دُوسْتُويِفْسْكِي وَالإسْلَام

 

فيودور دوستويفسك


في عالم الأدب الروسي الرحيب، يبرز فيودور دوستويفسكي لا كروائي فحسب، بل كفيلسوف إنساني خاض صراعاته الوجودية على صفحات رواياته. ورغم ما يُعرف عن نزعته القومية الأرثوذكسية، يكشف مقال مايكل فوتريل عن أبعاد خفية في علاقة دوستويفسكي بالإسلام، حيث لم يكن هذا العالم بالنسبة له مجرد ثقافة بعيدة، بل كان حاضراً في تجاربه الشخصية، وفي تساؤلاته عن طبيعة الزمن، وفي بحثه المضني عن "الإنسان الكامل". إن هذا التحليل يستعرض تلك التقاطعات الفكرية والوجدانية، محاولاً فك الاشتباك بين إنسانية الأديب التي انحازت للقيم النبيلة، وتحيزاته الآيديولوجية التي فرضها سياق عصره.

التجربة المعاشة كمصدر للإلهام: لقاءات سيبيريا

إن اهتمام دوستويفسكي بالإسلام لم يكن نتاج قراءات أكاديمية فحسب، بل كان ثمرة احتكاك وجودي في بيئة قاسية. فخلال سنوات سجنه في أومسك، وجد الكاتب نفسه محاطاً بشخصيات تنتمي لعوالم ثقافية ودينية مغايرة. يوضح فوتريل أن شخصيات مثل "نورا" و"علي" لم تكن مجرد إضافات أدبية، بل كانت تجسيداً لصفات إنسانية نبيلة صقلتها المعاناة. لقد رأى دوستويفسكي في هؤلاء المسلمين نموذجاً للنزاهة، والبساطة، والكرامة الروحية التي تتجاوز حواجز اللغة والدين. هذا الاحتكاك حول "الإسلام" من مفهوم مجرد أو عدو تاريخي (كما كانت تصوره القومية الروسية) إلى تجربة بشرية ملموسة تتميز بالصدق واللطف. إن دوستويفسكي، بحسه الإنساني، التقط "جوهر" تلك الشخصيات التي رفضت الانكسار أو الفساد في بيئة السجن المدمرة. هذه اللقاءات تركت أثراً عميقاً في لاوعيه الإبداعي، مما دفعه لاحقاً للبحث عن نصوص دينية مثل القرآن الكريم ليفهم الجذور الثقافية التي صنعت هذا النبل الإنساني. إن هذا يؤكد أن الأدب عند دوستويفسكي كان دائماً مرآة للواقع، وأن تعاطفه مع هؤلاء المسلمين كان انعكاساً لبحثه الدائم عن "الإنسان الكامل" في عالم يغرق في المادية والفساد.

الصداقة مع فاليكانوف: جسر بين الشرق والغرب

تعتبر الصداقة التي ربطت دوستويفسكي بالضابط والمثقف الكازاخستاني "تشوكان فاليكانوف" علامة فارقة في حياة الكاتب الروسي. لم يكن فاليكانوف مجرد صديق، بل كان رمزاً للحالة التي سعى إليها دوستويفسكي: الإنسان الذي يجمع بين أصالة الشرق وحداثة التوجه الأوروبي. يصف المقال فاليكانوف بأنه أول جغرافي ومؤرخ كازاخستاني، ورجل تمتع بسحر شخصي وذكاء استثنائي جذب دوستويفسكي بشدة. لقد كانت المراسلات بينهما تعبر عن انجذاب عاطفي وفكري عميق؛ حيث رأى فيه دوستويفسكي طاقة إبداعية يمكنها أن تكون جسراً بين روسيا وآسيا. في رسائله، حث دوستويفسكي صديقه على أن يكون صوتاً لشعبه، مؤمناً بأن فاليكانوف يمتلك فرصة فريدة ليشرح "السهوب" للعالم الروسي، ويخدم أرضه كشفيع مستنير. هذا الارتباط يؤكد أن نظرة دوستويفسكي للآخر لم تكن دائماً نمطية أو متعالية، بل كانت مشوبة بالاحترام الشديد للقدرات الفردية التي تتحدى القوالب الجاهزة. حتى بعد وفاة فاليكانوف، ظل دوستويفسكي يحتفظ بذكرى صديقه كـ "ماسة" نادرة في صندوق ذكرياته، مما يعكس الأثر الباقي لهذا اللقاء الفكري الذي تجاوز حدود العرق والسياسة.

إشكالية "الصرع": بين المرض والنشوة الصوفية

يغوص المقال في تحليل جريء ومثير للجدل حول ربط دوستويفسكي بين نوباته الصرعية وبين تجربة "رحلة الإسراء" للنبي محمد عليه افضل الصلاة والتسليم . لم يكن دوستويفسكي يرى مرضه مجرد خلل بيولوجي، بل حالة "تجاوز للزمن" تمنحه شعوراً بالاكتمال والاندماج الوجداني مع تماسك الحياة. بالاعتماد على حاشية في ترجمة كازيميرسكي للقرآن الكريم، وجد دوستويفسكي في قصة الإسراء -وتحديداً قصة الإبريق الذي لم ينسكب رغم سرعة الرحلة- صدى لنوباته الخاصة. لقد كان الكاتب يرى في محمد عليه افضل الصلاة والتسليم "زميلاً في الصرع"، ليس انتقاصاً من قدره، بل سعياً لفهم تلك اللحظة الاستثنائية التي ينفصل فيها الإنسان عن تدفق الزمن الخطي. هذا الربط يعكس هوس دوستويفسكي بالبحث عن "لحظات الأبدية" في عالم زائل. في رواياته مثل "الأبله" و"الشياطين"، نرى شخصيات مثل ميشكين وكيريلوف يعيشون هذه اللحظة التي تتوقف فيها الساعة ليصبح الزمن أبدياً. إن هذا التحليل يبرز كيف كان دوستويفسكي يستخدم أدواته المعرفية المحدودة (بناءً على مصادر عصره) لمحاولة فهم التجربة الصوفية، محولاً تجربته الشخصية مع الصرع إلى أداة فلسفية لفهم كبار الشخصيات الدينية. إنها محاولة لمحاورة "الآخر" من خلال لغة الجسد والألم المشترك، رغم ما تحمله من مبالغات فكرية.

المفارقة بين الفن والأيديولوجيا

يبرز المقال تناقضاً صارخاً في حياة دوستويفسكي: الفرق بين تعاطفه الأدبي مع الأفراد المسلمين، ومواقفه السياسية والأيديولوجية المتصلبة. ففي رواياته، أبدع دوستويفسكي شخصيات مثل "علي" التي حملت قيم الخير، لكن في مقالاته الصحفية اللاحقة، طغت عليها نزعات القومية الروسية والعداء للإسلام كخصم سياسي. يوضح فوتريل أن هذه المواقف، التي اتسمت بحدتها في "مذكرات كاتب"، ربما كانت نتاج ضغوط سياسية ومساعٍ قومية للتبشير بالثيوقراطية الأرثوذكسية. لقد أصبح "الإسلام" في عقل دوستويفسكي السياسي مرادفاً للأتراك، مما أدى إلى حجب الرؤية الصوفية أو الإنسانية التي بدأ بتشكيلها في شبابه. هذا الانقسام يعكس إشكالية المثقف الروسي في القرن التاسع عشر؛ حيث يتصارع النداء الإنساني الكوني مع الضغوط الوطنية والأيديولوجية. حتى في ذكرى بوشكين، حيث دعا إلى "الفهم الشامل"، لم يتخلص تماماً من الصور النمطية حول "سيف القرآن" و"قوته الدموية". يجادل المقال بأن دوستويفسكي لم يكن قادراً على الوصول إلى فهم أعمق للإسلام كفلسفة، ليس بسبب نقص في الذكاء، بل بسبب التزاماته الآيديولوجية التي جعلت من "الآخر" خصماً يجب التغلب عليه لا شريكاً يجب فهمه.



دروس من الماضي: نحو أفق حوار أوسع

يختتم فوتريل المقال بدعوة ملحة لتجاوز النظرة المركزية الغربية التي تضع الفكر الغربي كمعيار وحيد للحقيقة الإنسانية. يشدد المقال على أن أعمال دوستويفسكي، رغم أهميتها، يجب أن تُقرأ اليوم من خلال زوايا عالمية تدمج المعارف الشرقية والغربية. إن العودة إلى شخصية مثل "علي" في "مذكرات من منزل الأموات " تُعد بمثابة نداء أخلاقي؛ حيث يذكرنا فوتريل بأن دوستويفسكي نفسه وصف لقاءه بـ "علي" كواحد من أجمل اللقاءات في حياته. يرى الكاتب أننا يجب ألا نكتفي بكوننا "أغنى حضارة"، بل يجب أن نتحلى بالتواضع للاعتراف بأن الأفكار الإنسانية الكبرى لم تكن حكراً على الفكر الغربي، بقدر ما هي إرث للبشرية جمعاء. إن التحدي الآن هو أن نعيد تقييم إرث هؤلاء المفكرين الكبار ليس كأصنام فكرية، بل كأفراد حاولوا -رغم القيود والتحيزات- أن يلمسوا جوهر الحقيقة. إن المقال يفتح الباب أمام نقاد وباحثين جدد لتقديم دراسات تكاملية، بعيداً عن "الرضا الذاتي الثقافي"، لتعميق فهمنا للإسلام والشرق من خلال أعمال الروائيين الروس العظماء. إن الهدف ليس تبرير زلات دوستويفسكي، بل تعلم الدروس من محاولاته الصادقة (رغم إخفاقاتها) في الاقتراب من "الآخر".

ختاماً، إن قراءة فوتريل لما كتبه دوستويفسكي عن الإسلام وتشوكان فاليكانوف، تقدم لنا درساً جوهرياً في كيفية تعامل العباقرة مع "الآخر"؛ فهي رحلة تتأرجح بين الانبهار الصادق والجمود الفكري. لقد نجح دوستويفسكي في أن يترك لنا إرثاً إنسانياً يتجاوز حدود "الأنا" القومية، ليضعنا أمام مرآة تعكس صراعاتنا المعاصرة في فهم الثقافات المختلفة. ومن خلال هذا التحليل، ندرك أن القيمة الحقيقية لأدب دوستويفسكي لا تكمن فقط في إجاباته، بل في الأسئلة العميقة التي طرحها، والتي تظل تدعونا اليوم إلى تبني رؤية أكثر شمولية وتسامحاً في قراءتنا للتاريخ والثقافات التي تشكل عالمنا.

لماذا ترجمت هذا المقال؟ إن انشغالي الحالي بكتابة مؤلَّف حول "شكسبير والإسلام" قد دفعني، بحكم طبيعة البحث، إلى سلوك مسارات معرفية متنوعة ومتشعبة؛ فقد أتيح لي بالفعل نشر مقالين تناولا الحضور الإسلامي والمفاهيم الإسلامية في أعمال شكسبير، وأنا حالياً في مرحلة القراءة المتعمقة لمقال آخر يتناول العلاقة بين الإسلام وجيمس جويس، إلى جانب قراءات أخرى ذات صلة.

إن اختيار هذا المقال تحديداً يأتي في هذا السياق الاستقصائي؛ إذ إنني لا أزعم بالضرورة اتفاقي مع كل ما ورد في طروحات "فوتريل"؛ فالغاية هنا هي توفير مادة معرفية رصينة تعزز من أفق البحث والمقارنة. لقد حرصت كل الحرص على أن أكون أميناً لأقصى درجة في نقل النص الأصلي وترجمته بكل دقة، كما أن جل أعمال دوستويفسكي التي يتحدث عنها المقال مترجمة الى العربية. أرجو المعذرة عن أي إزعاج قد يسببه هذا المحتوى أو أي من الآراء الواردة فيه.



دُوسْتُويِفْسْكِي وَالإسْلَام[1]

لَقَدْ حَظِيَ اهْتِمَامُ تُولِسْتُوي الطَّوِيلُ وَالْعَمِيقُ بِالْأَدْيَانِ وَالْفَلْسَفَاتِ الشَّرْقِيَّةِ، وَمُرَاسَلَاتُهُ مَعَ بَعْضِ الشَّخْصِيَّاتِ الصِّينِيَّةِ وَالْيَابَانِيَّةِ وَالْهِنْدِيَّةِ (مِثْلَ غَانْدِي) وَتَأْثِيرُهُ عَلَيْهِمْ، وَأَوْجُهُ التَّشَابُهِ بَيْنَ بَعْضِ الْأَفْكَارِ الشَّرْقِيَّةِ وَأَفْكَارِهِ، بِاهْتِمَامٍ كَبِيرٍ.[1] وَيَبْدُو أَنَّ الدِّرَاسَاتِ قَدْ أَهْمَلَتْ دِرَاسَةَ هَذِهِ الْأُمُورِ فِي حَيَاةِ وَأَعْمَالِ دُوسْتُويِفْسْكِي[2]، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ كُتَّابَ سِيرَتِهِ قَدْ أَشَارُوا إِلَى طَلَبِهِ الْمُتَكَرِّرِ لِلْقُرْآنِ مِنْ شَقِيقِهِ مِيخَائِيل بَعْدَ إِطْلَاقِ سَرَاحِهِ مِنْ سِجْنِ أُومْسْك عَامَ 1854، وَلَا بُدَّ أَنَّ الْعَدِيدَ مِنَ الْقُرَّاءِ قَدِ انْدَهَشُوا مِنَ الْإِشَارَةِ الْوَاضِحَةِ فِي كُلٍّ مِنْ رِوَايَتَيِ "الْأَبْلَه" والشياطين" إِلَى التَّجْرِبَةِ الصُّوفِيَّةِ الْكَبِيرَةِ لِلنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ. فِي الْوَاقِعِ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ مَكْتَبَةَ دُوسْتُويِفْسْكِي فِي سَنَوَاتِهِ الْأَخِيرَةِ كَانَتْ تَضُمُّ كِتَاباً عَنِ الْبُوذِيَّةِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى نُسْخَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ،[3] فَإِنَّ الدِّينَ الْآخَرَ بِخِلَافِ الْمَسِيحِيَّةِ الَّذِي كَانَ لِدُوسْتُويِفْسْكِي اهْتِمَامٌ خَاصٌّ بِهِ هُوَ بِالْفِعْلِ الْإِسْلَامُ. وَيَبْدُو أَحْيَاناً أَنَّ النُّقَّادَ يَنْسَوْنَ أَنَّ دُوسْتُويِفْسْكِي أَمْضَى مَا لَا يَقِلُّ عَنْ تِسْعِ سَنَوَاتٍ وَنِصْفٍ مُتَوَاصِلَةٍ مِنْ حَيَاتِهِ بَعِيداً عَنِ الْأُورَال، وَخِلَالَ تِلْكَ الْفَتْرَةِ، سَوَاءً كَسَجِينٍ فِي أُومْسْك أَوْ كَجُنْدِيٍّ فِي سِيمِيبَالَاتِينْسْك، كَانَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ عَلَى تَوَاصُلٍ وَثِيقٍ بِأَشْخَاصٍ غَيْرِ رُوسٍ - وَلَا سِيَّمَا بِالْمُسْلِمِينَ أَوِ الْأَشْخَاصِ ذَوِي الْخَلْفِيَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ – وَهُوَ تَوَاصُلٌ يَخْتَلِفُ كَسَجِينٍ أَوْ جُنْدِيٍّ عَنْ تَوَاصُلِهِ مَعَ غُونْتَشَارُوف أَوْ تَشِيخُوف أَوْ بُونِين خِلَالَ أَسْفَارِهِمُ الْآسِيَوِيَّةِ.



كَانَ الْإِسْلَامُ (وَخَاصَّةً الْقُرْآنُ) ذَا أَهَمِّيَّةٍ فِي أَعْمَالِ الْعَدِيدِ مِنَ الشُّعَرَاءِ الرُّوسِ، بِمَنْ فِيهِمْ بُوشْكِين (الَّذِي زَارَ الْقَوْقَازَ) وَلِيرْمُونْتُوف (الَّذِي خَدَمَ وَقَاتَلَ هُنَاكَ فِي الْجَيْشِ الرُّوسِيِّ، كَمَا فَعَلَ تُولِسْتُوي فِي شَبَابِهِ[4]). أَمْضَى غْرِيبُويْدُوف عِدَّةَ سَنَوَاتٍ فِي الْقَوْقَازِ وَفِي بِلَادِ فَارِسَ. وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ تَجْرِبَةَ دُوسْتُويِفْسْكِي تُشَابِهُ إِلَى حَدٍّ بَعِيدٍ تَجْرِبَةَ سُولْجِينِيتْسِين،[5] مَعَ سَنَوَاتِ عَمَلِهِ الْقَسْرِيِّ وَنَفْيِهِ فِي آسِيَا الْوُسْطَى السُّوفِيَّتِيَّةِ. فِي خَاتِمَةِ رِوَايَةِ "الْجَرِيمَةِ وَالْعِقَابِ"، وَبَعْدَ كَابُوسِ السَّجِينِ رَاسْكُولْنِيكُوف فِي عِيدِ الْفِصْحِ عَنِ الْعَالَمِ بِأَسْرِهِ "وَقَدْ دَمَّرَهُ طَاعُونٌ مَجْهُولٌ وَرَهِيبٌ انْتَشَرَ عَبْرَ أُورُوبَّا مِنْ أَعْمَاقِ آسِيَا"،[6] رُبَّمَا بَدَتْ مُلَاحَظَتُهُ عَنْ "خِيَامِ الْبَدْوِ حَيْثُ يَبْدُو أَنَّ الزَّمَنَ نَفْسَهُ قَدْ تَوَقَّفَ" فِي "السُّهُوبِ الشَّاسِعَةِ، الْغَارِقَةِ فِي ضَوْءِ الشَّمْسِ" (6.421) خَارِجَ السِّجْنِ السِّيبِيرِيِّ أَقَلَّ غَرَابَةً لِدُوسْتُويِفْسْكِي نَفْسِهِ مِمَّا تَبْدُو عَلَيْهِ عَلَى الْأَرْجَحِ لِمُعْظَمِ قُرَّائِهِ وَنُقَّادِهِ. رُبَّمَا حَجَبَتِ النَّزْعَةُ الْقَوْمِيَّةُ الرُّوسِيَّةُ الَّتِي طَغَتْ عَلَى كِتَابَاتِ دُوسْتُويِفْسْكِي الصُّحُفِيَّةِ الْمُتَأَخِّرَةِ، بِشِعَارِهَا الْمُتَكَرِّرِ "يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ لَنَا"، اهْتِمَامَهُ بِشَخْصِيَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَمَعْنَى عَلَاقَاتِهِ الْوَثِيقَةِ، ظَاهِرِيًّا، مَعَ مُسْلِمَيْنِ اثْنَيْنِ فِي سِيبِيرْيَا، وَمَعَ رَجُلٍ كازاخي - مُفَكِّرٍ بَارِزٍ وَرَجُلِ عَمَلٍ، مِنْ أَكْثَرِ الشَّخْصِيَّاتِ تَمَيُّزاً الَّتِي عَرَفَهَا دُوسْتُويِفْسْكِي. وَلَعَلَّ مِنَ الْمُفِيدِ اسْتِعْرَاضُ الْمَعْلُومَاتِ الْمُتَاحَةِ حَوْلَ مَعْرِفَتِهِ بِالْإِسْلَامِ، وَبِالْمُسْلِمِينَ، وَبِهَذَا الصَّدِيقِ الكازاخي.

