مراجعة رواية التوت المر لمحمد العروسي المطوي: ملحمة الوعي والتحرر
في روائع الأدب التونسي
الواقعي، تبرز رواية "التوت
المر" للأديب
الكبير محمد العروسي المطوي كوثيقة فكرية وتاريخية بالغة الأهمية. الرواية لا
تتحدث عن مواجهات عسكرية، بل تُشرّح كيف سعى المستعمر لتجريف وعي الشعوب وتخدير
شبابها عبر نشر سموم "التكروري".
من خلال شخصية البطل النبيل
"عبد الله" وقصة حبه الرمزية لـ "عائشة العرجاء"، يأخذنا
المطوي في رحلة تراجيدية تثبت أن معركة تحرير الأرض تبدأ أولاً بنفض غبار الجهل
وتحرير العقول.
القسم الأول: المقدمة وسياق
النشأة
1. نشأة
الرواية التونسية وبيئتها الحاضنة
لم تكن نشأة الرواية في تونس
معزولة عن المخاض السياسي والاجتماعي الذي عاشه المجتمع التونسي مطلع القرن
العشرين. فبينما كانت أشكال التعبير التقليدية تعجز عن استيعاب التحولات العنيفة
التي فرضها الاستعمار، ولدت الرواية التونسية من رحم الحاجة الفكرية لتفكيك واقع
الهيمنة، والبحث عن الهوية الوطنية. لقد تحول هذا الفن الأدبي سريعاً من مجرد
محاولات رائدة إلى أداة اشتباك حقيقية مع الواقع؛ فغدت الرواية التونسية مرآة تعكس
صدمة الحداثة الاستعمارية من جهة، وتؤرخ لآلام الفلاحين والكادحين في المناجم
والأرياف المنسية من جهة أخرى، ممهدة الطريق لظهور تيار واقعي نقدي صلب.
2.
محمد العروسي المطوي: مكانته الثقافية
والنضالية
في قلب هذا المشهد الأدبي
المتنامي، يبرز اسم الأديب الكبير محمد العروسي المطوي (1920 - 2005) كأحد أبرز
أعمدة الثقافة التونسية ورائد الواقعية الاجتماعية في المغرب العربي. جمع المطوي
في مسيرته بين رصانة التكوين الأكاديمي بجامع الزيتونة، وبين الالتزام السياسي
المناضل في صفوف الحركة الوطنية ضد الاستعمار الفرنسي، وهو ما أهله لاحقاً لتمثيل
بلاده في السلك الدبلوماسي كسفير لعدة دول. ولم ينفصل نضاله السياسي يوماً عن
نضاله الثقافي؛ إذ كان الأب الروحي لـ "اتحاد الكتاب التونسيين" وتولى
رئاسته لسنوات، مسخّراً لغته المتينة وقلمه السيال لخدمة الأرض والإنسان، وتعرية
آليات القهر الممنهج.
3. إطلالة
على الرواية وسياقها الزمني
تأتي رواية "التوت
المر"، الصادرة عام 1967، لتتوج هذا المسار الإبداعي الملتزم، حيث اختار
المطوي أن يعود بالذاكرة السردية إلى أربعينيات القرن الماضي — وهي الفترة الحرجة
التي بلغت فيها المعاناة التونسية تحت وطأة الاستعمار الفرنسي ذروتها. لا يكتفي الكاتب
هنا برصد المواجهات السياسية المباشرة، بل يغوص عميقاً في بنية القرية بالجنوب
التونسي، كاشفاً عن خطة المستعمر الخبيثة في تدمير الحواضن الاجتماعية وتجريف وعي
الشباب. ومن خلال هذا الفضاء الروحي والمكاني المأزوم، يضعنا المطوي أمام نص مؤسس
يُشرّح فيه جدلية الجهل والوعي، والتبعية والتحرر.
القسم الثاني: البنية
الحكائية والملخص العام
1.عالم الرواية: القرية التونسية كمسرح
للأحداث
يختار محمد العروسي المطوي
قرية منسية في الجنوب التونسي لتكون مسرحاً جغرافياً واجتماعياً لأحداث الرواية.
