فلسفة التشظي: لغة الشارع ومواجهة العبث الوجودي في عالم كاظم الحجاج

 

 

كاظم الحجاج


أنا لستُ واحداً..
أنا شظايا متناثرة في أزقة البصرة!
جزءٌ منّي مات في حفرةٍ منسية بالجيل الأول من الحرب،
وجزءٌ يرتجفُ الآن مع فنجان الشاي البارد،
وما تبقّى.. يركضُ وراء ظلٍّ هارب.
قصيدة تكرار


نحن الذين بلا عناوين.. ولا بطاقات تعريف
نملك أسمادنا.. ونملك جوعنا النبيل.
لا نمد أيدينا لغير رصيفٍ ألِفْنا خطاه،
وننام وفي عيوننا أحلامٌ عريضة..
أحلامٌ لا تتسع لها قصورهم المضاءة.
إننا ملح
هذه الأرض.. وإن غيبنا الغبار
قصيدة دعاء الصعاليك


بيوتنا لم تعد بيوتاً..
إنها شظايا طينٍ بكتْ عليه السماء!
النوافذُ مخلوعةُ الأسنان،
والأبوابُ تخافُ من هبوب الريح العشوائية..
نحن نسكنُ في كسور الخريطة."
غزالة في مقهى


أن الوجود الإنساني في عوالم كاظم الحجاج ليس فعلاً استعراضياً في متن التاريخ، بل هو إقامة دائمة على حافة الهشاشة؛ حيث تتحول الجغرافيا إلى شظايا طين، ويغدو الزمن زمناً معطلاً يتقشر كزجاج مكسور تحت أقدام المنسيين. في هذا الفضاء المأزوم، لا يبحث الشاعر عن عزاءات كبرى أو أساطير خلاص، بل يتخذ من التفاصيل المهملة، والعزلة الرطبة، والفقر النبيل، أدواتٍ وجودية لمقاومة الانمحاء. إنها فلسفة تقايض البهرجة الزائفة بمرارة الحقيقة العارية، وتصنع من شظايا الروح المتناثرة ملحاً لهذه الأرض، ليبقى الكائن البسيط سيداً لمصيره المعلق، شاهداً بسخريته الهادئة على عبثية العالم وانكساراته.

 

جماليات المكان الميت... المقاهي والأزقة المعتمة كمسرح للوجود اليومي

أمطار البصرة – سبحان الله، كما الجُدريّ ـ
تُنقر وجهَ النهر
تبتدئ الأمطار هنا من غيمة حزن سوداء،
الدمعة، أعني الأولى لا تسقط إلا خجلى،
مثل حزين خجلانَ..
هنا، في البصرة، لا يبكي رجلٌ قدّام الناس..

يحتل المكان في التجربة الشعرية للشاعر كاظم الحجاج مساحة تعبيرية بالغة الخصوصية والتعقيد، فهو ليس مجرد خلفية جغرافية محايدة تتقاطع فيها خطوات الشخصيات أو تمر من خلالها الأحداث، بل هو كائن حي يتنفس، ويتآكل ببطء، ويحمل على جدرانه المتقشرة ملامح اليأس والتعب البشري المزمن. إن الفضاءات التي يرتادها شعر الحجاج تبتعد كلياً عن القصور الفخمة أو الفضاءات المفتوحة الواسعة واللامعة؛ بل هي تنغمس تماماً في الأمكنة المغلقة، والمهملة، وتلك التي هجرها الفرح وتكدس فيها الزمن حتى أجار عليها. كالمقاهي القديمة والنائمة التي تشبه محطات مهجورة، والأزقة المعتمة التي تضيق تدريجياً على المارة  والغرف الواطئة التي تشبه زنزانات صغيرة. هذه الأمكنة تمثل بامتياز مسرحاً حياً ووحيداً للوجود اليومي المأزوم، حيث يتساوى الوقت والمكان في صناعة شعور ثقيل بالبطء والرتابة والخواء. في المقهى الشعبي، حيث يتناثر رماد السجائر الرخيصة ويبرد الشاي على الطاولات الخشبية المتأكلة، يتحول الجلوس الطويل إلى طقس قاسٍ من طقوس مواجهة العبث. الشاعر هنا لا يصف المكان بوصفه مهندساً أو جغرافيّاً ينقل تفاصيل المعمار من الخارج، بل يتلبسه من الداخل، كأن عمارة المكان ورطوبته وجدرانه المتقشرة قد تسللت إلى أعماق الروح وأصبحت جزءاً عضوياً من تكوينه النفسي والوجودي.

