراوي بين بغداد ودمشق، جوهر العمل الفلسفي والسردي. هذا الشريط هو "الوصية" أو "الشهادة" التي تتأرجح بين العبثية والواقعية، وبين الرومانسية والعنف. نص الشريط كتبه جبرا بأسلوب "تيار الوعي"، بلا فواصل أو علامات ترقيم، ليعكس حالة "التدفق الوجداني" لبطل قرر أن يكسر كل القيود. من زاوية "أبستمولوجيا"، يبدو هذا الفعل (ترك التسجيل والاختفاء) علامة على البقاء؛ إنه "حيلة سيميائية" تهدف لرسم حدود داخل الحدود، وتكريس لحالة "البينية" التي يعيشها المشتتون العالقون بين التخوم. وليد لم يختفِ صمتاً، بل اختفى تاركاً خلفه "أثراً لغوياً" صاخباً، ليؤكد أن الكلمة هي السلاح الأخير الذي لا يمكن للسلطة أو المنفى مصادرته.

في هذا التسجيل، نجد وليداً يتحدث بسرعة وكثافة، يخلط بين ذكريات طفولته وهروبه مع رفاقه إلى "الكهف" للتعبد، وبين تأملاته في الحب والحياة والموت. حادثة "الاعتكاف في الكهف" (أصحاب الكهف) التي رواها وليد، تحمل دلالة رمزية عميقة على الرغبة في "تحقير العالم" المادي الهش والبحث عن تواصل وجداني أسمى. إن هذا الهروب المبكر في الطفولة كان اختباراً لـ "هول الشتات" القادم؛ حيث اكتشف وليد أن العالم "ناقص ولا يمكن أن يكتمل". الكلمات في الشريط ليست مجرد "فراغ"، بل هي كما يصفها جبرا (نقلاً عن هاملت شكسبير) "أروع ما وهب الله الإنسان". إنها "المقاومة باللغة" التي تجعل من الشخص الغائب حاضراً بقوة تفوق الوجود الفيزيائي. إن شريط الكاسيت هو "الجسر" الذي يرفض الانهدام، وهو الأداة التي استخدمها وليد مسعود ليقول لأصدقائه وللعالم: "أنا لست نتاج صدفة، أنا نتاج تاريخ من الوجع والمقاومة". ومن خلال هذا النص "المجنون" في الشريط، نلمس كيف يتوحد الشفاهي مع الكتابي، والمنطوق مع المكتوب، ليصبح التسجيل هو "المنفى الذاتي" الذي اختاره وليد ليعلن منه "بداية فعل حركي" جديد، يتجاوز رتابة الحياة البرجوازية نحو أفق المقاومة والعودة.

القسم الثالث: ديناميكية الأجيال.. من "فرحان" الصمود إلى "مروان" الشهادة

ترتكز رواية الشتات الفلسطيني عند جبرا على خط تاريخي أساسه "ديناميكية الأجيال"، حيث ينسج الكاتب خيوطاً تربط بين الماضي والحاضر والمستقبل عبر ثلاث شخصيات مركزية من عائلة مسعود.

1. جيل الماضي (فرحان مسعود - الأب) يمثل هذا الجيل "التكوين الأولي" قبيل الاقتلاع. فرحان هو "العربجي" قوي البنيان، الذي يورث ابنه وليداً صلابة الجسد وعناد الروح. حضوره في الرواية يأتي عبر "النوستالجيا" وذكريات الطفولة في فلسطين؛ حيث كان وليد يراقبه وهو يعمل بجلد لسد رمق الأسرة. فرحان هو رمز للصمود الفطري، والتمسك بالقيم الاجتماعية التي كانت سائدة قبل النكبة، وهو المرجعية الواقعية التي يستمد منها وليد هويته الأولى.

