أغاني البراءة لوليم بليك: ترنيمة الوجود البكر في مواجهة آلة العالم

 

وليم بليك


هل تساءلت يوماً عن ذلك الخيط الرفيع الذي يربطنا بجوهرنا الأول قبل أن تلوثه صراعات الوجود؟ في عام 1789، لم يكتب ويليام بليك مجرد قصائد، بل رسم في أغاني البراءة خريطة للوعي الخالص، حيث الطبيعة ترنيمة والطفل نبيّ. تعال لنفكك هذا العالم البكر، ونبحر خلف الصور البسيطة لنكتشف ثورة الخيال ضد جفاف المادية وقيود العقل. إنها رحلة في أعماق النفس البشرية؛ حيث البراءة ليست ضعفاً، بل هي المقاومة الوحيدة الممكنة.




القسم الأول: أغاني البراءة (1789) - ترنيمة الفطرة في عالم لم يزل بكرًا

أغاني البراءة قصائد لويليام بليك (1789)؛ ليست مجرد ديوان شعري نُشر في أواخر القرن الثامن عشر، بل هي محاولةٌ أنطولوجية لاستعادة الفردوس المفقود في نفس الإنسان. حين خطّ بليك كلماته، لم يكن يكتب نصوصاً للأطفال كما قد يوحي ظاهره، بل كان يرسم خريطة روحية لحالة وجودية نادرة: حالة البراءة كنموذج أوليّ للوعي البشري قبل أن تصقله تجارب الحياة القاسية، أو تفتته قيود المجتمع والمؤسسات.

في هذا الديوان، لا ينظر بليك إلى البراءة بوصفها جهلاً بالشر، بل بوصفها بصيرة متصلة بجوهر الإلهي. إنها لحظة الانعتاق التي تسبق السقوط في دهاليز الخبرة. تستند الفلسفة التي تقبع خلف هذه القصائد إلى رؤية بليك الصوفية للعالم، حيث يرى في الطفل رمزاً للكمال الإنساني، ذاك الكائن الذي لا يزال يحتفظ بخيط رفيع يصله بالخالق وبالكون. في عالم البراءة، تتحدث العناصر؛ الشجر يهمس، والحمل يغني، والطفل يرى الحقيقة بقلبٍ صافٍ لا يدركه العقل التحليلي الجاف الذي فرضه عصر التنوير.

إن لغة بليك هنا تتسم بالبساطة السريالية؛ كلماتٌ طرية، وموسيقى تنبع من إيقاعات الترانيم، مما يجعل القصيدة تبدو كأنها انبثاقٌ تلقائي من رحم الخيال لا من مجهود ذهني متعسف. ولكن، خلف هذه البساطة اللغوية، يكمن عمق فلسفيّ متجذر؛ فبليك يطرح تساؤلاً جوهرياً عن ماهية الذات. هل نحن كائناتٌ مكتملة بالفطرة؟ وهل يمكن لهذه الحالة أن تستمر في مواجهة تناقضات العالم؟ إن البراءة عند بليك هي حالة عقلية تتطلب شجاعة فائقة، لأنها ترفض التواطؤ مع الظلم أو الانصياع لرؤية العالم كساحة صراع مادية.

وعندما نتأمل أعماله المنقوشة (Illuminated Plates)، ندرك أن بليك لم يرَ الشعر منفصلاً عن الصورة، بل هما في اتحاد مقدّس يعكس وحدة الوجود. إن قراءة أغاني البراءة هي رحلةٌ للعودة إلى ذواتنا الأولى، حيث لا تزال الأرواح ممتلئة بالدهشة قبل أن تثقلها أعباء التمييز بين الخير والشر. هذا الديوان هو دعوة للارتقاء فوق ضجيج العالم المادي، للبحث عن الحمل الوديع الذي يرمز للنقاء الإلهي داخل كل منا، في مواجهة ذئاب التجربة التي سنكتشفها لاحقاً. إن البراءة هنا ليست هشاشة، بل هي القوة القصوى للقلب الذي يرفض أن يغادره نور الإيمان بالحياة.