تَحْتَوِي الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي نَشَرَهَا دُوسْتُويِفْسْكِي "الْمُزْدَوَجُ" (1846) عَلَى إِشَارَاتٍ (فِي الْفَصْلَيْنِ الرَّابِعِ وَالسَّابِعِ) إِلَى الْأَتْرَاكِ وَإِلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ لَكِنَّ دَلِيلاً أَكْثَرَ أَهَمِّيَّةً يَأْتِي مِنْ سَنَوَاتِهِ الْأَرْبَعِ (يَنَايِر 1850 - فَبْرَايِر 1854) فِي سِجْنِ أُومْسْك، الَّتِي شَكَّلَتِ الْمَادَّةَ لِرِوَايَةِ "مُذَكَّرَاتٍ مِنْ مَنْزِلِ الْأَمْوَاتِ"، الَّتِي نُشِرَتْ خِلَالَ 1860-1862. وَقَدْ لَاحَظَ الْعَدِيدُ مِنَ النُّقَّادِ وَصْفَ دُوسْتُويِفْسْكِي لِلْمُدَانِينَ ذَوِي الْإِرَادَةِ الصُّلْبَةِ الَّتِي لَا تَلِينُ، مِثْلَ أُورْلُوف: "لَمْ أُقَابِلْ فِي حَيَاتِي رَجُلاً أَقْوَى مِنْهُ، وَلَا أَكْثَرَ صَلَابَةً... مِنَ الْوَاضِحِ تَمَاماً أَنَّهُ انْتِصَارٌ وَاضِحٌ عَلَى الْجَسَدِ. كَانَ جَلِيّاً أَنَّهُ يَتَمَتَّعُ بِقُدْرَةٍ لَا حُدُودَ لَهَا عَلَى ضَبْطِ النَّفْسِ، وَيَحْتَقِرُ كُلَّ أَنْوَاعِ التَّعْذِيبِ وَالْعِقَابِ، وَلَا يَخْشَى شَيْئاً فِي الْعَالَمِ". وَلَكِنْ فِي الْفَصْلِ نَفْسِهِ، وَبِجَانِبِ الرَّجُلِ الْحَدِيدِيِّ "أُورْلُوف" نَجِدُ مُسْلِمَيْنِ اثْنَيْنِ: "نُورَّا" اللَّيْزْغِيَّ[7]، وَالتَّتَارِيَّ الدَّاغِسْتَانِيَّ "عَلِيّ".

عَنْ "نُورَّا"، يَقُولُ: "مُنْذُ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، طَبَعَ [نُورَّا] فِي نَفْسِي أَجْمَلَ الْأَثَرِ وَأَبْهَجَهُ، كَانَ دَائِماً مَرِحاً وَوَدُوداً مَعَ الْجَمِيعِ، كَانَ يَعْمَلُ دُونَ شَكْوَى، يَفِيضُ سَكِينَةً وَصَفَاءً، رَغْمَ أَنَّ عَيْنَيْهِ كَانَتَا تَتَّقِدَانِ أَحْيَاناً بِالْغَضَبِ لِمَا يَرَاهُ مِنْ دَنَسِ الْحَيَاةِ فِي السِّجْنِ وَقَذَارَتِهَا. كَانَ قَلْبُهُ النَّقِيُّ يَثُورُ سَخَطاً عَلَى كُلِّ صُوَرِ السَّرِقَةِ وَالْخِدَاعِ وَالْمُجُونِ، وَكُلِّ مَا جَافَى الْأَمَانَةَ؛ لَكِنَّهُ لَمْ يَفْتَعِلْ شِجَاراً قَطُّ، بَلْ كَانَ يَشِيحُ بِوَجْهِهِ تَرَفُّعاً وَاشْمِئْزَازاً. طِيلَةَ أَيَّامِهِ فِي غَيَاهِبِ السِّجْنِ، لَمْ تَمْتَدَّ يَدُهُ لِسَرِقَةٍ، وَلَمْ تَقْتَرِفْ نَفْسُهُ سُوءاً قَطُّ. كَانَ رَجُلاً شَدِيدَ التَّقْوَى، يَذُوبُ خَاشِعاً فِي صَلَوَاتِهِ. وَفِي أَيَّامِ الصِّيَامِ الَّتِي تَسْبِقُ الْأَعْيَادَ الْإِسْلَامِيَّةِ، كَانَ يَصُومُ صِيَامَ الْعَابِدِ الزَّاهِدِ وَيَقِفُ لَيَالِيَهُ طَوِيلَةً قَائِماً يُصَلِّي. لِذَلِكَ، أَحَبَّهُ الْجَمِيعُ وَآمَنُوا بِطُهْرِ سَرِيرَتِهِ. وَكَانَ السُّجَنَاءُ يَقُولُونَ عَنْهُ: 'نُورَّا أَسَدٌ'، وَهُوَ لَقَبٌ لَصِقَ بِهِ كَوِسَامٍ عَلَى صَدْرِهِ. لَا يُمْكِنُ لِعَيْنٍ أَنْ تُخْطِئَ مَلَامِحَ وَجْهِهِ الطَّيِّبِ الْمُتَعَاطِفِ وَسْطَ تِلْكَ الْوُجُوهِ الْغَاضِبَةِ، الْعَابِسَةِ، وَالْمُتَهَكِّمَةِ لِلْمَحْكُومِينَ الْآخَرِينَ... فَيَا لَطِيبَةِ نُورَّا وَيَا لَعَفْوِيَّتِهِ الْبَرِيئَةِ!" ، ( 4،50-51)



أَمَّا عَنِ التَّتَارِيِّ الدَّاغِسْتَانِيِّ "عَلِيّ"، الْأَخِ الْأَصْغَرِ بَيْنَ ثَلَاثَةِ إِخْوَةٍ، وَالَّذِي لَمْ يَتَجَاوَزِ الثَّانِيَةَ وَالْعِشْرِينَ مِنْ عُمْرِهِ، وَكَانَ يَشْغَلُ السَّرِيرَ الْمُجَاوِرَ لِسَرِيرِ الرَّاوِي، فَيَقُولُ: "لَقَدْ أَسَرَ قَلْبِي مُنْذُ النَّظْرَةِ الْأُولَى بِوَجْهِهِ الْوَسِيمِ، السَّمْحِ، وَالذَّكِيِّ، الَّذِي يَحْمِلُ فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ طِيبَةً عَفْوِيَّةً وَبَرِيئَةً؛ وَكَمْ كُنْتُ سَعِيداً لِأَنَّ الْأَقْدَارَ قَدْ سَاقَتْهُ إِلَيَّ لِيَكُونَ جَارِي دُونَ أَيِّ شَخْصٍ آخَر. كَانَتْ رُوحُهُ بِأَكْمَلِهَا تَنْعَكِسُ عَلَى وَجْهِهِ الْوَسِيمِ، بَلْ يُمْكِنُنِي الْقَوْلُ وَجْهِهِ الْبَدِيعِ. كَانَتْ بَسْمَتُهُ مُفْعَمَةً بِالثِّقَةِ، وَصَادِقَةً كَبَرَاءَةِ الْأَطْفَالِ؛ أَمَّا عَيْنَاهُ الدَّاكِنَتَانِ الْوَاسِعَتَانِ فَكَانَتَا مِنْ شِدَّةِ رِقَّتِهِمَا وَعُذُوبَتِهِمَا تَجْعَلَانِنِي أَشْعُرُ بِسَعَادَةٍ غَامِرَةٍ كُلَّمَا نَظَرْتُ إِلَيْهِ، بَلْ كَانَتَا بَلْسَماً يُخَفِّفُ عَنِّي فِي أَوْقَاتِ الضِّيقِ وَالْحُزْنِ. وَأَنَا لَا أُبَالِغُ فِي هَذَا أَبَداً." (4،51)

امْتِثَالاً لِإِخْوَتِهِ الْأَكْبَرِ سِنّاً، انْضَمَّ عَلِيٌّ إِلَيْهِمْ فِي عَمَلِيَّةِ سَطْوٍ مُسَلَّحٍ، وَحُكِمَ عَلَيْهِ بِالسِّجْنِ لِمُدَّةِ أَرْبَعِ سَنَوَاتٍ. "مِنَ الصَّعْبِ أَنْ يَتَخَيَّلَ الْمَرْءُ كَيْفَ اسْتَطَاعَ هَذَا الْفَتَى، طِيلَةَ أَيَّامِ سِجْنِهِ، أَنْ يَحْفَظَ لِقَلْبِهِ كُلَّ هَذِهِ الرِّقَّةِ، وَأَنْ يَبْنِيَ فِي نَفْسِهِ هَذَا النَّقَاءَ وَالصِّدْقَ وَالْجَاذِبِيَّةَ دُونَ أَنْ تَجْرِفَهُ أَمْوَاجُ الْغِلْظَةِ وَالْفَسَادِ. لَقَدْ كَانَ قَوِيّاً، صَلْباً صَامِداً، رَغْمَ كُلِّ مَا يَبْدُو عَلَيْهِ مِنْ لِينٍ وَوَدَاعَةٍ... بَدَأْتُ أُحَادِثُهُ، وَفِي غُضُونِ أَشْهُرٍ قَلِيلَةٍ كَانَ قَدْ تَعَلَّمَ الرُّوسِيَّةَ وَأَجَادَهَا أَيَّمَا إِجَادَةٍ... إِنَّنِي لَا أَرَى فِي عَلِيٍّ شَخْصاً عَادِيّاً أَبَداً، وَإِنَّمَا أَذْكُرُ لِقَائِي بِهِ كَوَاحِدٍ مِنْ أَجْمَلِ وَأَبْهَى اللِّقَاءَاتِ فِي حَيَاتِي. هُنَاكَ نُفُوسٌ جُبِلَتْ عَلَى الْخَيْرِ مُنْذُ مَبْدَئِهَا، وَمَنَحَتْهَا الْعِنَايَةُ الْإِلَهِيَّةُ مِنْ فَيْضِ طُهْرِهَا، حَتَّى لَيَسْتَحِيلُ عَلَى الْعَقْلِ أَنْ يَتَصَوَّرَ أَنَّهَا قَدْ تَتَبَدَّلُ يَوْماً إِلَى الْأَسْوَأ. نُفُوسٌ تَظَلُّ دَوْماً مَحَلَّ ثِقَةٍ وَأَمَانٍ. وَهَكَذَا أَنَا الْيَوْمَ، مَا زِلْتُ مِلْءَ الثِّقَةِ بِعَلِيٍّ... أَيْنَ هُوَ الْآنَ؟" (4،52)

مِنْ تَرْجَمَةٍ رُوسِيَّةٍ لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ (وَهُوَ كِتَابٌ لَمْ يَكُنْ مَحْظُوراً فِي السِّجْنِ)، قَامَ الرَّاوِي (وَهُوَ فِي الْعَادَةِ دُوسْتُويِفْسْكِي نَفْسُهُ) بِتَعْلِيمِ "عَلِيٍّ" الْقِرَاءَةَ بِالرُّوسِيَّةِ. وَفِي غُضُونِ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ، أَصْبَحَ "عَلِيٌّ" يَقْرَأُ بِامْتِيَازٍ؛ وَفِي غُضُونِ شَهْرَيْنِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، تَعَلَّمَ أَيْضاً الْكِتَابَةَ بِبَرَاعَةٍ. لَقَدْ تَأَثَّرَ "عَلِيٌّ" بِشِدَّةٍ بِـ"الْمَوْعِظَةِ عَلَى الْجَبَلِ"[8]، وَبِكَلِمَاتِ الرَّبِّ الَّتِي نَطَقَ بِهَا النَّبِيُّ الْمُقَدَّسُ يَسُوعُ: "'اِغْفِرُوا، أَحِبُّوا، لَا تُؤْذُوا أَحَداً، وَأَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ'. تَشَاوَرَ مَعَ إِخْوَتِهِ، ثُمَّ أَكَّدُوا جَمِيعاً—بِتِلْكَ 'الْبَسْمَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ الْخَالِصَةِ، الْمَشُوبَةِ بِالْوَقَارِ وَالنُّبْلِ، الَّتِي أُحِبُّهَا كَثِيراً لِمَا فِيهَا مِنْ جَلَالٍ وَمَهَابَةٍ'—أَنَّ عِيسَى كَانَ 'نَبِيّاً مِنْ عِنْدِ الله، أَتَى بِالْمُعْجِزَاتِ الْعِظَامِ، إِذْ كَانَ يَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، فَيَنْفُخُ فِيهِ فَيَطِيرُ'" (إِشَارَةٌ إِلَى الْقُرْآنِ، سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ، الْآيَةُ 49).

كَانَ "عَلِيٌّ" يُحِبُّ الرَّاوِيَ رُبَّمَا بِقَدْرِ حُبِّهِ لِإِخْوَتِهِ. "لَنْ أَنْسَى أَبَداً لَحْظَةَ مُغَادَرَتِهِ السِّجْنَ... لَقَدِ ارْتَمَى عَلَى كَتِفِي وَبَكَى. لَمْ يَسْبِقْ لَهُ أَنْ قَبَّلَنِي أَوْ بَكَى مِنْ قَبْلُ. قَالَ: 'لَقَدْ فَعَلْتَ الْكَثِيرَ مِنْ أَجْلِي، الْكَثِيرَ... وَالِدِي وَوَالِدَتِي لَمْ يَفْعَلَا كُلَّ هَذَا؛ لَقَدْ جَعَلْتَنِي إِنْسَاناً، وَسَيَجْزِيكَ اللهُ، وَلَنْ أَنْسَاكَ أَبَداً ) ". 4،54)

فِي وَقْتٍ لَاحِقٍ مِنَ الْكِتَابِ، فِي الْفَصْلِ الْعَاشِرِ، ذُكِرَ اشْمِئْزَازُ "نُورَّا" مِنْ سُكْرِ السُّجَنَاءِ فِي عِيدِ الْمِيلَادِ؛ وَفِي الْفَصْلِ الْحَادِي عَشَرَ، ذُكِرَ شَغَفُ "عَلِيٍّ" بِالْعُرُوضِ الْمَسْرَحِيَّةِ؛ "جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ وَالتَّتَارِ وَغَيْرِهِمْ، كَمَا لَاحَظْتُ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، مُغْرَمُونَ بِشِدَّةٍ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْعُرُوضِ".   (4،123)

بِالتَّأْكِيدِ، لَا تُعَدُّ "مُذَكَّرَاتٌ مِنْ بَيْتِ الْمَوْتَى" سِيرَةً ذَاتِيَّةً مُبَاشِرَةً؛ إِذْ لَا رَيْبَ أَنَّ خَيَالَ دُوسْتُويِفْسْكِي الْإِبْدَاعِيَّ قَدْ صَاغَ ذِكْرَيَاتِ سِجْنِهِ وَشَكَّلَهَا. لَكِنَّ الِافْتِرَاضَ بِأَنَّ لِقَاءَاتٍ وَتَجَارِبَ حَقِيقِيَّةً تَكْمُنُ وَرَاءَ تَصْوِيرِ شَخْصِيَّتَيْ "نُورَّا" وَ"عَلِيٍّ" يَتَعَزَّزُ بِتِلْكَ الرَّسَائِلِ الَّتِي بَعَثَهَا لِشَقِيقِهِ مِيخَائِيل يَطْلُبُ فِيهَا نُسْخَةً مِنَ الْقُرْآنِ عِنْدَ إِطْلَاقِ سَرَاحِهِ مِنَ السِّجْنِ. فَفِي رِسَالَةٍ مِنْ أُومْسْك بِتَارِيخِ 22 فَبْرَايِر 1854، طَلَبَ نُسْخَةً مِنَ الْقُرْآنِ، بِالْإِضَافَةِ إِلَى كُتُبٍ لِكَانْط وَهِيغَل؛ وَفِي رِسَالَةٍ مِنْ سِيمِيبَالَاتِينْسْك بِتَارِيخِ 27 مَارِس، لَمْ يَكْتَفِ بِطَلَبِ كُتُبٍ لِمُؤَرِّخِينَ وَاقْتِصَادِيِّينَ وَأَدَبٍ مَسِيحِيٍّ وَكَلَاسِيكِيٍّ وَعِلْمِيٍّ، بَلْ طَلَبَ نُسْخَةً مِنَ الْقُرْآنِ أَيْضاً.[9]

لَيْسَ مِنَ الْمُؤَكَّدِ مَا إِذَا كَانَ دُوسْتُويِفْسْكِي قَدْ حَصَلَ عَلَى نُسْخَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. فَقَدْ تَبِعَتْ سَنَوَاتِ السِّجْنِ الْأَرْبَعِ فِي أُومْسْك أَكْثَرُ مِنْ خَمْسِ سَنَوَاتٍ مِنَ الْخِدْمَةِ الْعَسْكَرِيَّةِ فِي سِيمِيبَالَاتِينْسْك؛ ثُمَّ أَمْضَى دُوسْتُويِفْسْكِي أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فِي مَدِينَةِ تَفِير قَبْلَ أَنْ يُسْمَحَ لَهُ أَخِيراً بِالْعَوْدَةِ إِلَى سَانْت بَطَرَسْبُرْغ فِي نِهَايَةِ عَامِ 1859. وَيُسَجِّلُ صَدِيقُهُ "مِيلْيُوكُوف"[10] أَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي تِلْكَ الْمَدِينَةِ (بِنَاءً عَلَى طَلَبِ دُوسْتُويِفْسْكِي)، مِنْ بَيْنِ كُتُبٍ أُخْرَى، نُسْخَةً مِنَ الْقُرْآنِ بِتَرْجَمَةِ كَازِيمِيرْسْكِي الْفَرَنْسِيَّةِ.[11] وَبِالْفِعْلِ، كَانَتِ التَّرْجَمَةُ الْفَرَنْسِيَّةُ لِلْقُرْآنِ بِقَلَمِ "كَازِيمِيرْسْكِي" هِيَ الَّتِي عُثِرَ عَلَيْهَا لَاحِقاً فِي مَكْتَبَةِ دُوسْتُويِفْسْكِي.[12]

وَمَعَ ذَلِكَ، بَعْدَ فَتْرَةٍ وَجِيزَةٍ مِنْ إِطْلَاقِ سَرَاحِ دُوسْتُويِفْسْكِي مِنْ سِجْنِ أُومْسْك، وَفِي نَفْسِ الْوَقْتِ تَقْرِيباً الَّذِي كَانَ يَكْتُبُ فِيهِ إِلَى شَقِيقِهِ طَالِباً نُسْخَةً مِنَ الْقُرْآنِ، تَعَرَّفَ عَلَى آسِيَوِيٍّ مُتَمَيِّزٍ أَصْبَحَ صَدِيقاً مُقَرَّباً، وَهُوَ شَخْصٌ يُعْرَفُ عَنْهُ الْكَثِيرُ عَلَى عَكْسِ الشَّخْصِيَّاتِ الْأَصْلِيَّةِ الَّتِي اسْتَوْحَى مِنْهَا "نُورَّا" وَ"عَلِيّاً".