بالأمس تمنيت الموتَ:
دخلتُ إلى مقهاي، ولم يعرفني أحدٌ..
وأنا لم أعرف أحداً في مقهاي..
أُكرّر: في مقهايْ!
صرنا غرباء جميعاً، والغربةُ موتٌ حيٌّ!
كلٌّ مِنّا في قبرٍ، لا قبرَ لاثنينْ

وفي هذا الفضاء المكاني الراكد والمخنوق، يتجسد ما يمكن تسميته بـ "الزمان الميت"؛ ذلك الوقت الذي فقد طاقته المعتادة على الجريان والانقضاء، وأصبح عبئاً إضافياً ثقيلاً ينوء به الكاهل المتعب. الساعات في عوالم الحجاج لا تمر بسرعة أو بسلاسة، بل تتراكم كالغبار الكثيف على رفوف الذاكرة والوجدان، وكل ما يفعله العابرون والبسطاء هو محاولة "قتل" هذا الوقت البطيء أو التحايل عليه بأقل قدر ممكن من الخسائر النفسية، عبر أحاديث مبتورة، أو نظرات زائغة في فراغ الرصيف، أو متابعة حركة السعف المتعب مع ريح الظهيرة. الأزقة المعتمة، في هذا السياق، ليست مجرد ممرات عادية لمغادرة البيوت أو العودة إليها عند منتصف الليل، بل هي شرايين ضيقة تنبض بالخوف الصامت، والعزلة المزمنة، والشعور الدائم بالخطر الخفي. إنها أمكنة تشبه المحطات التي تخلو تماماً من القطارات، أو الموانئ التي لا تستقبل سفناً قط؛ أمكنة مهيأة تماماً لكي يكتشف فيها الإنسان هشاشته الكاملة وعزلته المطلقة في مواجهة كون أصم لا يكترث بندائه.

من خلال هذا الالتحام العضوي بالمكان الميت والزمان الراكد، لا يعود الشعر مجرد إنشائية تجميلية أو زخرفة لغوية فارغة، بل يتحول إلى وثيقة بصرية ووجدانية نادرة ترصد بدقة مذهلة كيف يقاوم الإنسان انطفاء العالم من حوله بجرعات صغيرة من الصبر المرّ والرضا المعذب. إن تفاصيل هذه المقاهي والأزقة تصبح هي الشاهد الوحيد على بطولة صامتة؛ بطولة من لا يملكون أسماء كبيرة ولا ينتظرون جوائز، بل يعيشون أيامهم على حافة الهاوية، رافضين أن يستسلموا تماماً للظلمة رغم أن الظلمة تحيط بهم من كل الجهات. وبهذا، ينجح الحجاج في تحويل المكان المهمل إلى فضاء ملحمي مصغر، تنعكس فيه مأساة الإنسان المعاصر بكل بساطتها ووجعها الخالص، بعيداً عن كل زيف أو ادعاء فكري متعالٍ.

في مقهى آيل للعدم..
تحمل صور القديم ثم الأقدم من أدباء البصرة..
نسيَ أن يؤلف (بيتاً يأويه) إذا ما اجتاز عتبة البيت الزرقاء"
وعن حقيقة الأمكنة الجميلة المتآكلة من الداخل يقول:
"
أجمل بيت في الدنيا (التفاح) لكن الساكن في الأعماق.. الدود".

 




جماليات التلصص البصري وتتبع الشظايا الصغرى

"الزمنُ... هذا الماكرْ...
لا يذبحنا بسكينْ...
بل يقشرنا... قشرةً... قشرةْ!
قشرةً من سواد الشعرْ،
قشرةً من بياض الأسنانْ،
وقشرةً من بريق العينينْ...
حتى نصيرَ، في النهاية... عراةً من الحياة!"

