رواية قامات الزبد لإلياس فركوح: حين يتآكل اليقين على أعتاب بيروت
هل يمكن للأيديولوجيا أن تحمي
الإنسان من التفتت حين تنهار الأرض من تحته؟ في رواية "قامات الزبد"،
يقتادنا إلياس فركوح إلى أعماق بيروت الثمانينيات، لا ليؤرخ للحرب، بل ليشرّح
انهيار الأرواح التي سكنتها. إنها رحلة في تضاريس الضياع، حيث تُختزل طموحات جيل
كامل إلى "زبدٍ" يتلاشى، في نصٍ أدبي يطرح أسئلة وجودية لا تزال تلاحقنا
حتى اليوم.
في رواية "قامات
الزبد"، لا يكتفي إلياس فركوح بكتابة نص عن الحرب، بل يكتب نصاً
عن "تآكل الروح" التي خاضت تلك الحرب. حين نقرأ هذه الرواية اليوم، ندرك
أنها لم تكن مجرد توثيق لمرحلة مفصلية في بيروت الثمانينيات، بل هي محاولة جريئة
لاستنطاق الانهيارات الداخلية التي تسبق، وتلي، وترافق الانهيارات السياسية
والعسكرية.
يبدأ فركوح سرديته من منطقة
"الزبد"؛ تلك الرغوة الهشة التي تطفو على سطح الموج، لتكون استعارة
بليغة عن القامات البشرية التي وجدت نفسها وسط عاصفة من الأيديولوجيا والواقع
المتردي. إن بيروت في النص ليست مجرد مكان جغرافياً للصدام، بل هي المختبر الذي وضع
فيه الكاتب شخصياته—خالد، نذير، وزاهر—ليراقب كيف يتفتت "اليقين" في
نفوسهم. هؤلاء الذين ارتبطوا بتنظيم واحد، واعتنقوا فكرة واحدة، يجدون أنفسهم أمام
مرآة الواقع وقد تكسرت صورتهم الجمعية إلى شظايا فردية، حيث لا صوت يعلو فوق صوت
العجز عن الفعل.
تكمن براعة فركوح في تجنبه
للسرد الخطي المباشر؛ فهو يدرك أن تجربة الضياع لا تُروى بانتظام، بل تتقافز بين
الذاكرة والحاضر، وبين الحلم والكابوس. يستخدم الكاتب تيار الوعي ليرسم لنا خريطة
داخلية مضطربة، حيث تندمج الشوارع المتهالكة في بيروت بالخلايا العصبية للشخصيات.
اللغة هنا لا تسعى لنقل "الحدث" بقدر ما تسعى لنقل "الأثر"؛
إنها لغة قلقة، تراوح بين التكثيف الشعري والاعتراف الذاتي، مما يجعل القارئ يشعر
بأن الرواية هي في جوهرها مذكرات جمعية لجيلٍ ضل طريقه.
أحد أكثر الجوانب استثنائية
في "قامات الزبد" هو قدرة فركوح على التعامل مع الصمت. الحوارات في
الرواية ليست مجرد تبادل للكلمات، بل هي لحظات مواجهة بين "ما كان مؤمناً
به" وبين "ما صار واقعاً معاشاً". أن الصراع بين الشخصيات ليس
صراعاً على الأهداف بقدر ما هو صراع على البقاء في عالم فقد فيه المبدأ صلابته.
يتحول رفاق الأمس إلى غرباء في غرفة واحدة، ليس بسبب اختلافهم الفكري، بل لأن
الأرضية المشتركة التي كانوا يقفون عليها قد تلاشت، تاركةً إياهم في حالة من التيه
الوجودي.
إن التساؤل الذي يطرحه فركوح
في هذا النص لا يزال يتردد صداه؛ كيف للزبد أن يظن أنه صخرة؟ إن "قامات
الزبد" تظل نصاً عصياً على التقادم لأنها لا تؤرخ للزمن بقدر ما تؤرخ
لمدى هشاشة الإنسان حين يضع كل رهاناته في سلة التاريخ. لقد نجح الكاتب في تقديم
دراسة أدبية ناضجة عن "تآكل الأوهام"، واضعاً القارئ في مواجهة مباشرة
مع أسئلة الهوية والالتزام، دون أن يغرق في التقريرية أو الخطابية. هي رواية عن
أولئك الذين أدركوا، في لحظة مفصلية، أن القامة التي ظنوها صلبة لم تكن أكثر من
رغوةٍ على وجه التاريخ، ستتبدد مع أول انحسار للموج.