2. جيل الحاضر (وليد مسعود) هو الشخصية التي عايشت النكبة والاقتلاع، واضطرت لإعادة صوغ ذاتها في وعي جديد قوامه "المنفى". وليد هو "الفلسطيني المرتبك" والناجح في آن واحد؛ فهو الذي حقق "الثراء" و"الحظوة" في بغداد، لكنه ظل يمارس "التعويض" عن فقدان الوطن عبر التفوق الجنسي والثقافي والمالي. وليد يمثل "البرزخ" أو المرحلة الانتقالية التي تحاول "تجاوز الألم" عبر بناء "حاضر طارئ" لكنه متفوق، بينما يظل قلبه معلقاً بشجرة اللوز في بيت لحم.

3. جيل المستقبل (مروان مسعود - الابن) هنا نصل إلى "ذروة الفعل"؛ مروان هو الذي يقرر ترك دراسته في لندن وباريس، ليلتحق بالمنظمات الفدائية في بيروت. إذا كان وليد قد قاوم بالكلمة والمال والتفجيرات السرية، فإن مروان يقاوم "بجسده" علانية. استشهاد مروان في عملية فدائية هو الذي يعيد توجيه بوصلة والده (وليد) نحو العودة النهائية.

هذا التسلسل الجيلي يؤكد أن القضية الفلسطينية ليست مجرد "ذكرى" يتداولها الآباء، بل هي "فعل تراكمي". وليد مسعود يسرد أحداث طفولته بتجرد، لكنه يرى في ابنه مروان "المستقبل المنصهر في فعل الحب والمقاومة". إن الصراع بين "فرحان" و"مروان" يتوسطه "وليد" كحلقة وصل قلقة؛ فبينما كان مروان يحاول ثني والده عن العودة للعمل المسلح "لأنه تقدم في السن وقام بواجبه"، كان وليد يشعر أن "دوره لم ينتهِ بعد". إن مروية الأجيال في الرواية هي نفي صارخ للرواية الصهيونية التي راهنت على نسيان الأجيال الجديدة؛ فمروان الحفيد هو الأكثر تمسكاً بالبندقية، ووليد الابن هو الأكثر تعمقاً في فلسفة العودة.

القسم الرابع: "بغداد" كفضاء للمنفى وتجلٍ للتنوع الثقافي

لم يكن اختيار جبرا إبراهيم جبرا لمدينة "بغداد" كمكان لأحداث الرواية اعتباطياً، بل هو اختيار مشحون بالدلالات السياسية والثقافية. بغداد في الرواية هي "خاصرة العروبة" والملاذ الذي احتضن النخبة الفلسطينية بعد النكبة. يصور جبرا "بغداد الأليفة" ما قبل الحروب، حيث يغلي المجتمع المدني بالحس القومي والوطني بعيداً عن الطائفية. في هذا الفضاء، تتمازج الشخصية الفلسطينية مع العراقية، وتصبح بغداد "المسرح التخيلي" الذي يمارس فيه وليد مسعود نجاحاته وانكساراته. لكن هذا الاحتضان لا يخلو من "الإشكالات"؛ فالفلسطيني المقتلع، رغم مساهماته الحضارية، يظل "الآخر" الذي يثير الريبة. نلمس في حوارات الشخصيات العراقية (مثل جواد وكاظم وعامر) مزيجاً من الإعجاب والغيرة والشماتة تجاه وليد مسعود.

يظهر وليد في بغداد كـ "فلسطيني خارق" يثري البلد المضيف؛ فهو ليس "عالة" أو "لاجئاً بائساً"، بل هو "الباني والمجدد والمحرك للضمير العربي". إن الرواية تؤكد على "التنوع الثقافي والديني" الفلسطيني؛ فجبرا (المسيحي الذي نشأ في بيت لحم وعاش في العراق) يبرز في روايته أن فلسطين هي موطن للمسلمين والمسيحيين، وتاريخها متداخل. وليد مسعود نفسه كان مشروع راهب كاثوليكي في صباه قبل أن يختار المسار الدنيوي. هذا التنوع هو "فعل مقاومة للنسيان"، وتأكيد على أن الهوية الفلسطينية هي هوية حضارية شاملة لا تقتصر على عرق أو دين.

