فاطمة العوَّا في رواية أيام.. جنوب النهر: جغرافيا الوجع وتقاسيم الروح السودانية
لكي تحزن، يجب أن تأمن أولاً..
في عالمٍ لا يمنحنا رفاهية
البكاء، كيف نجدُ طريقتنا الخاصة للنجاة؟
رافقونا في رحلةٍ عبر أيام..
جنوب النهر، حيثُ يصبحُ النهرُ شاهداً، والصوفيةُ ملاذاً، والأدبُ بوصلةً
للخروج من العاصفة
مقدمة: زلزالُ الوعي.. حين
يضطربُ النهرُ في أعماقنا
في حياةِ كلِّ إنسانٍ لحظةٌ
فاصلة، قيامةٌ صغيرة تزلزلُ الأرضَ تحت قدميه وتُذكره بأنَّ حياته، مهما
بدت راسخة، ليست سوى حلمٍ هش. في رواية أيام.. جنوب النهر للأديبة فاطمة العوَّا، لا يقتصرُ
الزلزالُ على الطبيعة، بل يمتدُّ ليضربَ وعيَ الشخصياتِ في الصميم. منذ الصفحة
الأولى، تجدُ نفسك مُتورطاً في رجفةِ ناجي، تلك الرجفة التي تربطُ زمنين
متباعدين: زلزال القاهرة عام 1992 الذي طبع ذاكرته وهو طفل، وعاصفة الحرب في
الخرطوم عام 2023. إنها ليست مجرد إحالةٍ زمنية، بل هي شفرةٌ وجودية تُدركُ
من خلالها أن الحروب ليست إلا زلازلَ سياسية تُبعثرُ حيواتنا وتُعيد ترتيب أوراقنا
رغماً عنا.
تفتحُ فاطمة العوَّا
بابَ الحكاية على مصراعيه، ليس كراويةٍ تصفُ حرباً، بل كشاهدةٍ تعيشُ الفزعَ مع
أبطالها. نحنُ لا نقرأ عن الهروب، نحنُ نلهثُ معهم فوق أسطح المنازل، ونختبئُ في
السيارات، ونشعرُ ببرودةِ الخوفِ تسري في عروقنا. الفلسفةُ هنا واضحة: لا تُقدم
الكاتبة لنا بياناً سياسياً جافاً، بل
تُقدم الإنسان في لحظته الاستثنائية، حين تنهارُ الشعاراتُ وتُكشفُ
الهويات. إنَّ الروايةَ هي مشرطٌ جراحٍ يغوص في عمقِ اللحظة السودانية، لا
لتشريحِ جثةِ وطنٍ جريح، بل لتأملِ كيف يمكن للروح أن تظلَّ صامدةً وسط هذا
الخراب. في هذه الرواية، يُصبحُ النهرُ شاهداً، والأرضُ اختباراً، والحكايةُ هي
الملاذُ الأخير لنا جميعاً؛ فنحنُ لا نقرأُ الحكايةَ، بل نعيشها كأننا جزءٌ من هذا
النسيج الإنساني الممزق الذي يحاولُ، بكلِ ما أوتي من قوةٍ وإيمان، أن يجدَ طريقاً
للنجاةِ في وطنٍ لا يريدُ أن يأتي مستقبله بهدوء.
السرد كمسرحٍ للواقع: حين
تتحولُ الحكايةُ إلى عاصفة
في عالم فاطمة العوَّا
، لا نجدُ أنفسنا أمام نصٍّ أدبيٍّ تقليديٍّ يكتفي بالوصف، بل نحنُ أمام مسرحٍ
للواقع يُعيد صياغة الأحداث الجارية كدراما إنسانيةٍ مكتملة الأركان.
الرواية ليست توثيقاً جافاً للحرب في السودان، بل هي لحمٌ ودم؛ حيثُ تحولَ
الإيقاعُ السريع للأحداث إلى نبضٍ متسارعٍ في قلوبنا. لقد برعت الكاتبة في تحويل أدب
الأحداث الجارية من مجرد سردٍ للوقائع إلى غوصٍ وجودي في أعماق اللحظة،
مستخدمةً لغةً سلسةً ومراوغةً في آنٍ واحد، لغةً تنهلُ من معينِ اللهجةِ السودانية
المحكية لتمنحَ النصَّ نكهته الخاصة وصدقه التاريخي.
