أركيولوجيا الفجيعة وعمارة الحرف: التفكيك البصري في مسيرة ضياء العزاوي
لم تكن اللوحة
عند ضياء العزاوي يوماً مساحةً للمحاكاة، بل مسرحاً لخوض معارك الوجود الكبرى؛ حيث
يلتقي ملمس الرقيم السومري بخشونة الواقع السياسي المعاصر. إنه حفرٌ معرفي في
طبقات الذاكرة والمحو، يفكك الحرف ليجرده من قيده اللغوي ويمنحه جسداً معمارياً،
ويشرح الجسد المترنح تحت وطأة التروما ليعيد بناءه كبيان كوني صامد. من الطين
الأثري الأول إلى الكتل البرونزية التي تتحدى الفراغ، تتبدى مسيرته كجدارية ممتدة
تحول الفجائع الجمعية إلى وعي بصيري خالد، وتثبت أن الحداثة لا تبدأ من محو
الماضي، بل من إعادة حفر تضاريسه بعيون لا تهاب المواجهة.
المحور الأول:
الأركيولوجيا والتشكيل السومري (جذور الهوية البصرية)
لا يمكن مقاربة
التجربة التشكيلية للفنان ضياء العزاوي دون البدء بتفكيك تلك اللحظة التأسيسية
التي تقاطع فيها الوعي الأكاديمي بالتاريخ مع الممارسة الفنية؛ ونقصد بها دراسته
لعلوم الآثار وتخرجه عام 1962 (نال بعدها دبلوماً من معهد الفنون الجميلة في 1964)
. هذه الخلفية لم تكن رافداً ثقافياً ثانوياً فحسب، بل شكّلت المرجعية
الأنثروبولوجية التي أسست لبنيته التشكيلية بأكملها. في وقت كان فيه النقاش
التشكيلي في بغداد يدور حول كيفية صياغة "شخصية محلية" للفن، دخل
العزاوي إلى الساحة ممتلكاً أدوات المنقّب، حيث لا يرى في التراث مجرد حكايات
شعبيّة أو زخارف فلكلورية قابلة لإعادة التدوير، بل يراه كبنية شكلية وكتل فراغية
ورموز ميثولوجية مكثفة قابلة لإعادة التفعيل الحداثي.
في أعماله
المبكرة، يظهر هذا الأثر الأركيولوجي عبر استدعاء صريح لمنحوتات الرافدين القديمة
(السومرية، والأكدية، والآشورية). لقد أعاد العزاوي قراءة الفضاء التشكيلي للأختام
الأسطوانية والرقيم الطيني، محولاً سطح اللوحة الثنائي الأبعاد إلى جدارية أثرية
معاصرة.[1]
تتسم الوجوه والأشكال في هذه المرحلة بالصلابة والاختزال الشديد، حيث تحضر العيون
الواسعة الدائرية المميزة للتماثيل السومرية كأدوات معرفية ترصد التحولات
الوجودية، وليست كمجرد ملامح تشريحية. هذا الاختزال يقترب باللوحة من فكرة "الرمز
البدئي" الذي يتجاوز حدود الزمن، ليصبح الجسد الإنساني عنده امتداداً
للأنصاب الطينية والحجرية التي قاومت المحو عبر الآلاف السنين.
يتجاوز العزاوي
في هذا المحور فخ المحاكاة التاريخية أو السقوط في النزعة الاستشراقية التي تعيد
إنتاج الماضي كـ "أنتيك"؛ إنه يمارس ما يمكن تسميته بـ "حفر
بصيري" في الذاكرة التشكيلية للمكان. يعيد تفكيك الخطوط المنحنية للثوران
المجنحة، ويستلهم التوزيع الأفقي المتتابع للمشاهد في المسلات البابلية (مثل مسلة
حمورابي)، حيث تُقسّم اللوحة إلى مستويات متوازية تسرد حكاية بصرية مركبة. هذا
التوزيع الطبقي للفراغ يمنح أعماله عمقاً تراتيبياً، تصبح فيه الألوان الترابية
المعتقة ودرجات البني والرماديات بمثابة طبقات جيولوجية تعكس قِدَم المادة الممثلة
وحضورها الملحمي.