حين يتأمل المتلقي عالم كاظم الحجاج الشعري، يكتشف فوراً أن الشاعر لا يرتدي عدسة الكاميرا التقليدية التي ترصد المشهد العام أو تلتقط اللوحات الواسعة من علٍ، بل يمارس ما يشبه "التلصص البصري" العارف، اليقظ، والعمق على هوامش الحياة اليومية. إنه شاعر الـ (Close-up) بامتياز؛ الكاميرا لديه تقف ملياً عند تلك التفاصيل الدقيقة والصغيرة جداً التي يمر بها العابرون ألف مرة في اليوم دون أن ترف لهم عين، أو دون أن يشعروا بأنها تحمل في طياتها خلاصة الوجع الإنساني والعبث الكوني. إنها حركة إصبع مرجفة على مقبض باب مهترئ، أو حذاء قديم يقاوم بقسوة غبار الرصيف المحرق، أو فنجان شاي نصف مبرد مرمي على طاولة مقهى مهجور في ظهيرة صيف صامتة ومرهقة، أو طائر يقف بيأس تام على سلك كهرباء مقطوع يتمايل مع ريح الجنوب المالحة. هذا التلصص ليس مجرد مراقبة عابرة أو تسجيلاً فوتوغرافياً مidيا، بل هو تقصٍ فلسفي دقيق لاقتناص اللحظة الهاربة قبل أن تبتلعها رتابة الأيام وقسوة الواقع المعيش.

أرى صاحبي القديم...
يقلّبُ ملعقةَ الشاي في الكوبِ الفارغْ..
يدوّرها.. ويدوّرها..
كأنه يحرّكُ زمناً ماتَ وتجمّدْ!
لا ينظرُ إليّ.. ولا ينظرُ إلى جليسهِ..
يحدّقُ فقط في الدوّامةِ الصغرى في قاع الفنجانْ."

 

في هذا الفضاء البصري الحساس، يتقاطع الوجع اليومي بامتياز مع تفاصيل المكان الصغير والمهمل. الحجاج لا يحتاج أبداً إلى كارثة كبرى، أو حرب مدمرة بالمعنى المباشر والخطابي، لكي يكتب عن الألم الإنساني؛ بل يكفي جداً أن يتأمل تفصيلاً منسياً وصغيراً ليتكشف أمامه الكون برمته بكامل عبثه وقسوته وسخريته المرة. هذا التتبع الحاد للشظايا الصغرى يجعل القصيدة أشبه بعدسة مكبرة تحرق سطح الواقع البارد لتكشف عما يغلي تحته من تناقضات فاضحة. إن المهمشين هنا ليسوا شعارات سياسية براقة تُرفع في الميادين المزدحمة، بل هم أولئك الذين يعيشون في ثنايا هذه التفاصيل البصرية الصامتة؛ يظهرون فجأة في التماع عابر وموجع في عين بائع متجول أنهكه التفتيش عن لقمة العيش، أو في انحناءة كتف عامل تركه الزمن في منتصف الطريق بلا حكاية وبلا عزاء.

وعبر هذه العدسة الدقيقة والحساسة، تتحول السخرية إلى الأداة الفنية الأمثل لتقويض ضخامة الألم ورفع هالة القهر عن الكائن البسيط. فحين يقترب الشاعر بـ (Close-up) شديد القرب والالتصاق من مأساة صغيرة، فإنه لا يستميل عطف القارئ أو يبحث عن دموعه الرخيصة، بل يضعنا وجهاً لوجه أمام مفارقة المشهد؛ فنرى البساطة المطلقة وهي تواجه القسوة المطلقة بسخرية لا تشبه شيئاً سوى نفسها، سخرية باردة، لاذعة، وخالية من أي افتعال إنشائي. إنها شاعرية تنبت تماماً من تحت الصخور، حيث تمتلك العين الثالثة للشاعر القدرة على رصيد ما تخفيه العيون المعتادة على رؤية الظواهر الكبرى والسطحية.

دخلتْ... فجأةً.. كشظيةِ ضوءٍ في نفقْ!
المقاعدُ الخشبيةُ المتقشرةُ استقامتْ..
ودخانُ السجائرِ المتراكمُ انتبهْ!
لم ينظر إليها أحدٌ مباشرةً..
لكنّ الجميعَ تَبِعوا حركتَها بأطرافِ عيونِهمْ..
تلصصنا على الفرحِ وهو يمرّ سريعاً..
ثم عادتْ الطاولاتُ إلى غيبوبتها.