إنّ قوة السرد هنا تكمنُ في التقاطِ
الأنفاس؛ فنحنُ لا نلهثُ وراءَ أحداثٍ سياسية فحسب، بل وراءَ أرواحٍ مأزومة
تحاولُ النجاة. أن المشاهدُ الإنسانية، كلحظاتِ الوداع المكتومة، أو الخوفِ
المبطنِ في نظراتِ هاجر، أو ارتباكِ إدريس أمام طقوس الدفن العجلى، تمنحُ الروايةَ
إنسانيةً طاغيةً تجعلنا ننسى أننا نقرأ خيالاً.
تُعيدُ فاطمة العوَّا تدويرَ الألمِ وتصيغهُ في قوالبَ سينمائية؛
فهي تضعُ القارئَ داخل العاصفة لا على هامشها، وتجعلنا نشعرُ بأنَّ هدفنا الأسمى
ليس معرفةَ مآلاتِ الحرب، بل الوصولَ مع أبطالها إلى تلك الأرض الآمنة التي
لا وجودَ لها إلا في أحلامنا.
إنّ نجاحَ فاطمة العوَّا
في مسرحةِ المكان، بدءاً من شوارع الخرطوم المشتعلة، وصولاً إلى أسطحِ السفن في
عرضِ البحر، يعكسُ رؤيةً سرديةً تحفرُ في عمقِ الجغرافيا. هي لا ترسمُ خارطةً
طريقٍ فحسب، بل ترسمُ خارطةً للمشاعر؛ حيثُ تتقاطعُ الدماءُ بالماء، وتتمزقُ
الأحلامُ تحت دويّ الرصاص. السردُ هنا لا يهدفُ إلى تقديمِ أجوبةٍ جاهزة، بل يهدفُ
إلى طرحِ أسئلةٍ وجوديةٍ قلقة حول جدوى الهروب، ومعنى الجذور، وقيمةِ الحياة حين
تصبحُ قابلةً للإهدار في طرفةِ عين. إننا أمام نصٍّ يرفضُ التسكين، نصٌّ يصرُّ على
أن يظلَّ مفتوحاً على كل الاحتمالات، تماماً كحالِ الشخصياتِ التي تعيشُ قلقاً
متوارياً لا يهدأ، وتدفعنا معها لنعيدَ ترتيبَ أوراقِ حياتنا، تماماً كما أعاد
أبطالُ الرواية ترتيبَ أوراقهم وسط الفوضى.
متاهة الهويات: دائرة الحيرة
الخماسية وصوت عمار الموجوع
في أيام.. جنوب النهر،
لا نجدُ الشخصياتِ أرقاماً في سجلاتِ الحرب، بل نجدُهم ذواتٍ متمزقة تحاولُ
لملمةَ شتاتها في دائرةِ حيرةٍ خماسية تجمعُ ناجي وإدريس وهاجر وألِكس
وعمَّار. هذه الدائرة ليست مجرد تجمعٍ للأصدقاء، بل هي مختبرٌ
للهويات؛ حيثُ يتشابكُ المصريُّ بالسوداني، والسوريُّ بالإنجليزي، في رقصةٍ
عبثيةٍ تفرضها الجغرافيا والسياسة. لقد استطاعت فاطمة العوَّا ببراعةٍ
نادرة أن تجعل من هذه البوليفونية (تعدد الأصوات) أداةً نقديةً قاسية؛ فهي
لا تكتفي بوضعِ الشخصياتِ في فندقٍ واحدٍ بالخرطوم، بل تضعهم في غرفةِ مرايا
يعكسُ فيها كلُّ واحدٍ منهم انكساراتِ الآخر، لتكشفَ عن هشاشةِ الانتماءاتِ التي
كنا نظنها صلبة.