إن الملمس
السطحي للوحة عند العزاوي في هذه المرحلة يحاكي خشونة الحجر الطيني وتشققات الفخار
القديم. يتجلى ذلك في استخدام خطوط سوداء غليظة وصارمة تحدد الأشكال، وتمنح الكتل
ثقلاً بصرياً يذكرنا بالنحت البارز (الريليف). هذا المزج الواعي بين دقة علم
الآثار وحرية التجريد الحديث أتاح للعزاوي فك الارتباط مع السرد الكلاسيكي،
والانتقال نحو صياغة لغة عالمية تستمد قوتها من خصوصية منشئها الرافديني. وبذلك،
تحولت الميثولوجيا عنده من ماضٍ يستدعي الحنين، إلى بنية بصرية حية وقادرة على حمل
الأسئلة الوجودية والسياسية الراهنة، وهو ما مهد الطريق لتمرد تشكيلي أوسع خاضه
لاحقاً مع جماعة الرؤية الجديدة.
المحور الثاني:
التمرد والبيانات التشكيلية (من جماعة بغداد إلى الرؤية الجديدة)
لتحليل التحول
الجذري في مسيرة ضياء العزاوي التشكيلية ، لا بد من رصد صدامه الفكري مع السائد
الفني في ستينيات القرن الماضي، وهو الصدام الذي تبلور عبر الانتقال من حاضنة
"جماعة بغداد للفن الحديث" إلى تأسيس جماعة "الرؤية
الجديدة" عام 1969. كانت جماعة بغداد، بقيادة رواد مثل جواد سليم وشاكر حسن
آل سعيد، قد أرست دعائم حداثة محلية تقوم على مفهوم "استلهام التراث"
وإعادة صياغة الهوية الوطنية عبر دمج الأساليب الغربية بالمرجعيات الرافدينية
والإسلامية. ورغم تأثر العزاوي الأولي بهذا التوجه، إلا أنه سرعان ما استشعر ضيق
هذا الإطار الأسلوبي الذي تحول تدريجيًا برأيه إلى نمطية جمالية تحتفي بالماضي
احتفاءً رومانسيًا، في وقت كان فيه الواقع المعاصر يغلي بالتحولات السياسية
والاجتماعية العنيفة.[2]
جاءت نكسة
حزيران عام 1967 بمثابة الهزة الوجودية التي شطرت الوعي الثقافي العربي، وأحدثت
شرخًا عميقًا في طريقة تعاطي الفنان مع لوحته. بالنسبة للعزاوي، لم يعد الفن يحتمل
الترف الجمالي أو البكاء على أطلال الهوية التاريخية؛ بل أصبحت اللوحة مطالبة بأن
تكون أداة مواجهة، وشاهدًا عيانيًا على تمزقات الحاضر الراهن. من هذا المنطلق، صاغ
العزاوي برفقة زملائه (مثل إسماعيل فتاح الترك، ورافع الناصري، ومحمد مهر الدين)
بيان جماعة "الرؤية الجديدة" عام 1969، والذي أعلن ثورة معلنة
على المفاهيم البصرية التقليدية، ورفضًا قاطعًا لتسليع الفن أو حشره في خانة
التزيين والزخرفة.
تجلت هذه النقلة
في أعمال العزاوي عبر تحول راديكالي في البنية التشكيلية للوحته. غادرت الأشكال
دعتها واستقرارها السومري الهادئ، ودخلت في طور من التشنج التعبيري والديناميكية
العنيفة. حلت الخطوط الحادة والمتقاطعة محل الخطوط الانسيابية المحيطية السابقة،
وظهرت تراكيب بصرية مشحونة بالتوتر تعكس مناخات القمع والحروب والتطلع إلى التحرر.
