لماذا شعر أسلافنا من الأباء و الأمهات بتعب أقل مما نشعر به اليوم؟

 



في العصور القديمة، ربما لم يعانِ الآباء والأمهات من الحرمان من النوم بالقدر الذي نعانيه اليوم، مما دفع بعض العلماء لإعادة النظر في الإرشادات الموجهة للوالدين المعاصرين للحصول على قسط من الراحة.


ما مدى الإرهاق الذي يسببه كون المرء والداً؟ عندما طرح أحد الأشخاص هذا السؤال على أحد المنتديات التربوية تدفق الأجوبة مثل السيل  أكثر من 400 إجابة، حيث كتب أحد المشاركين: "إنه إرهاق شديد للغاية ومستمر حرفياً"، وهو شعور ردده المئات غيره.

هناك أسباب عديدة لشعور الوالدين بالتعب المضني اليوم، ولا تتعلق جميعها بالنوم؛ فالعديد من الأسر تربي أطفالها دون دعم مجتمعي، بينما يضطر الوالدان غالباً للتوفيق بين العمل وتربية الأطفال. في الوقت نفسه، يتغير نوم العديد من مقدمي الرعاية بعد الإنجاب، سواء بسبب رضعات الرضيع في منتصف الليل أو ميل الطفل للاستيقاظ في الخامسة صباحاً.

وبالنظر إلى أننا نمارس الأبوة والأمومة منذ وجد البشر، قد يبدو من الطبيعي افتراض أن الوالدين عانوا من الحرمان من النوم منذ آلاف السنين أيضاً. لكن الأدلة تشير إلى أن هذا المفهوم قد لا يكون صحيحاً. فما الذي فعله أسلافنا بشكل مختلف؟ وهل هناك ما يمكننا تعلمه منهم؟

كم يحصل الوالدان حقاً من النوم؟

في المحادثات اليومية، يُنظر إلى الأبوة والحرمان من النوم كمترادفين. ومع ذلك، فإن الأدلة حول مقدار النوم الذي يفقده الوالدان فعلياً متباينة وتعتمد على الثقافة.

وجدت إحدى الدراسات في ألمانيا أن الأمهات لأول مرة يفقدن في المتوسط ساعة من النوم يومياً في الأشهر الثلاثة الأولى بعد الولادة، بينما يفقد الآباء ثلث ساعة. وعلى الرغم من تحسن المدة لاحقاً، إلا أن أياً من الوالدين لم يستعد نمط نومه ما قبل الحمل بشكل كامل حتى بعد مرور ست سنوات.

لكن الفرق الإجمالي بين الوالدين وغير الوالدين ليس كبيراً كما قد نتخيل. فقد وجدت الدراسة الألمانية (التي شملت 40 ألف شخص) أن الوالدين لأطفال دون السادسة ينامون حوالي 7 ساعات، بينما ينام غير الوالدين أكثر من هذا الوقت بـ 10 إلى 14 دقيقة فقط. كما أظهر مسح أمريكي عام 2024 أن الوالدين يقضون في الفراش ما بين 8 إلى 9 ساعات، وهي ضمن النطاق الموصى به.

وتشير الدراسات التي أجريت على مجتمعات البدائية المعاصرة (التي تعكس حياة أسلافنا) إلى نتائج مشابهة؛ حيث يقضي البالغون ما بين 6.9 إلى 8.5 ساعة في الفراش، ورغم استيقاظهم المتكرر، فإن صافي نومهم يتراوح بين 5.7 و7.1 ساعة.

اللغز الحقيقي هو: لماذا يشعر الوالدان في المجتمعات الصناعية بإرهاق وتعب يفوق بكثير ما يشعر به نظراؤهم في المجتمعات البدائية؟

مفهوم النوم

يقول عالم الأنثروبولوجيا ديفيد سامسون: "عندما تسأل أفراد شعب 'الهادزا' في تنزانيا (وهو مجتمع بدائي في نمط معيشته ): هل نومكم جيد أم سيء؟ يجيبون دائماً: إنه جيد".

في المقابل، يمنح الوالدان في المجتمعات الصناعية جودة نومهم درجات منخفضة. والسر ليس في عدد مرات الاستيقاظ؛ فالمجتمعات البدائية تستيقظ بمعدل أكبر منا خلال الليل.

يعود جزء من السبب إلى الثورة الصناعية التي ركزت على هدف "النوم المتصل". تقول هيلين بول، مديرة مركز دورهام للرضع والنوم: "فكرة النوم العميق المتصل ليست عالمية. أسلافنا لم تكن لديهم حاجة عملية للنوم العميق المتواصل؛ لم يكن لديهم دوام من التاسعة إلى الخامسة، ولم يقودوا سيارات أو يشغلوا آلات ثقيلة".

بيئة النوم

هناك اختلاف جوهري آخر: في المجتمعات البدائية تنام الأمهات مع أطفالهن ويرضعنهم طوال الليل، وهي ممارسة تسمى "النوم الرضعي" (Breastsleeping).

تشير الأبحاث إلى أن الأمهات اللواتي يشاركن أطفالهن السرير قد يستيقظن أكثر، لكنهن يعدن للنوم بشكل أسرع، وغالباً ما ينسين فترات الأستيقاظ  مما يجعلهن يشعرن بنشاط أكبر في اليوم التالي. كما أن هرمون "البرولاكتين" الذي يفرز أثناء الرضاعة يساعد الأم على النوم بشكل أعمق وأسرع.

الاستعداد الذهني واليقظة

تلعب "نوعية الأستيقاظ " دوراً كبيراً؛ فالنصائح الحديثة بوضع الطفل في سرير منفصل والبقاء في حالة يقظة تامة أثناء الرضاعة (ربما باستخدام الهاتف) ترسل إشارات للجسم بالاستيقاظ الكامل، مما يصعّب العودة للنوم. في المقابل، كان أسلافنا يرضعون أطفالهم في حالة "نصف نوم"، مما يقلل من الإجهاد العصبي.

دعم الآخرين

البشر كائن استثنائي؛ يولد أطفالنا غير مكتملي النمو ويحتاجون لرعاية هائلة. يقول علماء الأنثروبولوجيا إن أسلافنا ما كان لهم أن يبقوا على قيد الحياة لولا "الدعم الجمعي".

في مجتمع "الإيفي" بوسط أفريقيا، يقضي الرضع 60% من وقتهم مع أشخاص آخرين غير الأم. أما اليوم، فقد اختفى هذا النموذج، وحل محله الحضانة المدفوعة أو "الدوام المزدوج" (العمل خارج المنزل والرعاية داخله)، مع تحمل النساء للجزء الأكبر من العبء، مما يزيد من الشعور بالإرهاق النفسي قبل الجسدي.

الخاتمة

ربما لم يتغير عدد ساعات النوم كثيراً عبر العصور، لكن ما تغير هو ثقافة النوم، والضغوط المهنية، وغياب "القبيلة" التي كانت تشارك في التربية.

يرى الخبراء أننا تطورنا لنكون مرنين تجاه نقص النوم في مراحل الأبوة المبكرة، فالبشر مبرمجون على تحويل "ترس السرعة" من "طول العمر" إلى "المهمة الحرجة" وهي التكاثر ورعاية النسل. لذا، ربما يكون المفتاح ليس في الحصول على المزيد من النوم فحسب، بل في تغيير توقعاتنا عنه واستعادة روح الدعم الجماعي.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نيقولاي ليسكوف: الحكاية الشعبية والفلسفة الإنسانية في الأدب الروسي

من ضفاف النيل إلى صخور البتراء: جغرافيا الاغتراب في رواية النبطي