رواية سيد الذباب: قصة الانزلاق نحو العنف برؤية معاصرة

 



تُعد رواية ويليام غولدنغ عن صبية ينتهي بهم الأمر الى قتل بعضهم البعض  إحدى كلاسيكيات القرن العشرين. واليوم، يقف جاك ثورن، مؤلف مسلسل "Adolescence"، وراء نسخة تلفزيونية جديدة تخاطب عالماً مليئاً بالضغينة.



عاشت رواية "سيد الذباب" (Lord of the Flies) لويليام غولدنغ — الكلاسيكية التي تتناول تحول مجموعة من الصبية إلى الوحشية بعد تحطم طائرتهم على جزيرة مهجورة — حياة طويلة ومتنوعة بشكل لافت. فقد استلهمت منها فكرة فيلمين، وعرض راقص لماثيو بورن، ومحاكاة ساخرة في مسلسل "عائلة سمبسون"، وحتى نسخة نسائية في مسلسل "Yellowjackets".

وقد استشهد ستيفن كينغ بالرواية كأحد التأثيرات الكبرى على مسيرته الكتابية بالكامل. وبينما احتضنتها أجيال من طلاب المدارس، استاء آخرون من فرضها عليهم كقراءة مقررة. والمثير للدهشة أن هذه الرواية الصادرة عام 1954،  تبدو ملائمة بشكل خاص لواقعنا اليوم؛ حيث حُوّلت إلى مسلسل جديد جريء ومؤثر بدأ عرضه للتو على منصة "نتفليكس"، من كتابة جاك ثورن، مؤلف المسلسل الناجح "Adolescence" الذي تناول موضوعاً مشابهاً حول صبي في الثالثة عشرة من عمره متهم بالقتل.

في جوهرها، تستكشف الرواية طبيعة الشر. ويقول تيم كيندال، أستاذ الأدب الإنجليزي في جامعة إكستر والخبير في أعمال غولدنغ: "بينما لم يتغير المعنى الأساسي للرواية، فإن ما يتغير هو مدى إلحاح السؤال الفلسفي المطروح، وذلك اعتماداً على طبيعة الأنظمة أو الوضع العالمي الراهن".

وتقول جودي كارفر، ابنة غولدنغ ومديرة تركته: "أعتقد أن الكتاب الجيد ينتمي إلى كل جيل على حدة. في الواقع، قال والدي في مقال عن الكتاب إنه لم يعد يؤمن بأن للمؤلف 'حق الأبوة' على الرواية؛ بل كان يؤمن بأنها ملك للقراء، وأن تفسيرهم لها هو التفسير الصحيح".

لماذا هي قصة لهذا الزمن؟

يقول جاك ثورن: "لم نفرض أي شيء على الكتاب. أعتقد فقط أن هناك صدىً لما كتبه غولدنغ يتقاطع مع واقعنا الحالي". ويضيف أن العالم تغير منذ أن كان مراهقاً في التسعينيات: "كان هناك تفاؤل حقيقي في الأجواء، وشعور صادق بالانتماء للمجتمع. أما العالم الذي يراه ابني الآن من النافذة فهو عالم أصبح فيه الكره أسهل من الحب، والاستهانة بالآخر أسهل من مساعدته".

بدا التلفزيون الوسيلة المثالية لتقديم الكتاب لجمهور جديد. يوضح ثورن: "حلقات التلفزيون وفصوله يمكن أن تحاكي فصول الكتاب". وبخلاف الرواية، صُمم المسلسل بحيث تركز كل حلقة من حلقاته الأربع على وجهة نظر شخصية مختلفة، وهي استراتيجية رآها جاك ثورن وسيلة مبتكرة لإضاءة عمل غولدنغ. كما أضاف ثورن قصصاً خلفية للصبية وعدل في بعض الأحداث، مع البقاء وفياً لحبكة الرواية وشخصياتها.

تجسد الشخصيات نماذج بشرية متوازنة؛ فـ "بيغي" هو الصبي المضطهد الذي يرتدي النظارات ويمتاز بذكائه، و"رالف" هو القائد الطبيعي الذي يصر على أن القواعد والنظام هما ما يحفظان تمدن الجزيرة. أما خصمه "جاك"، المتعطش للسلطة، فيقود الصبية نحو الفوضى والعنف. وفي المقابل، يبرز "سايمون" كشخصية استشرافية ومضحية  تدرك أن الشر على الجزيرة ينبع من داخل الصبية أنفسهم.

أصول الحرب الباردة

رغم عالمية الرواية، إلا أنها كانت نتاجاً لعصرها. يقول كيندال، محرر رسائل غولدنغ: "يمكنك أن ترى في المسودة الأصلية أنها كانت في تصورها الأول رواية عن الحرب العالمية الثالثة. إنها تصف حرباً نووية تم إجلاء الصبية منها". في الصفحات الأولى من المسودة التي حُذفت لاحقاً، ورد فيها: "لو كان الصبية كباراً بما يكفي للنظر من نوافذ الطائرة، لرأوا سحابة الفطر النووي خلفهم". وهذا يؤكد الفكرة الجوهرية: أن الصبية لا يفعلون على الجزيرة إلا ما يفعله الكبار على نطاق عالمي.

ومع ذلك، لم يرد في الكتاب سوى إشارة واحدة محددة لـ "الحمر" (الشيوعيين)، ملمحة للحرب الباردة، وهذا الغموض هو ما جعل الرواية قابلة لتفسيرات متنوعة عبر العقود. تشير كارفر إلى أن الناس رأوها في البداية بمنظور ديني، محولين "سايمون" إلى شخصية مسيحية، بينما برز في الآونة الأخيرة "المنظور البيئي" (مثل إشعال الصبية النار في الجزيرة). كما تعتقد كارفر أنه من الصعب اليوم تجاهل صعود الحكام المستبدين حول العالم وعدم ربط ذلك بشخصية "جاك".

التركيز على "الذكورة" في الاقتباس الجديد

نهج ثورن كان أقل سياسية، حيث ركز على استخراج فروق دقيقة قد يغفل عنها القراء. يقول ثورن: "عندما قرأت شخصية جاك وأنا طفل، كرهته. لكن عندما قرأته كشخص بالغ، وجدت صورة أكثر حنانًا مما توقعت". المسلسل يظهر "جاك" كصبي ضعيف ووحيد، يمثل سعيه للسلطة نوعاً من التظاهر بالشجاعة لإخفاء خوفه.

يتناول المسلسل أيضاً تعقيدات "الذكورة" في عالمنا اليوم. يرفض ثورن مصطلح "الذكورة السامة" الشائع، معتبراً أنه أصبح مخيفاً للأطفال الذين يحاولون فهم هويتهم. وبدلاً من إلقاء اللوم على "القدوات الذكورية السيئة"، يركز ثورن في المشاهد الاسترجاعية (Flashbacks) على علاقات الصبية بآبائهم لإظهار تعقيد الشخصيات.

يختتم ثورن بقوله إن عنوان الكتاب أصبح اليوم "اختزالاً للفشل الاجتماعي"، لكن هذا يقلل من شأن إنجاز غولدنغ. "غولدنغ كتب بورتريهًا معقدًا وحنونًا لصبية في مرحلة ما قبل المراهقة، واستطاع التقاط حقيقة لا تزال مثيرة للاهتمام اليوم كما كانت وقت كتابتها، ببساطة لأنها كُتبت ببراعة فائقة".



 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نيقولاي ليسكوف: الحكاية الشعبية والفلسفة الإنسانية في الأدب الروسي

من ضفاف النيل إلى صخور البتراء: جغرافيا الاغتراب في رواية النبطي