لم يعد الجسد البشري في لوحته مجرد نصب أثري ساكن، بل تحول إلى كائن ممزق، أو
ذبيح، أو ثائر متأهب، مما عكس انخراطًا بصيريًا مباشرًا في القضايا القومية
والإنسانية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية التي شكلت محورًا أساسيًا في نتاجه خلال
تلك الحقبة.[3]
واكب هذا التمرد
الفكري تجريب تقني واسع النطاق؛ إذ بدأ العزاوي في التخلي عن صفاء السطح التصويري
الكلاسيكي لصالح إدخال خامات متعددة وتقنيات الكولاج، مستخدمًا قصاصات الجرائد
والأقمشة الخشنة والمواد المعاد تدويرها. هذا الانتقال نحو الوسائط المتعددة لم
يكن مجرد رغبة في التحديث الشكلي، بل كان محاولة لكسر "صناع الجمال الزائف"
وإقحام خشونة الواقع اليومي والسياسي مباشرة في عين المتلقي. تحولت اللوحة عنده من
فضاء للتأمل إلى مساحة لـ "خوض معركة معرفية وبصرية"، حيث تصبح
الحدود بين الفن والحياة حدودًا ذائبة، وحيث يغدو التشكيل ممارسة نقدية واعية تسعى
لتغيير الإدراك العام، وليس مجرد محاكاة سلبية للواقع أو تكرار ببغائي للماضي.
وبذلك، مهّد هذا التمرد الطريق لإنتاج لغة بصرية بالغة التعقيد، تبلورت لاحقًا في
تعامله الفريد مع الحرف العربي والنص الشعري.
المحور الثالث:
جدلية النص واللوحة (الحروفية والمنظور التجريدي لـ "الدفاتر الفنية")
يمثل التعامل مع
الكلمة المكتوبة والنص الشعري في تجربة ضياء العزاوي البصرية أحد أكثر المحاور
تعقيدًا في مسيرته الفنية، حيث خاض من خلاله "حرب حدود" إبداعية
لإعادة صياغة العلاقة التقليدية بين الفنون البصرية والفنون اللغوية. في الوقت
الذي كان فيه تيار "الحروفية العربية" في سبعينيات وثمانينيات
القرن الماضي يتجه نحو تقديس الحرف، أو التعامل معه كأيقونة روحية صوفية كما فعل
شاكر حسن آل سعيد، أو استخدامه كعنصر زخرفي جمالي، اختار العزاوي مسارًا تفكيكيًا
راديكاليًا. لقد تعامل مع الحرف العربي باعتباره عنصرًا معمارياً وكتلة بصرية
مجردة من وظيفتها المعجمية المباشرة، ليتحول الحرف في لوحته من أداة للقراءة إلى
طاقة حركية وبصرية تحتل الفراغ وتمنحه توترًا داخليًا قاسيًا. الحرف عند العزاوي
لا يُقرأ، بل يُعاش بصريًا كجزء من بنية تشكيلية أوسع تتداخل فيها الخطوط العضوية
بالهندسية.