يبرزُ عمَّار السوري
كنموذجٍ شديدِ التعقيدِ لهذه المتاهة، فهو لا يمثلُ ضياعاً شخصياً فحسب، بل يجسدُ المراجعةَ
الفكريةَ الموجعة لجيلٍ كاملٍ خُذلَ في ثوراته. إنَّ تحوّلَ عمَّار من
مطاردٍ إلى عضوٍ في وفدٍ رسمي، يضعُ القارئَ أمام مرآةِ العالمِ العربيِّ المنقلب؛
حيثُ تتبدلُ الأحوالُ وتتشقلبُ الدنيا لدرجةِ فقدانِ البوصلة. لا تُؤدلجُ فاطمة
العوَّا حكايتها؛ بل تمنحُ عماراً مساحةً ليتحدث، وتتركُ لنا—نحنُ
القراء—مهمةَ الحكم. إنها لا تقدمهُ كشيطانٍ أو ضحية، بل كإنسانٍ خضعَ لغسيلِ
دماغٍ ثم استيقظَ على حطامِ العالم، مما يجعلنا نتساءل: هل نحنُ جميعاً مجرد
عمَّار آخر يبحثُ عن وطنٍ في زحامِ الخيبات؟
هذه المتاهةُ تتسعُ لتشملَ
أسئلةَ الوعي والثقافة والذاكرة التي استدعت كل ما فيها من صخبٍ لحظةَ ميلِ الأرضِ
تحت الأقدام. تترنح الشخصياتُ هنا بين أفكارها وأيديولوجياتها، لتكتشفَ في لحظةِ
هروبٍ مريرةٍ أنَّ الكل يتاجر، وأنَّ الأوطانَ في أسواقِ السياسةِ ليست إلا
بضاعةً تُباعُ وتُشترى. إنَّ براعةَ الكاتبةِ تتجلى في رفضها للحلولِ السهلة؛ فهي
تُبقي الدائرة الخماسية مفتوحةً على أسئلةٍ لا إجابةَ لها: مَن نحنُ حين
تسقطُ الأقنعةُ؟ وما الذي يتبقى من ذواتنا حين تلتهمُ الحروبُ ماضينا؟ إنَّ
الشخصياتِ في الرواية ليست مجرد أبطالٍ دراميين، بل هي صدى لأصواتنا
المهزومة ولأحلامنا التي كادت تتبخرُ في هواءِ الخرطوم، مما يجعلنا نشعرُ بأنَّ متاهة
الهويات هذه ليست محصورةً داخل الرواية، بل هي المتاهةُ التي نعيشُ
فيها جميعاً ونحاولُ بكلِ ما أوتينا من إيمانٍ أن نجدَ لها مخرجاً، أو على الأقل،
أن نظلَّ معاً، متعاهدينَ على ألا نفترقَ مهما قست الظروفُ وتلبدت سماءُ أوطاننا
بالرصاصِ والأسئلةِ الصعبة.
الروحُ في مواجهة البارود:
التصوفُ كملاذٍ أخيرٍ للنجاة
بينما تمزقُ الحربُ خرائطَ
المدن، وتدفعُ الشخصياتِ نحو الهروبِ إلى المجهول، تطرحُ فاطمة العوَّا في أيام..
جنوب النهر تساؤلاً جوهرياً يتجاوزُ صخبَ الرصاص: هل يمكنُ للروحِ أن
تنتصرَ على الآلةِ القاتلة؟ هنا، تبرزُ الروايةُ كعملٍ أدبيٍّ يرفضُ التماهي
مع خطابِ العنفِ المطلق، مقدّمةً التصوف ليس بوصفه هروباً من الواقع، بل
كقوةٍ ناعمةٍ قادرةٍ على ترميمِ الشروخِ الإنسانية. في مجلسِ الشيخِ الحاج أحمد
القادري، حيثُ يذوبُ البارودُ في حضرةِ الذكر، ندركُ أنَّ السودانَ ليس مجرد رقعةٍ
جغرافيةٍ للصراع، بل هو أرضٌ تتنفسُ بالروحانيات، وتختزنُ في سكونها عواصفَ
التاريخِ التي لا تكسرُ إيمانَ أهلها بالنجاة. إنَّ الكاتبةَ تعيدُ لنا الاعتبارَ
للبعدِ الصوفيّ؛ فالسودانيُّ هنا، سواءٌ كان مسلماً أو مسيحياً أو حتى ملحداً،
يظلُّ في جوهره صوفياً بطبعه، لأنَّ التصوفَ في السودان—كما تُصوّره
الرواية—ليس حكراً على أصحابِ الطُرق، بل هو أسلوبُ حياةٍ يرتكزُ على إصلاحِ
ذاتِ البين ووحدةِ الصف، وهو الملاذُ الذي يلوذُ به الأبطالُ
كلما ضاقت بهم مسالكُ الهروب.