هذا الفضاء المكاني لم يكن مجرد خلفية جامدة، بل تحول إلى فاعل درامي أساسي يعكس
بؤس الواقع تحت وطأة الاستعمار. تتميز القرية في "التوت المر" بالجفاف
الشديد وشظف العيش، حيث يرزح الفلاحون والعمال الكادحون تحت ثالوث الفقر، الجهل،
والمرض. هذا الانغلاق المكاني والركود الاقتصادي ولّدا بيئة خصبة للاستسلام
والنكوص، وجعلا من القرية نموذجاً مصغراً لوطن مكبل، ينتظر شرارة الوعي لتبدد ليله
الطويل.
2.
الحبكة المحورية: معركة الوعي ضد
"التكروري"
تنطلق الحبكة المحورية
للرواية من مأساة اجتماعية واقتصادية خطيرة خطط لها المستعمر الفرنسي بدهاء؛ وهي
زرع دكان رسمي لبيع "التكروري" (الحشيش) في قلب القرية، واحتكار تجارته
قانونياً. لم تكن هذه التجارة تهدف إلى جني الأرباح المادية فحسب، بل كانت استراتيجية
استعمارية ممنهجة لتخدير عقول الشباب، وامتصاص طاقاتهم الحيوية، وتحويلهم إلى
أجساد خاوية غائبة عن الوعي ومسلوبة الإرادة، مما يضمن خمود أي فكرة للمقاومة أو
الثورة.
أمام هذا التدمير المنظم،
يبرز خط المواجهة بظهور الشاب المثقف عبد الله وثلة من أحرار القرية، الذين
يدركون أن معركة التحرير تبدأ أولاً بتطهير العقول. يؤسس هؤلاء الشباب تنظيماً
سرياً أطلقوا عليه اسم "جمعية
الشهامة"،
رافعين شعاراً صريحاً: محاربة وباء التكروري، إنقاذ المدمنين، وإجبار الدكان على
الإغلاق بالمقاطعة والضغط الاجتماعي.
3.
المسار الدرامي: من المواجهة إلى الولادة
التراجيدية
يتصاعد المسار الدرامي
للرواية عبر صراع محتدم لا يدور مع المحتل بشكل مباشر، بل مع طابوره الخامس من
أعوان الاستعمار وخونة القرية المستفيدين من تجارة الفساد. تنجح "جمعية
الشهامة" في محاصرة البؤرة الفاسدة، وبث الوعي في صفوف الفلاحين، مما يضرب
مصالح وأرباح الوكالة الاستعمارية. أمام هذا الإنجاز، يتحرك تيار العمالة والغدر
لتصفية الحساب جسدياً مع قائد الحركة، فتقع المؤامرة الدنيئة التي تسفر عن اغتيال
عبد الله واستشهاده مضرجاً بدمائه.
لكن الكاتب يقلب هذه الفاجعة
إلى نصر فكري؛ فموت عبد الله لم يكن نهاية للمقاومة، بل كان الصدمة العنيفة التي
زلزلت القرية وأيقظتها من سباتها. تتحول جنازة الشهيد إلى مظاهرة وعي جمعي، وينفض
الأهل والأهالي عنهم غبار العجز، لتنتهي الرواية بإصرار الرفاق على مواصلة الدرب،
مؤكدين أن الجسد قد يغيب لكن الفكرة والوعي لا يموتان.
القسم الثالث: القوى الفاعلة
وتحليل الشخصيات
1.عبد الله: نموذج المثقف العضوي ومشروع
الشهادة
يمثل عبد الله المحرك
الأساسي للأحداث والعمود الفقري لبنية الرواية. إنه التجسيد الحي لمفهوم
"المثقف العضوي" — ذلك الفرد الذي لا ينعزل بوعيه في برج عاجي، بل ينزل
إلى عمق بيئته المطحونة ليقود عملية التغيير. لم يكن عبد الله يبحث عن مجد شخصي أو
بطولة مجردة، بل كان مدفوعاً بوعي حاد يرى أن تحرير الأرض من المحتل مستحيل ما
دامت العقول مستلبة ومخدرة. يتسم سلوكه بالإصرار الهادئ والنبل الإنساني، وهو يدرك
تماماً منذ تأسيسه لـ "جمعية الشهامة" أنه يسير في طريق محفوف بالمخاطر،
مما يجعل منه مشروع شهيد وهب حياته بالكامل لخدمة المجموع.
2.