تجلت هذه
الجدلية بأقصى درجات النضج والتجريب في مشروع الدفاتر الفنية ، وهو المفهوم الذي ابتكره العزاوي ليكون
فضاءً حواريًا متبادلاً بين التشكيل والشعر المعاصر والقديم. لم تكن هذه الدفاتر
مجرد رسومات توضيحية تصاحب القصائد، أو تزين هوامش الدواوين؛ بل كانت محاولة
لإنتاج نص بصري موازٍ يتصادى مع النص الشعري دون أن يخضع له. عندما تعامل
العزاوي مع معلقات ما قبل الإسلام، أو مع قصائد بدر شاكر السياب ومظفر النواب
ومحمود درويش وأدونيس، لم يكن يبحث عن المعنى الحرفي للكلمات، بل كان يبحث عن الإيقاع
الداخلي والمناخ السيكولوجي والسياسي الذي تحمله القصيدة. أن الدفتر الفني هنا هو
وسيط تجريبي يُطوى ويُفرد، مما يمنح المتلقي إمكانية اختبار العمل الفني عبر الزمن
والحركة، وليس فقط عبر النظرة الخاطفة الجدارية.[4]
في هذه الدفاتر،
يتنازل السطح التصويري عن سكونه، ليتحول إلى مسرح لتصادم الحبر والورق. نرى الخطوط
السوداء العنيفة وهي تجتاح البياض، ونلحظ الحروف وهي تتناثر وتتداخل وتتماهى مع
الأشكال البيومورفية (العضوية). يتحول النص الشعري أحيانًا إلى مجرد بقع لونية أو
شظايا خطية توحي بالتمزق والغياب، مما يعكس وعي العزاوي بأن الكلمة في لحظات
الكارثة أو التجلي العاطفي تفقد قدرتها على التعبير المباشر، وتصبح بحاجة إلى
"جسد بصري" يحمل ثقلها الوجودي. هكذا، تصبح القصيدة عند العزاوي مادة
خامًا يُعاد بناؤها بصريًا عبر الكولاج، والطباعة الشاشية (السلك سكرين)،
والليثوغراف، حيث تذوب الحدود الفاصلة بين هوية الشاعر وهوية الفنان، ليصبح العمل
الفني كينونة واحدة هجينة تجمع بين عين الرائي وأذن السامع.
هذا المنظور
التجريدي سمح للعزاوي بالانتقال بالخط العربي من الفضاء الكلاسيكي المحكوم
بالقواعد الصارمة للخطاطين، إلى فضاء "العالمية التشكيلية". إنه
يستخدم انحناءات الحروف وامتداداتها الشاقولية والأفقية لخلق توازن بصري مع الكتل
اللونية الضخمة والحادة التي تميز أسلوبه. في أعمال هذه المرحلة، نجد أن الحرف قد
يستحيل إلى جدار صلب، أو يتحول إلى شظية تتطاير في فضاء اللوحة كدلالة على التشتت
والمنفى البشري. إنها سيميائية متكاملة تعيد للاستلهام التراثي قيمته المعاصرة،
وتجعل من "الدفتر الفني" مانيفيستو بصريًا يثبت أن الحداثة
العربية لا يمكنها الانفصال عن إرثها اللغوي، بشرط أن تعيد تفكيك هذا الإرث بعيون
معاصرة لا تهاب التجريب الراديكالي. من خلال هذا التلاحم العضوي بين الكلمة
والشكل، استطاع العزاوي أن يبني جسرًا متينًا نحو التعبير عن الفجائع الكبرى التي
ضربت الهوية العربية، وهو ما تجسد بأقصى درجات العنف البصري في تعاطيه مع سيميائية
التروما والجسد السياسي.
المحور الرابع:
سيميائية التروما والجسد السياسي (مجزرة صبرا وشاتيلا كنموذج)[5]
إذا كان تمرد
العزاوي مع جماعة "الرؤية الجديدة" قد منحه الأدوات النظرية، وتجربته مع
"الدفاتر الفنية" قد صقلت قدرته على شحن الشكل بالطاقة التعبيرية، فإن
المآسي السياسية التي عصفت بالمنطقة العربية نقلت عمله البصري إلى مرحلة
"سيميائية التروما". لم يعد الفنان هنا مجرد مراقب للحدث، بل تحولت
لوحته إلى مسرح جريمة تفكيكي، حيث يعاد تشريح الفجيعة وتوثيقها بأسلوب بصري صادم
يرفض المداواة السطحية أو التخفيف الجمالي. تجلى هذا النضج التعبيري والسياسي
بأقصى عنفه في عمله الملحمي الجداري الأبرز مجزرة صبرا وشاتيلا
(1982–1983)، والذي يُعد علامة فارقة في تاريخ الفن الإحتجاجي العالمي، ومحاكاة
معاصرة لجدارية "غرنيكا" بيكاسو، لكن بروح ووجع عربي خالص.