إنَّ مشهدَ وداعِ نبراس
لأبيها، وتلك الدموعِ التي تتدحرجُ كاللآلئِ على وجهه، يختزلانِ مأساةَ بلدٍ يغرقُ
في الدمِ بينما قلبه معلقٌ بالسماء. أن فاطمة العوَّا ، من خلالِ هذه
اللحظاتِ العذبةِ والمؤلمة، تهمسُ في أذنِ القارئِ بأنَّ العلاقاتِ الإنسانية هي الخندقُ
الوحيدُ الذي يحمينا من الانهيار. عندما يتحدثُ الشيخُ بحر الكلمة الفصل عن
أنَّ السودانَ لنا، فإنه يضعُ نقطةً في نهايةِ سطرِ اليأس، ويفتحُ باباً
للأملِ في دارِ الحق، بعيداً عن ألاعيبِ المتنفعين وتجارِ الأوطان. هذه الروح
التي تسري في ثنايا الرواية ليست طوباويةً ساذجة، بل هي مقاومةٌ خفية ضدَّ
الابتذالِ السياسي. هي رسالةٌ تقول: إنَّ الإنسانَ يظلُّ أكبرَ من كلِ بنادقِ
العالم، وإنَّ الحنينَ للأرضِ—رغمَ مرارةِ الرحيلِ—هو ما يربطنا بجذورنا، تماماً
كما يربطُ حوتُ الأوركا جسدَ ولده الميت بظهره رافضاً قبولَ النهاية.
في نهايةِ هذه الرحلة، ندركُ
أنَّ رواية أيام.. جنوب النهر هي دعوةٌ لاستعادةِ الرؤية بعد أن
طالَ ليلُ الغفلة. إنها نصٌّ سرديٌّ يرفضُ أن يتركنا للعدم، ويصرُّ على أنَّ
الجمالَ يكمنُ في التفاصيلِ الصغيرة: في دمعةِ أب، في دعاءٍ صوفيٍّ يطرقُ أبوابَ
السماء، وفي إصرارِ الأصدقاءِ على البقاءِ معاً. تنسق فاطمة العوَّا ببراعةِ
المايسترو، أصواتَ الكورالِ المتعددةِ لتخلقَ انسجاماً يرفضُ
النشاز، مؤكدةً أنَّ الأدبَ حين يكونُ صادقاً، يصبحُ بوصلةً نهتدي بها وسطَ
بحرِ الفوضى. إنَّها روايةٌ تهزُّ جدرانَ صمتنا وتدفعنا لننظرَ في عيونِ أوجاعنا،
موقنينَ أنَّ النهرَ، مهما جرت فيه دماءُ الصراعات، سيظلُّ يحملُ في أعماقهِ
أحلامَ البشرِ وذاكرةَ الزمن، بانتظارِ غدٍ يأتي فيه السلامُ هادئاً، تماماً كما
يليقُ ببلدٍ يعشقُ الصمتَ بقدرِ ما يعشقُ الحياة.
#أيام_جنوب_النهر
#فاطمة_العوا
#أدب_سوداني
#روايات_عربية
#نقد_أدبي
#أدب_الأحداث_الجارية
#ذاكرة_وهوية
#رواية_عربية_معاصرة
#AyyamJanubAlNahr
#FatimaAlAwa #SudaneseLiterature #ContemporaryArabicFiction #LiteraryReview
#ArabicNovel #HumanCondition #SudanInLiterature #BookRecommendation


تعليقات
إرسال تعليق