"رجال في الشمس": تشريح العجز الفردي
تصدير: عن
المنهج والأمانة الفكرية
لا ينفصل النقد
الأدبي عن هندسة البناء؛ ولأن رواية 'رجال في الشمس' هي
نصٌّ مسبوكٌ بصرامةٍ رياضية، فقد اخترتُ في هذا المقال أن أتوسّل بـ 'المخطط
العاملي' للناقد الألسني 'أولجيرداس
جريماس' كإطار عمل لتفكيك بنية العجز في الرواية.
وإنني في هذا المسعى، أستندُ إلى الرؤية المنهجية الرصينة التي أرساها الدكتور إبراهيم
خليل في تطبيقاته البنيوية على أدب غسان كنفاني.
إنَّ الغرض من
استدعاء هذه الأدوات النقدية ليس مجرد الرصد الأكاديمي الجاف، بل هو محاولة
لاستثمار تلك المناهج في كشف المأساة الإنسانية والوجودية التي صاغها كنفاني؛ لنرى
كيف تتحول المصطلحات (كالذات، والموضوع، والمعاكس) من مجرد مفاهيم لغوية إلى جثثٍ
تصرخُ في وجه الصمت، ولنعيد قراءة النص بروح موقع دوبشيك حيث نبحث دائماً عن
الإنسان المختبئ خلف جدران الخزان.
في السياق
النقدي العربي، لم يكن استخدام نموذج "جريماس" (Greimas)
مجرد ترف فكري، بل كان محاولة لتشريح بنية الرواية العربية بعيداً عن الانطباعات
العاطفية. وبالتحديد عند الحديث عن رواية "رجال في الشمس" لغسان
كنفاني، برزت أسماء نقدية وازنة اعتمدت هذا المنهج (أو تقاطعت معه بشكل عميق)
لإعادة قراءة النص.
من أبرز النقاد
الذين وظفوا هذا النموذج أو قاربوا الرواية بنيوياً وألسنياً:
1. النقاد
الأكاديميون في المغرب العربي
يعتبر المغرب
العربي (خاصة المغرب والجزائر) المعقل الأول والمختبر الأساسي لتطبيق المناهج
الألسنية الفرنسية على الأدب العربي.
- سعيد
يقطين: رغم تركيزه الأكبر على "تحليل الخطاب
الروائي"، إلا أنه من الرواد الذين رسخوا المفاهيم البنيوية في نقد
الرواية العربية، مستفيداً من أطروحات جريماس في تحليل القوى الفاعلة.
- حميد
لحمداني: في كتابه "بنية النص الروائي"، قدم
رؤى منهجية تقترب من النموذج العاملي لجريماس في فهم كيف تتحرك الشخصيات
كوظائف (عوامل) داخل النص.
2. رضوى عاشور
(في كتابها: الطريق إلى الخيمة الأخرى)
على الرغم من أن
رضوى عاشور تمزج في نقدها بين البعد التاريخي والسياسي والجمالي، إلا أنها في
دراستها لغسان كنفاني استخدمت أدوات قريبة جداً من "المخطط العاملي".
لقد حللت الشخصيات ليس كأفراد، بل كـ "نماذج وظائفية" (العاجز، المستغل،
الضائع)، وناقشت انتقالهم من "عالم البراءة" إلى "عالم التجربة
الكريهة"، وهو تحليل يتقاطع مع منطق جريماس في تحول "الذات" عبر
"المسارات السردية".
3. فيصل دراج
يعد من أهم من
حلل "وعي" الشخصيات عند كنفاني. ورغم خلفيته الماركسية والواقعية، إلا
أنه وظف البنيوية لفهم علاقة "الذات" بـ "الموضوع". لقد شرح
كيف أن "الذات الفلسطينية" عند كنفاني كانت تتحرك تحت ضغط
"مرسل" تاريخي عنيف، وهو ما ينسجم تماماً مع توزيع العوامل عند جريماس.
4. الدراسات
الأكاديمية والرسائل الجامعية
بسبب إحكام
البناء في "رجال في الشمس"، أصبحت الرواية "عينة قياسية" في
الجامعات العربية لتدريس المخطط العاملي (Le Modèle
Actantiel). عشرات
الباحثين استخدموا نموذج جريماس تحديداً لتفسير "العجز" في الرواية:
- الذات:
(أبو قيس، أسعد، مروان).
- الموضوع:
(الكويت/الخلاص المادي).
- المساعد:
(أبو الخيزران - المساعد المعطوب).
- المعاكس:
(الصحراء، الخزان، رجال الحدود).
