رواية سلطانة: أركيولوجيا المدن المفقودة وجغرافيا الذاكرة المستبدة

 

 

 

غالب هلسا

 

"في عالم غالب هلسا، ليست 'عمان' مجرد مدينة، بل هي فضاء كابوسي يعيد صياغة أرواح ساكنيه. رواية 'سلطانة' هي الرحلة الأركيولوجية التي تحفر في جغرافيا التيه، حيث تتحول الشوارع إلى مرايا للانكسار، وتصبح البيوت المتهالكة شواهد مادية على أحلام وُدت تحت الغبار."


نفتح الآن ملف رواية "سلطانة" لغالب هلسا، حيث تتحول مدينة "عمان" من مجرد حيز جغرافي إلى "كائن مستبد" يعيد تشكيل وعي الشخصيات وهوياتها المأزومة.

 


القسم الأول: "عمان كفضاء كابوسي" – الجغرافيا النفسية وتحولات المكان

في رواية "سلطانة"، لا يحضر المكان بوصفه خلفية محايدة للأحداث، بل بوصفه "فاعلاً سردياً" يمارس نوعاً من "الاستبداد المكاني" على شخوصه. يعيد غالب هلسا رسم مدينة عمان عبر عدسة "الجغرافيا النفسية"، حيث تتحول الشوارع والحارات والأزقة إلى امتدادات للدهاليز الداخلية للشخصية الرئيسية. أن عمان في "سلطانة" ليست المدينة التي نراها في خرائط السياحة، بل هي "عمان السرية"؛ مدينة الغبار، والبيوت المتلاصقة التي تخبئ خلف جدرانها أسرار الانكسار والشهوات المكبوتة. إن البطل يتحرك في هذا الفضاء كـ "تائه مديني"، لا يبحث عن طريق للوصول، بل يبحث عن "معنى" في مدينة تبدو كأنها "فخ" نصبته الأقدار. المكان هنا يتخلى عن ثباته المادي ليصبح حالة شعورية، حيث تعكس الجبال والوديان تضاريس القلق الوجودي الذي يعصف بأبطال الرواية.

هذا الاشتباك مع المكان يفرض علينا مصطلح "المتاهة الأنطولوجية"؛ فالحركة في عمان عند غالب هلسا هي حركة دائرية، تعود بالشخصيات دائماً إلى نقطة الصفر، مما يعزز الشعور بـ "الانحباس الوجدي". إن الجغرافيا في "سلطانة" تتسم بـ "السيولة الكابوسية"؛ فالأماكن التي تبدو مألوفة في النهار تتحول في الليل إلى فضاءات غريبة وموحشة، وكأن المدينة تعيد اختراع نفسها لتطارد أبطالها. يستخدم غالب هلسا "المكان" لتمثيل "الهزيمة"؛ فالبيوت المتهالكة والغرف الضيقة هي المعادل الموضوعي للنفوس التي تشققت بفعل الخيبات السياسية والاجتماعية. أن المدينة هنا لا تمنح الأمان، بل تمنح "العزلة"، وتجبر الجميع على الانكفاء نحو الداخل، ليصبح "البيت" ليس سكناً بل "سجناً" اختيارياً يحمي الذات من التفتت في فضاء الخارج العدواني.

علاوة على ذلك، يبرز مفهوم "الذاكرة المكانية" كآلية لاستحضار الزمن الضائع. أن عمان في الرواية هي مدينة "مبنية من طبقات الذاكرة"؛ كل زاوية فيها تستدعي حدثاً أو وجهاً أو انكساراً قديماً. يمارس غالب هلسا نوعاً من "التنقيب المعماري" في بنية المدينة، ليوضح كيف تترك التحولات العمرانية والسياسية ندوباً على "جلد" المكان. هذه الندوب هي التي تشكل وعي الشخصيات بـ "الضياع"؛ فالتغيير السريع في ملامح المدينة يشعرهم بـ "الاغتراب" داخل بيوتهم. إن العلاقة بين "الجسد" و"الشارع" في "سلطانة" هي علاقة تنافر، حيث يشعر الفرد أن المدينة لفظته، وأن "الجغرافيا النفسية" لعمان أصبحت أضيق من أن تتسع لأحلامه الكبرى.

يضعنا غالب هلسا أمام "فلسفة الحيز المخنوق". إن عمان في الرواية هي المختبر الذي تُختبر فيه قدرة الإنسان على الصمود وسط الخراب. من خلال توظيف مصطلحات "التيه" و"الاستبداد المكاني"، ينجح هلسا في تحويل المكان من مادة جامدة إلى "طاقة سلبية" تحرك السرد وتحدد مصائر الأبطال. أن "عمان كفضاء كابوسي" هي في الحقيقة "مرآة للروح"؛ مرآة تعكس تشظي الهوية العربية في مرحلة ما بعد الهزيمة، وتعلن أن "الوطن" الذي كان حلماً قد تحول إلى "جغرافيا نفسية" معقدة، لا مفر منها إلا بالعودة إلى الذاكرة أو الغوص في تفاصيل "سلطانة" التي تجسد روح هذه المدينة المنكسرة.