كَانَ تُشُوكَان تُشِينْغِيسُوفِيتْش فَالِيكَانُوف[13] (كَمَا كَانَ يُكْتَبُ اسْمُهُ، وَلَا يَزَالُ، بِالرُّوسِيَّةِ مِنْ قِبَلِ الْكُتَّابِ الرُّوسِ) كَازَاخِيّاً، وُلِدَ حَوَالَي عَامِ 1837، وَهُوَ حَفِيدُ آخِرِ خَانَاتِ الْهُورْدِ الْأَوْسَطِ.[14] وَهُوَ "أَوَّلُ جُغْرَافِيٍّ وَإِثْنُوغْرَافِيٍّ وَلُغَوِيٍّ وَمُؤَرِّخٍ كَازاخِيٍّ؛ وَأَحَدُ أَبْرَزِ الْمُفَسِّرِينَ لِثَقَافَتِهِ الْكَازَاخِيَّةِ لِلرُّوسِ".[15] وَقَدِ اعْتَبَرَهُ صَدِيقُ دُوسْتُويِفْسْكِي الْمُخْلِصُ وَكَاتِمُ أَسْرَارِهِ فِي سِيمِيبَالَاتِينْسْك، الْبَارُون "رَانْغِل"[16]، "سَاحِراً لِلْغَايَةِ... حَسَنَ التَّرْبِيَةِ، وَذَكِيّاً، وَمُتَعَلِّماً".[17]

بَعْدَ تَخَرُّجِهِ مِنْ مَدْرَسَةِ "أُومْسْك" الْعَسْكَرِيَّةِ، حَيْثُ قَرَأَ الْأَدَبَ الرُّوسِيَّ وَالْإِنْجِلِيزِيَّ، سَافَرَ فَالِيكَانُوف الشَّابُّ، كَضَابِطٍ فِي الْجَيْشِ الرُّوسِيِّ، فِي أَنْحَاءِ وَاسِعَةٍ مِنْ آسِيَا الْوُسْطَى خِلَالَ النِّصْفِ الثَّانِي مِنْ خَمْسِينِيَّاتِ الْقَرْنِ التَّاسِعَ عَشَرَ، جَامِعاً بَيْنَ الِاسْتِخْبَارَاتِ الْعَسْكَرِيَّةِ وَالِاسْتِكْشَافِ وَبَيْنَ الْبَحْثِ الرَّائِدِ فِي الْفُولْكْلُورِ وَالثَّقَافَةِ التُّرْكِيَّةِ. جَذَبَتْ قُدُرَاتُهُ الِانْتِبَاهَ، وَبِنَاءً عَلَى تَوْصِيَةِ الْجُغْرَافِيِّ الْكَبِيرِ سِيمِيُونُوف-تِيَان-شَانْسْكِي،[18] انْتُخِبَ عُضْواً فِي الْجَمْعِيَّةِ الْجُغْرَافِيَّةِ الرُّوسِيَّةِ الَّتِي نَشَرَتْ بَعْضَ تَقَارِيرِهِ. أَمْضَى عَامَ 1860 فِي سَانْت بَطَرَسْبُرْغ مُلْحَقاً بِالْقِسْمِ الْآسِيَوِيِّ فِي وِزَارَةِ الْخَارِجِيَّةِ، وَشَارَكَ فِي الْحَيَاةِ الْفِكْرِيَّةِ وَالْأَدَبِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ لِلْعَاصِمَةِ؛ لَكِنَّ صِحَّتَهُ كَانَتْ قَدْ تَذَهْوَرَتْ بِالْفِعْلِ بِسَبَبِ مَرَضِ السُّلِّ، وَبَعْدَ عَوْدَتِهِ إِلَى مَسْقَطِ رَأْسِهِ تُوُفِّيَ هُنَاكَ فِي عَامِ 1865.

فِي تَعَاطِيهِ مَعَ قَضَايَا شُعُوبِ آسِيَا الْوُسْطَى كَانَ فَالِيكَانُوف مُتَفَرِّنْجاً وَمُنْتَقِداً لِتَأْثِيرِ الْإِسْلَامِ. وَيُنْقَلُ عَنِ الْإِثْنُوغْرَافِيِّ يَاَدْرِينْتْسِيف[19] قَوْلُهُ إِنَّ الْحَضَارَةَ الْأُورُوبِّيَّةَ كَانَتْ تُمَثِّلُ بِالنِّسْبَةِ لِفَالِيكَانُوف "قُرْآنَ حَيَاتِهِ الْجَدِيدَ."[20] وَمَعَ ذَلِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ فِي سَنَوَاتِهِ الْأَخِيرَةِ قَلِقاً بِشَكْلٍ مُتَزَايِدٍ مِنَ الْقَسْوَةِ الْعَسْكَرِيَّةِ الرُّوسِيَّةِ.

عَلَى الْمُسْتَوَى الشَّخْصِيِّ، كَانَ فَالِيكَانُوف مُتَمَيِّزاً بِأَنَاقَتِهِ، بَلْ وَبِحُبِّهِ الْكَبِيرِ لِلظُّهُورِ بِمَظْهَرِ الْمُتَأَنِّقِ، وَبِذَكَائِهِ السَّاخِرِ؛ وَقَدْ تَضَمَّنَ سِحْرُهُ الْآسِرُ مَيْلاً إِلَى "أَحَادِيثِ الْفُرْسَانِ" الَّتِي كَانَ يَتَبَادَلُهَا أَصْدِقَاءُ دُوسْتُويِفْسْكِي الْأَكْثَرُ تَحَرُّراً فِي بَطَرَسْبُرْغ.[21] وَفِي مُلَاحَظَاتٍ مُبَكِّرَةٍ كَتَبَهَا دُوسْتُويِفْسْكِي لِرِوَايَةِ "الْمُرَاهِقِ" عَامَ 1874، دَوَّنَ مُلَاحَظَةً: "بَسَاطَةُ قَلْبٍ رَهِيبَةٌ، فَالِيكَانُوف، سِحْرٌ".[22]

إِلَى هَذَا الشَّابِّ غَيْرِ الْعَادِيِّ ذِي الْعِشْرِينَ رَبِيعاً (التَّارِيخُ الدَّقِيقُ لِمِيلَادِ فَالِيكَانُوف غَيْرُ مَعْرُوفٍ)، كَتَبَ دُوسْتُويِفْسْكِي الْبَالِغُ مِنَ الْعُمْرِ خَمْسَةً وَثَلَاثِينَ عَاماً مِنْ سِيمِيبَالَاتِينْسْك فِي 14 دِيسَمْبِر 1856 إِحْدَى أَكْثَرِ رَسَائِلِهِ حَمَاساً عَلَى الْإِطْلَاقِ:

"تَكْتُبُ لِي قَائِلاً إِنَّكَ تُحِبُّنِي... وَأَنَا أَقُولُهَا لَكَ دُونَ كُلْفَةٍ أَوْ مُوَارَبَةٍ: لَقَدْ وَقَعْتُ فِي حُبِّكَ. لَمْ يَسْبِقْ لِي قَطُّ، مَعَ أَيِّ إِنْسَانٍ كَانَ—بَلْ وَلَا حَتَّى مَعَ شَقِيقِي نَفْسِهِ—أَنْ شَعَرْتُ بِمِثْلِ هَذَا الِانْجِذَابِ الَّذِي أَشْعُرُ بِهِ نَحْوَكَ، وَالرَّبُّ وَحْدَهُ يَعْلَمُ كَيْفَ نَمَا هَذَا الْحُبُّ فِي صَدْرِي. يُمْكِنُ لِلْمَرْءِ أَنْ يَفِيضَ فِي الشَّرْحِ وَالتَّفْسِيرِ، لَكِنْ لِمَاذَا أُسْرِفُ فِي الثَّنَاءِ عَلَيْكَ! وَإِنَّنِي لَعَلَى يَقِينٍ بِأَنَّكَ سَتُصَدِّقُنِي دُونَ حَاجَةٍ إِلَى دَلِيلٍ، يَا عَزِيزِي 'وَالِي خَان'. وَحَتَّى لَوْ سَطَّرَ الْمَرْءُ عَشَرَةَ كُتُبٍ فِي هَذَا الْمَعْنَى، لَمَا أَضَافَ شَيْئاً؛ فَالْعَاطِفَةُ وَالِانْجِذَابُ عِصِيَّانِ عَلَى التَّفْسِيرِ."

بَعْدَ ذَلِكَ، يَحُثُّ دُوسْتُويِفْسْكِي فَالِيكَانُوف عَلَى الدِّرَاسَةِ وَالْكِتَابَةِ، وَالتَّقَدُّمِ بِطَلَبٍ لِلْحُصُولِ عَلَى إِجَازَةٍ لِمُدَّةِ عَامٍ لِلذَّهَابِ إِلَى رُوسِيَا، ثُمَّ السَّفَرِ إِنْ أَمْكَنَ فِي أُورُوبَّا لِبِضْعِ سَنَوَاتٍ: "أَلَيْسَ هَدَفاً عَظِيماً، وَمَهَمَّةً مُقَدَّسَةً، أَنْ تَكُونَ أَنْتَ أَوَّلَ أَبْنَاءِ شَعْبِكَ الَّذِي يَشْرَحُ لِرُوسْيَا مَعْنَى الْمُرُوجِ وَالْمَحْمِيَّاتِ الْفَسِيحَةِ وَأَهَمِّيَّتَهَا، وَأَنْ تُبَيِّنَ لَهُمْ مَكَانَةَ أَهْلِكَ وَمَنْزِلَتَهُمْ نَحْوَ رُوسِيَا؟ وَفِي نَفْسِ الْوَقْتِ أَنْ تَخْدُمَ أَرْضَكَ الْأُمَّ بِأَنْ تَكُونَ سَفِيرَهُمُ الْمُتَنَوِّرَ لَدَى الرُّوسِ؟ تَذَكَّرْ دَوْماً أَنَّكَ أَوَّلُ قِيرْغِيزِيٍّ نَالَ تَعْلِيماً أُورُوبِّيّاً كَامِلاً.. فَلَا تَضْحَكْ مِنْ أَفْكَارِي الْحَالِمَةِ وَنُبُوءَاتِي عَنْ مَصِيرِكَ الْمَجِيدِ يَا عَزِيزِي 'وَالِي خَان'؛ فَأَنَا أُحِبُّكَ حُبّاً جَعَلَنِي أَقْضِي أَيَّامِي بِأَكْمَلِهَا سَاهِراً أَحْلُمُ بِكَ وَبِمُسْتَقْبَلِكَ الْمُشْرِقِ." [23]



إِنَّ الِانْطِبَاعَ الْعَمِيقَ الَّذِي تَرَكَهُ فَالِيكَانُوف لَدَى دُوسْتُويِفْسْكِي يَتَأَكَّدُ مِنْ خِلَالِ إِشَارَةِ زَوْجَتِهِ الثَّانِيَةِ إِلَى نُقْطَةِ تَحَوُّلٍ مُبَشِّرَةٍ فِي حَيَاتِهِ (وَحَيَاتِهَا) - وَهِيَ تَقَدُّمُهُ لِلزَّوَاجِ مِنْ كَاتِبَةِ الِاخْتِزَالِ ذَاتِ الْعِشْرِينَ رَبِيعاً فِي الْعَامِ التَّالِي لِوَفَاةِ فَالِيكَانُوف: "كَانَ الثَّامِنُ مِنْ نُوفَمْبَر 1866 أَحَدَ أَعْظَمِ أَيَّامِ حَيَاتِي. ذَلِكَ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي أَخْبَرَنِي فِيهِ فَيُودُور مِيخَائِيلُوفِيتْش أَنَّهُ يُحِبُّنِي وَطَلَبَ مِنِّي أَنْ أَكُونَ زَوْجَتَهُ." وَقَدْ أَخْبَرَ دُوسْتُويِفْسْكِي زَوْجَتَهُ بِمَا يَلِي: "لَيْلَةَ الْبَارِحَةِ، رَأَيْتُ حُلْماً بَدِيعاً سَاحِراً... إِنَّنِي أَمْنَحُ الْأَحْلَامَ مَعَانِيَ عَمِيقَةً، فَأَحْلَامِي دَوْماً تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا النُّبُوءَات… أَتَرَيْنَ ذَلِكَ الصُّنْدُوقَ الْكَبِيرَ الْمَصْنُوعَ مِنْ خَشَبِ الْوَرْد؟ إِنَّهُ هَدِيَّةٌ ثَمِينَةٌ مِنْ صَدِيقِي السِّيبِيرِيِّ 'تُشُوكَان فَالِيكَانُوف'، وَأَنَا أُعِزُّهُ وَأُقَدِّرُهُ أَيَّمَا تَقْدِيرٍ؛ إِذْ أَصُونُ فِيهِ مَخْطُوطَاتِي وَرَسَائِلِي وَأَشْيَاءَ أُخْرَى غَالِيَةً عَلَى قَلْبِي لِمَا تَحْمِلُهُ مِنْ نَفَحَاتِ الذِّكْرَى. وَهَاكِ مَا رَأَيْتُهُ فِي مَنَامِي: كُنْتُ جَالِساً أَمَامَ ذَلِكَ الصُّنْدُوقِ، أُعِيدُ تَرْتِيبَ الْأَوْرَاقِ السَّاكِنَةِ فِيهِ. وَفَجْأَةً، لَمَحْتُ شَيْئاً يَتَلَأْلَأُ بَيْنَ السُّطُورِ، كَأَنَّهُ نَجْمَةٌ صَغِيرَةٌ سَاطِعَةُ الضِّيَاءِ. رُحْتُ أُقَلِّبُ الْأَوْرَاقَ وَأَتَصَفَّحُهَا، وَكَانَتْ تِلْكَ النَّجْمَةُ تَظْهَرُ تَارَةً وَتَخْتَفِي تَارَةً أُخْرَى، مِمَّا أَثَارَ فِي نَفْسِي شَغَفاً وَفُضُولاً بَالِغَيْنِ. بَدَأْتُ أُزِيحُ الْأَوْرَاقَ رُوَيْداً رُوَيْداً إِلَى جَانِبٍ وَاحِدٍ، وَهُنَاكَ.. بَيْنَ ثَنَايَاهَا، وَجَدْتُ مَاسَةً صَغِيرَةً جِدًّا، لَكِنَّهَا كَانَتْ مُشِعَّةً، تَبْعَثُ بَرِيقاً أَخَّاذاً يَخْطَفُ الْأَبْصَارَ." [24]

إِلَى جَانِبِ الْمَقَاطِعِ فِي رِوَايَتَيْ "الْأَبْلَهِ" وَ"الشَّيَاطِينِ" الَّتِي سَنَنْظُرُ فِيهَا لَاحِقاً، فَإِنَّ أَكْثَرَ الْأَدِلَّةِ إِثَارَةً عَلَى اهْتِمَامِ دُوسْتُويِفْسْكِي بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ تَظْهَرُ فِي مُذَكَّرَاتِ صُوفْيَا كُوفَالِيفْسْكَايَا[25]، الَّتِي وُلِدَتْ عَامَ 1850، وَكَانَتْ وَاحِدَةً مِنْ أَبْرَزِ الْمُثَقَّفِينَ بَيْنَ الرُّوسِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَأَصْبَحَتْ عَالِمَةَ رِيَاضِيَّاتٍ مَشْهُورَةً عَالَمِيّاً، وَعُيِّنَتْ أُسْتَاذَةً فِي سْتُوكْهُولْم عَامَ 1884، حَيْثُ تُوُفِّيَتْ هُنَاكَ عَامَ 1891. تَتَضَمَّنُ مُذَكَّرَاتُهَا وَصْفاً حَيّاً لِمُحَاوَلَةِ دُوسْتُويِفْسْكِي الْفَاشِلَةِ لِلتَّقَرُّبِ مِنْ أُخْتِهَا الْكُبْرَى آنَا كُورْفِين-كْرُوكُوفْسْكَايَا، الَّتِي كَانَتْ أَيْضاً مُثَقَّفَةً وَكَاتِبَةً، فِي أَوَائِلِ عَامَ 1865.[26]