البيئة الأسرية: جدلية العاطفة الفطرية
والالتزام الوطني
يأتي البعد الإنساني لشخصية
عبد الله من خلال علاقاته الأسرية التي صاغها المطوي بدقة لتأكيد التنازع بين
الواجب الفردي والواجب الجماعي:
- الأب (الشيخ
مفتاح):
يمثل جيل الجذور والارتباط بالأرض، لكنه
جيل مغلوب على أمره، يعاني من عجز تقليدي فرضه تراكم سنوات القهر الاستعماري.
إنه يحب ابنه ويخشى عليه سطوة الأقوياء، داعياً إياه إلى الحذر.
- الأم الكادحة: تتجسد
فيها عاطفة الأمومة الفطرية المشوبة بالقلق اليومي الدائم؛ فهي ترى ولدها
وسندها وحيداً في مواجهة "عش الدبابير"، وتتمنى لو يلتفت لحياته
الخاصة وتأمين قوته.
هذا الحزام الأسري يضع عبد
الله في صراع داخلي صامت؛ فهو يدرك نبل مخاوف والديه، لكنه يؤمن في الوقت ذاته أن
الاستقرار الفردي في مجتمع منهار هو وهم زائف، وأن الإنقاذ الحقيقي لعائلته يمر
حتماً عبر إنقاذ القرية بأكملها.
3.
عائشة: الحب النبيل والمعادل الموضوعي للوطن
تكتسب الرواية أبهى أبعادها
الإنسانية من خلال قصة الحب التي تجمع عبد الله بالفتاة عائشة. اختيار المطوي لعائشة كفتاة يعشقها البطل
رغم إعاقتها الجسدية (فتاة عرجاء) يحمل دلالة فلسفية ورمزية بالغة العمق:
- الرمزية السياسية: عائشة
هي المعادل الموضوعي للقرية، بل لتونس ذاتها؛ وطن جميل، نقي، ومليء بالطاقات
الفطرية، لكنه مصاب بـ "عرج" أو شلل يمنعه من النهوض والحركة بفعل
الاستعمار والتجهيل.
- طبيعة العلاقة: لم
يكن حب عبد الله لها حساً عابراً، بل كان حباً ينطوي على رغبة عارمة في
الإسناد والحماية. كانت لقاءاتهما القليلة تمثل الملاذ الروحي الطاهر للبطل،
حيث يجدد طاقته الإنسانية وسط تلوث الصراعات، مما جعل مأساة اغتياله لاحقاً
فاجعة عاطفية تسحق قلب عائشة، وتمزج دمعها الفردي بالدمع الوطني العام للقرية.
4. قوى
الفساد والعمالة: الطابور الخامس للاستعمار
في المقابل، تتشكل الجبهة
المضادة من مروجي التكروري وأعوان الوكالة الاستعمارية داخل القرية. هؤلاء يمثلون
"الانتهازية الاجتماعية" التي تربط مصالحها وبقاء نفوذها بانتشار الجهل
وضياع الشباب. إنهم لا يملكون وجهاً أخلاقياً، بل يتحركون كأدوات طيعة في يد
المحتل الفرنسي، وحين تعجز أساليب الترهيب والترغيب مع عبد الله وجمعية الشهامة،
يلجؤون إلى سلاحهم الأخير: الغدر والتصفية الجسدية، ظناً منهم أن موت الجسد ينهي
مفعول الفكرة.
القسم الرابع: الأبعاد
الرمزية والدلالية في الرواية
1. رمزية "التوت المر": تشوه
الطبيعة والمخاض النبيل
يتجلى الذكاء السردي لمحمد
العروسي المطوي في اختيار العنوان الذي يشكل عتبة نصية بالغة الدلالة.
"التوت" في الوعي الجمعي والموروث البيئي العربي هو رمز للخصوبة، والظلال
الوارفة، والحلاوة الفطرية التي تجود بها الأرض الطيبة. لكن إلحاق صفة
"المر" بهذا الرمز يحيله مباشرة إلى واقع التشويه الذي أحدثه الاستعمار؛
فالأرض الطيبة لم تعد تثمر إلا علقماً ومراراً بسبب القهر والاضطهاد.