في هذا العمل
الملحمي الضخم، يرفض العزاوي السرد المباشر أو المحاكاة الفوتوغرافية للحدث؛ إنه
لا يرسم ضحايا بملامح واقعية، بل يبني سيميائية بصرية متكاملة للموت والتمزق. يغيب
اللون تمامًا في هذا العمل لصالح درجات الأبيض والأسود والرمادي والبيج الخشن
مستخدمًا الحبر والطباشير والسيالوز[6]
لخلق سطح بصري يوحي بالجفاف والرماد والمحو. غياب اللون هنا ليس مجرد خيار تقشفي،
بل هو قرار مفاهيمي يعكس هول الصدمة؛ فالتروما في وعي العزاوي البصري تُفقد الواقع
ألوانه، وتختزل الوجود كله في ثنائية الضوء والعتمة والحياة
والعدم. تصبح اللوحة فضاءً خانقاً متكدساً بالكتل، حيث لا وجود لأفق أو سماء، مما
يشعر المتلقي بحالة الحصار والاضطهاد التي عاشتها الضحايا في تلك اللحظات الفاجعة.
يتمركز التحليل
النقدي لهذا العمل حول تفكيك الجسد السياسي المستباح. الأجساد عند العزاوي
هنا ليست كتلًا تشريحية متماسكة، بل هي أشلاء متناثرة، ومقاطع بصرية متحولة: أطراف
حيوانية تتداخل مع أطراف بشرية، وجوه مستطيلة مشوهة بأفواه مفتوحة تطلق صرخات
صامتة وأبدية، وخيول ساقطة تمثل انكسار الفروسية أو الرمزية القومية. هذا التشويه
البيومورفي (العضوي) للأشكال يُعد تجسيدًا سيميائيًا لفكرة "المحو
الأنثروبولوجي"؛ فالإنسان في لحظة المجزرة يُجرد من إنسانيته ويتحول إلى
ركام من اللحم والعظام. تجتاح الخطوط السوداء الغليظة والحادة العنيفة الجدارية
لتقيد الأشلاء، وكأنها خطوط إسمنتية أو شظايا متطايرة تثبّت لحظة الموت في الذاكرة
الكونية لتمنعها من النسيان.
يدمج العزاوي في
بنية اللوحة عناصر غرافيكية مستوحاة من رسومات الأطفال، وكولاج يوحي ببقايا
الملابس والخيام الممزقة. هذا الدمج يمنح العمل بعدًا وثائقيًا شعوريًا يتجاوز
حدود الزمن والحدث التاريخي المعين، ليتحول العمل من رثاء لضحايا مجزرة بعينها إلى
إدانة كونية مطلقة للعنف المنظم وقهر الإنسان لأخيه الإنسان. إن العزاوي من خلال
هذا المحور لا يسعى لاستدرار عطف المشاهد، بل يمارس صدمة إدراكية واعية تجبر
المتلقي على مواجهة بشاعة التاريخ ومساءلة الوعي الأخلاقي العالمي. لقد تحولت
اللوحة عنده من وسيط للمتعة البصرية إلى "بيان وجودي صارخ" يشهد
على الجرح الفكري والجسدي المفتوح للإنسان العربي المعاصر، ممهدة الطريق للانتقال
من السطح التصويري ثنائي الأبعاد إلى مجابهة الفراغ الحقيقي عبر النحت والمجسمات
المعمارية.
المحور الخامس:
العمارة البصرية والنحت المعاصر (الانتقال إلى البُعد الثالث)
يمثل الانتقال
من السطح التصويري ثنائي الأبعاد إلى الفضاء النحتي ثلاثي الأبعاد حلقة التطور
الطبيعية والمنطقية في مسيرة ضياء العزاوي التشكيلية ، حيث تحولت لوحاته وجدارياته
عبر العقود إلى كتل معمارية تبحث عن تجسدها المادي في الفراغ الواقعي. لم يتعامل العزاوي
مع النحت كحرفة منفصلة أو كتحول أسلوبي مفاجئ، بل كـ "امتداد بنيوي"
لخطوطه الصارمة وكتله المتراصة التي لطالما ضاقت بها حدود اللوحة وقماشها. في
أعماله المجسمة، سواء كانت من البرونز أو الخشب أو المعادن الملونة، نجد ذات الروح
الرافدينية والتعبيرية الحادة، ولكنها هذه المرة تشتبك مع الضوء والظل الحقيقيين،
وتحتل مكانًا في جغرافية المتلقي الفيزيائية.