لماذا ينجذب
النقاد لهذا النموذج عند قراءة كنفاني؟
النقاد يفضلون
نموذج جريماس في "رجال في الشمس" لأن الرواية "هندسية"
بامتياز. كنفاني لم يكتبها بعشوائية، بل صممها بحيث يكون كل "عامل"
معاكس (كالخزان) هو الذي يقرر مصير "الذات". استخدام هذا النموذج يساعد
الناقد على إثبات أن الفشل في الرواية لم يكن صدفة، بل كان نتيجة حتمية
لخلل في "منظومة العوامل" (غياب المساعد الحقيقي، وضعف إرادة الذات).
هناك اسم
أكاديمي بارز ارتبط اسمه بتطبيق "المنهج البنيوي" ونموذج
"جريماس" (Greimas) تحديداً
على رواية "رجال في الشمس"، وهو الناقد والباحث
د. إبراهيم خليل
في
كتابه المرجعي "بنية النص
الروائي"، وفي دراسات أكاديمية أخرى، قام د. إبراهيم
خليل بتشريح رواية "رجال في الشمس" باستخدام المخطط العاملي
(The Actantial Model) لجريماس. لقد
كان من أوائل الذين نقلوا الرواية من مجرد "تحليل سياسي انطباعي" إلى
"تحليل بنيوي ألسني" دقيق.
كيف طبق إبراهيم
خليل نموذج جريماس على الرواية؟
حلل د. إبراهيم
خليل القوى الفاعلة في الرواية كالتالي:
1.
الذات
(The Subject): تمثلت في الأبطال الثلاثة (أبو قيس،
أسعد، مروان)، لكنه ركز على أنهم "ذات جماعية" تعاني من التمزق.
2.
الموضوع
(The Object):
وهو
"الكويت"، واعتبرها القيمة التي تسعى الذات لامتلاكها لتعويض الفقد.
3.
المرسل
(The Sender (or Addresser)): هو
"النكبة" أو الظرف التاريخي الضاغط الذي دفعهم للرحيل.
4.
المساعد
(The Helper):
وهنا
تكمن عبقرية التحليل، حيث اعتبر "أبو الخيزران" مساعداً
"معطوباً" أو "سلبياً" أدى دوره إلى تدمير الذات بدلاً من
إنقاذها.
5.
المعارض/المعاكس
(The Opponent (or Opposer)): تمثل في
"الصحراء" و"الخزان" و"رجال الحدود" و"عامل
الزمن".
من الأسماء الأخرى
الهامة في هذا السياق:
- د. مرسل
فالح العجمي: في
دراساته حول "بنية الرواية"، أشار إلى أن غسان كنفاني في "رجال
في الشمس" صمم شبكة عوامل محكمة تجعل من "الفشل" نتيجة بنيوية
حتمية، وهو ما يتماشى تماماً مع أطروحات جريماس.
- النقاد
المغاربة (مثل سعيد يقطين وحميد لحمداني): رغم
أنهم قد لا يخصصون كتاباً كاملاً لرواية واحدة، إلا أنهم في تنظيرهم لـ
"القوى الفاعلة" ) وهو
المصطلح العربي المقابل لـ Actants عند جريماس ( استشهدوا مراراً برواية "رجال
في الشمس" كنموذج تطبيقي مثالي لبنية "الرحلة والفشل".
لماذا نذكر هذه
الأشياء ؟
عندما تذكر د.
إبراهيم خليل والأخرين فقط للتذكير باننا لا نستخدم نموذجاً فرنسياً (جريماس) بشكل
عشوائي، بل نستند إلى مدرسة نقدية عربية رصينة قامت بملاءمة هذا المنهج مع خصوصية
الأدب الفلسطيني المقاوم.
سؤال جوهري يمس
لبّ العمل النقدي والأدبي. إذا كان الدكتور إبراهيم خليل (أو غيره من النقاد
الأكاديميين) قد استخدم نموذج "جريماس" لتفكيك الرواية بنيوياً، فما
الذي سنفعله نحن هنا؟ وما القيمة المضافة التي سيقدمها مقالنا ؟
الفارق يكمن في "الغرض
من التحليل". الأكاديمي
يستخدم النموذج لإثبات نظرية، أما نحن فنستخدمه كعدسة مكبرة لنكشف للقارئ
"المأساة الإنسانية" والرسالة التي أراد غسان كنفاني إيصالها.