من جهة أخرى، يحمل هذا
العنوان دلالة فلسفية على طبيعة المسار التحرري؛ فالخلاص من التبعية ليس طريقاً
مفروشاً بالورود، بل هو تجرّع لمرار الفقد والتضحية (كموت عبد الله). هذا المرار
في حقيقته يشبه الدواء المر الذي لا بد للمريض من تعاطيه ليتعافى؛ إنه مرار نبيل
يعقبه شفاء وولادة لوعي جديد.
2. رمزية "التكروري": استراتيجية
التجهيل وسلب الإرادة
لا يتعامل المطوي مع
"التكروري" (الحشيش) بوصفه مجرد آفة اجتماعية أو انحراف سلوكي فردي، بل
يرفعه في سياق الرواية ليكون رمزاً لـ "التخدير
السياسي والفكري الممنهج" الذي
تمارسه القوى الاستعمارية. دكان التكروري الرسمي الذي ترعاه الوكالة الفرنسية هو
سلاح دمار شامل للعقول، معادل للمدافع والسجون.
إن غياب الوعي والوقوع في شرك
الإدمان يرمزان إلى استلاب إرادة الشعوب وجعلها تتقبل الهزيمة والواقع البائس كقدر
محتوم. لذا، فإن المعركة ضد هذا الدكان لم تكن مجرد حملة صحية، بل كانت طعناً في
صميم الاستراتيجية الاستعمارية التي ترى في صحوة العقول خطراً حتمياً يهدد وجودها.
3. عائشة
العرجاء والقرية: جدلية العجز الكامن والنهوض المأمول
تلتقي الرموز الإنسانية
بالرموز المكانية في الرواية لتشكل لوحة دلالية متكاملة، يبرز فيها الربط بين عائشة
والقرية:
- عائشة: الفتاة
التي يحبها البطل، تتسم بالحسن والطهر لكنها "عرجاء" مكبلة بعجزها
الجسدي.
- القرية: مجتمع
غني بطاقاته وشبابه، لكنه يرسخ تحت وطأة الفقر وتخدير التكروري، فهو مجتمع
"مقعد" عاجز عن الحركة.
هذا التوازي الرمزي يجعل من
حب عبد الله لعائشة وإصراره على حمايتها والإسناد بها انعكاساً مباشراً لعشقه
لقريته ووطنه. إن عائشة هي تونس ذاتها في تلك الحقبة؛ جميلة لكنها منتهكة ومعوقة
بفعل فاعل، والبحث عن علاج لعجز عائشة هو ذاته السعي لتحرير القرية وفك قيودها
لتستعيد قدرتها على السير والنهوض.
4. دم البطل: رمزية القربان والبعث الجماهيري
تأخذ نهاية عبد الله طابعاً
تراجيدياً يحاكي فكرة "القربان" أو "الشهادة التطهيرية". موت
عبد الله غدراً لم يكن سقوطاً للفكرة، بل كان الصدمة الروحية التي احتاجتها
الجماعة لتتخلص من تخديرها وعجزها التقليدي. سيميائياً، تحول دم عبد الله من علامة
على الموت والغياب إلى علامة على البعث والولادة؛ فبينما كان الأفراد يخافون
المواجهة في حياته، وحّدهم دمه بعد مماته، ليكون هذا الموت التراجيدي هو القوة
الوحيدة القادرة على غسل أدران الخوف وإعادة التوازن النفسي والفكري لأهالي القرية.
القسم الخامس: الخصائص الفنية
والأسلوبية
1. لغة السرد: رصانة الفصحى وعفوية الروح
البيئية
تتجلى في "التوت
المر" المتانة اللغوية التي اكتسبها محمد العروسي المطوي من تكوينه الزيتوني
الأكاديمي الرصين؛ فاللغة السردية عنده تمتاز بجزالة الألفاظ، ووضوح العبارة،
والابتعاد عن الغموض أو التكلف اللفظي الذي قد يعيق تدفق الفكرة الواقعية.
ومع التزامه بالفصحى المشرقة
في المتن السردي، نجح المطوي في ضخ الروح البيئية التونسية داخل نسيج النص؛
حيث نجد الحوارات والأوصاف مشحونة بالأنفاس المحلية لأهل الجنوب. هذا المزيج الذكي
جعل اللغة مرآة صادقة لثقافة الشخصيات، فجاء الحوار عفوياً، نابضاً بالحياة،
ومعبراً بدقة عن التفاوت الفكري والطبقي بين أفراد القرية دون أن يفقد النص رصانته
الأدبية.