 


القسم الثاني: المختبر الرؤيوي – وحدة النص والصورة في صراع المادية

لم يكن ويليام بليك شاعراً يكتفي بتنظيم الكلمات، بل كان خيميائياً بصرياً في ورشته؛ ففي أغاني البراءة، تتجلى فلسفة النقش المضيء (Illuminated Printing) كاستجابة مباشرة ومتمردة على جفاف الثورة الصناعية وهيمنة عصر العقل الذي اختزل الوجود في أرقام وتجارات مادية. عندما نقرأ بليك، نحن لا نقرأ نصاً مجرداً، بل نعيش تجربة بصرية تفاعلية؛ حيث تلتف الرسوم النباتية والرموز الأسطورية حول القصيدة، لتصبح اللوحة هي المفسر، والنص هو الروح، والورقة هي الفضاء الذي يلتقي فيه الطرفان في وحدة كونية واحدة. هذا التناغم لم يكن ترفاً فنياً، بل كان صرخة فلسفية ضد التفتيت (Fragmentation) الذي أصاب الإدراك الإنساني في ذلك العصر.

فلسفياً، يمكننا اعتبار أغاني البراءة محاولةً لمواجهة ما أسماه بليك بـ نيوتن وتفكيكه للكون. ففي حين كان العلم التجريبي يسعى لتقطيع العالم إلى أجزاء قابلة للقياس، كان بليك يبحث عن الكُل في التفاصيل الصغيرة. إن الطريقة التي صمم بها ديوانه تعكس إيمانه العميق بأن الإدراك الإنساني لا يكتمل إلا عبر الخيال (Imagination)، الذي اعتبره بليك هو جسد الرب أو القوة الخلاقة التي تمنح الأشياء حقيقتها. بالنسبة له، البراءة هي حالةٌ من الإدراك المباشر، إدراك لا يمر عبر مرشحات العقل المنطقي الذي يفصل الذات عن الموضوع، أو الإنسان عن الطبيعة.

في هذا السياق، يبرز التوتر بين بليك ومؤسسات عصره؛ فالبراءة بالنسبة له ليست سلبية أو خضوعاً، بل هي موقف وجودي نشط. إنها المختبر الذي يُعاد فيه بناء العالم وفق قيم الحب والجمال. حينما نصادف في الديوان صوراً للأطفال وهم يلهون في المراعي، نحن لا نشهد مشهداً ريفياً روتينياً، بل نشهد تجلّياً للطبيعة في أنقى صورها، قبل أن يتم استغلالها من قبل آلات المصانع أو تشويهها من قبل القوانين الاجتماعية المتصلبة. بليك هنا، وبوعيٍ راديكالي، يقدم البراءة كقوة سياسية وروحية قادرة على تحدي التشيؤ؛ أي تحويل الإنسان إلى مجرد ترس في آلة الإنتاج.

وعليه، فإن دراسة هذا الديوان تتطلب منا تجاوز النظرة السطحية للنص. فالكلمات، بقدر ما هي بسيطة، تعمل كرموزٍ مشفرة تفتح أبواباً للتعالي. كل زهرة، كل حمل، كل راعٍ في قصائد بليك هو أيقونة تحيل إلى حقيقة أبعد من حدود الواقع الحسي. إننا أمام مشروع فكري يحاول إعادة ربط الإنسان بخالقه من خلال الجمال، معتبراً أن الجمال ليس زينة مضافة، بل هو المقياس الوحيد لصدق الوجود. بهذا، يمهد بليك الطريق لفهمنا العميق للتحول الكبير الذي سيحدث لاحقاً في أغاني الخبرة، حيث سيتم اختبار هذه الرؤية في بوتقة الألم، والمعاناة، وتناقضات التاريخ التي لا ترحم، والتي ستجبر البراءة على اتخاذ شكل جديد، أكثر صلابة وأشد تعقيداً.