بهذه الطريقة الفريدة، يعيد كاظم الحجاج الاعتبار للصغير، والمهمل، والمتروك على حواف الطرقات، ليصبح الغبار العالق بالحذاء نافذة واسعة وهائلة نطل من خلالها على عمق الوجع الإنساني الخالص، بعيداً عن كل خطابة رخيصة أو استعراض بلاغي فارغ. إنها رؤية بصرية تعيد ترتيب العالم من منظور الكائن الذي لا يملك شيئاً سوى دقة الملاحظة وقسوة السخرية في مواجهة عبثية الوجود اليومي.



المحور الثاني: "شعرية العزلة والضجر البصري"

صرنا غرباء جميعاً، والغربةُ موتٌ حيٌّ!
كلٌّ مِنّا في قبرٍ، لا قبرَ لاثنينْ!
نجلسُ متقاربين كأشجارِ مقبرةٍ،
تلامسُ أغصانُنا بعضَها..
لكنّ جذورَنا تموتُ في وحشةِ الترابِ المنفردْ.

تُمثل العزلة في التجربة الشعرية الخاصة بالشاعر كاظم الحجاج فضاءً وجودياً قائماً بذاته، وليست مجرد انسحاب عابر من صخب المدينة أو هروباً مؤقتاً من زحام العلاقات البشرية. إنها عزلة تشبه تماماً رطوبة المكان وثقل الهواء في "الظهيرات" الطويلة، حيث يتحول الوقت إلى مادة صلبة وبطيئة تكاد لا تنقضي. في هذا المناخ المشبع بالانتظار والملل الطويل، يجد الشاعر نفسه وجهاً لوجه أمام أسئلة الوجود العارية، بعيداً عن صخب الأيديولوجيات وضجيج الخطابات العامة. هذه العزلة لا تنتج انغلاقاً على الذات، بل تتحول على يد الحجاج إلى "عدسة مكبرة" ترصد بوضوح مذهل كل ما يفرزه الضجر من تصدعات داخل الروح البشرية وفي بنية المجتمع المحيط.

الضجرُ ليس فراغاً..
الضجرُ جدارٌ إسمنتيّ ينمو في منتصف الغرفة!
أجلسُ قبالتهُ.. ويجلسُ قبالتي..
نتبادلُ السجائرَ الصامتة،
ونستمعُ معاً إلى دقاتِ الساعةِ..
وهي تقضمُ ما تبقّى من جلودنا.

الضجر هنا ليس شعوراً سلبياً عابراً، بل هو محرك أساسي للكتابة، ومختبر يومي تتكشف من خلاله تفاهة العبث الذي يحاصر الإنسان. حين يتأمل الشاعر طقوس اليوم المكررة، وحركة المارة البطيئة على الأرصفة المهجورة، ورأسه المائل على حافة طاولة في مقهى قديم، فإنه يلتقط روح العزلة ويحولها إلى مادة شعرية نابضة بالحياة. في هذا العالم المعزول، يتقاطع الضجر مع الوجع الإنساني الخفي؛ فالمهمشون والبسطاء الذين يسكنون قصائد الحجاج هم أصلاً ضحايا هذه العزلة الكبرى التي فرضتها عليهم ظروف الحياة والحروب والتحولات السياسية القاسية. إنهم يعيشون في هامش الجغرافيا وهامش التاريخ، منسيين في مدن تشبه المحطات الأخيرة التي لا يتوقف عندها القطار أبداً.

أقفلُ البابَ.. لا خوفاً من اللصوصِ،
بل خوفاً من شارعٍ لم يعدْ يعرفُ اسمي!
العزلةُ هنا.. هي أن تكتفيَ بظلّكَ على الجدار،
أن تصنعَ شايَكَ بنفسكَ،
وتواسيَ نفسكَ قائلاً:
ما زال في العمرِ متسعٌ لضجرٍ جديد.

وهنا بالضبط تدخل السخرية السوداء كصمام أمان يحمي هذه العزلة من التحول إلى بكائية رخيصة أو استجداء عاطفي مقيت. الشاعر لا يشكو عزلته، بل يسخر منها ومن قسوتها، مستخدماً البرود الظاهري والمفارقة الباردة لسحق هيبة الضجر. إنها سخرية تنبع من رحم المكان المعزول، حيث تتبدل مقاييس الأشياء؛ فالموت المجاني يبدو مألوفاً، والخراب يتحول إلى تفصيل يومي باهت، والوحدة تصبح خياراً أخلاقياً للرفض الصامت. من قلب هذه العزلة الرطبة والضجر المستشري، ينسج الحجاج عالماً شعرياً فريداً، لا يلتفت إلى الخارج المزدحم، بل يحفر عميقاً في صخر الداخل، ليخرج لنا بدرر من الصدق الشعوري والتأمل العبثي الذي يلامس أرواحنا بلا استئذان، محولاً الملل والوحدة إلى ملاحم صغرى تخص الإنسان وحده في مواجهة مصيره المعلق.