2. الواقعية
النقدية: التصوير العاري بعيداً عن المباشرة الجافة
تنتمي الرواية فنياً إلى
مدرسة الواقعية النقدية، وهي مدرسة لا تكتفي بنقل الواقع فوتوغرافياً، بل
تعيد تفكيكه لتعرية جذور الأزمة الاجتماعية. صوّر المطوي مشاهد الفقر، الجهل،
والتأثيرات المدمرة لإدمان التكروري بجرأة وتفصيل شديدين، محولاً البؤس اليومي إلى
مادة أدبية بالغة التأثير.
واللافت هنا أن الكاتب تجنب
السقوط في فخ "المباشرة الخطابية" أو الوعظ الجاف الذي يفسد الفن؛ فلم
يكتب منشوراً سياسياً ضد الاستعمار، بل ترك المواقف، وحركة الشخصيات، ومصائرها
المأساوية هي التي تنطق بالإدانة وتمرر الرسالة التوعوية بذكاء واقتدار.
3.
بنية الزمن والمكان: التضاد بين الركود والحركة
لعب الفضاء الزمكاني (الزمان
والمكان) دوراً فنياً محورياً في تعميق الصراع الدرامي من خلال آلية التضاد:
- فضاء الجمود
والركود:
تمثل في دكان التكروري والمقاهي البائسة
والأزقة الضيقة الجافة للقرية، حيث يتحرك الزمن فيها بشكل دائري رتيب يوحي
بالضياع، والموت السريري للوعي، والاستسلام للاستعمار.
- فضاء الحركة
والديناميكية:
تجسد في اللقاءات السرية لـ "جمعية
الشهامة"، وفي الفضاءات المفتوحة التي يتحرك فيها عبد الله؛ حيث يصبح
الزمن خطياً، متسارعاً، ومشحوناً بالأمل والتطلع نحو المستقبل والتحرر.
هذا التناوب بين سكونية
البيئة وحركية الوعي أضفى على الرواية إيقاعاً مشوقاً يشد القارئ ويضعه في قلب
المعركة الفكرية والاجتماعية.
4. المفارقة
التراجيدية وبناء البطل النبيل
اعتمد المطوي في بناء شخصية
عبد الله على ملامح البطل التراجيدي النبيل الذي يحمل بذور نهايته في
تفاصيل موقفه الأخلاقي؛ فهو يعلم فداحة الثمن وقوة الخصوم، ومع ذلك يختار المواجهة
مدفوعاً بوعيه الإنساني. وتظهر العبقرية الأسلوبية للكاتب في استخدام المفارقة
(Irony) كأداة تشويق وتطهير نفسي؛ فالأعداء خططوا لاغتيال عبد الله لإنهاء
حركته وتأمين دكانهم الفاسد، لكن النتيجة الفنية والموضوعية جاءت عكسية تماماً؛ إذ
كان هذا الاغتيال هو الشرارة التي نسفت خطتهم وأيقظت الجماعة من سباتها، مما منح
النص عمقاً تراجيدياً يحاكي المآسي الإنسانية الخالدة.
القسم السادس : الخاتمة
وخلاصة القيمة الأدبية والرسالة
1.
القيمة الأدبية: علامة مضيئة في مدونة السرد
الواقعي
تظل رواية "التوت
المر" لمحمد العروسي المطوي واحدة من أهم العلامات المضيئة في مدونة الرواية
التونسية والعربية على حد سواء. تكمن قيمتها الأدبية الرفيعة في قدرتها على
الموازنة الخلّاقة بين عُمق القضية الفكرية والالتزام السياسي، وبين البناء الفني
الرصين. لم يكن المطوي مجرد ناقل للأحداث، بل كان جراحاً اجتماعياً استطاع بأدواته
السردية أن يرفع مأساة قرية تونسية صغيرة إلى مستوى القضية الإنسانية الكونية. ومن
خلال هذا النص، أثبتت الواقعية النقدية في المغرب العربي نضجها وقدرتها على صياغة
هوية سردية مستقلة، تجمع بين جزالة اللغة العربية الكلاسيكية ونبض البيئة المحلية
وتفاصيلها الحية.