تتميز المنحوتات
البرونزية عند العزاوي بإعادة صياغة "الكتل الحيوية" التي ظهرت في
لوحاته السياسية والملحمية. تتحول الأجساد المشوهة، والأطراف المتداخلة، والخيول
والطيور الأسطورية في النحت إلى كائنات نصبية صلبة تتحدى الجاذبية وتفرض حضورها في
الساحات والمتاحف. إنه يمارس في النحت ذات الاختزال الأركيولوجي؛ فالمنحوتة لا
تسعى لمحاكاة الواقع التشريحي، بل تبدو وكأنها أصنام معاصرة، أو شواهد قبور حداثوية
تحمل طاقة تعبيرية هائلة. استخدام البرونز تحديدًا، بتموجات سطحه الخشنة وقدرته
على عكس الضوء بطرق متباينة، يمنح هذه الأعمال بُعدًا ديموميًا يربطها بالمنحوتات
الآشورية والبابلية القديمة، وكأن الفنان يعيد صياغة آثار المستقبل بلغة الحاضر.
في المقابل،
يظهر جانب آخر من عمارته البصرية نراه في النحت الملون والأعمال الإنشائية الضخمة.
هنا، يتخلى العزاوي عن كآبة البرونز القاسية ليقحم ألوانه النابضة بالسرور والصدمة
(الأحمر الصارخ، الأزرق النيلي، الأصفر الفاقع) في جسد النحت الهندسي. هذه الأعمال
تتسم ببنائية معمارية واضحة، حيث تتداخل الأشكال الهندسية الحادة من مربعات
ومثلثات مع الخطوط العضوية المنحنية، لتشكل تكوينات تشبه التمائم والأحجبة الشعبية
والرموز الطوطمية القديمة. أن النحت هنا لا يعود مجرد كتلة صامتة، بل يصبح
"عمارة بصرية متحركة" تتغير دلالتها وهندستها حسب زاوية رؤية المشاهد
وحركته من حولها، مما يحول الفراغ المحيط بالعمل الفني إلى جزء لا يتجزأ من
التكوين الإبداعي.[7]
إن تجربة
العزاوي في البُعد الثالث هي تأكيد على شمولية رؤيته البصرية؛ فاللوحة والريشة
والدفتر الفني والقصيدة والإزميل والكتلة البرونزية، كلها أدوات في مشروع فكري
واحد يسعى لإعادة صياغة الوعي العربي والكوني. من خلال النحت، تمكن العزاوي من
إخراج الفن من غرف المتاحف المغلقة وصالونات العرض النخبوية ليقحمه في الفضاء
العام، محققًا بذلك نبوءة بيانه القديم لـ "الرؤية الجديدة" بأن
الفن ممارسة وجودية ومواجهة حية مع العالم. وبذلك، تختتم هذه التجربة البصرية
الممتدة مسارها بالتحول من حفر في رقيم التاريخ الأثري، إلى تشييد أنصاب معمارية
تشهد على صمود الهوية العربية وقدرتها على التجدد والانبعاث الحداثي المستمر.
#ضياء_العزاوي #الفن_العراقي_الحديث
#النقد_التشكيلي #الرؤية_الجديدة #الدفاتر_الفنية
#DiaAlAzzawi
#ModernArabArt #IraqiArt #ArtCriticism #VisualSemiotics
This comprehensive critical study examines the visual
trajectory of Dia Al-Azzawi, one of the foundational pioneers of modern Arab
art, over more than six decades. Rejecting superficial ornamentation, the
article dissects his career through a rigorous structural and semiotic
framework across five interconnected thematic phases:
- Archaeological
Roots: It traces how Al-Azzawi's background in archaeology informed
his visual spatiality, transforming ancient Mesopotamian motifs, cylinder
seals, and Sumerian features into modern, abstract symbols that reject
orientalist tropes.