القسم الثالث: أنطولوجيا الطفولة والرمزية الإلهية – قراءة في ثيمات أغاني البراءة

في جوهر أغاني البراءة، لا يكتفي بليك بتقديم صورة مثالية عن الطفولة، بل يؤسس لـ أنطولوجيا (علم وجود) خاصة؛ حيث يحتل الطفل مرتبة الوسيط بين المطلق والنسبي. إن الطفولة عند بليك هي التجسيد الأسمى لـ الخيال الإبداعي (Poetic Genius)، وهي الحالة التي يتوحد فيها الفرد مع الكون دون وساطة العقل التحليلي الذي يفرض ثنائية (الذات/الموضوع). في قصائد مثل The Lamb (الحمل)، نجد أن التساؤل الموجه للحمل ليس مجرد استفهام طفولي بريء عن أصل الوجود، بل هو استنطاقٌ صوفي للماهية الإلهية. بليك هنا يطرح إشكالية المماثلة؛ حيث يتماهى الطفل مع الحمل، والحمل مع الخالق، في حلقةٍ دائرية من الرحمة والوداعة التي تسبق الانقسام الأخلاقي الذي تفرضه الخبرة. إن البراءة هنا ليست جهلاً بالشر، بل هي قوة تعلٍٍّ ترفض الاعتراف بسلطة الشر كقدرٍ حتمي، وهي رؤية تقترب من المفهوم الفينومينولوجي للحضور، حيث يكون الوجود حضوراً خالصاً غير ملوثٍ بأوهام الزمن الخطي أو التراتبيات المؤسساتية.

وفي تحليلنا لقصيدة The Chimney Sweeper (ماسح المداخن)، نكتشف كيف يوظف بليك البراءة كأداة نقد اجتماعي جذري، وليس كمجرد عاطفة رومانسية. إن مأساة توم داكر (شخصية الطفل في القصيدة) ليست في استغلال جسده فحسب، بل في محاولة سحق خياله. ومع ذلك، يصر بليك على أن البراءة تظل كامنة في حلمٍ سماوي، ليس هروباً من الواقع، بل كاستراتيجية مقاومة روحية. إن الرؤية التي يراها الطفل في الحلم – أي الانعتاق من النعوش السوداء للمداخن – هي تفكيكٌ بنيوي للنظام الاجتماعي القائم. بليك يؤكد أن القهر لا يستطيع الوصول إلى الجوهر        (The Essence)  إذا ظل الخيال حراً. هذا التضاد بين قسوة المهنة وطهارة الحلم هو ما يمنح قصائد البراءة قوتها التراجيدية؛ فهي لا توهم القارئ بأن العالم عادل، بل تذكره بما فقده من قدرة على الحلم في ظل الآلة.

علاوة على ذلك، يجب أن نتوقف طويلاً عند رمزية الراعي والأم في نصوص هذا الديوان. إن الأمومة في أغاني البراءة لا تقتصر على الدور البيولوجي، بل هي تجلٍ لـ الرعاية الإلهية التي تعيد تشكيل العالم كفضاءٍ آمن. بليك يستخدم هذه الصور ليعيد صياغة مفهوم السكينة؛ فالأرض في نظر الطفل البريء ليست ساحة معركة داروينية للبقاء، بل هي بيتٌ دافئ يتسم بالاحتواء. وهنا تبرز براعة بليك في استخدام اللغة الشفافة؛ فهو يختار مفردات تبدو مألوفة، بسيطة، ومباشرة، ولكنها تعمل كرموزٍ كثيفة. إن الزهرة، الجدول، والخروف ليست مجرد مفردات طبيعية، بل هي مرايا يعكس من خلالها بليك إيمانه بأن الطبيعة هي الجزء الظاهر من الوجود الإلهي. هذا الإيمان هو ما يجعل الديوان نصاً متسامياً (Transcendent)؛ فهو يرفض الانغلاق داخل حدود المادة، ويطالب القارئ بأن ينظر عبر العين لا بها.

إننا أمام بنية شعرية ترفض التشيؤ، وتصر على أن الجوهر الإنساني – الذي يمثله الطفل – هو المعيار الوحيد للحق والجمال. إن بليك يضعنا أمام مفارقة: نحن ندرك البراءة لأننا فقدناها، ولكن أغاني البراءة ليست رثاءً، بل هي استحضارٌ فاعل لهذه الحالة. إنها تدعونا لنعيد اكتشاف تلك المنطقة في أرواحنا التي لم تصل إليها تجارة العقل، ولم تشوهها تروس المجتمع. إنها دعوة للعودة إلى الأصل قبل أن يتم تفتيتنا إلى ذراتٍ مادية في عالم الخبرة، الذي سنكتشف في مقالك القادم كيف يقلب هذه الرؤية رأساً على عقب، ويضعنا وجهاً لوجه أمام تناقضات الوجود التي لا تقبل المساومة.