إليك الأسباب
التي تجعل استخدامنا لهذا النموذج هنا مختلفاً وضرورياً:
1. تحويل
"الميكانيكا" إلى "دراما وجودية"
الدكتور إبراهيم
خليل يشرح "كيف" بُنيت الرواية (الجانب التقني). نحن نستخدم نفس الأدوات
لنشرح "لماذا" نختنق اليوم؟
- بينما يقول
الأكاديمي: "الخزان هو العامل المعاكس"، نقول نحن: "الخزان هو
الصمت الذي نرتضيه، هو التابوت الذي نصنعه بأيدينا حين نقرر الهروب
الفردي". نحن نحول المصطلح الجاف إلى تجربة شعورية تصل للقارئ.
2. نقد
"الذات" المعاصرة
الناقد
الأكاديمي يحلل الرواية كحدث تاريخي انتهى في عام 1972. أما استخدامنا لهذا
النموذج في مقالنا فهو لإسقاطه على واقعنا الحالي.
- نحن
نتساءل: من هو "أبو الخيزران" (المساعد المعطوب) في حياتنا اليوم؟
وما هي "الكويت" (الموضوع السراب) التي نركض خلفها اليوم ونحن
نختنق في خزانات العصر الحديث؟ نحن نستخدم "جريماس" كأداة للنقد
الاجتماعي والسياسي الراهن.
3. الربط
بين "السيرة" و"البنية"
غالباً ما يفصل
النقاد الألسنيون (مثل جريماس) النص عن حياة كاتبه. نحن في مقالنا سنكسر هذه
القاعدة.
- سنبين كيف
أن "العامل المرسِل" في الرواية (النكبة) هو نفسه الذي صنع غسان
كنفاني المناضل. نحن نربط "جسد غسان" الذي انفجر في بيروت بـ
"أجساد الرجال" التي انفجرت من الحر في الخزان. هذا الربط لا يفعله
الأكاديمي "المحايد"، بل يفعله الأديب والناقد "المشتبك"
.
4. تبسيط العمق (الوساطة الثقافية)
دور مدونة
دوبشيك هو "الوساطة". نحن نأخذ المناهج المعقدة (التي قد ينفر منها
القارئ العادي في الكتب الأكاديمية الجافة) ونقدمها بأسلوب سلس، جذاب، ومفعم
بالعاطفة.
- نحن لا
"نكرر" إبراهيم خليل، بل "نستثمر" جهده لنبني
فوقه مقالاً يجمع بين رصانة العلم وحرارة الأدب.
بعيداً عن جفاف
المناهج، دعونا نتحسس جدران ذلك الخزان الملتهب في قيظ الصحراء؛ حيث تحولت الأحلام
إلى أنفاسٍ محبوسة، والهروبُ الفرديُّ إلى تابوتٍ من صفيح.
هنا،
في المسافة بين 'صمت الرجال' و'صرخة الشمس'، تبدأ حكايتنا الحقيقية، لنكتشف كيف
يمكن لخزان مياهٍ صامت أن يبتلع وطناً كاملاً لم يجرؤ على الدق.
مقدمة: الصرخة
التي ولدت من رماد يافا
ليست
رواية "رجال في الشمس" مجرد عمل أدبي يتحدث عن نكبة شعب، بل هي
وثيقة إدانة وجودية كتبها غسان كنفاني بدمه قبل حبره. إننا نفتح اليوم ملفات هذه
الرواية لنعيد قراءتها من منظور نقدي رصين، مستلهمين أدوات المنهج البنيوي
وأطروحات الدكتور إبراهيم خليل في تطبيقه لنموذج "جريماس" الألسني.
الهدف ليس مجرد تحليل تقني، بل هو محاولة لفهم كيف يتحول الصمت إلى قاتل، وكيف
يضيع الإنسان في متاهة الهروب الفردي حين يغيب الوعي الجمعي.
المحور الأول:
كنفاني وسؤال الانتماء.. من مرارة النزوح إلى اشتعال "الهدف"
غسان كنفاني لم
يكن يكتب ليصف المأساة، بل ليفجرها. ولد في عكا عام 1936، ونضجت موهبته تحت وطأة
النزوح من يافا إلى دمشق ثم الكويت وبيروت. هذه الرحلة الشخصية هي التي جعلت منه
"مناضلاً" يرفض دور الضحية السلبية. إن سيرة كنفاني، التي انتهت بجريمة
اغتيال بشعة في بيروت عام 1972، هي النقيض التام لأبطال روايته. لقد كان غسان يدرك
أن "العامل المرسِل" (الدافع) للفلسطيني في زمن اللجوء يجب أن يكون
"المواجهة" لا "الهروب". من هنا، تأتي أهمية فهم شخصية كنفاني
قبل الدخول في عوالم روايته؛ فهو لم يكن يبحث عن "الكويت" كفردوس مادي،
بل كان يبحث عن فلسطين كفعلٍ ثوري.