ذَاتَ مَرَّةٍ، وَلِدَهْشَةِ الْأُخْتَيْنِ، بَدَأَ دُوسْتُويِفْسْكِي يُخْبِرُ الشَّابَّتَيْنِ عَمَّا قَالَ إِنَّهُ أَوَّلُ نَوْبَةِ صَرْعٍ أُصِيبَ بِهَا. فِي سِيبِيرْيَا بَعْدَ سِجْنِهِ، قَالَ دُوسْتُويِفْسْكِي إِنَّهُ فِي عَشِيَّةِ أَحَدِ أَيَّامِ عِيدِ الْفِصْحِ، كَانَ مُنْغَمِساً فِي نِقَاشٍ حَمَاسِيٍّ حَوْلَ الدِّينِ مَعَ صَدِيقٍ مُلْحِدٍ: "الرَّبُّ مَوْجُودٌ، هُوَ مَوْجُودٌ حَقّاً!" صَرَخَ دُوسْتُويِفْسْكِي أَخِيراً، وَهُوَ فِي غَمْرَةٍ مِنَ الْحَمَاسِ. فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، بَدَأَتْ أَجْرَاسُ كَنِيسَةٍ قَرِيبَةٍ تَقْرَعُ إِيذَاناً بِقُدَّاسِ عِيدِ الْفِصْحِ. فَهَتَفَتِ الْأَجْوَاءُ بِأَسْرِهَا وَارْتَعَدَتْ. وَرَوَى فَيُودُور مِيخَائِيلُوفِيتْش قَائِلاً: "وَشَعَرْتُ بِأَنَّ السَّمَاءَ قَدْ هَبَطَتْ إِلَى الْأَرْضِ وَابْتَلَعَتْنِي. لَقَدْ عَرَفْتُ الرَّبَّ حَقّاً، وَتَشَرَّبْتُ حُضُورَهُ. صَرَخْتُ: نَعَمْ، الرَّبُّ مَوْجُودٌ، وَلَا أَذْكُرُ شَيْئاً بَعْدَ ذَلِكَ". ثُمَّ تَابَعَ قَائِلاً: "أَنْتُمْ جَمِيعاً، يَا أَصِحَّاءَ الْأَبْدَانِ، لَا تَمْلِكُونَ أَدْنَى فِكْرَةٍ عَمَّا تَكُونُ السَّعَادَةُ، تِلْكَ السَّعَادَةُ الَّتِي نَخْتَبِرُهَا نَحْنُ الْمُصَابِينَ بِالصَّرَعِ، قَبْلَ نَوْبَةِ الصَّرَعِ بِلَحَظَاتٍ. لَقَدْ أَعْلَنَ مُحَمَّدٌ فِي قُرْآنِهِ أَنَّهُ رَأَى الْفِرْدَوْسَ وَدَخَلَهُ. وَكُلُّكُمْ، أَيُّهَا الْحَمْقَى الْأَذْكِيَاءُ، مُقْتَنِعُونَ بِأَنَّهُ كَانَ مُجَرَّدَ كَاذِبٍ وَدَجَّالٍ. لَكِنْ لَا! إِنَّهُ لَا يَكْذِبُ! لَقَدْ كَانَ حَقّاً فِي الْفِرْدَوْسِ فِي تِلْكَ النَّوْبَةِ الَّتِي كَانَ يُعَانِي مِنْهَا، كَمَا أُعَانِي أَنَا. لَا أَعْرِفُ إِنْ كَانَ ذَلِكَ النَّعِيمُ يَدُومُ لِثَوَانٍ، أَوْ سَاعَاتٍ، أَوْ شُهُورٍ، لَكِنْ صَدِّقُونِي، لَنْ أَسْتَبْدِلَهُ بِكُلِّ مَا تُقَدِّمُهُ الْحَيَاةُ مِنْ مَلَذَّاتٍ!"[27]



وَلِإِتْمَامِ ذَلِكَ التَّجَلِّي قَدْ يَكُونُ مِنَ الْمُفِيدِ الِاسْتِشْهَادُ بِبَعْضِ الْمُذَكَّرَاتِ غَيْرِ الْمَعْرُوفَةِ كَثِيراً، وَالَّتِي تُظْهِرُ جَانِباً مُتَنَاقِضاً مِنْ شَخْصِيَّةِ دُوسْتُويِفْسْكِي. فِفي الْعَامِ التَّالِي، 1866، وَقُبَيْلَ لِقَائِهِ بِزَوْجَتِهِ الثَّانِيَةِ، قَضَى دُوسْتُويِفْسْكِي الصَّيْفَ فِي الرِّيفِ مَعَ أُخْتِهِ الْمُتَزَوِّجَةِ "فِيرَا إِيفَانُوفَا" وَعَائِلَتِهَا وَجَمْعٍ كَبِيرٍ مِنَ الْأَصْدِقَاءِ الشَّبَابِ مَرِحِي السَّجَايَا. كَانَ دُوسْتُويِفْسْكِي حِينَها يَعْكُفُ عَلَى كِتَابَةِ الْجُزْءِ الْخَامِسِ مِنْ رِوَايَةِ "الْجَرِيمَةِ وَالْعِقَابِ"، لَكِنَّهُ شَارَكَ بِفَاعِلِيَّةٍ فِي أَلْعَابِ وَمَرَحِ الْإِجَازَةِ الصَّيْفِيَّةِ. تُقَدِّمُ مُذَكَّرَاتُ "مَارِيَا إِيفَانُوفَا"، الِابْنَةِ الثَّانِيَةِ لِفِيرَا، وَالَّتِي كَانَتْ فِي الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمْرِهَا آنَذَاكَ، لَمَحَاتٍ فَرِيدَةً لِدُوسْتُويِفْسْكِي (وَهُوَ فِي مُنْتَصَفِ الْأَرْبَعِينِيَّاتِ مِنْ عُمْرِهِ) كَشَخْصٍ مَرِحٍ وَمُرْتَجِلٍ لِلْقَصَائِدِ الْهَزَلِيَّةِ وَمُنَظِّمٍ بَارِعٍ لِلِاحْتِفَالَاتِ، حَيْثُ لَعِبَ -عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ- دَوْرَ الدُّبِّ الْقُطْبِيِّ فِي إِحْدَى الْمَسْرَحِيَّاتِ الْهَزَلِيَّةِ.[28] كَانَ "الْهَدَفُ الْمُفَضَّلُ" لِمُزَاحِ دُوسْتُويِفْسْكِي فِي تِلْكَ الْجَمَاعَةِ هُوَ طَبِيبٌ شَابٌّ وَقُورٌ يُدْعَى "كَارِيبِين". فَقَدْ كَانَ دُوسْتُويِفْسْكِي يُؤَكِّدُ لِكَارِيبِينَ أَنَّ مِهْنَةَ الطِّبِّ لَا تَلِيقُ بِمَوَاهِبِهِ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ بَدَلاً مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُعْلِنَ نَفْسَهُ "مُحَمَّداً الثَّانِي". وَعِقَاباً لَهُ عَلَى أَحَدِ رُدُودِهِ الْحَادَّةِ عُلِّقَ كَارِيبِين عَلَى شَجَرَةٍ، مَرْبُوطاً بِبَعْضِ الْمَنَاشِفِ.[29]

كَانَ مِنَ الْمُمْكِنِ لِشَخْصِيَّةِ "سَفِيدْرِيجِيلُوف" السَّاخِرَةِ أَنْ تُقَدِّرَ هَذِهِ الْمُحَاكَاةَ السَّاخِرَةَ وَالْمَرِحَةَ الَّتِي صَاغَهَا دُوسْتُويِفْسْكِي لِمَفْهُومِ مُحَمَّدٍ كَحَاكِمٍ. فَفِي حِوَارِ رَاسْكُولْنِيكُوف مَعَ بُورْفِيرِي (الْجَرِيمَةِ وَالْعِقَابِ، الْجُزْءُ الثَّالِثُ، الْفَصْلُ الْخَامِسُ) حَوْلَ نَظَرِيَّتِهِ عَنِ "الْإِنْسَانِ الِاسْتِثْنَائِيِّ" الَّذِي يَمْلِكُ الْحَقَّ فِي "أَنْ يَسْمَحَ لِضَمِيرِهِ بِتَجَاوُزِ عَقَبَاتٍ مُعَيَّنَةٍ... إِذَا كَانَ ذَلِكَ ضَرُورِيّاً لِتَحْقِيقِ فِكْرَتِهِ الَّتِي قَدْ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا رَفَاهُ الْبَشَرِيَّةِ جَمْعَاءَ"، يَرِدُ ذِكْرُ مُحَمَّدٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؛ حَيْثُ اقْتَرَنَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى بِـ"لِيكُورْغُوس" وَ"سُولُون" وَ"نَابِلْيُونَ"، ثُمَّ بِـ"لِيكُورْغُوس" فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ، وَأَخِيراً بِنَابِلْيُونَ مَرَّةً أُخْرَى.

ظَهَرَ فَارِقٌ بَسِيطٌ آخَرُ لِمَفْهُومِ مُحَمَّدٍ كَصَاحِبِ سُلْطَةٍ عَلَى النَّاسِ بَعْدَ مَا يَقْرُبُ مِنْ عَشْرِ سَنَوَاتٍ فِي نِهَايَةِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنَ الْجُزْءِ الثَّانِي مِنْ رِوَايَةِ "الْمُرَاهِقِ" (1875)، حَيْثُ يَقُولُ "فِيرْسِيلُوف" لِابْنِهِ "أَرْكَادِي": "مِنَ الْمُحَالِ أَنْ تُحِبَّ النَّاسَ كَمَا هُمْ عَلَيْهِ. وَمَعَ ذَلِكَ، يَجِبُ عَلَيْنَا... الْبَشَرُ حُثَالَةٌ بِطَبِيعَتِهِمْ، وَهُمْ يُفَضِّلُونَ أَنْ يُحِبُّوا خَوْفاً لَا حُبّاً. لَا تَخْضَعْ لِمِثْلِ هَذَا الْحُبِّ: احْتَقِرْهُ دَوْماً. هُنَاكَ فَقَرَةٌ فِي الْقُرْآنِ يَأْمُرُ فِيهَا اللهُ النَّبِيَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى هَؤُلَاءِ الْمَخْلُوقَاتِ الْمُزْعِجَةِ كَمَا يَنْظُرُ لِلْفِئْرَانِ، أَنْ يُحْسِنَ إِلَيْهِمْ وَيَمْضِيَ فِي سَبِيلِهِ. قَدْ يَبْدُو هَذَا مُتَعَالِياً بَعْضَ الشَّيْءِ، لَكِنَّهُ الطَّرِيقُ الصَّوَابُ "( 13, 174-75 )

تَتَشَكَّلُ ذِرْوَةُ الْأَحْدَاثِ الْقَاتِمَةِ فِي الْجُزْءِ الثَّانِي، الْفَصْلِ الْخَامِسِ مِنْ رِوَايَةِ "الْأَبْلَهِ" (1868)، مِنْ خِلَالِ نَوْبَةِ الصَّرَعِ الَّتِي أَصَابَتْ مِيشْكِين، وَالَّتِي عَجَّلَ بِحُدُوثِهَا لِقَاؤُهُ مَعَ رُوغُوجِين الْمُسَلَّحِ الَّذِي كَانَ فِي حَالَةٍ مِنَ الْهَيَاجِ؛ إِذْ "تَأَلَّقَتْ عَيْنَا رُوغُوجِين وَارْتَسَمَتْ عَلَى وَجْهِهِ ابْتِسَامَةٌ مَحْمُومَةٌ. رَفَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى، وَبَرَقَ شَيْءٌ مَا فِيهَا". كَانَ رُوغُوجِين يَتَرَبَّصُ فِي تَجْوِيفٍ بِالْعَمُودِ الْأَوْسَطِ الضَّخْمِ لِلدَّرَجِ الْحَجَرِيِّ الْحَلْزُونِيِّ الْمُظْلِمِ وَالضَّيِّقِ، الَّذِي انْدَفَعَ مِيشْكِين صَاعِداً فِيهِ خَلْفَهُ. "سَوْفَ يُحْسَمُ كُلُّ شَيْءٍ الْآنَ!" قَالَ مِيشْكِين لِنَفْسِهِ بِقَنَاعَةٍ غَرِيبَةٍ. لَمْ يُصَبْ مِيشْكِين بِسِكِّينِ روغوجين، بَلْ بِنَوْبَةِ الصَّرَعِ، فَسَقَطَ "يَرْتَجِفُ وَيَتَلَوَّى فِي تَشَنُّجَاتٍ"، وَتَدَحْرَجَ خَمْسَ عَشْرَةَ دَرَجَةً مِنْ أَوَّلِ مَنْصَّةٍ إِلَى أَسْفَلِ الدَّرَجِ، وَسَقَطَ هُنَاكَ غَارِقاً فِي بِرْكَةٍ مِنْ دَمِهِ. إِنَّ هَذِهِ الْمُحَاوَلَةَ الْفَاشِلَةَ لِـ"الْأَبْلَهِ الْمُقَدَّسِ" (كَمَا وَصَفَ رُوغُوجِين الْأَمِيرَ مِيشْكِين فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنَ الرِّوَايَةِ) لِصُعُودِ الدَّرَجِ الْحَلْزُونِيِّ فِي مُطَارَدَةِ "شَيْطَانِهِ"، مَسْبُوقَةٌ بِعِدَّةِ صَفَحَاتٍ مِنَ الْإِرْهَاصَاتِ وَالْمَخَاوِفِ الْمُتَرَاكِمَةِ بِعِنَايَةٍ، وَالَّتِي أَدْرَجَ فِيهَا دُوسْتُويِفْسْكِي قِسْماً كَثِيرَ الِاقْتِبَاسِ، يُشْبِهُ الْمَقَالَةَ فِي طُولِهِ وَتَفْصِيلِهِ، حَوْلَ حَالَةِ الْوَعْيِ الَّتِي تَسْبِقُ نَوْبَةَ الصَّرَعِ مُبَاشَرَةً: "ضَوْءٌ اسْتِثْنَائِيٌّ... تَنَاغُمٌ وَجَمَالٌ فِي أَعْلَى دَرَجَاتِهِمَا... شُعُورٌ لَمْ يُعْرَفْ وَلَمْ يُدْرَكْ مِنْ قَبْلُ، شُعُورٌ بِالْكَمَالِ وَالتَّنَاسُبِ وَالْمُصَالَحَةِ، وَبِانْدِمَاجٍ وُجُودِيٍّ صُوفِيٍّ مَعَ أَرْقَى مَرَاتِبِ الْوُجُودِ... ارْتِفَاعٌ غَيْرُ عَادِيٍّ فِي الْوَعْيِ - إِذَا كَانَ لَا بُدَّ مِنَ التَّعْبِيرِ عَنْ هَذِهِ الْحَالَةِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ - ارْتِفَاعٌ فِي الْوَعْيِ وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ إِحْسَاسٌ مُبَاشِرٌ... نَعَمْ، يُمْكِنُ لِلْمَرْءِ أَنْ يَهَبَ حَيَاتَهُ كُلَّهَا فِي سَبِيلِ هَذِهِ اللَّحْظَةِ". وَلَكِنْ هَذَا يُعْرَضُ كَأَفْكَارٍ لِمِيشْكِين وَهُوَ جَالِسٌ "تَحْتَ شَجَرَةٍ فِي حَدِيقَةِ الصَّيْفِ. كَانَتِ السَّاعَةُ قُرَابَةَ السَّابِعَةِ. كَانَتِ الْحَدِيقَةُ مَهْجُورَةً، وَمَرَّ ظِلٌّ لِلَحْظَةٍ فَوْقَ الشَّمْسِ الْغَارِبَةِ. كَانَ الْجَوُّ خَانِقاً، وَبَدَا الْأَمْرُ كَإِرْهَاصٍ بَعِيدٍ لِعَاصِفَةٍ رَعْدِيَّةٍ". وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ هَذَا الْمُحِيطِ الْمُنْذِرِ بِالسُّوءِ، فَإِنَّ ذِرْوَةَ هَذَا الْمَقْطَعِ -الَّذِي يُشْبِهُ الْمَقَالَةَ- هِيَ الِاقْتِبَاسُ الْمُبَاشِرُ لِمَا قَالَهُ مِيشْكِين لِرُوغُوجِين خِلَالَ أَحَدِ لِقَاءَاتِهِمَا السَّابِقَةِ فِي مُوسْكُو: "فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، يُصْبِحُ الْقَوْلُ الِاسْتِثْنَائِيُّ بِأَنَّهُ لَنْ يَكُونَ ثَمَّةَ وَقْتٌ بَعْدَ الْآنَ مَفْهُوماً بِالنِّسْبَةِ لِي بِطَرِيقَةٍ مَا. وَأَظُنُّ"، أَضَافَ مُبْتَسِماً، "أَنَّهَا هِيَ تِلْكَ الثَّانِيَةُ الَّتِي لَمْ يُتَحْ فِيهَا الْوَقْتُ لِإِبْرِيقِ الْمَاءِ الْمَقْلُوبِ الْخَاصِّ بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ -الْمُصَابِ بِالصَّرَعِ- أَنْ يَنْسَكِبَ، بَيْنَمَا كَانَ لَدَيْهِ مُتَّسَعٌ مِنَ الْوَقْتِ فِي تِلْكَ الثَّانِيَةِ ذَاتِهَا لِيَرَى جَمِيعَ مَسَاكِنِ اللهِ". وَالْآنَ، فِي حَدِيقَةِ الصَّيْفِ فِي سَانْت بَطَرَسْبُرْغ فِي ذَلِكَ الْمَسَاءِ الصَّيْفِيِّ، يُدْرِكُ مِيشْكِين: "قَالَ رُوغُوجِين لِلتَّوِّ إِنَّنِي كُنْتُ أَخاً لَهُ فِي ذَلِكَ الْحِينِ - وَالْيَوْمَ هِيَ الْمَرَّةُ الْأُولَى الَّتِي يَقُولُ فِيهَا ذَلِكَ." ( 8،189)

وَهَكَذَا، يَرْتَبِطُ تَجَاوُزُ الزَّمَنِ فِي الْحَالَةِ الَّتِي تَسْبِقُ نَوْبَةَ الصَّرَعِ بِكُلٍّ مِنْ "رُؤْيَا يُوحَنَّا" الْمَسِيحِيَّةِ الْكَنَسِيَّةِ ("أَنَّهُ لَنْ يَكُونَ زَمَانٌ بَعْدُ"، الرُّؤْيَا 10: 6)[31] وَبِتَجْرِبَةٍ صُوفِيَّةٍ كُبْرَى لِلنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ (الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ، سُورَةُ الْإِسْرَاءِ، 1، رِحْلَةُ الْإِسْرَاءِ).