ننتقل الآن إلى قلب الرواية النابض، حيث تتجسد المدينة والقضية والشهوة في كائن واحد يُدعى "سلطانة".

القسم الثاني: "سلطانة: الأيقونة والجسد" – تفكيك الرموز الأنثوية في فضاء الهزيمة

نغوص الآن في تحليل شخصية "سلطانة" لا بوصفها مجرد فاعل درامي في حكاية تقليدية، بل بوصفها "أيقونة سيميائية" يتقاطع فيها الجسدي بالسياسي، والشهواني بالأنطولوجي. "سلطانة" عند غالب هلسا هي "المكان" وقد تحول إلى امرأة؛ إنها تجسيد لمدينة عمان بكل تناقضاتها، بقسوتها وليونتها، بعفتها المزعومة وتهتكها المستتر. إننا أمام ما يمكن تسميته بـ "الترميز الحسي"، حيث يصبح جسد سلطانة هو "المختبر" الذي تُختبر فيه انكسارات الرجال المحيطين بها. هي ليست مجرد موضوع للرغبة، بل هي "المرآة العاكسة" لهزائمهم؛ فكل اشتباك جسدي مع سلطانة هو في حقيقته محاولة يائسة لاسترداد "فردوس مفقود" أو لترميم رجولة تصدعت بفعل القمع السياسي والاجتماعي.

يشتبك النص مع مفهوم "الأنوثة المستحيلة"؛ فسلطانة هي المرأة التي يشتهيها الجميع ولكن لا يمتلكها أحد حقاً، حتى في لحظات التماس القصوى. إنها تمثل "الرغبة كفعل سياسي"؛ فالانجذاب نحوها هو نوع من التمرد على السائد والمألوف، وهي بدورها تمارس نوعاً من "السيادة الجسدية" التي تكسر بها هيمنة "اللوغوس الأبوي". يرفض غالب هلسا "التشييئ الرمزي" المسطح للمرأة، ليقدم سلطانة ككيان معقد، مليء بالندوب والغموض. هي "الأرض" التي استبيحت، وهي "الذاكرة" التي ترفض المحو . إن "سلطانة" هي النقيض الصارخ للنماذج النسائية "المعلبة" في الرواية العربية التقليدية؛ فهي كائن مادي بامتياز، تفرض وجودها عبر الحواس، وتجبر البطل (والقارئ) على مواجهة "حقيقة الجسد" بعيداً عن الرومانسيات الحالمة.

علاوة على ذلك، يبرز في هذا القسم مفهوم "ديالكتيك الانكسار والشهوة". إن سلطانة لا تمنح اللذة بقدر ما تمنح "الوعي بالخيبة". كل لقاء معها هو تذكير بـ "الهشاشة الوجودية" للشخصيات؛ فهي القوية وسط رجال مهزومين، وهي الثابتة وسط جغرافيا تتبدل. يستخدم غالب هلسا "الجسد الأنثوي" هنا لتعرية "زيف الخطابات الكبرى"؛ فبينما ينشغل الرجال بالنقاشات السياسية والتنظيمات السرية، تظل سلطانة هي "الحقيقة المادية" الوحيدة التي تذكرهم بآدميتهم وبحاجاتهم البيولوجية المقموعة. إنها "سلطانة الهامش" التي أصبحت هي "المتن" الحقيقي للرواية، والبوصلة التي توجّه تيه الأبطال في شوارع عمان الضيقة.

يضعنا غالب هلسا أمام "أيقونة الانعتاق". سلطانة ليست ضحية بالمعنى التقليدي، بل هي "إرادة حياة" تتجلى في فضاء محكوم بالموت والاعتقال والغبار. من خلال تحليل "سلطانة: الأيقونة والجسد"، ندرك أن هلسا كان يكتب تاريخ "الروح العربية" عبر مسامات الجلد. إن سلطانة هي المعادل الموضوعي لـ "الوطن المستعصي"، والقصيدة التي لا تكتمل، والجسد الذي يظل يطارد المخيلة كذكرى لا تموت. إنها باختصار، تلك "السيولة الأنثوية" التي فشلت كل جدران عمان الإسمنتية في احتوائها، وظلت تتدفق في ذاكرة البطل كخلاص وحيد ومستحيل في آن واحد.

نختم هذه الرحلة في عالم غالب هلسا، حيث لا تكتمل استعادة المدينة إلا من خلال استنطاق الحواس التي خذلها الواقع ورممها السرد.