- The
Manifesto of Resistance: The study analyzes his ideological break from
the "Baghdad Modern Art Group" toward co-founding the "New
Vision Group" (Al-Ru'ya al-Jadida) in 1969, triggered by the
1967 political trauma, which shifted his canvases into spaces for
socio-political confrontation.
- Text
and Canvas Dialectics: It explores his radical approach to Hurufiyya
(Hurufism), where Arabic letters are stripped of their literal linguistic
functions to serve as architectural, spatial elements, culminating in his
pioneering Dafatir (Artist Books) that create a parallel visual
discourse with contemporary Arabic poetry.
- Semiotics
of Trauma: The analysis provides a deep semiotic reading of his
monumental masterpiece, Sabra and Shatila Massacre
(1982–1983). It examines the deliberate elimination of color, the
biomorphic distortion of the political body, and the sharp graphic lines
used to document collective trauma and cosmic loss.
- The
Third Dimension: Finally, it addresses his evolutionary transition
into contemporary sculpture and public installations, illustrating how his
rigid painted geometric shapes and rough bronze masses directly confront
physical space, manifesting his lifelong philosophy of art as an active
existential engagement with the world.
[1] تعد
أعمال الفنان العراقي ضياء العزاوي المستوحاة من سومر تجسيداً لربط التاريخ
العريق بالمعاناة الإنسانية.
في
فترة منتصف الستينيات، وتحديداً في العام 1966، رسم مجموعة من الأعمال المستوحاة
من "ملحمة جلجامش"، والتي تميزت بشخصيات ذات عيون واسعة تماثل التماثيل
السومرية القديمة.
الأعمال السومرية والأيقونات الفنية (1966):
·
لوحات
"الرمز البدئي" والرموز الفولكلورية: أبدع العزاوي في تلك الفترة أعمالاً
شهيرة مثل لوحة "رمز فولكلوري"
(Folklore Symbol 1966) ولوحة "قناع مدعٍ" (Pretender Mask 1966)، وهي لوحات تعكس أسلوب "الرمز البدئي" (Primeval Symbol) عبر
تجريد أشكال سومرية لتكوينات بصرية تعبر عن الإنسان الآدمي المقهور.
·
روح ملحمة
جلجامش: استلهم
العزاوي الملحمة السومرية الخالدة بعد تخرجه من قسم الآثار بجامعة بغداد؛ حيث وظّف
دراسته لعلم الآثار في إعادة رسم المشاهد الميثولوجية بلمسات تجريدية، لتعكس
صراعات الإنسان الأبدية مع الخوف والمعاناة والموت
[2] تتشكل
البنية الفكرية لضياء العزاوي من سياق ثقافي فريد شهده المرسم الحر في كلية الآداب
تحت إدارة الفنان حافظ الدروبي. في ذلك الفضاء، لم يكن الفن ينفصل عن الأدب، حيث
تلاقح وعي العزاوي البصري بحضور قامات شعرية ومسرحية كمظفر النواب وعبد الله حبه.
ورغم أن الدروبي دفع العزاوي لمأسسة موهبته عبر الدروس الليلية في معهد الفنون
الجميلة (والتي تخرج منها عام 1964)، وضمه تنظيميًا إلى "جماعة الانطباعيين
العراقيين" التي أسسها الدروبي، إلا أن بوصلة العزاوي الأسلوبية كانت تتجه
صوب فضاء آخر. كان نتاجه الفني ينجذب بنيوياً إلى أطروحات "جماعة بغداد للفن
الحديث" بقيادة جواد سليم وشاكر حسن آل سعيد، حيث وجد في محاولاتهم لربط
الحداثة بالجذور الرافدينية صدى لأبحاثه الأركيولوجية الخاصة.