القسم الرابع: تجليات الطهر – قراءة نقديّة في نصوص مختارة من الديوان[1]

لتحويل الرؤى الفلسفية التجريدية إلى معاينة حية، لا بد من العودة إلى بنية النصوص ذاتها، حيث يندمج المفهوم بالصورة الشعرية في تلاحم فريد. نبدأ بـ قصيدة المقدمة [2](Introduction)، وهي النص المفتاحي الذي يؤسس لوعي الديوان بأكمله. في هذه القصيدة، يظهر الراعي (The Piper) وهو يعزف ألحانه العفوية على مزمار، ليلتقي فجأة بطفلٍ يطفو على سحابة. هذا اللقاء ليس مشهداً فانتازياً عابراً، بل هو تجسيد فينومينولوجي للحظة الإلهام الرؤيوي في أنقى صورها. يطلب الطفل من الراعي أن يعزف أغنية عن الحمل، ثم يطلب منه بكاءً، ثم يأمره في النهاية بـ الكتابة. هنا يتجلى التحول الأنطولوجي من الصوت العابر (الموسيقى والشفاهية) إلى الأثر الباقي (الكتابة)، حيث يقتلع الشاعر قصبة ويصنع منها قلماً، ويكتب بـ ماءٍ صافٍ أغنياتٍ تُبهج الأطفال. هذا الانتقال من الفطرة الارتجالية إلى التدوين هو إعلان بليك عن وظيفته كنبي ورؤيوي؛ فالكتابة هنا ليست تدجيناً للبراءة أو تقييداً لها، بل هي فعلُ تخليدٍ مقصود لحماية هذه الحالة الروحية قبل أن تأتي رياح الخبرة لتمحوها من الذاكرة البشرية.

وعندما ننتقل إلى قصيدة الحمل (The Lamb)،[3] نجد أنفسنا أمام بنية حوارية دائرية تتألف من سؤال وجواب، تعكس في طياتها وحدة الوجود الصوفية وتلغي المسافات بين الخالق والمخلوق. يسأل الطفلُ الحملَ: من صنعك؟ هل تعرف من صنعك؟، وفي المقطع الثاني يقدم الإجابة مباشرة عبر مماثلة سيميائية مذهلة: إنه يُدعى باسمك، لأنه يصف نفسه بأنه حمل. في هذا التماهي الثلاثي بين (الطفل، الحمل، والخالق الوديع)، يفكك بليك التراتبية الدينية التقليدية التي تضع الإله في أبراج غيبية بعيدة؛ فالإله هنا حضورٌ محايث كامن في وداعة الطبيعة وبراءة الطفولة. لغة القصيدة تتسم بتكرار ممتد وبسيط يشبه الترانيم الكنسية، لكن بليك يفرغه من البعد اللاهوتي الصارم والمخيف ليُعيد ملأه بالطهارة الكونية الشاملة. إن الحمل هنا لا يمثل الضحية المستسلمة أو القربان، بل يمثل الانسجام التام مع الناموس الوجودي الأول؛ إنه كائن يعيش في فضاء نقي غافل عن فكرة الخطيئة الأصيلة أو العقاب، مما يجعل القصيدة نشيداً مطلقاً للواحدية الوجودية.



أما القوة النقدية الراديكالية في الديوان، فتتبدى بأبهى صورها في قصيدة منظف المداخن (The Chimney Sweeper)، حيث يلتقي البعد الاجتماعي والسياسي بالبعد الرمزي في تضاد بصري حاد وصادم. يبدأ النص برواية طفل بيعَ من قبل والده بعد موت أمه، ليقضي طفولته المبكرة في تنظيف المداخن المظلمة وضيقها. هنا يركز بليك على صورة شعر توم داكر الأبيض الأشعث الذي يشبه صوف الحمل، والذي يتم حلاقته عنوة حتى لا يتسخ بالرماد الأسود. هذا التناقض البصري بين بياض الشعر (الذي يحيل إلى طهارة الفطرة والحمل) وسواد السخام (الذي يحيل إلى قسوة الثورة الصناعية وتواطؤ المؤسسة الدينية والاقتصادية) يعكس توتراً بنيوياً هائلاً في النص.[4]

الحلم الذي يراه توم لاحقاً—حيث يُحبس آلاف الماسحين الأطفال في نعوش سوداء ثم يحررهم ملاك بمفتاح مشع ليطلقهم في المروج الخضراء—ليس مخدراً دينياً يبشر بعزاء الآخرة الزائف كما يرى بعض النقاد السطحيين، بل هو تفكيكٌ نقدى لآليات القمع الأيديولوجي الذي يمارسه المجتمع ضد المستضعفين. إن بليك يبرز كيف أن البراءة تظل قادرة على الحفاظ على جوهرها ونورها الداخلي المتمثل في (الخيال) حتى في أشد الظروف قمعاً وظلمة، محولاً الحلم من وسيلة للهروب إلى مساحة مقاومة وجودية ترفض الاستسلام لواقع التشيؤ والمادية الجافة التي تحاول تحويل الطفولة إلى مجرد أداة إنتاج.