القسم الثالث: "سردية الغبار والندم" – الذاكرة الحسية واستعادة الزمن الضائع

في هذا القسم الختامي، نصل إلى جوهر العملية الإبداعية عند غالب هلسا، وهي تحويل الكتابة إلى فعل "تنقيب حسي" في أنقاض الروح. إن رواية "سلطانة" لا تعتمد على السرد الخطي بقدر ما تعتمد على "الاسترجاع الحواسي"؛ حيث تصبح الروائح، والملامس، والأصوات، هي المحركات الحقيقية للذاكرة. أن غالب هلسا هو سيد "الذاكرة الشمية"؛ فهو يبعث مدينة عمان من جديد عبر رائحة "الغبار المبلل"، ورائحة "الأجساد المتعرقة" في الغرف الضيقة، ورائحة "الخبز والتبغ". هذه التفاصيل ليست زينة أدبية، بل هي "أدوات استعادة" لزمن سقط من التاريخ الرسمي. إننا أمام "سردية الغبار"، حيث الغبار ليس مجرد أثر للخراب، بل هو "شاهد مادي" على تراكم الخيبات فوق جلد المدينة وأرواح ساكنيها.

يشتبك النص مع مفهوم "فتنة الحطام"؛ فغالب هلسا يجد الجمال في الأشياء المتهالكة، وفي "الندم" الذي يغلف ذكريات الأبطال. الكتابة هنا هي فعل "ترميم أنطولوجي"؛ فالبطل يحاول عبر اللغة أن يلمس الأشياء التي لم يعد لها وجود مادي. هذا التركيز على "الحسي" هو محاولة لكسر تجريد الخطابات السياسية التي أضاعت الواقع؛ فبينما كانت الشعارات تتحدث عن "الوطن" و"الثورة"، كان هلسا يحفر في "ملمس الجدران" و"برودة البلاط" ليستعيد "الإنسان" في كليته المادية. إن الذاكرة عند هلسا ليست "ألبوم صور"، بل هي "مختبر كيميائي" يعيد صهر الماضي ليحوله إلى "حضور دائم" يطارد الحاضر ويفضحه.

علاوة على ذلك، يبرز في هذا القسم مفهوم "الندم كمنهج رؤية". الندم في "سلطانة" ليس شعوراً أخلاقياً بالذنب، بل هو "حالة معرفية"؛ هو الندم على اللمسات التي لم تكتمل، والمدن التي ضاعت قبل أن تُعاش حقاً. يربط غالب هلسا بين "فقدان المكان" و"فقدان الذاكرة الحسية"، معتبراً أن الكتابة هي الطريقة الوحيدة لمنع هذا الفقدان من التحول إلى "عدم" مطلق. إننا أمام "أركيولوجيا الذات"؛ حيث يتم الكشف عن طبقات الروح عبر استعادة التفاصيل الصغيرة التي تُشكل "الهوية الشخصية". إن "سلطانة" في نهاية المطاف هي "مرثية للحواس" في عصر القمع، وهي المحاولة المستميتة لإثبات أن "الذاكرة الحسية" هي الحصن الأخير ضد محو الهوية وتزييف التاريخ.

في الختام، يضعنا غالب هلسا أمام "شعرية الانهيار". إن "سردية الغبار والندم" هي التي تمنح الرواية خلودها؛ لأنها تخاطب في القارئ تلك "المسامات" التي لا تشيخ. من خلال استعادة "الزمن الضائع" عبر الحواس، ينجح هلسا في تحويل عمان من "فضاء كابوسي" إلى "نص أبدي" يسكن فينا. لقد استطاع غالب هلسا أن يثبت أن "الكلمة" إذا ما شُحنت بصدق "اللمس" و"الرائحة"، يمكنها أن تعيد بناء مدن بأكملها، وأن تجعل من "الندم" طاقة إبداعية قادرة على مواجهة أقسى أنواع الغياب. "سلطانة" هي الدرس الأخير في كيف نحب المدن التي تكسرنا، وكيف نكتب "الحطام" لنصنع منه "ذاكرة" لا تقبل الانكسار.

#غالب_هلسا #رواية_سلطانة #عمان #الجغرافيا_النفسية #الأدب_الأردني #نقد_تفكيكي #الذاكرة_الحسية

#GhalibHalasa #Sultana #Psychogeography #ArabicLiterature #JordanianNovel #LiteraryArchaeology

 

Title: The Cartography of Regret: A Psychogeographic Reading of "Sultana"

This article offers a profound "Sensory Archaeological" deconstruction of Ghalib Halasa’s masterpiece, Sultana. It moves beyond the narrative surface to explore the complex relationship between the individual, the urban space of Amman, and the haunting power of memory.

The analysis is built on three conceptual pillars:

1.    Amman as a Nightmarish Space: Utilizing "Psychogeography" to analyze how the city functions as an oppressive entity that shapes the psychological collapse of its inhabitants.

2.    Sultana: The Icon and the Body: A semiotic exploration of the female protagonist, viewing her not just as a character, but as a symbolic intersection of sexual desire, political defeat, and the "lost homeland."

3.    The Narrative of Dust: Examining Halasa’s "Sensory Memory" and his meticulous use of smells and textures to reconstruct a time and place that have vanished from official history.

The article concludes that Sultana is an "Ontological Restoration," proving that the only way to resist the erasure of identity is through the defiant reclamation of sensory experience and the aesthetics of ruin.



 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نيقولاي ليسكوف: الحكاية الشعبية والفلسفة الإنسانية في الأدب الروسي

من ضفاف النيل إلى صخور البتراء: جغرافيا الاغتراب في رواية النبطي