[3] "معرض
جماعة الرؤية الجديدة" (بغداد، 1969)، ولوحة "تحية إلى فدائي" (1970).
[4] دفتر
"معلقة
امرئ القيس"
(1978)
ودفتر
"أحد
عشر كوكباً فوق المشهد الأندلسي"
(1992)
بالتعاون
مع الشاعر محمود درويش. يمثل هذان العملان تجربتين بارزتين في "دفاتر
الفنان" (Artist's
Books) للتشكيلي
العراقي ضياء العزاوي ، حيث دمج بين الحروفية والرسم المعاصر لتقديم نصوص شعرية
خالدة في شكل أعمال بصرية متكاملة:
دفتر
"معلقة امرئ القيس"
(1978): :يمثل هذا الدفتر احتفاءً بـ "أمير الشعراء" في العصر
الجاهلي امرئ القيس.
قام العزاوي
بتوظيف تقنيات الرسم والحفر (الكاليغرافي) لتجسيد روح القصيدة الشهيرة (قفا نبك من
ذكرى حبيب ومنزل) عبر دمج الخطوط العربية مع التجريد اللوني.
دفتر "أحد
عشر كوكباً فوق المشهد الأندلسي"
(1992): :يستلهم هذا العمل
القصيدة الملحمية الشهيرة للشاعر الفلسطيني
محمود درويش التي ترثي سقوط الأندلس وتجسد مأساة الشتات الفلسطيني . زاوج
العزاوي في هذا الدفتر بين نصوص درويش الشعرية وضربات الفرشاة العميقة التي تعكس
ألم الفقدان، الحنين، وبلاغة المكان.
يعد العزاوي
رائداً في مشروع "دفاتر الشعر" الذي قدم من خلاله قراءات بصرية لأهم
قصائد شعراء الحداثة والتراث العربي.
[5] الجدارية
الملحمية مجزرة صبرا وشاتيلا (1982-1983) المعروضة بشكل دائم في متحف
تيت مودرن Tate
Modern في
لندن.
[6] في
النقد الفني، عندما نذكر أن الفنان استخدم "السيالوز" (مثل نترات
السيلولوز أو ألوان السيلولوز الصناعية)، فنحن نتحدث عن مادة كيميائية سائلة شفافة
أو حليبية تُخلط مع الأصبغة، وتتميز بالآتي:
·
الملمس والطبقة: تعطي طبقة صلبة، جافة، وقاسية على سطح
اللوحة عند جفافها، تشبه الطلاء الصناعي (مثل طلاء السيارات أو الأخشاب).
·
الأثر البصري في
أعمال العزاوي: استخدم
العزاوي هذه الأحبار والمواد الصناعية تحديداً في أعماله الإحتجاجية والسياسية
(مثل جدارية صبرا وشاتيلا) لأنها تمنح السطح ملمساً خشناً، مطفأً، ومتقشفاً
يبتعد عن لمعان ونعومة الألوان الزيتية الكلاسيكية.
أما
بالنسبة للألوان التي نتجت عن استخدام هذه المادة في جدارية "صبرا
وشاتيلا" بالذات، فقد كانت درجات الرمادي، الأبيض، الأسود، والبيج الترابي
الخشن، حيث وظّف العزاوي خامة "السيالوز" لإضفاء طابع
"الرماد" والجفاف ليعكس مناخ الفجيعة والموت.
[7] ويتجلى
هذا التحول نحو البُعد الثالث تطبيقياً في سلسلة منحوتات الخيول البرونزية،
ومنحوتاته المبكرة مثل العرّاف 1978 و اليد الحمراء
1977، وصولاً إلى مجسماته الهندسية الملونة المعاصرة المصنوعة من الفايبرجلاس مثل الحكواتي،
وتلك الأعمال الإنشائية الضخمة التي ملأت فضاء معرضه الاستعادي في متحف ماتح عام
2016







تعليقات
إرسال تعليق