أصوات في مهب التيه: حين
يتعدد الرواة لتتفتت الحقيقة
إذا كان فركوح قد اختار أن
يضع شخصياته في "بيروت" كمسرح للانهيار، فإنه في الوقت ذاته اختار
لتقنية السرد أن تكون انعكاساً لهذا التفتت. لا يقدم فركوح بطلاً أوحداً يمتلك
الحقيقة، بل يوزع الرؤية بين خالد ونذير وزاهر؛ هذا التعدد الصوتي ليس مجرد خيار فني،
بل هو جوهر الرؤية الفلسفية للرواية. من خلال هذه الأصوات المتداخلة، يدرك القارئ
أن "الحقيقة" في زمن الحرب ليست إلا وجهة نظر محاصرة بالخوف، وبالذاكرة
التي بدأت تخون أصحابها.
خالد، نذير، وزاهر؛[1] ثلاثة مسارات تقاطعت في
نقطة واحدة: التنظيم. لكنهم يخرجون من هذه النقطة في اتجاهات متناقضة، ليس
جغرافياً فحسب، بل في تعاملهم مع الخذلان. هنا، يستبطن فركوح دواخلهم ببراعة
فائقة، حيث يمنح كل شخصية صوتاً مستقلاً لا يكتمل إلا بالآخر، لكنه يظل صوتاً
وحيداً في جوهره. إن تقنية "تعدد الأصوات" تجعل من النص مرايا متقابلة،
كلما نظرنا في واحدة، رأينا انكساراً مختلفاً للواقع. الحوار هنا لا يهدف إلى
التفاهم، بل يهدف إلى إبراز الفجوات العميقة التي أحدثتها المسافة بين "ما
قبل الحرب" و"أثنائها".
إن لغة فركوح في إدارة هذا
التعدد هي لغة "ممسوسة"؛ فهي تبتعد عن التقريرية لتمسك بتلابيب الشعور.
الشخصيات لا تتحدث عن الحرب بوصفها حدثاً سياسياً، بل بوصفها "حالة
شعورية" تسكنهم وتتحكم في إيقاع أنفاسهم. نلاحظ أن الزمن في الرواية لا يسير وفق
الساعة، بل وفق إيقاع الذاكرة؛ القفزات بين الماضي والحاضر تبدو وكأنها محاولة من
الشخصيات للهروب من راهنٍ لا يطاق. إنهم يبحثون في ذكرياتهم عن ذلك اليقين الذي
فقدوه، لكنهم لا يجدون سوى صورٍ باهتة لأدوارٍ أدّوها ذات يوم، ولم يعودوا قادرين
على استعادتها.
هذه البنية السردية المفتتة
هي التي تمنح الرواية قوتها الصادمة؛ ففركوح لا يُشعرنا بالضياع، بل يجعلنا
"نعيشه" معهم. كل صوت يضيف لبنة في جدار العزلة الذي يحيط بالأبطال، حتى
نجد أنفسنا أمام نصٍ لا يمتلك مركزاً، تماماً كشخصياته التي فقدت مركزها الأخلاقي
والوجودي في خضم العاصفة. إننا أمام "سمفونية" من العجز، حيث يغني كل
راوٍ ليله الخاص، بينما تمضي بيروت في احتراقها الهادئ، غير عابئة بانهيار القامات
التي ظنت يوماً أنها قادرة على تغيير وجه العالم.
بيروت: حين يتحول المكان من
مسرحٍ إلى شريكٍ في الانكسار
في رواية "قامات
الزبد"، لا يمكن فصل الشخصيات عن "بيروت"؛ فهي ليست مجرد خلفية
جغرافية للأحداث، بل هي كائنٌ مأزوم يشارك في صياغة مصير الأبطال. ينجح إلياس
فركوح في جعل المدينة شريكاً صامتاً، وأحياناً متواطئاً، في هذا التداعي الوجودي.
فبيروت هنا ليست مدينة الحب أو الترف، بل هي المدينة التي تُعيد تشكيل نفسها على
أنقاض أوهام ساكنيها. إنها تتحول إلى "مرآة مشروخة" يعكس كل شارع فيها
زاوية من زوايا انهيار الشخصيات.