إن كنفاني في
هذا النص يمارس دور الناقد الصارم للذات. لقد كتب "رجال في الشمس" ليقول
للفلسطينيين والعرب إن الاختباء في "الخزانات" هو انتحار بطيء. سيرة
كنفاني تخبرنا أن "الذات" الحقيقية هي التي ترفض الصمت. من خلال
عمله في مجلة "الهدف" وانخراطه في
العمل الثوري الفلسطيني قدم غسان نموذجاً للإنسان الذي يدق جدران
الخزان كل يوم. تنبع المأساة في الرواية من أن الأبطال الثلاثة لم يتمثلوا بروح
غسان، بل تمثلوا بانكساراتهم الشخصية. إننا أمام كاتب وضع كينونته في مهب الكلمة،
محاولاً صياغة هوية جديدة لا تقبل القسمة على الهزيمة. لذا، فإن قراءتنا للرواية
هي في جوهرها وفاء لروح كنفاني التي رفضت أن تموت خنقاً، واختارت أن تنفجر لتعطي
ضوءاً للأجيال القادمة.
المحور الثاني:
هندسة "جريماس" العامليّة.. الكويت كـ "موضوع" مُراوغ ومرآة
للعجز
عندما نطبق
المخطط العاملي لـ "جريماس"، كما فعل الدكتور إبراهيم خليل، نكتشف أن
الرواية مبنية بصرامة هندسية تكشف الخلل الهيكلي في وعي الشخصيات.
"العامل الذات" هنا
ليس بطلاً واحداً، بل هو "ذات ثلاثية" (أبو قيس، أسعد، مروان) تمثل
أجيالاً مختلفة، لكنها تشترك في "العجز". أما "العامل الموضوع" (الهدف)
فهو الكويت، التي تظهر في النص ليس كوطن، بل كسراب مادي يعد بالخلاص الشخصي. إن
الخطورة تكمن في أن "الموضوع" هنا أصبح بديلاً عن "القضية"؛
فالأبطال يبحثون عن المال والستر، وهي أهداف مشروعة إنسانياً، لكنها في سياق
النكبة تصبح فخاخاً للهروب الفردي.
إن "العامل
المرسِل" (الدافع) هو النكبة والفقر والتشرد؛ وهي قوى
خارجية ساحقة جردت "الذات" من إرادتها. المأساة التي يكشفها التحليل
العاملي هي أن "الذات" الفلسطينية في الرواية كانت سلبية تجاه
"المرسل"؛ وبدلاً من أن يكون الدافع هو "الثورة"، كان الدافع
هو "الفرار". هذا الخلل في "منظومة العوامل" هو ما جعل الرحلة
تنتهي بالفشل. إننا لا نحلل هنا شخصيات خيالية، بل نحلل بنية وعيٍ مشوهة ترى في
"الموضوع المادي" خلاصاً، بينما الخلاص الحقيقي يكمن في استعادة "الذات"
لفاعليتها. كنفاني، ومن خلفه إبراهيم خليل في قراءته البنيوية، يوضحان لنا أن
"الموضوع" (الكويت) كان مغناطيساً جذب الضحايا إلى حتفهم لأنهم افتقدوا
لـ "عامل مساعد" حقيقي وقوي يوجههم نحو الفعل الصحيح.
المحور الثالث:
المساعد المعطوب والمعاكس القاتل.. سلطة الاستغلال وعالم الجرذان
في توزيع
العوامل، يبرز "العامل المساعد" في
الرواية كأحد أكثر الشخصيات تعقيداً وقسوة: أبو الخيزران. إنه المساعد
"المخصي" أو "المعطوب" كما يصفه النقاد. عجز أبو الخيزران
الجنسي هو رمز لعجز القيادة وسلطة المهربين التي تتاجر بالأرواح. المساعدة هنا
ليست فعلاً تضامنياً، بل هي فعل استغلالي بحت يحول "الذات" إلى بضاعة
مخبأة. وكما تشير الناقدة رضوى عاشور، فإن الأبطال يغادرون "عالم
البراءة" ليدخلوا "عالم التجربة" الذي يسوده الجرذان والمهربون؛
حيث يتحول المساعد إلى أداة للموت بدلاً من أن يكون طوقاً للنجاة.