القسم الخامس : في مواجهة الخبرة – جدلية التناقض البنائي

لا يمكن فهم أغاني البراءة (1789) كعملٍ مكتملٍ بذاته دون استشرافِ صدمة أغاني الخبرة (1793). إن مشروع بليك الفلسفي يتجاوز التجميع الشعري العفوي ليتحول إلى نظام جدلي (Dialectical System)  يهدف إلى كشف ديناميكيات الروح البشرية في مستويين متضادين. فإذا كانت البراءة تمثل الرؤية المباشرة التي تتوحد فيها الذات مع العالم في طهارةٍ فطرية، فإن الخبرة تمثل الرؤية التفتيتية التي تفرضها مؤسسات القمع—الدين المنظم، الدولة، والتقاليد الاجتماعية—التي تقوم بتقسيم العالم إلى نحن وهم، خير وشر، خالق ومخلوق.

بينما ننتقل من البراءة إلى الخبرة، يمارس بليك تفكيكاً بنيوياً لمفاهيمه السابقة. فالنظام الإلهي الذي كان في البراءة يظهر كـ راعي محب، يتحول في الخبرة إلى سلطة غيبية تفرض ناموساً صارماً يحول الحياة إلى قيود. هذا التحول ليس مجرد تغير في المزاج الشعري، بل هو انتقال فلسفي من الفينومينولوجيا (عالم التجربة الحسية والروحية المباشرة) إلى السوسيولوجيا النقدية (عالم المؤسسات والتحكم). بليك هنا يضع القارئ في مواجهة مع تاريخ السقوط الإنساني، ليس السقوط بالمعنى الديني التقليدي، بل السقوط في فخ العقل الذي فقد اتصاله بالخيال.

في أغاني البراءة، كان بليك يستخدم الرموز –كالحمل– للإشارة إلى الوداعة، ولكن في هذا الانتقال الحتمي نحو الخبرة، سيستخدم بليك رموزاً مقابلة –كالنمر (The Tyger)– ليس ليثبت وجود الشر، بل ليطرح السؤال الوجودي الأشد خطورة: كيف يمكن لخالق واحد أن يصنع النقيضين؟ هذا التساؤل يمثل جوهر التحول بين الديوانين. إن البراءة هي حالة الواحدية (Oneness) حيث التناقض غائب، بينما الخبرة هي حالة الثنائية (Duality) حيث التناقض هو المحرك الأساسي للتاريخ والوعي. إننا لا نقرأ قصائد منفصلة، بل نقرأ مخطوطة واحدة تعيد كتابة نفسها عبر جدلية الوجود البشري.

يبدو أن بليك لم يكن ساذجاً في تفاؤله في البراءة؛ بل كان يعي تماماً أن هذه البراءة هشة وأنها ستتعرض للصدام مع قوى الخبرة القاسية. هذا الإدراك هو ما يجعل من أغاني البراءة نصاً مقاوماً؛ فهي تذكرنا بما فقدناه، وتجعلنا ندرك أن الخبرة ليست نهاية المطاف، بل هي مرحلة في دورة الروح التي تطمح –في فلسفة بليك– إلى الوصول إلى البراءة المنظمة (Organized Innocence)، وهي الحالة التي تعي فيها النفس قسوة العالم ولكنها تختار، عن وعيٍ كامل وإرادة حرة، أن تعود إلى جوهرها الإلهي. بهذا، يمهد بليك الطريق لفهمنا بأن مقالنا القادم حول أغاني الخبرة ليس تكراراً أو امتداداً، بل هو مواجهة ضرورية مع ظلال الوجود التي تفرض علينا إعادة اكتشاف أنفسنا.