تَتَكَرَّرُ الْإِشَارَةُ الْقُرْآنِيَّةُ فِي الْجُزْءِ الثَّالِثِ، الْفَصْلِ الْخَامِسِ، الْقِسْمِ الْخَامِسِ مِنْ رِوَايَةِ "الشَّيَاطِينِ" (1871-1872)، حَيْثُ يَصِفُ "كِيرِيلُوف" لِـ"شَاتُوف" "ثَوَانِيَ التَّنَاغُمِ الْأَبَدِيِّ" الَّتِي يَعِيشُهَا، وَهِيَ تُشْبِهُ نَعِيمَ "مِيشْكِين" الَّذِي يَسْبِقُ نَوْبَةَ الصَّرَعِ، رَغْمَ أَنَّهُ يَنْفِي كَوْنَهُ مُصَاباً بِالصَّرَعِ. يَرُدُّ "شَاتُوف" قَائِلاً: "احْذَرْ يَا كِيرِيلُوف، فَقَدْ سَمِعْتُ أَنَّ الصَّرَعَ يَبْدَأُ عَلَى هَذَا النَّحْوِ... تَذَكَّرْ جَرَّةَ مُحَمَّدٍ الَّتِي لَمْ يُسْعِفْهَا الْوَقْتُ لِتَنْسَكِبَ بَيْنَمَا كَانَ يَطِيرُ عَلَى حِصَانِهِ حَوْلَ الْفِرْدَوْسِ... إِنَّهُ لَأَمْرٌ يُشْبِهُ تَنَاغُمَكَ كَثِيراً، وَقَدْ كَانَ مُحَمَّدٌ مُصَاباً بِالصَّرَعِ. احْذَرْ يَا كِيرِيلُوف – إِنَّهُ الصَّرَعُ!" فَضَحِكَ كِيرِيلُوف بِخُفُوتٍ قَائِلاً: "لَنْ يَكُونَ ثَمَّةَ وَقْتٌ." ، (10،451)

يَنْبَغِي النَّظَرُ إِلَى هَذِهِ الْمَقَاطِعِ فِي رِوَايَتَيْ "الْأَبْلَهِ" وَ"الشَّيَاطِينِ" مَعاً بِجَانِبِ مُقَارَنَةِ دُوسْتُويِفْسْكِي الْحَمَاسِيَّةِ فِي عَامِ 1865 بَيْنَ تَجْرِبَتِهِ وَتَجْرِبَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ، كَمَا سَجَّلَتْهَا صُوفْيَا كُوفَالِيفْسْكَايَا. لَقَدِ اقْتَرَحَ أَحَدُ الْمُحَرِّرِينَ مُؤَخَّراً أَنَّ مَصْدَرَ مَعْرِفَةِ دُوسْتُويِفْسْكِي بِصَرْعِ مُحَمَّدٍ ﷺ الْمَزْعُومِ وَرِحْلَتِهِ (الْإِسْرَاءِ) كَانَ سِيرَةَ وَاشِنْطُن إِيرْفِينْغ لِلنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ (1849-1850)، الَّتِي صَدَرَتْ لَهَا تَرْجَمَةٌ رُوسِيَّةٌ عَامَ 1857.[32] يَبْدُو هَذَا الِافْتِرَاضُ غَيْرَ ضَرُورِيٍّ؛ فَقَدْ سَبَقَ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ مَكْتَبَةَ دُوسْتُويِفْسْكِي فِي سَنَوَاتِهِ الْأَخِيرَةِ كَانَتْ تَضُمُّ التَّرْجَمَةَ الْفَرَنْسِيَّةَ لِلْقُرْآنِ بِقَلَمِ "كَازِيمِيرْسْكِي"، وَأَنَّ هَذَا الْعَمَلَ كَانَ قَدْ قَدَّمَهُ لَهُ "مِيلْيُوكُوف" فِي عَامِ 1859.

فِي مُقَدِّمَتِهِ عَنْ سِيرَةِ النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى ﷺ، كَتَبَ كَازِيمِيرْسْكِي عَنْ طُفُولَةِ النَّبِيِّ: "تُخْبِرُنَا الرِّوَايَاتُ أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ عُرْضَةً لِمَرَضٍ لَمْ يَتَمَكَّنْ أَحَدٌ مِنْ تَفْسِيرِهِ، وَلَكِنْ كَانَ يُعْزَى إِلَى عَمَلِ الشَّيْطَانِ"، وَأَضَافَ فِي حَاشِيَةِ الصَّفْحَةِ: "رُبَّمَا كَانَ هَذَا الْمَرَضُ هُوَ الصَّرَعَ. فَفِي الْوَاقِعِ، يَعْتَقِدُ عَامَّةُ النَّاسِ فِي الشَّرْقِ أَنَّ الْمُصَابِينَ بِالصَّرَعِ هُمْ مَمْسُوسُونَ مِنْ قِبَلِ الشَّيْطَانِ".[33]



أَنَّ الرِّحْلَةَ النَّبَوِيَّةَ لَمْ تَبْقَ مُجَرَّدَ نَصٍّ قُرْآنِيٍّ، بَلْ تَحَوَّلَتْ إِلَى مُؤَسَّسَةٍ فِكْرِيَّةٍ وَرُوحِيَّةٍ مُتَكَامِلَةٍ فِي الثَّقَافَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، حَيْثُ يَتَأَلَّفُ الْإِلْهَامُ الْقُرْآنِيُّ الْأَسَاسِيُّ مِنْ آيَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ (17: 1)، وَالَّتِي تُقْرَأُ فِي نُسْخَةِ كَازِيمِيرْسْكِي كَمَا يَلِي: "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ، لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا. إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ". وَلَكِنْ بِالنِّسْبَةِ لِمَصْدَرِ دُوسْتُويِفْسْكِي، لَا يَحْتَاجُ الْمَرْءُ بِالتَّأْكِيدِ إِلَى النَّظَرِ أَبْعَدَ مِنْ حَاشِيَةِ كَازِيمِيرْسْكِي. تَتَضَمَّنُ حَاشِيَةُ كَازِيمِيرْسْكِي مَا يَلِي:

"يَدُورُ الْحَدِيثُ هُنَا عَنِ الرِّحْلَةِ السَّمَاوِيَّةِ الَّتِي يُقَالُ إِنَّ مُحَمَّداً قَامَ بِهَا، بَدْءاً مِنْ مَعْبَدِ مَكَّةَ وُصُولاً إِلَى مَعْبَدِ الْقُدْسِ، وَمِنْ ثَمَّ عَبْرَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ حَتَّى بَلَغَ عَرْشَ اللهِ. وَيُقَالُ إِنَّ مُحَمَّداً قَدْ نُقِلَ إِلَى الْمَنَاطِقِ السَّمَاوِيَّةِ بِوَاسِطَةِ الْمَلَاكِ جِبْرَائِيلَ، عَلَى دَابَّةٍ تُدْعَى "الْبُرَاقَ"، تَصِفُهَا التَّقَالِيدُ بِأَنَّهَا كَائِنٌ مُجَنَّحٌ، لَهُ وَجْهُ امْرَأَةٍ، وَجَسَدُ فَرَسٍ، وَذَيْلُ طَاوُوسٍ. وَقَدْ جَرَى نِقَاشٌ طَوِيلٌ فِي الْعُصُورِ الْأُولَى لِلْإِسْلَامِ حَوْلَ حَقِيقَةِ هَذَا الْحَدَثِ؛ حَيْثُ ذَهَبَ الْبَعْضُ إِلَى أَنَّ هَذَا الصُّعُودَ اللَّيْلِيَّ قَدْ حَدَثَ فِي الرُّؤْيَا فَقَطْ، بَيْنَمَا رَأَى آخَرُونَ أَنَّهُ تَمَّ بِوَاسِطَةِ مُحَمَّدٍ حَقِيقَةً وَجَسَداً... وَهُوَ الْيَوْمَ مِنَ الْمُعْتَقَدَاتِ الْمَقْبُولَةِ عَالَمِيّاً لَدَى الْمُسْلِمِينَ بِأَنَّ هَذَا الصُّعُودَ قَدْ حَدَثَ فِي الْوَاقِعِ. وَيُضَافُ إِلَى ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الرِّحْلَةَ السَّمَاوِيَّةَ، حَيْثُ رَأَى مُحَمَّدٌ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَتَحَدَّثَ مَعَ اللهِ، قَدْ تَمَّتْ بِسُرْعَةٍ كَبِيرَةٍ، لِدَرَجَةِ أَنَّ النَّبِيَّ وَجَدَ سَرِيرَهُ الَّذِي غَادَرَهُ لَا يَزَالُ دَافِئاً، وَأَنَّ الْإِنَاءَ الَّذِي كَانَ يُسَخِّنُ فِيهِ الْمَاءَ، وَالَّذِي كَانَ عَلَى وَشَكِ الِانْسِكَابِ عِنْدَ رَحِيلِهِ، عَادَ فِي الْوَقْتِ الْمُنَاسِبِ لِيَرْفَعَهُ دُونَ أَنْ تَنْسَكِبَ مِنْهُ قَطْرَةُ مَاءٍ وَاحِدَةٍ."[34]

إِنَّ الِاعْتِقَادَ الَّذِي ذَكَرَهُ كَازِيمِيرْسْكِي بِأَنَّ مُحَمَّداً رُبَّمَا كَانَ مُصَاباً بِالصَّرَعِ، كَمَا كَانَ دُوسْتُويِفْسْكِي، قَدْ لَاقَى رَوَاجاً فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، لَا سِيَّمَا بَيْنَ مُعَارِضِي الْإِسْلَامِ؛ إِلَّا أَنَّ مُعْظَمَ الْمَرَاجِعِ تَنْفِيهِ. وَلَيْسَ مِنَ الْمُسْتَغْرَبِ أَنَّ دُوسْتُويِفْسْكِي، مَفْتُوناً بِتَجْرِبَتِهِ الشَّخْصِيَّةِ مِنَ النَّعِيمِ قَبْلَ الْإِصَابَةِ بِالصَّرَعِ، قَدِ اسْتَوْعَبَ مُلَاحَظَةَ كَازِيمِيرْسْكِي حَوْلَ صُعُودِ مُحَمَّدٍ ﷺ إِلَى الْجَنَّةِ الَّذِي يَتَجَاوَزُ الزَّمَنَ، وَرَأَى فِي مُحَمَّدٍ شَخْصاً مُصَاباً بِالصَّرَعِ. عِنْدَ اسْتِعْرَاضِ الْمَوَادِّ الْبِيُوغْرَافِيَّةِ وَالْأَدَبِيَّةِ الْمُتَنَوِّعَةِ يَبْدُو أَنَّ اهْتِمَامَ دُوسْتُويِفْسْكِي بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَالْإِسْلَامِ قَدْ نَشَأَ مِنَ خِلَالِ احْتِكَاكِهِ الْوَثِيقِ بِالْمُسْلِمِينَ خِلَالَ سَنَوَاتِ سِجْنِهِ فِي أُومْسْك، وَهُوَ مَا أَثْمَرَ شَخْصِيَّتَيْ نُورَّا وَعَلِيٍّ فِي رِوَايَتِهِ "مُذَكَّرَاتٍ مِنْ مَنْزِلِ الْأَمْوَاتِ" - وَهُمَا تَجَسِيدٌ لِلْبَسَاطَةِ الْخَيِّرَةِ وَالطِّيبَةِ الْمُبَاشِرَةِ وَالْأَخْلَاقِ النَّقِيَّةِ وَالْكَرَامَةِ النَّبِيلَةِ وَالذَّكَاءِ الْفِطْرِيِّ وَالشَّجَاعَةِ وَالْجَمَالِ. مَعَ ذَلِكَ، ثَمَّةَ مَسْحَةٌ مِنَ التَّعَالِي فِي تَصْوِيرِهِ لَهُمَا؛ لَكِنَّهُ تَأَثَّرَ بِهِمَا لِدَرَجَةٍ دَفَعَتْهُ إِلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَهُوَ مَا فَعَلَهُ فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ، مُسْتَمِدّاً مِنْهُ (أَوْ رُبَّمَا مِنْ تَفْسِيرِ كَازِيمِيرْسْكِي) مَعْرِفَتَهُ بِرِحْلَةِ الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ، وَبِالصَّرَعِ الْمَزْعُومِ لِصَاحِبِ تِلْكَ الرِّحْلَةِ.

رُبَّمَا أَسْهَمَ فَالِيكَانُوف، الصَّدِيقُ الْمُقَرَّبُ لِدُوسْتُويِفْسْكِي لِسَنَوَاتٍ عَدِيدَةٍ، وَهُوَ الْأَدِيبُ الْمَوْهُوبُ وَالْمُتَعَدِّدُ الْمَوَاهِبِ ذُو التَّعْلِيمِ الْوَاسِعِ، فِي إِثْرَاءِ مَعْرِفَتِهِ وَآرَائِهِ حَوْلَ الثَّقَافَةِ وَالتَّقَالِيدِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَآسِيَا الْوُسْطَى. وَمِمَّا يُؤْسَفُ لَهُ قِلَّةُ الْمَعْلُومَاتِ الْمُتَوَفِّرَةِ عَنْ عَلَاقَتِهِمَا، أَوَّلاً فِي سِيبِيرْيَا ثُمَّ (عَامَ 1860) فِي سَانْت بَطَرَسْبُرْغ. وَحَتَّى اسْتَنْزَفَ مَرَضُ السُّلِّ طَاقَاتِ فَالِيكَانُوف وَأَوْدَى بِحَيَاتِهِ (وَأَظْلَمَتْ نِهَايَةُ حَيَاتِهِ بِسَبَبِ نُفُورِهِ مِنَ النَّزْعَةِ الْعَسْكَرِيَّةِ الرُّوسِيَّةِ)، فَقَدْ جَعَلَتْهُ قُدُرَاتُهُ وَخِبْرَاتُهُ الْمُتَنَوِّعَةُ، وَمَزِيجُهُ الْفَرِيدُ بَيْنَ الْغَرَابَةِ وَالْأَصَالَةِ الْأُورُوبِّيَّةِ، وَسِحْرُهُ الشَّخْصِيُّ، شَخْصِيَّةً مُمَيَّزَةً بَيْنَ مَعَارِفِ دُوسْتُويِفْسْكِي. إِنَّ فِكْرَةَ "مُحَمَّدٍ" كَصَاحِبِ سُلْطَةٍ لَا تَرْحَمُ —وَهِيَ الْفِكْرَةُ الَّتِي تَظْهَرُ فِي رِوَايَتَيْ "الْجَرِيمَةِ وَالْعِقَابِ" وَ"الْمُرَاهِقِ"— كَانَتْ، وَلَا تَزَالُ، مِنَ الْأَفْكَارِ الشَّائِعَةِ (وَهِيَ بِالتَّأْكِيدِ فِكْرَةٌ قَاصِرَةٌ وَمُضَلِّلَةٌ مِنْ أَيِّ وِجْهَةِ نَظَرٍ مَعْرِفِيَّةٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ تَارِيخِيَّةً أَوْ دِينِيَّةً)،[35] وَهِيَ فِكْرَةٌ كَانَ بِإِمْكَانِ دُوسْتُويِفْسْكِي أَنْ يَسْتَقِيَهَا مِنْ مَصَادِرَ عَدِيدَةٍ فِي قِرَاءَاتِهِ الْوَاسِعَةِ.

وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ "فَالِيكَانُوف" وَ"مُحَمَّداً" عَادَا لِلظُّهُورِ بِاقْتِضَابٍ بَيْنَ عَامَيْ 1874-1875 أَثْنَاءَ كِتَابَةِ رِوَايَةِ "الْمُرَاهِقِ"، سَوَاءً فِي الْمُلَاحَظَاتِ الْأَوَّلِيَّةِ أَوْ فِي النَّصِّ النِّهَائِيِّ، إِلَّا أَنَّ التَّوَجُّهَ الْعَامَّ لِفِكْرِ دُوسْتُويِفْسْكِي وَكِتَابَاتِهِ فِي سَبْعِينِيَّاتِ الْقَرْنِ التَّاسِعَ عَشَرَ طَغَى عَلَى تِلْكَ الِاهْتِمَامَاتِ الَّتِي كَانَتْ أَكْثَرَ وُضُوحاً فِي سِتِّينِيَّاتِ الْقَرْنِ نَفْسِهِ. فَقَدْ أَصْبَحَ انْشِغَالُهُ بِتُرْكِيَا وَ"الْمَسْأَلَةِ الشَّرْقِيَّةِ" هَوَساً شِبْهَ دَائِمٍ فِي مَقَالَاتِهِ الصُّحُفِيَّةِ الْغَزِيرَةِ فِي "يَوْمِيَّاتِ كَاتِبٍ"، مُتَجَلِّيَةً فِي قَالَبِ الْقَوْمِيَّةِ الرُّوسِيَّةِ. وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، تَعَمَّقَ ارْتِبَاطُهُ بِالْكَنِيسَةِ الْأُرْثُوذُكْسِيَّةِ الرُّوسِيَّةِ، لِيُجَسِّدَهُ فِي رِوَايَتِهِ "الْإِخْوَةِ كَارَامَازُوف".

