تحولات اوفيد: كيف تعكس الأساطير القديمة صراعات عالمنا المعاصر؟

 



قد يعتقد البعض أن كتاب "التحولات" لأوفيد، وهو قصيدة سردية لاتينية للشاعر الروماني اوفيد وتعتبر رائعته. وتضم القصيدة خمسة عشر كتابا وأكثر من 250 أسطورة، وتسرد تاريخ العالم من خلقه إلى تأليه يوليوس قيصر ضمن الإطار الأسطوري التاريخي الفضفاض ، لا يمت لواقعنا بصلة. لكن قصصه عن الرغبة والخداع تكشف عن أوجه تشابه مذهلة مع اهتماماتنا المعاصرة؛ من التغير المناخي وأزمة اللاجئين، وصولاً إلى العنف القائم على النوع الاجتماعي وقضايا الهوية.


لا يُعد كتاب "التحولات" (Metamorphoses) مجرد مجموعة من الأساطير والقصص؛ بل هو المرجع الأهم لها. كُتب باللاتينية حوالي عام 8 ميلادي، مستمداً مادته بشكل كبير من المصادر اليونانية، ويحتوي على أشهر النسخ للقصص التي نعرفها.لقد ألهمت قصص الرغبة والغيرة والمكر والخداع في هذا الكتاب عدداً لا يحصى من الفنانين والكتاب عبر القرون، ولا تزال تبدو راهنة بشكل يثير الدهشة.

تقول "فيونا كوكس"، الأستاذة والمؤلفة: "كتاب التحولات نص معاصر بامتياز. إن هوس اوفيد بالسيولة واللدونة والتغيير مكّنه من استكشاف حدود الأجساد، وتخوم النوع الاجتماعي والجنس، والعلاقة بين البشر والأرض وكذلك المملكة الحيوانية".

بالنسبة لـ "فريتس شولتن"، منسق معرض "التحولات" الجديد في متحف ريكسموزيم، فإن مخاطر الغرور البشري حاضرة دوماً في أعمال اوفيد. أسطورة "نار سيسوس " الذي وقع في حب انعكاس صورته لطالما استخدمها فنانون مثل كارافاجيو للتحذير من الغرور، وهي اليوم تجد صدىً مباشراً في الترويج الذاتي عبر وسائل التواصل الاجتماعي. يقول شولتن: "لقد وقعنا في حب أنفسنا ونسينا ما يدور حولنا، وفي النهاية، كما اكتشف نار سيسوس ، ليس الأمر سوى انعكاس ووهم".

أما قصة "بجماليون" وحبه لتمثال امرأة صنعه بيديه، فتعكس في نظر شولتن إيمان البشرية المضلل بابتكاراتها الخاصة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي. يقول: "نحن كبشر نعتقد أننا نستطيع السيطرة على كل شيء وامتلاك حلول لكل شيء". لكن هذا الغرور له عواقب؛ ففي بعض الروايات لهذه الأسطورة، تكتسب "إليزا" (التمثال) عقلاً خاصاً بها، وإذا حدث الأمر نفسه مع الذكاء الاصطناعي، فقد تكون النتائج أقل إرضاءً بكثير.



تشير كوكس إلى أن الاهتمام المتجدد بأوفيد غالباً ما يظهر في فترات التحول وعدم الاستقرار.

  • أزمة اللاجئين: استلهمت الكاتبة مارينا وارنر من أسطورة "ليتو"، المحكوم عليها بالهيام في الأرض بلا نهاية، لاستكشاف الصعوبات التي يواجهها اللاجئون في روايتها المعنونة صرة ليتو  "The Leto Bundle"
  • سيولة النوع الاجتماعي: في قصة "سلمكيس" و"هيرمافروديتوس"، حيث يتحد جسدا ذكر وأنثى، نجد تمثيلاً قديماً لسيولة النوع الاجتماعي، مما يوحي بضرورة تقبل كل فرد ككائن فريد بعيداً عن قوالب "المعيار" الجامدة.
  • العنف وحركة #MeToo يعكس الارتفاع المقلق لظاهرة كراهية النساء والعنف القائم على النوع الاجتماعي الاعتداءات المتعددة التي تعرضت لها الشخصيات النسائية في "التحولات". وبينما كان أوفيد نفسه يمرر هذه التجارب عابراً، تسعى كاتبات معاصرات اليوم لاستعادة السردية.

تعد "ميدوزا" أشهر مثال على هذه الاستعادة؛ ففي نسخة أوفيد، كانت ميدوزا عذراء جميلة اغتصبها نبتون في معبد مينيرفا، وبدلاً من عقاب المغتصب، قامت الإلهة بمعاقبة ميدوزا وتحويلها إلى وحش بشعر من الأفاعي. تقول الكاتبة "ناتالي هاينز": "لقد أصبحت ميدوزا رمزاً للناجين من الاعتداء الجنسي، وهذا أمر استثنائي". ففي الفن المعاصر، لم تعد ميدوزا ذلك المخلوق المرعب، بل تظهر كمرأة شابة جميلة تتأمل مصيرها في صمت.

من الأساطير الأقل شهرة والتي تراها هاينز ملائمة لعصرنا هي قصة "فيليمون وباوكيس"؛ الزوجان العجوزان اللذان أظهرا كرم الضيافة للآلهة المتخفية حين طردهما الجميع. وكنتيجة لذلك، عاقبت الآلهة الآخرين بفيضان أغرق الوادي، بينما تم إنقاذ الزوجين وتحويلهما إلى أشجار تنمو معاً للأبد. تقول هاينز: "تبدو لي هذه القصة كأمثولة عن التغير المناخي؛ فقد أظهر الزوجان التواضع الصحيح أمام قوى لا يمكن السيطرة عليها".

خلف كل هذه القضايا المتخصصة، يظل "التحولات" صرخة قلق بشأن مستقبل العالم. فبينما يمثل التحول الإلهي جوهر القصيدة، يظل العالم في خطر إذا استمر "الفانون" في النظر إليه كمجرد مادة يمكنهم تغييرها وتطويعها وفق أهوائهم. ربما علينا أن نتعلم من "فيليمون وباوكيس" كيف نحترم القوى التي تفوقنا، لنضمن لأنفسنا "حياة أخرى" غير متوقعة، ولكنها ليست شقية.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نيقولاي ليسكوف: الحكاية الشعبية والفلسفة الإنسانية في الأدب الروسي

من ضفاف النيل إلى صخور البتراء: جغرافيا الاغتراب في رواية النبطي