الشوارع المتقاطعة، والبيوت
التي فقدت جدرانها، والمقاهي التي صارت مخابئ للذكريات؛ كل هذه العناصر المكانية
تعمل في الرواية كرموز لحالة "التشتت". خالد، نذير، وزاهر لا يتحركون في
فراغ، بل يتحركون في مدينة تتآكل معهم. عندما يصف فركوح تفاصيل المكان، فهو لا يصف
العمارة، بل يصف "الحالة النفسية" للمكان. المكان يصبح موازياً للبنية
العصبية للأبطال؛ فكما أن أرواحهم تعيش حالة من الاستلاب، فإن شوارع بيروت تعيش
حالة من الفوضى الخلاقة والمدمرة في آنٍ واحد.
هذا التماهي بين المكان
والذات يُنتج شعوراً طاغياً بالثقل. المكان في "قامات الزبد" يحمل ذاكرة
ثقيلة؛ فهو شاهد على وعودٍ لم تتحقق، وعلى رفاقٍ رحلوا، وعلى مشاريع نضالية ذابت
كـ "الزبد" تماماً. الرواية تشعرنا بأن الأبطال محاصرون، ليس فقط بالخطر
الخارجي، بل بهوية المكان التي بدأت تضيق عليهم. بيروت في عين فركوح مدينة تتنفس
بصعوبة، تماماً كما يتنفس أبطاله وسط ركام الأيديولوجيا التي خذلتهم.
إن تحويل المدينة إلى عنصر
فاعل في السرد يمنح الرواية بعدها التراجيدي. فعندما نرى "زاهر" مثلاً
وهو يتجول في أزقة بيروت، نحن لا نرى رجلاً في شارع، بل نرى ذاكرة تجوب رفات
مدينة. فركوح يبرع في جعل القارئ يشعر بأن المدينة نفسها تنتظر حكماً بالزوال، تماماً
كما ينتظر أبطاله لحظة الخلاص أو السقوط الأخير. المكان هنا هو الذي يفرض إيقاع
الرواية؛ فهو يحدد سرعة الخطى، وعمق الصمت، ومساحة الخذلان. وبذلك، لا يعود البطل
هو وحده من ينهار، بل ينهار معه المسرح بأكمله، ليؤكد فركوح فكرته الأساسية: حين
تسقط القامات، لا تجد حتى الأرض التي تقف عليها من يثبتها.
في البدء كان الزبد: حين لا
يتبقى من القامة سوى أثر
يصل بنا إلياس فركوح في
"قامات الزبد" إلى النقطة الأكثر إيلاماً: لحظة إدراك الزوال. إن
العنوان بحد ذاته ليس مجرد توصيف، بل هو حكمٌ نقدي أخلاقي على تلك التجربة.
"الزبد" هنا هو الحقيقة العارية التي تظهر عندما تنحسر أمواج
الأيديولوجيا العاتية وتكشف عن هشاشة الكينونة الإنسانية. لم تكن الرواية مجرد
استعراض لفشل التنظيمات أو تقلبات السياسة، بل كانت استقصاءً لمأزق
"القامة" التي أرادت أن تتعالى على الواقع، فإذا بها تنتهي مجرد رغوةٍ
على وجهه.
لماذا تظل "قامات
الزبد" نصاً عصياً على التقادم؟ الإجابة تكمن في أن فركوح لم يقع في فخ
"التوثيق التاريخي" الذي يغري الكثيرين، بل غاص في "التوثيق
الأنطولوجي" للضياع. إن الرواية لا تخاطب قارئاً يريد معرفة ماذا حدث في
بيروت، بل تخاطب قارئاً يتساءل عن معنى أن يكون الإنسان مشروعاً في مهب الريح. أن القامات
التي قدمها فركوح -بخيباتها وانكساراتها ومحاولاتها اليائسة للترميم- هي قامات
تشبهنا؛ فنحن أيضاً نحمل في داخلنا ركاماً من المشاريع المؤجلة، وبقايا من طموحات
تبخرت تحت وطأة التاريخ.
في الختام، يتركنا إلياس
فركوح أمام مرآة لا ترحم. لقد نجح في صياغة نصٍ يعيد تعريف "الالتزام"؛
ليس التزاماً بحزب أو عقيدة، بل التزاماً بصدق النظر إلى الذات في لحظات الانهيار.
إن "قامات الزبد" ليست دعوة لليأس، بل هي محاولة أدبية شجاعة لقول
الحقيقة: أن القامة لا تكتسب صلابتها من طولها أو ادعائها، بل من قدرتها على
الاعتراف بهشاشتها.