من وراءِ الزجاجِ المغبّشِ.. أراهمْ..
يركضون تحت المطرِ كأشباحٍ مستعجلة.
إلى أين يركضون؟
الأرضُ دائرية.. والخرابُ دائرّي أيضاً!
أعودُ إلى مقعدي الهزاز..
لأكملَ رحلتي الطويلة.. في الفراغ."

 


المحور الثالث: "لغة الشارع بلا ادعاء.. الشفافية التي تشبه الماء"

يا بحرُ.. صرنا أواني!
طيناً جففته الشواطئُ.. ثم استدارتْ عليه المطابخْ!
من قاعكَ الأولِ.. جئنا،
وصارتْ تعبئنا الأمهاتُ بماءِ الملوحةِ والانتظارْ.
لا فصحى تفسر هذا الجفافَ..
سوى دموعٍ تسيلُ بلا لغةٍ في الإناءْ.

حين نقترب من البناء اللغوي والتشكيل التعبيري في شعر كاظم الحجاج، نكتشف أننا أمام تجربة ترفض تماماً كل أشكال الادعاء البلاغي أو التكلف اللفظي الذي تثقل به المدارس الشعرية التقليدية نصوصها. الحجاج لا يبحث عن المفردات الغريبة أو القواميس المعجمية القديمة ليثبت جدارته الشعرية، بل يذهب مباشرة إلى منبع اللغة الحي: لغة الشارع اليومية، الدارجة، البسيطة، والتي تستمد طاقتها التعبيرية من عفوية التداول البشري المباشر. إنها لغة تشبه الماء في صفائها وانسيابيتها، لا تسترعي الانتباه ببهرجتها، بل تنفذ بهدوء وسلاسة إلى أعماق الوجدان دون أن تشعر القارئ بجهد الصنعة أو عناء التأسيس البلاغي. هذا التقشف اللغوي المتعمد ليس فقراً تعبيرياً، بل هو ذروة الإتقان والفن، حيث يتم تقطير المعنى حتى لا يتبقى سوى الهيكل العظمي العاري والناطق للحقيقة.

الأسنانُ التي خذلتني..
وراحتْ تساقطُ واحداً.. بعد آخرْ..
لم تكنْ أسنانَ حربٍ..
بل كانتْ أسنانَ خبزٍ وشايْ!
فكّي الذي كان يضحكُ ملءَ الشوارعِ..
صار يخجلُ الآنَ.. من فجوةٍ في الكلامْ.

في هذا السياق الشفاف، يتقاطع بناء النص مع هموم المهمشين والبسطاء الذين لا يمتلكون رفاهية اللغة المزخرفة ولا يجدون أنفسهم في الخطابات الفخمة والمقعرة. الإنسان البسيط الذي يملأ عوالم الحجاج بحضوره الموجع يتحدث بلغته العادية، ومن هنا كان لزاماً على الشاعر أن يتخلى عن تعالي الكاتب الأكاديمي ليرتدي عباءة الراوي الشعبي العارف بخبايا التفاصيل. هذه الشفافية التي تشبه الماء تجعل القصيدة قريبة جداً من قلب المتلقي، كأنها ليست نصاً مكتوباً، بل هي صوت داخلي ينبعث تلقائياً من رصيف مزدحم أو من جلسة في مقهى شعبي مهمل. اللغة هنا تتحول إلى أداة تواصل إنساني حميم، تنقل الوجع اليومي بصدق فوتوغرافي خالٍ من أي رتوش أو تجميل زائف، مما منح النص طاقة تأثيرية هائلة تستقر في الذاكرة كالأمثال الحكيمة والخالدة.