وَيَبْقَى لَنَا أَنْ نَنْظُرَ عَنْ كَثَبٍ فِي التَّجْرِبَةِ الَّتِي تَسْبِقُ نَوْبَةَ الصَّرَعِ لَدَى مِيشْكِين (وَكِيرِيلُوف)، وَالَّتِي رَبَطَهَا دُوسْتُويِفْسْكِي بِتَجْرِبَتِهِ الشَّخْصِيَّةِ وَبِـ"الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ" لِمُحَمَّدٍ ﷺ. إِذْ يَبْدُو أَنَّ الرَّابِطَ الْجَوْهَرِيَّ بَيْنَهُمَا هُوَ "تَجَاوُزُ الزَّمَنِ". يُمْكِنُ مُلَاحَظَةُ الْفَارِقِ بَيْنَ الزَّمَنِ النَّفْسِيِّ وَالزَّمَنِ الْكُرُونُولُوجِيِّ فِي بَعْضِ أَعْمَالِ دُوسْتُويِفْسْكِي الْمُبَكِّرَةِ؛ تَنْتَهِي قِصَّةُ "اللَّيَالِي الْبَيْضَاءِ" (1848) بِالصَّيْحَةِ: "دَقِيقَةٌ كَامِلَةٌ مِنَ النَّعِيمِ! وَهَلْ هَذَا قَلِيلٌ حَقّاً حَتَّى بِالنِّسْبَةِ لِعُمْرٍ كَامِلٍ؟" (2، 141)؛ وَتُلَاحِظُ نِيتُوتْشْكَا نِيزْفَانُوفَا فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ مِنَ الرِّوَايَةِ غَيْرِ الْمُكْتَمِلَةِ الَّتِي تَحْمِلُ اسْمَهَا (1849) أَنَّ "هُنَاكَ دَقَائِقَ يَخْتَبِرُ فِيهَا الْمَرْءُ فِي وَعْيِهِ أَكْثَرَ بِكَثِيرٍ مِمَّا يَخْتَبِرُهُ فِي سَنَوَاتٍ كَامِلَةٍ" (2، 179) .[36]

فِي رِوَايَةِ "الْأَبْلَهِ"، يَغْرَقُ "مِيشْكِين" -الْمُصَابُ بِالصَّرَعِ- فِي تَأَمُّلَاتٍ مَهْوُوسَةٍ تَقْرِيباً حَوْلَ الزَّمَنِ وَالْمَوْتِ؛ فَيَبْدَأُ بِسَرْدٍ حَمَاسِيٍّ لِخَادِمِ عَائِلَةِ "يِبَانْشِين" عَنْ عَمَلِيَّةِ إِعْدَامٍ بِالْمِقْصَلَةِ (الْجُزْءُ الْأَوَّلُ، الْفَصْلُ الثَّانِي)، ثُمَّ يُمَتِّعُ السَّيِّدَةَ "يِبَانْشِين" وَابْنَتَيْهَا بِقِصَّتِهِ (الَّتِي هِيَ تَجْرِبَةُ دُوسْتُويِفْسْكِي الشَّخْصِيَّةُ) عَنْ سَجِينٍ سِيَاسِيٍّ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْإِعْدَامِ رَمْياً بِالرَّصَاصِ لَكِنَّهُ تَلَقَّى الْعَفْوَ فِي اللَّحْظَةِ الْأَخِيرَةِ (الْجُزْءُ الْأَوَّلُ، الْفَصْلُ الْخَامِسُ). وَفَوْراً بَعْدَ ذَلِكَ، يَحُثُّ "أَدِيلَايْدَا" (الْفَنَّانَةَ بَيْنَ بَنَاتِ يِبَانْشِين) عَلَى رَسْمِ وَجْهِ رَجُلٍ مَحْكُومٍ بِالْإِعْدَامِ قَبْلَ دَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ سُقُوطِ الْمِقْصَلَةِ، مَصْحُوباً بِتَأَمُّلٍ نَفْسِيٍّ مُكَثَّفٍ آخَرَ. وَتَتَكَرَّرُ هَذِهِ التِّيمَةُ فِي قِصَّةِ "لِيبِيدِيف" عَنْ إِعْدَامِ الْكُونْتِيسَةِ "دُو بَارِي" (الْجُزْءُ الثَّانِي، الْفَصْلُ الثَّانِي). وَفِي ذَاتِ الدَّائِرَةِ الَّتِي تَجْمَعُ بَيْنَ الزَّمَنِ وَالْمَوْتِ، تَبْرُزُ الْآلَامُ النَّفْسِيَّةُ الْمُمْتَدَّةُ لِـ"إِيبُولِيت" الَّذِي يَحْتَضِرُ بِسَبَبِ مَرَضِ السُّلِّ، وَالْوُجُودُ الرَّمْزِيُّ فِي مَنْزِلِ "رُوغُوجِين" لِنُسْخَةٍ مِنْ لَوْحَةِ "هُولْبَايْن" الَّتِي تُصَوِّرُ جُثَّةَ الْمَسِيحِ الْمُشَوَّهَةَ (الْجُزْءُ الثَّانِي، الْفَصْلُ الرَّابِعُ)، وَهِيَ اللَّوْحَةُ الَّتِي تُثِيرُ تَأَمُّلَاتٍ فَلْسَفِيَّةً لَدَى كُلٍّ مِنْ مِيشْكِين وَإِيبُولِيت.

فِي رِوَايَةِ "الشَّيَاطِينِ"، تَرْتَبِطُ هَذِهِ التِّيمَةُ (تِيمَةُ الزَّمَنِ) بِشَخْصِيَّةِ "كِيرِيلُوف" الَّذِي يَبْدُو مُصَاباً بِالصَّرَعِ، وَبِانْتِحَارِهِ الْقَائِمِ عَلَى دَافِعٍ مِيتَافِيزِيقِيٍّ. فَهُوَ يَتَخَيَّلُ رَهْبَةَ الْأَلَمِ فِي انْتِظَارِ الْمَوْتِ مِنْ صَخْرَةٍ بِحَجْمِ مَنْزِلٍ كَبِيرٍ (أَوْ جَبَلٍ) (الْجُزْءُ الْأَوَّلُ، الْفَصْلُ الثَّالِثُ، الْقِسْمُ 8). وَيُصَرِّحُ لِـ"سْتَافْرُوغِين" (الْجُزْءُ الثَّانِي، الْفَصْلُ الْأَوَّلُ، الْقِسْمُ 5) قَائِلاً: "ثَمَّةَ دَقَائِقُ، تَصِلُ إِلَى دَقَائِقَ، وَيَتَوَقَّفُ الزَّمَنُ فَجْأَةً، وَيُصْبِحُ أَبَدِيّاً"، فَيَرُدُّ عَلَيْهِ سْتَافْرُوغِين: "هَذَا بِالْكَادِ مُمْكِنٌ فِي زَمَانِنَا. فِي سِفْرِ الرُّؤْيَا، يُقْسِمُ الْمَلَاكُ بِأَنَّهُ لَنْ يَكُونَ هُنَاكَ وَقْتٌ بَعْدَ الْآنَ"، فَيُوَافِقُهُ كِيرِيلُوف، مُعَمِّماً قَنَاعَتَهُ: "هَذَا صَحِيحٌ جِدّاً... عِنْدَمَا تُحَقِّقُ الْبَشَرِيَّةُ جَمْعَاءُ السَّعَادَةَ، لَنْ يَكُونَ هُنَاكَ وَقْتٌ بَعْدَ الْآنَ، إِذْ لَنْ تَكُونَ هُنَاكَ حَاجَةٌ إِلَيْهِ... الزَّمَنُ لَيْسَ شَيْئاً مَادِّيّا، بَلْ هُوَ فِكْرَةٌ. وَسَوْفَ يَنْطَفِئُ فِي الْعَقْلِ" (10، 188). وَلَاحِقاً، وَكَمَا ذُكِرَ سَابِقاً، فَإِنَّ الْمُقَارَنَةَ بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ يَقُومُ بِهَا "شَاتُوف" فِي حَقِّ كِيرِيلُوف، بَيْنَمَا فِي رِوَايَةِ "الْأَبْلَهِ" كَانَ "مِيشْكِين" هُوَ مَنْ أَجْرَى الْمُقَارَنَةَ بِنَفْسِهِ مَعَ رُوغُوجِين".

لَقَدْ أَظْهَرَ دُوسْتُويِفْسْكِي حَدْساً ثَاقِباً حِينَ اسْتَشْرَفَ "رِحْلَةَ الْإِسْرَاءِ" لِلنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ. إِذْ كَتَبَ أَحَدُ أَعْظَمِ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ الْمُعَاصِرِينَ أَنَّهُ، بِالْمُقَارَنَةِ مَعَ الْفِكْرِ الْغَرْبِيِّ، فَإِنَّ "لِلْإِسْلَامِ رُؤْيَةً مُخْتَلِفَةً تَمَاماً لِلزَّمَنِ... فَهُوَ لَيْسَ ’دَيْمُومَةً‘ مُتَّصِلَةً، بَلْ هُوَ كَوْكَبَةٌ، أَوْ ’مَجَرَّةٌ‘ مِنَ اللَّحَظَاتِ... لَا يُوجَدُ سِوَى تِلْكَ اللَّحْظَةِ الْحَاضِرَةِ".[37] فَفِي لَحَظَاتِهِمُ الَّتِي تَسْبِقُ نَوْبَةَ الصَّرَعِ، يَتَجَاوَزُ كُلٌّ مِنْ مِيشْكِين ("تَنَاغُمٌ وَجَمَالٌ فِي أَعْلَى دَرَجَاتِهِمَا... انْدِمَاجٌ وُجُودِيٌّ صُوفِيٌّ مَعَ أَسْمَى مَرَاتِبِ الْوُجُودِ") وَكِيرِيلُوف ("تَنَاغُمٌ أَبَدِيٌّ") الزَّمَنَ، تَمَاماً كَمَا فَعَلَ دُوسْتُويِفْسْكِي نَفْسُهُ ("لَقَدْ هَبَطَتِ السَّمَاءُ إِلَى الْأَرْضِ وَابْتَلَعَتْنِي. لَقَدْ عَرَفْتُ الرَّبَّ حَقّاً وَتَغَلْغَلَ فِيَّ بِوُجُودِهِ").

لَكِنْ مَاذَا بَعْدُ؟ فِي أَعْمَالِ دُوسْتُويِفْسْكِي، بَرَزَتْ فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ رُؤْيَةُ الثِّيُوقْرَاطِيَّةِ الْمَسِيحِيَّةِ فِي رِوَايَةِ "الْإِخْوَةِ كَارَامَازُوف"؛ أَمَّا مِيشْكِين، الَّذِي حَطَّمَهُ الْبَشَرُ الَّذِينَ عَجَزَ عَنِ التَّعَامُلِ مَعَهُمْ، فَقَدْ عَادَ إِلَى غَفْلَتِهِ، وَلَمْ تُحْدِثْ رَصَاصَةُ الْمُسَدَّسِ الَّتِي أَطْلَقَهَا كِيرِيلُوف انْتِحَاراً أَيَّ ثَوْرَةٍ مِيتَافِيزِيقِيَّةٍ، بَلْ مُجَرَّدَ "بُقَعٍ مِنَ الدِّمَاءِ وَالْمُخِّ". فِي هَذِهِ الْأَعْمَالِ، يَتْبَعُ النَّشْوَةَ فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ انْحِلَالٌ لَا إِرَادِيٌّ لِلشَّخْصِيَّةِ أَوْ تَدْمِيرُهَا عَمْداً..

يُقَدِّمُ عَمَلٌ فَلْسَفِيٌّ حَدِيثٌ مُتَمَيِّزٌ سِيَاقاً مُفِيداً هُنَا: "لَكِنْ ثَمَّةَ قُوىً إِيجَابِيَّةٌ تَعْمَلُ أَيْضاً ضِمْنَ الْأَشْكَالِ الْمَحْدُودَةِ لِلزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، مِمَّا يُمَكِّنُ مِنَ التَّوْحِيدِ بَيْنَ خِبْرَاتِ الْحَيَاةِ الْمُعَاشَةِ. وَيُمْكِنُ تَبَيُّنُ هَذِهِ الْقُوَى الْإِيجَابِيَّةِ بِأَوْضَحِ صُوَرِهَا فِي ظَاهِرَةِ "الْقَرَارِ"، الَّتِي تَعْمَلُ بِاعْتِبَارِهَا الْأَسَاسَ الْوُجُودِيَّ لِلْوَحْدَةِ وَالِاسْتِمْرَارِيَّةِ. فَإِذَا كَانَ "الْقَلَقُ" يُظْهِرُ سَلْبِيَّةَ التَّجْرِبَةِ، فَإِنَّ "الْقَرَارَ" يُسَبِّبُ إِيجَابِيَّتَهَا. وَمَعَ ذَلِكَ، يَنْبَغِي أَلَّا نَنْسَى أَنَّ الْقَرَارَ لَيْسَ فِعْلَ إِرَادَةٍ مُنْعَزِلاً؛ فَالْقَرَارُ يَتَطَلَّبُ "عَالَمًا"، وَسِيَاقاً مِنَ الْمُتَّجِهَاتِ وَالْقَصْدِيَّاتِ الْمُعَاشَةِ، الَّتِي تَدْخُلُ فِي صَيْرُورَةِ تَشْكِيلِ الِاخْتِيَارَات... إِنَّ الْقُوَى الْإِيجَابِيَّةَ فِي الشَّكْلِ الْمَحْدُودِ لِلزَّمَانِيَّةِ تَتَمَرْكَزُ حَوْلَ تَقْدِيمِ الزَّمَنِ بِاعْتِبَارِهِ "الْوَقْتَ الْمُنَاسِبَ" لِاتِّخَاذِ الْقَرَارِ... وَيُمْكِنُ تَأْكِيدُ الزَّمَنِ فِي "اللَّحْظَةِ الْخَلَّاقَةِ"، الَّتِي تَرْبِطُ الْمَاضِيَ وَالْمُسْتَقْبَلَ بِالْحَاضِرِ فِي عَزِيمَةِ الْفِكْرِ وَالْفِعْلِ الْمُلْتَزِمَيْنِ... إِنَّ الْوُجُودَ الْأَصِيلَ يُدْرِكُ اللَّحْظَةَ فِي صُلْبِ الِاخْتِيَارِ وَالِالْتِزَامِ... وَعَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ مَحْدُودِيَّةَ الزَّمَنِ قَدْ تُتَجَاوَزُ، لَكِنَّهَا لَا تُلْغَى."[38]

بِالِاقْتِبَاسِ مِنْ عُنْوَانِ كِتَابٍ لـ "مُونْتِغُومَرِي وَات"، لَمْ يَكُنْ مُحَمَّدٌ ﷺ نَبِيّاً فَحَسْبُ، بَلْ كَانَ أَيْضاً رَجُلَ دَوْلَةٍ. وَلَكِنْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ: فَمِنْ أَسَاسِيَّاتِ الْإِسْلَامِ الِاعْتِقَادُ بِأَنَّ مُحَمَّداً ﷺ كَانَ "الْإِنْسَانَ الْكَامِلَ": "فَهُوَ يُمَثِّلُ تَأْسِيسَ التَّنَاغُمِ وَالتَّوَازُنِ بَيْنَ كُلِّ الْمُيُولِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْإِنْسَانِ... وَطَرِيقُهُ الرُّوحِيُّ يَعْنِي قَبُولَ الْحَالَةِ الْبَشَرِيَّةِ الَّتِي يَتِمُّ تَطْبِيعُهَا وَتَقْدِيسُهَا كَأَرْضِيَّةٍ لِلْقَلْعَةِ الرُّوحِيَّةِ الْأَكْثَرِ سُمُوّاً... وَهُوَ فِي آنٍ وَاحِدٍ نَمُوذَجٌ لِلْكَمَالِ الْبَشَرِيِّ وَالرُّوحِيِّ وَدَلِيلٌ نَحْوَ تَحْقِيقِهِ."[39] أَوْ كَمَا يُعَبِّرُ "شُوَان" عَنْ ذَلِكَ بِأَقْصَى دَرَجَاتِ التَّرْكِيزِ: "إِنَّ تَقْلِيدَ النَّبِيِّ يَعْنِي، أَوَّلاً، الْقُوَّةَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّفْسِ، ثُمَّ الْكَرَمَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْآخَرِينَ، وَثَالِثاً، السَّكِينَةَ فِي الْخَالِقِ وَخِلَالَهُ."[40]

وَقَدْ لَاحَظَ كَاتِبٌ آخَرُ مُعَاصِرٌ حَوْلَ التَّصَوُّفِ الْإِسْلَامِيِّ، بِحِدَّةٍ تَشْبِهُ حِدَّةَ السَّيْفِ الَّتِي تُمَيِّزُ الْمُتَصَوِّفَةَ أَحْيَاناً، أَنَّ "النَّبِيَّ فِي رِحْلَةِ الْإِسْرَاءِ نُقِلَ أَوَّلاً ’أُفُقِيّاً‘ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْقُدْسِ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ بِصُعُودِهِ ’الْعَمُودِيِّ‘... فَقَطْ مِنْ مَرْكَزِ الْحَالَةِ الْأَرْضِيَّةِ، أَيْ مِنْ دَرَجَةِ الْكَمَالِ الْبَشَرِيِّ، يُمْكِنُ لِلْمَرْءِ الْوُصُولُ إِلَى حَالَاتِ الْوُجُودِ الْأَعْلَى."[41]

إِنَّ مِيشْكِينَ غَارِقٌ فِي حَالَةٍ مِنَ النَّشْوَةِ الرُّوحِيَّةِ، لٰكِنَّهُ يَنْجَرُّ رَغْمًا عَنْهُ إِلَى دُوَّامَةٍ مِنْ تَعْقِيدَاتِ النَّاسِ. لَمْ يَنْجُ مِنْ سِكِّينِ رُوغُوجِين عَلَى الدَّرَجِ اللَّوْلَبِيِّ إِلَّا بِأَنْ تَنْفَجِرَ فِيهِ نَوْبَةُ الصَّرَعِ، فَيَسْقُطَ هَامِدًا فِي بِرْكَةِ دَمِهِ؛ لَحَظَاتُ وَجْدِهِ الْخَاصَّةُ -تَمَامًا كَلَحَظَاتِ كِيرِيلُوف- تَبْقَى جُزُرًا مَعْزُولَةً لَا تَتَّصِلُ بِوَاقِعِهِ. إِنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِفِعْلٍ، وَلٰكِنْ: أَعْمَالُهُ -سَوَاءٌ أَكَانَتْ سَامِيَةً، أَوْ مَحَلَّ سُخْرِيَةٍ، أَوْ كَارِثِيَّةً- لَيْسَتْ سِوَى صَحَوَاتٍ مُتَخَبِّطَةٍ أَوْ نَزَوَاتٍ عَفْوِيَّةٍ؛ فَهِيَ لَيْسَتْ "قَصْدًا وَاعِيًا" فِي حَيَاتِهِ. عَدَمُ فِعْلِهِ أَحْيَانًا لَا يَدُلُّ عَلَى رُوحٍ مُتَمَكِّنَةٍ أَوْ هَادِئَةٍ، بَلْ هُوَ ضَعْفٌ وَتَشَتُّتٌ. عِنْدَمَا يَتَمَلَّكُهُ الْيَأْسُ، لَا يَبْحَثُ عَنْ خَلَاصٍ خَارِجَ ذَاتِهِ، بَلْ يَنْكَبُّ عَلَى عُزْلَتِهِ يَسْتَنْزِفُهَا. لَحَظَاتُ نُورِهِ تُبْهِرُ النَّاسَ حَوْلَهُ، لٰكِنَّهَا لَا تُغَيِّرُ فِيهِمْ شَيْئًا؛ جُمْهُورُهُ يَتَأَثَّرُ وَيَنْبَهِرُ، لَكِنَّهُ لَا يَتَحَوَّلُ. بِاخْتِصَارٍ: سُلُوكُهُ فِي الصَّمِيمِ هُوَ سُلُوكٌ "يَأْتِي فِي غَيْرِ أَوَانِهِ".