 


#ويليام_بليك #أغاني_البراءة #أدب_رومانسي #فلسفة_الأدب #نقد_أدبي #WilliamBlake #SongsOfInnocence #RomanticLiterature #LiteraryAnalysis #PhilosophyOfArt

 

This article offers an in-depth analytical exploration of William Blake’s Songs of Innocence (1789), moving beyond superficial readings to examine the collection as a profound ontological project. By integrating historical context with structuralist and phenomenological approaches, the analysis highlights Blake’s illuminated printing as a radical resistance against the industrialization of the human spirit. It explores the symbolic duality of childhood and the divine, positioning Innocence not as a state of ignorance, but as an active, visionary engagement with existence that precedes the fractured perception of Experience.

 



[1]

[2] يصدح مزماري في الوديان الوعرة ،

يعزفُ ألحانَ سعادةٍ وسلام،

فرأيتُ طفلاً على سحابةٍ يطفو،

وهو يناديني بابتسام:

 

إعزفْ لي أغنيةً عن حمل ؛

فعزفتُها بفرحٍ وسرور،

يا عازف المزمار، إعزفْ تلك الأغنية ثانية —

فعزفتُها، فبكى لسماعها.

 

اترك مزمارَك جانباً، اترك مزمارَك الطِرب جانباً

وغني اغانيك الفرحة السعيدة

فغنيتُها مرةً أخرى

بينما كان يبكي فرحاً .

 

يا عازف المزمار، اجلس واكتب

في كتابٍ يقرأه الجميع—

فاختفى عن ناظري.

وقطّعتُ قصبةً جوفاء،

 

وصنعتُ قلماً،

وغمسته في الماء الزلال ،

وكتبتُ أغانيي السعيدة ،

قد يطربَ لسماعِها كلُّ طفلٍ.

 

[3] الحمل

أيها الحمل، مَن صنعك؟

هل تعرف مَن صنعك؟

مَن منحك الحياة، وجعلك ترعى

بجانب الجداول، وعبر المروج؟

مَن كساك ثوب السعادة ،

ثوب ناعم من صوف أبيض ؟

مَن منحك صوتاً غاية في الرقة ،

ما يجعل كل الوادي يبتهج؟

أيها الحمل، مَن صنعك؟

هل تعرف مَن صنعك؟

 

أيها الحمل، سأخبرك،

أيها الحمل، سأخبرك:

إنه يُدعى باسمك،

لأنه يُسمّي نفسه حملاً.

هو وديعٌ، هو طيّب،

لقد صار طفلاً مثلي.

أنا طفلٌ، وأنت حمل،

كلانا نحمل اسمه.

ليباركك الرب!

أيها الحمل، ليباركك الرب !

 

 

[4] منظف المداخن

حين ماتت أمي، كنت صغيراً جداً،

وباعني أبي قبل أن يقوى لساني على نطق نحيب . نحيب. نحيب .نحيب .

لذا فإني أمسح مداخنكم، وأنام في السخام.

 

كان هناك معي الطفل توم داكر، الذي بكى حين حلقوا له شعره ،

المجعد  كصوف الحمل، فقلت له: "اصمت يا توم! لا تبتئس،

فحلق شعرك يعني أن السخام لن يلطخ شعرك الأبيض.

 

فنام توم، ورأى حلماً،

أن آلاف المنظفين ، "ديك، جو، نيد، وجاك"،

كانوا جميعاً محبوسين في توابيت من سواد.

 

ثم جاء ملاكٌ بمفتاحٍ براق يلمع،

فتح التوابيت، وأطلق سراحهم جميعاً.

قفزوا إلى السهول، وركضوا يضحكون في ضياء النهار،

وغسلوا في النهر، وأشرقوا في الشمس.

 

ثم، بأجنحةٍ بيضاء، صعدوا إلى الغيوم،

فقال الملاك لتوم: "إذا كنت مطيعاً يا بني،

فستحظى بآبٍ في السماء، ولن تعرف الحزن أبداً".

 

استيقظ توم، وكان البرد قارساً،

لكننا قمنا، وحملنا فرشاتنا في الصباح الباكر.

ورغم أن توم كان سعيداً ودافئاً،

فإننا إذا قمنا بواجبنا، لن نخشى ضرراً أبداً.

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نيقولاي ليسكوف: الحكاية الشعبية والفلسفة الإنسانية في الأدب الروسي

من ضفاف النيل إلى صخور البتراء: جغرافيا الاغتراب في رواية النبطي