ولكن هذه الشفافية العذبة لا تقود أبداً إلى السطحية أو المباشرة الفجة، بل تحتمي خلف ستارة دقيقة من السخرية السوداء والمفارقة الباردة. فالكلمات البسيطة والعادية جداً تُوظف بعناية فائقة لتصدم القارئ في نهايات القصائد بضربات موجعة ومباغتة. الحجاج يختار مفرداته من السوق، من حوارات المارة، من لغة الأمهات والعمال والباحثين عن لقمة العيش، لكنه يعيد ترتيبها بذكاء فني مذهل ليجعلها تفضح عبثية الواقع وتقوض أكاذيبه الكبرى. إنها بلاغة اللاتكلف؛ بلاغة تؤمن بأن أعماق المعاني الإنسانية لا تحتاج إلى قمم جبلية وعرة، بل يمكن العثور عليها في قطرة الماء الصافية التي تعكس السماء بأكملها. وبهذه اللغة المتجردة من كل مساحيق التجميل، يثبت الحجاج أن الشعر الحقيقي هو الذي يولد طاهراً وبسيطاً كالماء، وقادراً في الوقت ذاته على جرف كل السدود والأصنام من أمام عقل ووجدان القارئ.

أقولُ لعصايَ: استريحي..
فقد وصلنا إلى البيتِ بسلامْ.
تروحُ وتنكبُّ في ركنها الصامتِ..
مثل طفلٍ مطيعْ.
لا خطبَ منمقة بيننا..
هي تعيرني ساقَها الخشبية..
وأنا أعيرها ما تبقّى من ذكرياتْ.

المحور الرابع: "فلسفة الفوضى والعبث اليومي"

في الحربِ..
لا ينتصرُ الجنرالُ الذي يحملُ الأوسمةَ،
بل تنتصرُ الرصاصةُ العشوائية!
الرصاصةُ التي ضلّتْ طريقَها في الظلامِ..
فاختارتْ صدرَ شاعرٍ..
كان يفكرُ في قافيةٍ للسلامْ.
هذا هو العبثُ في أعلى تجلياته!

في قلب التجربة الشعرية للشاعر كاظم الحجاج، تتكشف الحياة باعتبارها سلسلة متواصلة من الفوضى والعبث المجاني، حيث تفقد الأنساق الكبرى والمشاريع الأيديولوجية معناها، ولا يتبقى للإنسان سوى مواجهة مصيره العشوائي بيقين هش. الحجاج لا يكتب من موقع الفيلسوف الذي يفرض نسقاً صارماً لتفسير العالم، بل من موقع الشاهد المتبصر الذي يراقب تفكك النظام اليومي، وانهيار المعايير، وتعيش الناس وسط متاهة لا تملك بدايات واضحة أو نهايات مرجوة. هذه الفوضى المحيطة لا تُقابل بالبكاء أو بالخطب الحماسية الصاخبة، بل تُستقبل بتسليم غريب وساخر، كأنما صار العبث هو القاعدة الوحيدة الثابتة في هذا العالم المضطرب. إنها فلسفة تلقائية تنبت من رحم الواقع المعيش، حيث يبدو كل شيء قابلاً للانهيار في أي لحظة، وحيث يتحول العبث اليومي إلى مادة خصبة للدهشة والتأمل الشعري.

نرتّبُ كراسي المقهى بانتظامٍ شديد،
ونضعُ الفناجين في مراكزها..
كأننا نتحكّمُ في حركةِ الكون!
ثم تأتي عاصفةٌ ترابيةٌ بصريةٌ واحدة..
فتعيدُ كلَّ شيءٍ إلى فوضاه الأولى.
نحن لا ننظّمُ العالمَ.. نحن نؤجلُ العبثَ فقط.

هذا الشعور الطاغي بالفوضى والعبث يتشابك عميقاً مع واقع المهمشين والبسطاء الذين تتألف منهم عوالم القصيدة؛ فهؤلاء البشر هم الضحايا الدائمون للقرارات الكبرى والتحولات العشوائية التي لا طاقة لهم بها. إنهم يعيشون على حواف الفوضى، يصارعون لترتيب تفاصيل حياتهم الصغيرة اليومية وسط خراب يحيط بهم من كل جهة. الحجاج لا يحاول أن يصنع بطولات زائفة لهؤلاء الضحايا، بل يتركهم يعيشون عبثهم بملء إرادتهم المكسورة، راصداً كيف يتعامل الإنسان مع اللامعقول بيوميات بسيطة تتراوح بين شاي الصباح الساخن، والانتظار العقيم على رصيف باص لا يأتي، والحديث المبتور عن غلاء المعيشة وعبث الأقدار.