فِي رِسَالَةٍ كَتَبَهَا فِي يَنَايِرَ 1868 حَوْلَ تَصَوُّرِهِ الَّذِي تَجَسَّدَ لَاحِقًا فِي شَخْصِيَّةِ "مِيشْكِينَ"، أَقَامَ دُوسْتُويِفْسْكِي مُقَارَنَاتٍ كَثِيرَةَ الِاسْتِشْهَادِ بِكُلٍّ مِنَ الْمَسِيحِ، وَدُون كِيشُوت، وَبِيكْوِيك، وَجَان فَالْجَان (بَطَلِ هُوغُو)؛[42] وَلٰكِنَّ الْإِمْكَانَاتِ الْهَائِلَةَ وَذَاتَ الصِّلَةِ الْعَمِيقَةِ لِشَخْصِيَّةِ "مُحَمَّدٍ" كَـ "إِنْسَانٍ كَامِلٍ" لَمْ تُسْتَثْمَرْ بِشَكْلٍ حَقِيقِيٍّ مِن قِبَلِ دُوسْتُويِفْسْكِي الْمَسِيحِيِّ الرُّوسِيِّ. فَفِي حِينِ أَنَّ الْمَسِيحَ -بِالنِّسْبَةِ لِلْمَسِيحِيَّةِ- هُوَ إِلٰهٌ وَإِنْسَانٌ مَعًا (وَمِنْ هُنَا تَنْبَعُ الْكَثِيرُ مِنَ الْعُمْقِ وَالتَّعْقِيدَاتِ وَالْجَدَلِ فِي اللَّاهُوتِ الْمَسِيحِيِّ)، فَإِنَّ مَكَانَةَ "مُحَمَّدٍ" بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْلِمِ مُخْتَلِفَةٌ تَمَامًا: فَمُحَمَّدٌ لَيْسَ إِلٰهًا، بَلْ هُوَ "الْإِنْسَانُ النَّمُوذَجُ"؛ وَهُوَ مَفْهُومٌ يَرْتَبِطُ بِذٰلِكَ التَّصَوُّرِ الَّذِي كَانَ يَحْمِلُهُ دُوسْتُويِفْسْكِي، وَالَّذِي أَدَّى بِهِ إِلَى خَلْقِ شَخْصِيَّةِ مِيشْكِينَ.

بَدَأَتْ رِوَايَةُ "الْأَبْلَهُ" بِرِحْلَةِ مِيشْكِينَ الْأُفُقِيَّةِ مِنْ سُوِيسْرَا إِلَى رُوسْيَا، وَهِيَ مَنْصَّةٌ تَقْلِيدِيَّةٌ لِلِارْتِقَاءِ الرُّوحِيِّ، وَالَّتِي تَحَوَّلَتْ إِلَى كَارِثَةٍ. كَانَ قَدْ تَلَقَّى عِلَاجًا نَاجِحًا فِي عِيَادَةِ الدُّكْتُورِ شْنَايْدَر السُّوِيسْرِيَّةِ، لٰكِنَّهُ أَثْبَتَ أَنَّهُ غَيْرُ كَامِلٍ نَفْسِيًّا وَغَيْرُ مُتَّزِنٍ فِي خِضَمِّ دُوَّامَةِ سَانْتَ بِطَرَسْبُرْغ؛ إِنَّ ظُهُورَ "الْأَبْلَهِ الْمُقَدَّسِ" الَّذِي عُولِجَ فِي سُوِيسْرَا يَطْغَى عَلَيْهِ فِي الْمَدِينَةِ الَّتِي تَغْلِي بِالْمَادِيَّةِ الرَّأْسْمَالِيَّةِ وَالْأَنَانِيَّةِ الْفَاسِدَةِ (يِبَانْتِشِين، غَانِيَا، تُوتْسْكِي) وَبِقُوى الْغُمُوضِ وَالْإِرَادَةِ الذَّاتِيَّةِ الشَّيْطَانِيَّةِ الْمُتَأَصِّلَةِ فِي التَّقَالِيدِ الرُّوسِيَّةِ (رُوغُوجِين، لِيبِيدِيف، نَاسْتَاسْيَا فِيلِيبُوفْنَا). عِنْدَ وُصُولِهِ، كَانَ مِيشْكِين مَهْوُوسًا بِشَكْلٍ غَرِيبٍ بِتَكْثِيفِ الزَّمَنِ وَتَجْرِبَةِ مَنْ يَنْتَظِرُ الْمَوْتَ بِرَصَاصَةٍ أَوْ مِقْصَلَةٍ، وَقَدْ غَذَّاهُ (أَوْ رُبَّمَا أَضْعَفَهُ وَأَضَلَّهُ) مَرَضُ الصَّرَعِ، لِيَنْتَهِيَ بِهِ الْمَطَافُ فِي سَانْتَ بِطَرَسْبُرْغ دُونَ رِحْلَةٍ لَيْلِيَّةٍ تَتَجَاوَزُ الزَّمَانَ وَالْمَكَانَ، بَلْ بِلَيْلَةٍ أَبَدِيَّةٍ مِنَ الْعَدَمِ السَّاكِنِ، يَسْهَرُ مَعَ الْقَاتِلِ رُوغُوجِين بِجِوَارِ جُثَّةِ نَاسْتَاسْيَا فِيلِيبُوفْنَا بَيْنَمَا يَنْتَكِسُ إِلَى غَيْبُوبَةٍ. بِالنِّسْبَةِ لِمِيشْكِينَ، كَمَا هُوَ الْحَالُ بِالنِّسْبَةِ لِلْجُثَّةِ الْمُمَزَّقَةِ فِي الصُّورَةِ الَّتِي يَعْتَزُّ بِهَا رُوغُوجِين، يَبْدُو الْأَمَلُ ضَئِيلًا فِي النُّهُوضِ مُجَدَّدًا؛ مُجَرَّدُ هَيْكَلٍ بَشَرِيٍّ، يُنْقَلُ إِلَى نُقْطَةِ الْحِيَادِ فِي عِيَادَةِ شْنَايْدَر السُّوِيسْرِيَّةِ، لِيُصْبِحَ مَوْضِعَ شَفَقَةٍ يَائِسَةٍ لَدَى الرُّوسِ الْقَلَائِلِ الْعُقَلَاءِ الْمَوْجُودِينَ.

لَقَدِ اسْتَطَاعَ دُوسْتُويِفْسْكِي نَفْسُهُ أَنْ يَدْمُجَ تَجْرِبَةَ الصَّرَعِ وَمَا تَنْطَوِي عَلَيْهِ مِنْ دَلَالَاتٍ (بِالنِّسْبَةِ لَهُ) فِي حَيَاتِهِ الْإِبْدَاعِيَّةِ الْمُسْتَمِرَّةِ؛ وَلٰكِنَّ كُلًّا مِنَ "الصَرْعَى الْمِيتَافِيزِيقِيَّيْنِ" اللَّذَيْنِ لَا يُنْسَيَانِ وَاللَّذَيْنِ ابْتَكَرَهُمَا —مِيشْكِين وَكِيرِيلُوف— قَدِ انْهَارَا أَوْ تَفَجَّرَا. أَمَّا صَرِيْعَهُ الثَّالِثُ، "سْمِيرْدِيَاكُوف" فِي رِوَايَةِ "الْإِخْوَةِ كَارَامَازُوف"، فَهُوَ مُحَاكٍ سَاخِرٌ وَمُسْتَهْزِئٌ بِالْفَلْسَفَةِ، وَقَاتِلٌ لِلْقِطَطِ وَلِنَفْسِهِ، حَيْثُ تُوَفِّرُ لَهُ نَوْبَةُ الصَّرَعِ ذَرِيعَةً (حُجَّةَ غِيَابٍ) لِارْتِكَابِ جَرِيمَةِ الْقَتْلِ؛ وَفِي رِوَايَةِ "الْإِخْوَةِ كَارَامَازُوف" يَرِدُ اسْمُ "مُحَمَّدٍ" —وَلٰكِنْ كَذَلِكَ فِي سِيَاقٍ سَاخِرٍ (الْكِتَابُ الْعَاشِرُ، الْفَصْلُ الْخَامِسُ)— فِي عُنْوَانِ كِتَابٍ بَذِيءٍ أَوْ إِبَاحِيٍّ، "قَرِيبُ مُحَمَّدٍ" أَوْ "الْحَمَاقَةُ الشَّافِيَةُ"، وَهُوَ الْكِتَابُ الَّذِي يَقُولُ كُولْيَا إِنَّهُ اسْتَبْدَلَهُ بِالْمِدْفَعِ الَّذِي جَلَبَهُ إِلَى جَانِبِ سَرِيرِ إِيلْيُوشْكَا.

عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ الطَّيِّبِينَ فِي سِجْنِ أُومْسْك قَدْ أَثَارُوا إِعْجَابَ دُوسْتُويِفْسْكِي، بَلْ وَأَلْهَمُوهُ عَلَى مَا يَبْدُو لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، إِلَّا أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ ظَلَّ فِي نَظَرِهِ مِثَالًا لِنَوْعٍ مُعَيَّنٍ مِنَ التَّجْرِبَةِ الرُّوحِيَّةِ، وَفَاتِحًا قَاسِيًا يُشْبِهُ نَابِلْيُون. لَا يُلَامُ دُوسْتُويِفْسْكِي عَلَى عَدَمِ بُلُوغِهِ فَهْمًا أَعْمَقَ لِلْإِسْلَامِ، وَهُوَ أَمْرٌ كَانَ عَلَى الْأَرْجَحِ أَنْدَرَ بَيْنَ الْمَسِيحِيِّينَ آنَذَاكَ مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ الْآنَ؛ مَعَ ذٰلِكَ، يُمْكِنُ لِلْمَرْءِ أَنْ يَتَسَاءَلَ عَنِ الْأَثَرِ الَّذِي كَانَ سَيَتْرُكُهُ لَوِ الْتَقَى بِشَخْصٍ يَجْمَعُ بَيْنَ الصِّفَاتِ الْمُتَمَيِّزَةِ لِتُشُوكَان فَالِيخَانُوف وَالْإِيمَانِ الْإِسْلَامِيِّ. فِي الْوَاقِعِ، فَإِنَّ ازْدِيَادَ تَعَاطُفِ دُوسْتُويِفْسْكِي مَعَ الْمَسِيحِيَّةِ الْأُرْثُوذُكْسِيَّةِ وَالْقَوْمِيَّةِ الرُّوسِيَّةِ، فِي مُوَاجَهَةِ الْأَتْرَاكِ الْمُسْلِمِينَ، حَالَ دُونَ تَعَمُّقِهِ النَّظَرِيِّ فِي فَهْمِ الْإِسْلَامِ وَالنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ - وَهُوَ احْتِمَالٌ يُمْكِنُ اسْتِنْتَاجُهُ مِنَ الْفَهْمِ الْعَالَمِيِّ الْمُحْتَمَلِ الَّذِي أَعْلَنَهُ فِي خِطَابِهِ الشَّهِيرِ فِي ذِكْرَى بُوشْكِين فِي أَوَاخِرِ حَيَاتِهِ. فِي الْوَاقِعِ، مَا ذَكَرَهُ دُوسْتُويِفْسْكِي فِي ذٰلِكَ الْخِطَابِ عَنِ الْإِسْلَامِ (فِي سِيَاقِ حَدِيثِهِ عَنْ كِتَابِ بُوشْكِين "اقْتِبَاسَاتٌ مِنَ الْقُرْآنِ") هُوَ "رُوحُ الْقُرْآنِ ذَاتُهَا، وَسَيْفُهُ، وَجَلَالُ عَقِيدَتِهِ السَّاذِجِ، وَقُوَّتُهُ الدَّمَوِيَّةُ الْمُهَدِّدَةُ". وَلَعَلَّ الْمَرْءَ يَتَمَنَّى لَوْ أَنَّ دُوسْتُويِفْسْكِي تَذَكَّرَ فِي ذٰلِكَ الْوَقْتِ التَّتَرِيَّ الدَّاغِسْتَانِيَّ عَلِيًّا، الَّذِي وَصَفَهُ رَاوِي "مُذَكِّرَاتٍ مِنْ بَيْتِ الْأَمْوَاتِ" بِأَنَّهُ "وَإِنَّمَا أَذْكُرُ لِقَائِي بِهِ كَوَاحِدٍ مِنْ أَجْمَلِ وَأَبْهَى اللِّقَاءَاتِ فِي حَيَاتِي. هُنَاكَ نُفُوسٌ جُبِلَتْ عَلَى الْخَيْرِ مُنْذُ مَبْدَئِهَا، وَمَنَحَتْهَا الْعِنَايَةُ الْإِلٰهِيَّةُ مِنْ فَيْضِ طُهْرِهَا، حَتَّى لَيَسْتَحِيلُ عَلَى الْعَقْلِ أَنْ يَتَصَوَّرَ أَنَّهَا قَدْ تَتَبَدَّلُ يَوْمًا إِلَى الْأَسْوَأ": ذٰلِكَ عَلِيٌّ الَّذِي مَا إِنْ خَرَجَ مِنَ السِّجْنِ حَتَّى "لَقَدِ ارْتَمَى عَلَى كَتِفِي وَبَكَى. لَمْ يَسْبِقْ لَهُ أَنْ قَبَّلَنِي أَوْ بَكَى مِنْ قَبْلُ. قَالَ: 'لَقَدْ فَعَلْتَ الْكَثِيرَ مِنْ أَجْلِي، الْكَثِيرَ... وَالِدِي وَوَالِدَتِي لَمْ يَفْعَلَا كُلَّ هَذَا؛ لَقَدْ جَعَلْتَنِي إِنْسَانًا، وَسَيَجْزِيكَ اللَّهُ، وَلَنْ أَنْسَاكَ أَبَدًا".

وَلَعَلَّ مِنَ الْمُنَاسِبِ فِي الْخِتَامِ تَوْضِيحُ الْمَوْقِفِ الْكَامِنِ وَرَاءَ هَذَا الِاسْتِعْرَاضِ. دُونَ التَّأْكِيدِ عَلَى وُجُوبِ اعْتِبَارِ دُوسْتُويِفْسْكِي فَيْلَسُوفًا إِلَى جَانِبِ كَوْنِهِ رِوَائِيًّا، فَمِنَ الْمَعْرُوفِ أَنَّ أَعْمَالَهُ الرِّوَائِيَّةَ قَدْ أَثَّرَتْ فِي عَدَدٍ مِنَ الْكُتَّابِ الَّذِينَ يُعْتَبَرُونَ فَلَاسِفَةً، وَلَا سِيَّمَا بَعْضُ الْوُجُودِيِّينَ، وَلَا جِدَالَ فِي أَنَّ لِأَعْمَالِهِ مَكَانَةً فِي تَارِيخِ الْفِكْرِ. وَقَدِ اتَّسَعَتْ آفَاقُ الْبَحْثِ فِي هَذَا الْمَجَالِ مُؤَخَّرًا بِشَكْلٍ سَرِيعٍ بِفَضْلِ الْأَبْحَاثِ الرَّائِدَةِ لِعَدَدٍ مِنَ الْبَاحِثِينَ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الْخِبْرَاتِ الْغَرْبِيَّةِ وَالشَّرْقِيَّةِ (مِثْلَ هِرْبَرْت غُونْتَر، وَأَغِيهَانَانْدَا بَهَارَاتِي، وَسَيِّد حُسَيْن نَصْر، وَإِدْوَارْد كُونْز، وَالرَّاحِلِ رِيتشَارد رُوبِنْسُون، فِي الدِّرَاسَاتِ التيبتية وَالتَّتَرِيَّةِ وَالْإِسْلَامِيَّةِ وَالْبُوذِيَّةِ). مِنْ هَذَا الْمُنْطَلَقِ، يَسْتَحِقُّ دُوسْتُويِفْسْكِي، مِثْلَهُ مِثْلُ تُولْسْتُوي، دِرَاسَةً مِنْ مَنْظُورٍ أَوْسَعَ مِنْ مُجَرَّدِ النَّظَرِ إِلَى الْمَصَادِرِ وَالتَّأْثِيرَاتِ، وَيُؤْمَلُ أَنْ تُفْضِيَ هَذِهِ النَّظْرَةُ إِلَى دُوسْتُويِفْسْكِي وَالْإِسْلَامِ إِلَى دِرَاسَةٍ أَكْثَرَ تَخَصُّصًا لِهَذِهِ الْمَوَاضِيعِ. كَمَا لَاحَظَ جَامِعُ الْمُخْتَارَاتِ الْحَدِيثَةِ الرَّائِعَةِ، وَهُوَ مَسِيحِيٌّ كَاثُولِيكِيٌّ، فَإِنَّ "مُؤَرِّخِي الْفِكْرِ الْغَرْبِيِّينَ يُوحِي بِأَنَّ كِتَابَاتِ مُفَكِّرِيهِمْ هِيَ التَّعْبِيرُ الْوَحِيدُ الْمُنَاسِبُ عَنِ الْأَفْكَارِ الْإِنْسَانِيَّةِ... لٰكِنْ لَا يُمْكِنُنَا السَّمَاحُ لِأَكْثَرِ الْحَضَارَاتِ انْفِتَاحًا عَلَى الْعَالَمِ بِأَنْ تَتَمَتَّعَ بِفَوَائِدِ فُضُولٍ وَاسِعِ النِّطَاقِ وَمُسْتَنِيرٍ تُجَاهَ الثَّقَافَاتِ الْأُخْرَى، وَأَنْ تَنْغَمِسَ فِي رِضًا زَائِفٍ وَلٰكِنَّهُ ضَيِّقُ الْأُفُقِ عَنْ تَفَرُّدِهَا... رُبَّمَا يَكُونُ الْمُفَكِّرُونَ الْغَرْبِيُّونَ قَدِ اكْتَسَبُوا بِالْفِعْلِ بَعْضَ هَذِهِ الْأَفْكَارِ بِشَكْلٍ مُسْتَقِلٍّ عَنِ التَّأْثِيرَاتِ الْهِنْدِيَّةِ أَوْ غَيْرِهَا، لٰكِنَّ مَا اكْتَسَبُوهُ كَانَ مَجْهُولًا لَهُمْ فَقَطْ، وَلَيْسَ لِلْجِنْسِ الْبَشَرِيِّ كَكُلٍّ - تَمَامًا كَمَا تَمَّ اكْتِشَافُ أَمِيرْكَا لِلْأُورُوبِّيِّينَ فَقَطْ، وَلَيْسَ لِسُكَّانِهَا، وَبِالتَّالِي لَيْسَ لِلْبَشَرِيَّةِ جَمْعَاءَ".[43]

 

 

 

 

 

 

1.         P. I. Biryukov, Tolstoi und der Orient, Zürich and Leipzig, 1925; Derk Bodde, Tolstoy and China, Princeton, 1950; A. I. Shifman, Lev Tolstoy i Vostok, Moscow, 1960, and second revised edition, Moscow, 1971; Vytas Dukas and Glenn A. Sandstrom, ‘Taoistic Patterns in War and Peace’ (The Slavic and East European Journal, XIV, 2, Madison, Wisconsin, 1970, pp. 182–93).