علاوة على ذلك، فإن بغداد تمثل لوليد مسعود "النجاح الذي لا يعوض عن الوطن". ورغم حصوله على الجنسية العراقية وتغلغله في مفاصل المجتمع، يظل وليد مسعود "موزعاً" بين حب بغداد والحنين للقدس. إن رحيله النهائي واختفاءه على الحدود هو إعلان بفشل "الاندماج الكامل" في المنفى؛ فالجنسية والمال والجاه لم تستطع إخماد "نار السؤال الأكبر". إن الرواية تقدم بغداد كمرآة تعكس حال الوجع العربي العام؛ حيث تلتقي النكبة الفلسطينية بالاضطرابات السياسية العراقية (وإن لم يذكرها جبرا صراحة) لتشكل في النهاية "تاريخاً حميماً" لبلاد كانت تسمى فلسطين، وصارت تسمى فلسطين، وستبقى تسمى فلسطين في قلوب أبنائها المشتتين الذين يرفضون النسيان كوليد مسعود.

 

#جبرا_إبراهيم_جبرا #وليد_مسعود #أدب_الشتات #الرواية_الفلسطينية #نقد_أدبي #فلسفة_المنفى #أدب_المقاومة

#JabraIbrahimJabra #InSearchOfWalidMasoud #PalestinianLiterature #ExileLiterature #LiteraryCriticism #Dubshikblog#

 

Title: In Search of Walid Masoud: The Ghostly Resurrection of the Palestinian Intellect

Jabra Ibrahim Jabra's masterpiece, "In Search of Walid Masoud" (1978), stands as a cornerstone of modern Arabic literature, offering a profound psychological and philosophical mapping of the Palestinian diaspora. The novel breaks traditional narrative structures through its polyphonic technique, where the protagonist, Walid Masoud, never physically appears. Instead, he exists as a "ghostly center," reconstructed through the subjective testimonies, memories, and biases of those who knew him in his Baghdadi exile .

Core Analytical Pillars

The Philosophy of Absence: The novel begins with Walid's mysterious disappearance at the border between Iraq and Syria, leaving behind a complex, stream-of-consciousness tape recording. This absence serves as a poignant metaphor for Palestine itself-physically lost from the map but overwhelmingly present in the collective consciousness .

The "Superman" Complex: Unlike early refugee literature that focused on victimhood, Jabra presents Walid as an overachiever. He is a successful banker, a brilliant intellectual, and a magnetic lover. This "existential superiority" is analyzed as a psychological defense mechanism against the indignity of displacement; the Palestinian must excel in every field to validate their existence in a world that seeks to erase them.

Generational Dynamics: The narrative tracks three generations of the Masoud family. From the father Farhan (the rooted past), to Walid (the conflicted, intellectual present), to the son Marwan (the resistant future). Marwan's decision to join the armed struggle and his subsequent martyrdom acts as the catalyst that forces Walid to abandon his bourgeois life and seek a "final return" through the borders

The Lyrical Testimony: The tape recording left in Walid's car is a linguistic tour de force. Lacking punctuation and structured logic, it reflects the "unbounded" nature of the exiled soul. It merges childhood memories of Bethlehem with philosophical inquiries into love, capitalism, and resistance, proving that language is the ultimate homeland for the displaced.

Cultural Pluralism: Jabra highlights the rich, diverse fabric of Palestinian identity. Walid, a Christian-born intellectual who studied at Cambridge and Harvard and found refuge in the melting pot of Baghdad, represents a secular, sophisticated, and deeply rooted Arab identity that challenges Zionist narratives of "a land without a people.”

Conclusion: Ultimately, the search for Walid Masoud is a search for a lost nation. The novel concludes that neither wealth nor academic success can substitute for the soil of one's birth. Walid's disappearance is not an end, but a "Semiotic Resurrection," suggesting that the Palestinian cause remains an open-ended question that can only be answered through the act of return.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رباعية مقبرة الكتب المنسية لكارلوس زافون : الحبكة، الأسطورة، والمدينة الحية

القصة القصيرة: الذرّةُ التي تختصر الكون — قراءة في الرؤية السردية عند محمد خضيّر

نيقولاي ليسكوف: الحكاية الشعبية والفلسفة الإنسانية في الأدب الروسي