الذين يبنون البصرةَ كلَّ صباحٍ..
هم الذين لا يملكون فيها شبراً واحداً!
الحمال الصغير الذي انحنى ظهرهُ قبل أوانه،
وبائع الخضار الذي يخاصم الشمسَ من أجل دراهمَ معدودة.
هؤلاء هم قديسو الأزقة المعتمة،
صلاتهم تعبٌ.. وبخورهم دخان السجائر الرخيصة.

 الشعر هنا يتحول إلى مساحة فسيحة لاستيعاب هذا الخراب المنظم، ومحاولة لإيجاد معنى خفي وسط كومة الفوضى العارمة التي تطوق الأرواح.

ولا شك أن السخرية السوداء تشكل المحرك الأساسي لهذه الفلسفة العبثية؛ فالسخرية هي الطريقة الوحيدة التي يمتلكها الشاعر والإنسان البسيط معاً للرد على لا منطقية الواقع. حين يقف الحجاج أمام عبثية الموت المجاني، أو العجز البشري المتكرر أمام قسوة الظروف، فإنه لا يمنح القارئ عزاءً وهمياً، بل يتركه معلقاً على حافة المفارقة، يبتسم بمرارة أمام مرآة تعكس عبث الوجود كله. هذه الفلسفة اليومية للفوضى تجعل من قصائد الحجاج وثائق حية عن إنسان يرفض الانكسار المطلق، ويختار أن يسخر من عبثيّة العالم بسلاح الضحكة الباكية والكلمة الحادة. إنها رؤية تنظر إلى الفوضى لا باعتبارها نهاية المطاف، بل باعتبارها المشهد الكوني الذي يختبر فيه الشاعر نبض الحياة، ليخرج لنا بشعر يشبه الفوضى ذاتها: حر، متمرد، وصادق إلى حد الوجع.

أستيقظُ في السابعةِ.. لأبحثَ عن نظارتي،
أجدُها.. فأبصرُ بها خرابَ البارحة!
أمشي إلى السوقِ لأشتري خبزاً..
فآكلُ الخبزَ لأملك القوةَ على المشي غداً!
حلقةٌ مفرغةٌ تدورُ بنا..
واليقينُ الوحيدُ وسط هذه الفوضى..
هو أننا نكبرُ.. دون أن نفهمَ السبب.

 

 

الساعةُ المعلّقة على جدار المقهى الميت..
لا تدور!
عقاربُها تتشظى كلّما مرّتْ جنازةٌ في الشارع.
الوقتُ هنا ليس نهراً يجري،
بل زجاجٌ يتكسّر تحت أقدام المنسيين

خلاصات السبعين

 

 

 

Human existence in Kadhim Al-Hajjaj's poetry is an ongoing residence on the edge of fragility, where geography shatters into clay fragments and time becomes paralyzed, cracking like glass beneath the feet of the forgotten. It trades superficial grandeur for the bitter truth of raw reality.

  The Poetics of Isolation and Visual Boredom: Isolation is not a fleeting escape, but an existential space acting as a magnifying glass that exposes the fractures within the human soul and society. Long boredom and dull routines serve as the primary engine for a writing lab that reveals the absurdity of daily tragedies.

  The Aesthetics of Dead Spaces and Visual Fragmentation: The poet inhabits the "broken fractures of the map"—abandoned windows, dead coffee shops, and forgotten alleys. This creates an inert environment that crushes suspended souls, supported by cinematic "close-up" techniques and fragmented visual frames.

The Trinity of Pain, Black Humor, and the Marginalized: The poetic framework champions the "nameless" beings who possess a noble hunger and the salt of the earth. Here, dark humor and calm irony act as a safety valve, preventing the text from falling into sentimental weeping and stripping the absurdity of ruin through a chillingly composed detachment.

 

 

#كاظم_الحجاج #الشعر_العراقي #شعرية_الهامش #السخرية_السوداء #أدب_المهمشين #قصيدة_النثر #شعراء_العراق #فلسفة_العبث

#KadhimAlHajjaj #IraqiPoetry #MarginalPoetry #BlackHumor #PoetryOfExile #ContemporaryPoetry #IraqiLiterature #ExistentialAbsurdity

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نيقولاي ليسكوف: الحكاية الشعبية والفلسفة الإنسانية في الأدب الروسي

من ضفاف النيل إلى صخور البتراء: جغرافيا الاغتراب في رواية النبطي