أما "العامل
المعاكس" (المعارض)، فيتمثل في قوى الطبيعة الغاشمة
(الصحراء، الشمس) وفي أدوات القهر الإنسانية (الخزان، رجال الحدود). الخزان ليس
مجرد جماد، بل هو "المعاكس الوجودي" الذي يطبق على أنفاس الذات. إن
القوة المعاكسة في الرواية كانت تمتلك كل أدوات الفتك، في حين أن
"المساعد" كان غارقاً في تفاهته وعجزه، والذات كانت مستسلمة لصمتها. هذا
الاختلال في التوازن بين قوى المساعدة وقوى المعارضة هو الذي جعل من "الموت
خنقاً" نتيجة حتمية. إننا نتعلم من كنفاني أن المساعد الذي لا يملك كرامته
(مثل أبو الخيزران) لا يمكنه أن يمنح الكرامة للآخرين، وأن المعاكسات لا تُهزم
بالاختباء، بل بالمواجهة تحت الشمس، لا داخل الخزانات المظلمة.
المحور الرابع:
الفشل الحاسم وجماليات الصرخة الغائبة.. لماذا لم يدقوا الخزان؟
ينتهي المسار
السردي للرواية بـ "الفشل الحاسم"،
وهو المصطلح الألسني الذي يصف انكسار مشروع الذات تماماً. الفشل هنا ليس مجرد موت
جسدي، بل هو موت للفكرة التي انطلقوا من أجلها. إن إلقاء الجثث في
"المزبلة" هو التعبير الأسمى عن احتقار العالم لمن يرتضي الصمت. يطرح
كنفاني سؤاله الذي هز الوجدان العربي: "لماذا لم يدقوا جدران
الخزان؟". هذا السؤال هو ذروة النقد للذات السلبية. فالدق على الجدران
كان "الفعل" الوحيد الممكن لخرق المنع وتنبيه المساعد المعطوب، لكنهم
اختاروا الموت الهادئ على الصرخة المزعجة.
إن هذا الفشل
الحاسم هو ما يمنح الرواية خلودها؛ فهي لا تقدم حلاً، بل تقدم "صدمة".
يخبرنا كنفاني أن "الذات" التي لا تملك القدرة على "الدق" هي
ذاتٌ ميتة سلفاً. إن المقال هنا يخلص إلى أن الرواية هي مانيفستو ضد
"الصمت". فإذا كان الدكتور إبراهيم خليل قد فكك بنية الفشل ألسنياً،
فإننا اليوم نعيد تركيبها وجودياً لنقول: إننا جميعاً نعيش في
"خزانات" مختلفة، والعدو الأكبر ليس الشمس ولا الصحراء، بل هو ذلك
الرهان الخاسر على الهروب الفردي. أن الخلود الحقيقي لا تمنحه الكويت ولا المال،
بل تمنحه الصرخة التي تدق جدران الظلم قبل فوات الأوان. فالحكاية لا تنتهي بموت
الرجال، بل تبدأ من اللحظة التي يقرر فيها القارئ ألا يكون جثة أخرى في مزبلة
التاريخ
#غسان_كنفاني
#رجال_في_الشمس #أدب_المقاومة #نقد_أدبي #رواية #فلسطين #المخطط_العاملي
#تحليل_نفسي
#GhassanKanafani
#MenInTheSun #PalestinianLiterature #LiteraryCriticism #ActantialModel
#ResistanceLiterature #Dubshikblog #MiddleEasternLiterature
This analytical
article provides a profound exploration of Ghassan Kanafani’s seminal novella, Men
in the Sun, through the lens of Greimas’s Actantial Model . The study moves
beyond traditional political narratives to dissect the structural failure of
the characters' journey toward an imagined salvation.
The analysis
identifies the three protagonists—Abu Qais, Assad, and Marwan—as the collective
Subject . Their primary motivation, or the Sender , is the trauma of the Nakba
and the crushing weight of poverty, which propels them toward the Object :
Kuwait, envisioned as a materialistic paradise of survival.
Central to the
article is the critique of the Helper , embodied by Abu Al-Khaizuran. As a
"castrated" or flawed guide, he fails to provide the necessary
support to overcome the formidable Opponents , which include the scorching
desert, the suffocating water tank, and the indifferent border guards. Drawing
on the scholarly insights of Dr. Ibrahim Khalil, the piece argues that the
characters' tragic end is a structural inevitability caused by their reliance
on individualist escape rather than collective resistance.
The summary
concludes by addressing the iconic existential question: "Why didn't they
knock on the walls of the tank?" This silence represents the ultimate
failure of the Subject to assert agency. By depositing their bodies in a
literal and metaphorical landfill, Kanafani delivers a haunting critique of
passivity, transforming the story into a timeless manifesto for the necessity
of "knocking" against the walls of any oppressive reality.




تعليقات
إرسال تعليق