يظل "إلياس فركوح"
في هذا العمل صوتاً يذكرنا بأن الإنسان، مهما تضخمت أحلامه، يظل معرضاً لمدٍّ وجزر
لا يرحمان. وبينما تمضي السنوات، تبقى "قامات الزبد" شاهدةً على أن ما
يبقى من الإنسان ليس ما أنجزه في ميادين المعارك أو الشعارات، بل تلك المساحة
الصادقة التي تركها في النص، حيث تعرى أمام نفسه وأمام قارئه، معترفاً بأننا
جميعاً، في لحظة ما، كنا قاماتٍ من زبدٍ تترقب الانحسار.
#إلياس_فركوح
#قامات_الزبد #أدب #رواية_عربية #نقد_أدبي #بيروت #تفكيك #EliasFarkouh #ArabicLiterature #LiteraryCritique
#ModernArabicNovel #Beirut
"Qamat
al-Zabd" (Columns of Foam) by the late Elias Farkouh is a seminal work in
modern Arabic literature, offering a profound exploration of human fragility
amidst historical upheaval. Set against the backdrop of 1980s Beirut, the novel
transcends simple political documentation to become a deep psychological study
of a generation defined by its ideological commitments—and their subsequent
disintegration.
Farkouh utilizes a sophisticated, polyphonic narrative structure that
weaves together the disparate perspectives of characters like Khaled, Nadir,
and Zahir. Through these voices, the reader witnesses the erosion of certainty
as the characters struggle to reconcile their past ideals with a fragmented,
war-torn reality. Farkouh brilliantly employs stream-of-consciousness
techniques and a fluid sense of time, reflecting the characters' internal
instability and their desperate attempts to navigate a world that has lost its
center.
The city of Beirut itself acts as a living character in the novel—a
broken mirror reflecting the internal fractures of its inhabitants. By
stripping away the romanticism often associated with struggle, Farkouh
confronts the reader with the harsh truth of how easily individual and
collective identities can dissolve like sea foam under the pressure of history.
This analysis argues that "Qamat al-Zabd" remains a timeless,
challenging text because it refuses to provide easy answers, instead forcing a
confrontational self-reflection on the nature of belief, memory, and the
persistent human search for meaning in the face of inevitable collapse.
[1] زاهر
النابلسي شاب جامعي حبه لمبادئه جعله ينخرط في تنظيم سياسي اعطاه جُل وقته. عمله
في صحيفة التنظيم والجامعة وضعه في معادلة التوازن بين عمله السياسي والمهني من
دون ان يفرط برغباته واحلامه. اما نذير الحلبي شاب لا يقل حماسة وانتماء من زميله
زاهر. يحب عمله السياسي ويعطيه كثيرا من وقته. يكلفه التنظيم بأعمال في لبنان
وخارجه. لم يؤثر عمله السياسي على احلامه وعواطفه ولم يثنه ذلك عن اقامة علاقة حب
مع ثريا الشابة المصرية التي تعمل في صالة للرقص في بيروت. كان يبادلها الحب كما
هي ايضا تحبه وتسهر على راحته وتتابع اخباره ومساعيه فكان يزداد تعلقا بها حتى بعد
ان تركت بيروت وسافرت للقاهرة خوفا من الحرب وبهذا شخص المؤلف الجوانب الانسانية
فيهما واكد ان الحب يمكن ان يعيش ضمن اجواء غير طبيعية احيانا. أما الشخصية
الثالثة (خالد الطيب) ظروفه لا تقل سخونة عن ظروف الاخرين مسؤولياته المتشعبة في
جريدة التنظيم والاجتماعات السياسية لم تلغ عواطفه بل نراه يعطي لعواطفه وضمن هذه
الاجواء المريبة نصيبا تمكن من خلاله التعرف على (المدام) وهي امرأة ثرية ترك لها
زوجها ثروة طائلة. لقد وفرت له اضاءة عاطفية اشعرته بإنسانيته وانتمائه العاطفي.
بادلها الحب ولم تشعره يوما بالفارق الطبقي بينهما. هذه العلاقة التي رسمها المؤلف
تثبت واقعية الحدث وبساطته ورفض هذه الشخصية للضغوط التي ربما تبعده عنها لان
استقلالية عواطفه واختياراته لا تخضع للمنظور السياسي الذي يمارسه ويعيش ضمنه.
لذلك اهمية عواطف الانسان وتأثيراتها مهمة في صياغة الشخصية ورفضها لكل ما يسيء لإنسانيته
واحلامه




تعليقات
إرسال تعليق