2.         Grigoriy Pomerants: ‘ “Yevklidovskiy” i “neyevklidovskiy” razum v tvorchestve Dostoyevskogo’ (Kontinent, 3, Berlin, 1975, pp. 109–50). (هذه المقالة تُعتبر استثناءً).

3.         L. P. Grossman, Seminariy po Dostoyevskomu, Moscow-Petrograd, 1922, pp. 43–44.

4.      ألكسندر بوشكين (1799-1837) شاعر وكاتب مسرحي وروائي في الحقبة الرومانسية في الأدب الروسي، يُعتبر من قبل الكثير الشاعر الروسي الأعظم ومؤسس الأدب الروسي الحديث. ميخائيل ليرمنتوف (1814-1841) من الشعراء الرومانسيين الروس، وكان يُسمى بشاعر القوقاز، ويعتبر أحد أهم الشعراء الروس بعد وفاة بوشكين. ليف تولستوي (1828-1910) من عمالقة الروائيين الروس، وهو مصلح اجتماعي وداعية سلام ومفكر أخلاقي، يُعد من أعمدة الأدب الروسي في القرن التاسع عشر، والبعض يعده من أعظم الروائيين على الإطلاق. (المترجم).

5.      إيفان غونتشاروف (1812-1891) روائي وكاتب روسي. اشتهر برواياته الثلاث: قصة عادية (1847)، حلم أوبلوموف (1859)، الهاوية (1869). أنطون تشيخوف (1860-1904) كاتب مسرحي وكاتب قصص قصيرة روسي، يعتبر من أعظم الكُتاب على الإطلاق؛ تحظى أفضل قصصه القصيرة بتقدير كبير، وكتب المئات منها، كما كان لمسرحياته تأثير عظيم على دراما القرن العشرين. إيفان بونين (1870-1953) أديب وشاعر روسي، نال جائزة نوبل في الأدب عام 1933، وهو أول روسي يحصل عليها. ألكسندر غريبايدوف (1795-1829) دبلوماسي وكاتب مسرحي وشاعر ومؤلف موسيقي روسي، عمل سفيراً لروسيا في طهران (1828-1829) حيث قُتل هناك. ألكسندر سولجينيتسين (1918-2008) روائي روسي لفتت كتاباته النظر إلى "الغولاغ" (معسكرات الاتحاد السوفيتي للعمل القسري)، خاصة في روايتيه أرخبيل غولاغ ويوم في حياة إيفان دينيسوفيتش، ومنح جائزة نوبل في الأدب عام 1970. (المترجم).

6.         F. M. Dostoyevsky, Polnoye sobraniye sochineniy v tridtsati tomakh, Leningrad, 1972—, vol. 6, 1973, p. 419. (جميع الإشارات إلى أعمال دوستويفسكي من هذه الطبعة، وقام مؤلف المقالة بترجمة النصوص).

7.      تعني كلمة Lezgian بالعربية "لزجيني" أو "لزغي"، شخصاً ينتمي إلى "اللزجين"، وهم مجموعة عرقية وجماعة قوقازية تستوطن مناطق جبلية في جنوب جمهورية داغستان داخل روسيا، وشمال شرق دولة أذربيجان. وتشير الكلمة أيضاً إلى اللغة اللزجينية الأم؛ وهي إحدى اللغات القوقازية الشمالية الشرقية. (المترجم).

8.      الموعظة على الجبل هي الاسم الشائع لمجموعة من التعاليم والوصايا الأخلاقية والروحية التي ألقاها السيد المسيح، وتُعد واحدة من أهم الخطب في التاريخ الإنساني، وردت تفاصيلها في الإنجيل (بشكل رئيسي في إنجيل متى، الفصول 5-7). تُركز هذه الموعظة على الطهارة الداخلية، والتسامح، والمحبة، والسلام، والابتعاد عن الرياء. (المترجم).

9.         F. M. Dostoyevsky, Pis’ma, ed. A. S. Dolinin, vol. 1, Moscow–Leningrad, 1928, pp. 139, 145.

10.   ألكسندر ميليوكوف (1817-1897)، كاتب وناقد وصحفي ومنظر ومحرر وكاتب مذكرات ومربي ومؤرخ ورحالة وباحث وأستاذ جامعي روسي، وصديق لميخائيل وفيليب دوستويفسكي. شارك بفعالية في الحياة الأدبية الروسية في أربعينيات وثمانينيات القرن التاسع عشر. كان ميليوكوف نموذجاً لشخصية "إس. في. ليبوتين" في رواية الشياطين لدوستويفسكي، وكان من أتباع حلقة بيتراشيفسكي-فورييه. (المترجم).

11.    F. M. Dostoyevsky v vospominaniyakh sovremennikov, ed. A. Dolinin, Moscow, 1964, vol. 1, p. 195.

12.    Grossman, Seminariy po Dostoyevskomu, p. 44.

13.    Thomas G. Winner, The Oral Art and Literature of the Kazakhs of Russian Central Asia, Durham, N. Carolina, 1958, pp. 101–107. V. A. Manuylov, ‘Drug F. M. Dostoyevskogo Chokan Valikhanov’ (Trudy Leningradskogo bibliotechnogo instituta, v, Leningrad, 1959, pp. 343–69). K. Beysembiyev, Iz istorii obshchestvennoy mysli Kazakhstana vtoroy poloviny XIX veka (Ch. Valikhanov, I. Altynsarin), Alma-Ata, 1957; S. Z. Zimanov and A. A. Atishev, Politicheskiye vzglyady Chokana Valikhanova, Alma-Ata, 1965; Baymirza Hayit, ‘Geistesleben Turkestans in XIX. und XX. Jahrhundert’ in Der Orient in der Forschung: Festschrift für Otto Spies, ed. Wilhelm Hoenerbach, Wiesbaden, 1967, pp. 229–93, and Turkestan zwischen Russland und China, Amsterdam, 1971. Hélène Carrère d’Encausse, Central Asia: A Century of Russian Rule, ed. Edward Allworth, New York and London, 1967, especially chapters IV, V and VI; Alexandre Bennigsen and Chantal Lemercier-Quelquejay, Islam in the Soviet Union, New York and London, 1967; Nora K. Chadwick and Victor Zhirmunsky, Oral Epics of Central Asia, Cambridge, 1969; Lawrence Krader, Peoples of Central Asia, Bloomington, Ind. and The Hague, 1966; Richard A. Pierce, Russian Central Asia 1867–1917, Berkeley and Los Angeles, 1960; Geoffrey Wheeler, The Modern History of Soviet Central Asia, New York and London, 1964; and Serge A. Zenkovsky, Pan-Turkism and Islam in Russia, Cambridge, Mass., 1960.

14.   الإشارة التاريخية هنا إلى آخر خان لـ "القبيلة الوسطى" (Middle Horde / Orta Jüz) في كازاخستان. يشير المصطلح إلى قبائل الكازاخ في خانية الكازاخ. تاريخياً، "والي خان" (Uali Khan)، نجل الحاكم الشهير "أبلاي خان"، يُعتبر آخر خان للهورد الأوسط الذي اعترفت به الإمبراطورية الروسية وإمبراطورية أسرة تشينغ الصينية. مع وفاته عام 1819، قررت الإمبراطورية الروسية عدم تعيين خان جديد، مما أدى لدمج المنطقة تحت الإدارة الروسية. (المترجم).

15.    Winner, p. 101.

16.   كان البارون ألكسندر إيغوروفيتش رانغل (1833–1915) دبلوماسياً روسياً بارزاً ومدعياً عاماً في سيميبالاتينسك، ويُذكر تاريخياً بكونه الصديق المقرب والمخلص للكاتب فيودور دوستويفسكي. وفر له الكتب والدعم النفسي خلال فترة نفيه في سيبيريا (1854–1856)، وساهم في السعي للعفو عنه، وترك مذكرات تعد مرجعاً تاريخياً مهماً. (المترجم).

17.    F. M. Dostoyevsky v vospominaniyakh sovremennikov, I, p. 259.

18.   بيوتر بيتروفيتش سيميونوف تيان شانسكي (1827-1914) جغرافي وإحصائي روسي، أدار الجمعية الجغرافية الروسية لأكثر من 40 عاماً. (المترجم).

19.   نيكولاي ميخالوفيتش يادرينتسيف (1842 - 1894) شخصية عامة ومستكشف وعالم آثار وعالم في العلوم الإنسانية. تضمنت اكتشافاته الأبجدية التركية القديمة وعاصمة جنكيز خان (قراقورم). كان أحد أبرز المؤسسين للحركة الانفصالية في سيبيريا. (المترجم).

20.    Beysembiyev, p. 79.

21.    Recollections of Yadrintsev, quoted by Manuylov, p. 354, and in Literaturnoye nasledstvo, vol. 77, Moscow, 1965, pp. 464–65.

22.    Literaturnoye nasledstvo, vol. 77, p. 92; The Notebooks for A Raw Youth, ed. Edward Wasiolek, Chicago and London, 1969, p. 74.

23.    Pis’ma, vol. 1, pp. 200–2.

24.    A. G. Dostoyevskaya, Vospominaniya, Moscow, 1971, pp. 74–75; Reminiscences, trans. Beatrice Stillman, New York, 1975, p. 42.

25.   صوفيا كوفاليفسكايا (1850-1891) كانت أول عالمة رياضيات روسيّة رائدة، مسؤولة عن إسهامات مبدعة ومهمة في التحليل والمعادلات التفاضلية والميكانيكا، وأول امرأة تعين بأستاذية كاملة في شمال أوروبا. (المترجم).

26.   آن جاكلارد (1843-1887)، ثورية اشتراكية ونسوية روسية. شاركت في كومونة باريس، والتقى بها دوستويفسكي ونشر لها قصتين في مجلته، ويُعتقد أنه استوحى منها شخصية "أغلايا إيبانشينا" في رواية الأبله. (المترجم).

27.    S. V. Kovalevskaya, Vospominaniya i pis’ma, Moscow, 1951, pp. 106–7.

28.   كثيراً ما يُفترض أن جو البهجة هذا، الذي عززته بعض الحدة، قد ساهم بشكل كبير في مشاهد الاحتفالات متعددة الطبقات في رواية دوستويفسكي الزوج الأبدي (1870).

29.    F. M. Dostoyevsky v vospominaniyakh sovremennikov, vol. 1, pp. 362–70.

30.   يجب التنويه هنا بأن دوستويفسكي استحضر -عبر شخصية ميشكين- القصة التراثية الغربية المتداولة حول إناء الماء الذي لم يفرغ أثناء المعراج، مستخدماً إياها كاستعارة فلسفية لتفسير تمدد الزمن في الوعي الصرعي. هذه القصة تنتمي إلى الموروث القصصي (Folklore) الذي كان يتداوله المستشرقون والمفكرون الأوروبيون، ولا تمت بصلة للروايات الإسلامية الصحيحة. استخدمها دوستويفسكي كأداة بلاغية لـ "الاستنارة المفاجئة" وانكماش الزمن (أن يعيش الإنسان أبدية في أقل من ثانية). (المترجم).

31.    Roger L. Cox, Between Earth and Heaven: Shakespeare, Dostoyevsky, and the Meaning of Christian Tragedy, New York, 1969.

32.    Polnoye sobraniye sochineniy, vol. 9, Leningrad, 1974, p. 442.

33.    Le Koran, transl. M. Kasimirski, Paris, n.d., p. vii.

34.    A. J. Arberry, Sufism, New York, 1970, pp. 19–20, 28–30; Seyyed Hossein Nasr, Ideals and Realities of Islam, Boston, 1972, p. 133; Annemarie Schimmel, Mystical Dimensions of Islam, Chapel Hill, N. Carolina, 1975, p. 220.

35.    Alfred Guillaume, Islam, Harmondsworth, 1956, p. 25; Tor Andrae, Mohammad: The Man and His Faith, New York, 1960, p. 51; W. Montgomery Watt, Muhammad at Mecca, Oxford, 1953, p. 57, and Muhammad: Prophet and Statesman, Oxford, 1961, p. 19; Fazlur Rahman, Islam, London, 1966, p. 13.

36.   "نيتوتشكا نزفانوفا" هي رواية غير مكتملة لفيودور دوستويفسكي، بدأ العمل عليها في 1848، ونشر الجزء الأول منها في 1849، لكن اعتقاله ونفيه إلى سيبيريا حال دون إتمامها، ولم يستأنف العمل عليها بعد عودته. (المترجم).

37.    Louis Massignon, ‘Time in Islamic Thought’ in Man and Time, ed. Joseph Campbell, London, 1958, p. 108.

38.    Calvin O. Schrag, Experience and Being: Prolegomena to a Future Ontology, Evanston, Illinois, 1969, pp. 78–79.

39.    Nasr, Ideals and Realities of Islam, p. 77.

40.    Frithjof Schuon, Understanding Islam, London, 1963, p. 93.

41.    Martin Lings, what is Sufism? London, 1975, p. 38.

42.    Pis’ma, vol. II, 1930, p. 71.

43.    José Pereira, Hindu Theology: A Reader, New York, 1976, pp. 21–22.

 

 

 



مقال لمايكل فوتريل نشر في مجلة الدراسات السلافية والأوربية الشرقية . يومها كان المؤلف استاذاً للدراسات الروسية في جامعة كولومبيا البريطانية University of British Columbia 

Michael Futrell .Dostoyevsky and Islam (And Chokan Valikhanov). The Slavonic and East European Review, Vol. 57, No. 1 (Jan., 1979), pp. 16-31


#الأدب_الروسي  #فيودور_دوستويفسكي  #نقد_أدبي  #ترجمة_أدبية  #دراسات_أدبية  #فلسفة_الأدب  #الأدب_العالمي

#تحليل_أدبي  #أدب_روسي_كلاسيكي

#Dostoevsky#RussianLiterature#LiteraryCriticism#LiteraryAnalysis#ComparativeLiterature#DostoevskyStudies#ClassicalLiterature#AcademicWriting#WorldLiterature

 

This scholarly piece provides a comprehensive investigation into the intricate dialogue between Russian literature—specifically the works of Fyodor Dostoevsky—and Eastern cultural, religious, and philosophical traditions. By adopting a rigorous academic framework, the author examines how Dostoevsky integrated Oriental elements, motifs, and historical narratives into his complex structural landscapes.

Key thematic pillars of the analysis include:

  • The Dialectics of Place and Consciousness: The study explores the influence of Central Asian geography and cultural history on the narrative architecture of Dostoevsky’s novels, emphasizing the interaction between Russian colonial expansion and the indigenous perspectives of the region.
  • Narrative Time and Metaphysics: A critical portion of the text analyzes the concept of "psychological time," specifically how Dostoevsky utilized the subjective experience of time—often associated with his epileptic insights—to transcend traditional materialist structures, drawing parallels with Islamic mystical notions of time and light.
  • Comparative Literary Criticism: The work utilizes a vast array of primary and secondary sources, including the correspondence of Dostoevsky, memoirs of contemporaries (such as Baron Wrangel and Yadrintsev), and modern scholarly analyses. It addresses the author's nuanced use of "apocryphal" Eastern legends as rhetorical devices to explore "sudden illumination" and internal spiritual states.
  • Contextualizing Intellectual History: Through detailed endnotes and annotations, the author highlights the historical figures and intellectual circles (such as the Petrashevsky Circle) that shaped Dostoevsky’s worldview, while simultaneously providing a critical lens through which to view contemporary Russian literature’s encounter with the "Orient."

Ultimately, the article serves as an analytical bridge, demonstrating how Dostoevsky transformed external "Oriental" historical and spiritual data into essential components of his own philosophical and aesthetic inquiry into the human condition.

 

 

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نيقولاي ليسكوف: الحكاية الشعبية والفلسفة الإنسانية في الأدب الروسي

من ضفاف النيل إلى صخور البتراء: جغرافيا الاغتراب في رواية النبطي