2. رسالة
الرواية: تحرير العقول شرط أساسي لتحرير الأرض
إن الرسالة الجوهرية التي
يبرق بها المطوي في "التوت المر" هي أن معركة التحرير الوطني ليست مجرد
مواجهة عسكرية على الجبهات، بل هي في الأساس معركة وعي. لقد أراد الكاتب تنبيه الوجدان الجمعي إلى
أن المستعمر لا يحتل الأرض بالمدافع والجنود فقط، بل يحتلها أولاً بتجريف العقول،
ونشر الجهل، واستزراع أوبئة التبعية والاستسلام الممنهج (والتي تمثلت سيميائياً في
دكان التكروري).
لذا، فإن تضحية عبد الله
واستشهاده صاغا بياناً فكرياً صارماً: إن أي استقلال سياسي أو عسكري يظل منقوصاً
وهشاً ما لم يسبقه أو يرافقه تحرر فكري شامل، ينفض عن الشعوب غبار العجز ويوقظ
فيها إرادة الحياة والكرامة.
3. خلاصة المقال: ديمومة الأثر وخلود الفكرة
ختاماً، يمكن القول إن
"التوت المر" ليست مجرد رواية تؤرخ لحقبة استعمارية ولت وانقضت، بل هي
نص ممتد في الزمن؛ لأن الصراع بين الوعي والتجهيل، وبين التضحية والانتهازية، هو
صراع إنساني أبدي. لقد رحل محمد العروسي المطوي، ورحل بطل روايته عبد الله، لكن
شجرة "التوت المر" تظل وافره ومثمرة في الذاكرة الأدبية، تذكر الأجيال
المتعاقبة بأن طعم الحرية قد يكون مراً ومشحوناً بالتضحيات والآلام، ولكنه المرار
الوحيد الذي يملك القدرة على تطهير المجتمعات، وإعادة صياغة مصائرها نحو غدٍ أفضل
وأكثر كرامة.
#التوت_المر
#محمد_العروسي_المطوي #الرواية_التونسية #أدب_واقعي #تحليل_أدبي #النقد_الروائي
#TheBitterMulberry #TunisianLiterature
#ArabicFiction #LiteraryCriticism #PostColonialStudies #ModernistProse
Title: "The
Bitter Mulberry" by Mohamed Laroussi Metoui: An Analytical Paradigm of
Consciousness and Resistance
This comprehensive
analytical essay explores the profound structural and thematic dimensions of
the canonical Tunisian novel "The Bitter Mulberry" (Al-Toot
Al-Murr, 1967) authored by the prominent writer and diplomat Mohamed
Laroussi Metoui. Set against the bleak socio-economic backdrop of a
marginalized village in southern Tunisia during the 1940s French colonial era,
the novel masterfully dissects the insidious mechanics of colonial hegemony.
Rather than relying solely on brute military force, the colonizer deploys a
calculated strategy of intellectual castration by monopolizing and
institutionalizing the trade of Takrouri (cannabis) to numb the
subaltern's collective consciousness and paralyze any potential mutiny.
The essay thoroughly
examines the binary opposition between institutionalized oblivion and the
burgeoning national awakening spearheaded by the protagonist, Abdullah, and his
underground movement, "The Chivalry Association" (Jam'iyyat
Al-Shahama). A significant portion of the analysis delves into the tragic,
non-romanticized humanism embedded within Abdullah’s personal life. It
juxtaposes his profound filial duties toward his impoverished parents with his
ultimate commitment to the collective destiny of his homeland. Furthermore, the
study deconstructs the exquisite allegorical function of Aisha, Abdullah's
physically impaired (lame) lover, who serves as a poignant objective
correlative for Tunisia—inherently beautiful and pure, yet structurally crippled
and immobilized by foreign subjugation.
Utilizing the
framework of critical realism, the article scrutinizes Metoui's aesthetic
mastery, particularly his seamless integration of eloquent classical Arabic
prose with the distinct socio-lectal nuances of the Tunisian countryside. By
evaluating the chronotopic tension between the stagnant spaces of addiction and
the dynamic temporal progression of underground resistance, the essay concludes
that Abdullah’s ultimate martyrdom operates as a cathartic, semiotic catalyst.
His death ceases to be a marker of finality; instead, it transmutes into an
intellectual resurrection that permanently de-colonizes the mind of the
community, asserting that internal enlightenment is an absolute prerequisite
for external geopolitical liberation.



تعليقات
إرسال تعليق